منطق فهم الدين ونطاق الاجتهاد من منظور بعض الأصوليين المعاصرين

ملخص

يتناول منطق فهم الدين، بوصفه الجهاز المنهجي أو منطق الاجتهاد الشامل، بالإضافة إلى منهج فهم الدين (العمليات، القواعد، الأدوات والضوابط)، مبادئه ومبانيه أيضًا. المسألة الأساسية هي: على أي أسس نظرية يرتكز فهم الدين، وما هو نطاقه وعمليته؟ تختلف الإجابة على هذه المسألة في المدرستين الأصولية والإخبارية، وبناءً عليه، يمكن دراستها على أساس المنظومة الفكرية لكل من علماء الإسلام. يسعى هذا المقال، بأسلوب وصفي-تحليلي، إلى دراسة هذه المسألة من منظور آية الله الشهيد الصدر وآية الله محمد سعيد الحكيم. من نتائج هذا البحث، عبر دراسة آراء الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم، أن كليهما، من حيث المدرسة الاجتهادية، من الأصوليين البارزين، ومن حيث المعرفة والمنهجية، يمتلكان مبانٍ متينة في مجال فهم الدين. ومن حيث نطاق منطق فهم الدين، فقد دخلا بجدية في بعض المجالات مثل فهم العقائد، وفهم واستنباط الأحكام، وفهم وتفسير القرآن، وفهم الحديث، وتوظيف العقل، ورسما عملية فهم الدين مع طرح الأصول والقواعد المنهجية. إن عملية فهم الدين من منظور هذين الأصوليين هي ذاتها العملية التقليدية للاجتهاد العقلي مع غلبة فقه الأحكام.

مقدمة

إن العلوم والمعارف الدينية هي نتاج وعملية يُطلق عليها «منهج فهم الدين». منهج فهم الدين هو عبارة عن آلية وعملية فهم وإنتاج المعرفة الدينية. ويُطلق على معرفة هذه الآلية «علم المنهج» أو «منهجية فهم الدين»، والتي تُعرف بـ«منطق فهم الدين» أو «منطق الاجتهاد». إن منطق فهم الدين، بوصفه جهازًا منهجيًا (منطق الاجتهاد الشامل)، يتناول بالإضافة إلى المنهج، مبادئ وأسس منهج الفهم أيضًا. بعبارة أخرى، للتفقه في الدين، توجد مصادر ومدارك مختلفة (مثل الوحي، كلام المعصوم، فعل المعصوم، العقل، الفطرة وأمثالها) يمكن من خلالها الوصول إلى فهم الدين واكتشافه. الاستفادة من هذه المصادر والمدارك في فهم الدين تتطلب منهجًا ومنطقًا خاصًا يُطلق عليه منطق فهم الدين. لذلك، فإن منطق فهم الدين، بالإضافة إلى المنهج (العملية، القواعد، الأدوات والتقنيات)، يشتمل أيضًا على مجموعة من المبادئ و«المسائل» المتعلقة بالعملية والآلية العامة والشاملة لتكوّن المعرفة. مفهوم «الاجتهاد» هنا هو الاجتهاد بالمعنى الأعم (الاجتهاد الناظر إلى جميع المعارف الدينية)، لا الاجتهاد بالمعنى الأخص (الوصول إلى الشريعة بالمعنى الأخص أو الناظر إلى كشف الأحكام الشرعية).

المراد بـ«الدين» مصداقه، أي دين الإسلام الذي يشتمل من حيث المحتوى على العقائد، الأحكام، الأخلاق، التربية، المسائل العلمية، التاريخية والجمالية. مصادر المعرفة في الدين الإسلامي هي: الكتاب، السنة، العقل، الفطرة وأمثالها. المراد بالفهم، هو معناه المصدري (الفهم والمعرفة) ومعناه الاسمي (المعرفة). وبالطبع، لا ينحصر متعلق الفهم في الألفاظ والكلام واللغة الطبيعية؛ بل يشمل أيضًا الحقائق والظواهر والأفعال. «فهم الدين» هو: «الكشف الصائب عن القضايا والتعاليم الدينية» والمعرفة الدينية، وهي «نتاج البحث الموجه في مدارك حجة الدين». بناءً على ذلك، فإن مسائل ومحاور منطق فهم الدين هي: منطق فهم العقائد، منطق فهم الأحكام، منطق فهم الأخلاق، منطق التربية الدينية، منطق علم الدين، منطق العلوم الإنسانية، منطق توظيف العقل في فهم الدين، منطق فهم القرآن، منطق فهم السنة وأمثالها.

إن مصطلح منطق فهم الدين أو منطق الاجتهاد هو علم يشمل من حيث نطاقه منطق فهم العقائد، الأخلاق، الأحكام، التربية، علم الدين (العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية)، ومن حيث مصادر المعرفة، يشمل منطق فهم القرآن، منطق فهم الحديث، ومنطق توظيف العقل والفطرة في فهم الدين، ومن حيث هويته المعرفية ونطاقه، يشتمل على المبادئ، الأصول، القواعد والضوابط. لذلك، فإن مثل هذا الجهاز المنهجي الشامل لا سابقة له؛ ولكن من حيث بعض المحاور والمناهج، مثل علم أصول الفقه كمنطق لفهم الأحكام الدينية أو مناهج وطرق التفسير كمنطق لفهم القرآن، فإن له سابقة تمتد إلى ظهور الإسلام وعصر الرسالة.

في مجال فهم الدين في العالم الإسلامي، تشكلت تيارات واتجاهات مختلفة. يمكن تصنيف هذه التيارات والاتجاهات في ثلاث فئات رئيسية: الاتجاه الظاهري (النقل المحور أو النص المعتبر)؛ الاتجاه العقلي القائم على الذات (الاعتزال القديم والحديث وأمثاله)؛ والاتجاه الاجتهادي الواقعي الشيعي. لقد تحقق وتكون الاتجاه الاجتهادي الواقعي الشيعي في العالم الشيعي في إطار المنهج الاجتهادي للأصوليين وكذلك في تفسير القرآن الكريم. يمكن ذكر العديد من العلماء والمفكرين في هذا الاتجاه، ومن بينهم آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (١٣٥٣هـ – ١٤٠٠هـ)، الفقيه والمفكر الشيعي العراقي، والمرحوم آية الله السيد محمد سعيد الحكيم (١٣٥٤هـ – ١٤٤٣هـ) أحد المراجع الأربعة في النجف وحفيد السيد محسن الحكيم من ابنته، ومن تلاميذ السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي.

يهدف هذا المقال إلى دراسة منطق الاجتهاد من منظور الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم بأسلوب وصفي-تحليلي. على الرغم من أن الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم لم يؤلفا كتابًا أو أثرًا تحت عنوان منطق فهم الدين أو منطق الاجتهاد، إلا أنه يمكن العثور على المباحث والمسائل ذات الصلة في بعض مؤلفاتهما، خاصة في الآثار الأصولية. من بين الآثار ذات الصلة بمنطق فهم الدين للمرحوم الحكيم: المحكم في أصول الفقه، حاشية على كفاية الآخوند الخراساني، حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري، تهذيب علم الأصول، الأصولية والإخبارية، والكافي في أصول الفقه. ومن آثار الشهيد الصدر يمكن الإشارة إلى غاية الفكر في علم الأصول، المعالم الجديدة للأصول، بحوث في علم الأصول، دروس في علم الأصول (حلقات) وأمثالها. لذلك، في هذا المجال، من حيث السابقة البحثية، لم أجد أثرًا في شكل كتاب أو رسالة أو مقال يتناول منطق فهم الدين من منظور هذين الأصوليين المذكورين. في ما يلي، سيتم طرح ودراسة منطق فهم الدين في ثلاثة محاور رئيسية؛ وهي: المنطق والمنهج الأصولي أو الإخباري، مباني فهم الدين، ومنطق الفهم في مختلف ساحات الدين من منظور الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم.

أ) المنطق والمنهج الأصولي أو الإخباري

الاتجاه الأصولي والإخباري هما منهجان مهمان للشيعة في مجال فهم الدين. على الرغم من اشتراك الاتجاهين في الأصول والفروع الدينية، إلا أنهما يختلفان في منهج ومنطق فهم الدين، خاصة في منطق فهم الأحكام الشرعية. يمكن الإشارة إلى بعض الاختلافات المنهجية في اعتبار الكتب الأربعة الشيعية، واعتبار حكم العقل، وحجية ظواهر الآيات، وأصل الاجتهاد والتقليد، وتقليد المجتهد الميت وأمثالها. فمثلًا، يعتبر الإخباريون جميع الأحاديث المدرجة في الكتب الأربعة الشيعية معتبرة وصحيحة، ولذلك لا يقبلون بالتقسيم الرباعي للأحاديث (صحيح، حسن، موثق، وضعيف). كما أنهم لا يقبلون بمسألة الاجتهاد والتقليد، ولا يعتقدون باعتبار الدليل العقلي، ولا يرون حجية لظواهر القرآن. بعبارة أخرى، يحصرون مصادر الاستنباط في القرآن والسنة، ويجيزون العمل بالقرآن فقط إذا ورد تفسيره في السنة. أما في المدرسة الأصولية، فبالإضافة إلى القرآن والسنة، يُعد الإجماع والعقل أيضًا من الأدلة الشرعية ومصادر استنباط الأحكام.

[الحاشية ١] الكتب الأربعة الشيعية هي: «الكافي» (للكليني)، «من لا يحضره الفقيه» (للشيخ الصدوق)، «تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» (كلاهما للشيخ الطوسي).

[الحاشية ٢] عدم قبول الإخباريين للتقسيم الرباعي لا يعني نفي وجود الخبر الضعيف، بل لأنهم يعتقدون أن أخبار الكتب الأربعة، بسبب التنقية التي قام بها مؤلفوها والشهادة التي قدموها في مقدمات كتبهم، معتبرة، لكنهم لا ينكرون وجود الخبر الضعيف في مصادر أخرى.

ويعتبر الأصوليون ظواهر القرآن حجة. بالنظر إلى اختلاف المنهجين والمنطقين المذكورين، فإن المرحوم الحكيم من العلماء الأصوليين ذوي المنطق الاجتهادي؛ ولكنه في بيان الفرق بين الاتجاهين، يعتقد أن الاختلافات تكمن في الأفراد والأشخاص والادعاءات أكثر من الواقع والعمل. بعبارة أخرى، يعتقد أن هذا الخلاف، مثله مثل اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء والأصوليين، ليس خلافًا جوهريًا وأساسيًا؛ بل هو في الغالب خلاف لفظي وصوري؛ إذ لا يوجد معيار واضح في هذا المجال. من وجهة نظره، لا توجد وحدة منهج في نسبة شخص ما إلى الأصولية أو الإخبارية؛ فمثلًا، يذكر المرحوم الشيخ يوسف البحراني في كتاب الحدائق الناظرة الشيخ الطوسي كأحد كبار الأصوليين والمجتهدين، بينما يعتبره البعض إخباريًا. هذا الأمر يصدق أيضًا على العلامة المجلسي وأمثاله؛ لذا، بالنظر إلى عدم وجود معيار واضح في الاتجاهين المذكورين، وكذلك لعدم وجود ثمرة واقعية، من الأفضل التركيز على الوحدة والاتحاد بدلًا من إثارة الخلافات.

[الحاشية ١] «لا يهمنا الدفاع عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأصولية أو منهجية المجتهدين ولا عن منهجية خاصة نسميها بالمنهجية الأخبارية أو منهجية المحدثين، ولا التفنيد لإحدى المنهجيتين بخصوصيتها، ولا إرجاع إحدى المنهجيتين للأخرى في محاولة للتوفيق بينهما. كل ذلك لعدم وضوح معيار كل من المنهجيتين، وعدم تحديد ركائز كل منهما وفوارقهما. فإن ما يذكر من وجه الفرق بينهما لا يصلح فارقاً، فضلاً عن أن يوجب الانقسام وامتياز كل من الطرفين عن الآخر، وما استتبع ذلك من فرقة وتنافر. لأنها بين خلافات لفظية لا حقيقة لها وخلافات فقهية أو أصولية بين جميع العلماء على اختلاف مناهجهم، من دون أن تمتاز به إحدى الفئتين عن الأخرى، كما أوضح ذلك غير واحد.»

[الحاشية ٢] «وقد استوفى الكلام فيه المحقق البحراني… في المقدمة الثانية عشرة من مقدمة كتابه الجليل الحدائق الناظرة وفي الدرة الثامنة والأربعين من كتابه الدرر النجفية بل إن التباس معالم الخلاف وركائزه يمنعنا من نسبة كثير من علمائنا الأعلام … إلى إحدى المنهجيتين بعد عدم تصريحه بالانتماء لواحدة منها. كما ربما يوجب ذلك التباس الحال في بعضهم، فتختلف نسبته باختلاف الناسبين له كشيخ الطائفة الطوسي … حيث عده في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات كتاب الحدائق من أساطين المجتهدين، وعده بعضهم من الأخباريين وكالمجلسي… حيث عرف عنه أنه من الأخباريين وعده في الفائدة الثانية من كتاب «الحدائق» من متأخري المجتهدين… وكصاحب الحدائق نفسه الذي اشتهر عنه أنه من الأخباريين، مع أن كلامه … صريح في عدم الفرق بين الفئتين … إلى غير ذلك مما يجعلنا على قناعة تامة بعدم وضوح معالم الخلاف وركائزه أولاً، ثم بعدم الجدوى في تحديد كل من المنهجيتين وتمييزها عن الأخرى».

في موضع آخر، يقلل سماحته الفرق بين الاتجاه الأصولي والإخباري إلى حد الاختلاف والتفاوت بين مسلكي الانسداد والانفتاح، بل ويعتقد أن الخلافات بين الأصوليين والإخباريين أقل بكثير من المسلكين المذكورين. فكما أن الخلاف بين مسلكي الانفتاح والانسداد يظل في حدود النقاش العلمي ولم يصبح منشأً لمنهجين وفرقتين علميتين، وأصحاب كلا المسلكين يكرمون ويجلون بعضهم بعضًا؛ كذلك يجب أن يكون الاتجاه الأصولي والإخباري، كما كان في الماضي؛ فمثلًا، كان الحر العاملي، والمجلسي، والبحراني وأمثالهم من علماء الإخبارية والمحدثين يتعاملون بشكل جيد مع العلماء الأصوليين مثل الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وسلار، وابن زهرة، وابن إدريس، والطبرسي، والمحقق الحلي، والشهيد الأول والثاني وأمثالهم، ويذكرونهم باحترام. وفي المقابل، كان العلماء الأصوليون يتعاملون بالمثل مع الإخباريين؛ ولكن للأسف، لم يتعامل بعض أنصار المنهجين في أقوالهم وآثارهم بشكل مناسب مع بعضهم البعض، وهذا يرجع إلى شخصياتهم وذهنياتهم لا إلى المنهج والمنطق العلمي؛ لذا فإن الاختلاف في المسائل الأصولية والتفاوت المنهجي فيها لن يكون منشأً للاختلاف بين علماء الشيعة بحيث يلتزم أنصار كل اتجاه به، وفي حال العمل بخلافه لا تتحقق براءة الذمة؛ لأن التأثير الرئيسي للاختلاف المنهجي في المسائل الأصولية يكمن في المسائل الفقهية والعملية، وهذا الاختلاف في الأحكام الفقهية والعملية متصور أيضًا ضمن منهج واحد؛ لذا فإن الاختلاف في المنهج لا يضر بوحدة الطائفة المحقة، وجميعهم متفقون على ضرورة اتباع والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية التي وصلتنا عن طريق الكتاب والسنة، وسائر المصادر المعرفية ليست حجة في نفسها، ولا يجوز العمل بمدعاها؛ إلا إذا أوجبت العلم بالحكم الشرعي أو بالوظيفة الظاهرية، ففي هذه الحالة يكون المصدر المذكور معتبرًا، ويكون العمل بالعلم المذكور لازمًا. بناءً على ذلك، يكون حكم العقل والإجماع والسيرة معتبرًا أيضًا.

يعتقد المرحوم الحكيم أن منشأ الخلاف بين الاتجاهين ليس في أصل كون المصادر المعرفية للدين (الكتاب، السنة، العقل، والإجماع) مصادر؛ بل هو في الغالب في منهجية المراجعة ومقدار توظيف المصادر المذكورة.

[الحاشية ١] «ومرجع الخلاف في الرجوع إليها مطلقاً أو في بعض الموارد هو المنع من حصولها أو من حصول العلم بسببها، وهو أمر لا يختص بفئة معينة، كالخلاف في الرجوع لبعض الآيات الكريمة للخلاف في تمامية دلالتها، أو في وجود الدليل المخرج عنها، وكالخلاف في الرجوع لبعض الأخبار الشريفة للخلاف في ضوابط حجية الخبر سنداً، أو للخلاف في تمامية دلالته، أو في وجود المخرج عنه أو المعارض له على أن الرجوع للإجماع والسيرة يبتني على كشفهما عن السنة الشريفة المطابقة لهما، ولو كانت هي تقرير المعصوم (ع)، كما يظهر بالرجوع لمباني الأصحاب في المقام».

يبدو أن الخلاف بين الاتجاهين الأصولي والإخباري هو خلاف على مستوى النموذج الفكري (البارادايم) والمباني النظرية، وليس على مستوى المناهج والأصول والقواعد المنهجية. الخلاف على مستوى النماذج الفكرية والمباني غير قابل للجمع؛ لأن الجمع بين نموذجين فكريين متضادين غير ممكن، وإن تحقق فسيؤدي إلى التقاط مذموم. للتوضيح، لكل نموذج فكري ومدرسة مقتضيات خاصة في الفهم والمعرفة. بعبارة أخرى، للمدارس والرؤى الكونية، بوصفها متغيرات مهمة وأساسية في تكوّن المعرفة، تأثير جوهري في فهم الدين؛ لأن كل معرفة تتشكل ضمن نموذج فكري ومدرسة فكرية، ومنهج المعرفة يتبع ذلك النموذج والنمط. المهم هو أي نمط، وكيف وبأي مقدار يؤثر في المعرفة؛ هل النمط المطلوب أم أنماط غير مناسبة وغير مطلوبة؟ هل التأثير يتم بشكل واعٍ ومدار أم بشكل غير واعٍ وغير إرادي؟ اليوم، يعود الاختلاف في كثير من وجهات النظر والاتجاهات في فهم الدين إلى الاختلاف في النماذج الفكرية والمباني النظرية. عدم الانتباه إلى مراعاة هذا المبدأ يؤدي إلى تأثر المجتهد بشكل غير واعٍ بنماذج فكرية أخرى، ويصبح النموذج الفكري غير المطلوب، بمثابة «النموذج المهيمن» على فهم وتفسير الدين. لذلك، فإن كل نظرية تتكون داخل نموذج فكري وفضاء فكري معين. على سبيل المثال، اليوم، يقع معظم مدعي التنوير الديني في العالم الإسلامي، طوعًا أو كرهًا، تحت تأثير النماذج الفكرية الغربية؛ مثل مدرسة الهرمينوطيقا الفلسفية، والفينومينولوجيا، وأحيانًا النموذج الوضعي، وبناءً عليه يفهمون ويستنبطون من الكتاب والسنة، بل قد تقع بعض الفتاوى والأحكام الفقهية بشكل غير واعٍ وغير مقصود في اتجاه نموذج ديني أو غير ديني.

المباني النظرية أيضًا، من حيث وظائفها الإيجابية والسلبية، تنقسم إلى فئتين رئيسيتين. بعض المباني مفيدة وضرورية ولازمة في فهم الدين. المباني المفيدة هي بمثابة أدوات استنطاق، ومولدة للمعرفة، ومسهلة؛ ولكن بعض المباني مخلة ومخربة ومفروضة. هذا يعتمد على نوع المباني وكيفية توظيفها في فهم الدين. جزء من أسباب سوء الفهم والانحراف في الدين هو ضعف أو فقدان المعارف اللازمة، أو عدم امتلاك المباني الصحيحة، أو التوظيف الخاطئ للمباني؛ لذلك، إلى جانب معرفة وتوظيف المباني المطلوبة والاستخدام الأمثل لها، يجب تجنب المباني المخلة والمفروضة. خلاصة القول، إن النموذج الفكري والمباني النظرية للاتجاه الأصولي والإخباري، على الرغم من الاشتراك في بعض الأصول والمباني، بينهما فرق جوهري.

[الحاشية ١] على سبيل المثال، أحد المباني النظرية للإخباريين حول العقل هو أن عقل الإنسان لا يملك القدرة على فهم وإدراك الأحكام والنظريات الشرعية؛ لذا، من الناحية المنهجية، يعتقدون أن المنهج والدليل العقلي لا يمكن أن يكون دليلًا للحكم الشرعي؛ أي أن المبنى النظري لعدم اعتبار العقل قد أسقط المنهج العقلي من الاعتبار.

ب) مباني فهم الدين والاجتهاد

يرتكز فهم ومعرفة الدين على مبانٍ مختلفة. المراد بالمباني هو الأصول والمسلمات التي يبتني عليها فهم الدين، وتتشكل الأحكام والمواقف في هذا الباب بناءً عليها. بعبارة أخرى، المراد بالمباني جميع التصورات والتصديقات التي يتوقف عليها فهم الدين وإنتاج المعرفة الدينية. للمباني والبنى التحتية تأثيرات كبيرة على مختلف مجالات فهم الدين؛ مثل تحديد الموضوع، وتحديد المصدر، والمنهجية، ونوع القواعد والضوابط وأمثالها. كذلك، من خلال معرفة المباني والمسلمات المختلفة، يمكن تجنب توظيف الأصول والمباني المطلوبة، والمباني المخلة والمفروضة. سر سوء فهم بعض المثقفين في مجال فهم الدين يعود إلى كيفية توظيف المباني أو الاستفادة من المباني المخلة والمخربة. يمكن تقسيم مباني فهم الدين إلى عدة فئات، من أهمها: المباني المعرفية، المباني الفلسفية (الوجودية، الأنثروبولوجية، القيمية)، المباني المنهجية والإرشادية، المباني الدينية وأمثالها، والتي يمكن تصنيفها في ثلاث فئات رئيسية: المباني المعرفية، المباني الفلسفية، والمباني الكلامية. من بين هذه المباني، تلعب المباني المعرفية دورًا جادًا في فهم الدين؛ لذا، سنشير فيما يلي إلى بعض المباني المعرفية في فهم الدين من منظور الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم.

١. تنوع مصادر وأدوات فهم الدين

أحد المباني المعرفية المهمة في فهم الدين هو مصادر المعرفة. مصادر المعرفة تحدد نوع أداة ومنهج فهم وإنتاج المعرفة الدينية. إذا قلنا بوجود مصدر خاص في المعرفة؛ فإن منهج استخراج واكتشاف قضايا الدين سيكون مختلفًا أيضًا. وفقًا للرؤية المثلى، فإن مصادر وأدوات فهم الدين هي: الوحي (القرآن)، السنة (النقل المنتهي إلى الوحي)، العقل، القلب (الفطرة)، الشهود، الطبيعة، والحس. يقول المرحوم الحكيم عن بعض مصادر وأدوات المعرفة: «إن الله تعالى خلق في قلب الإنسان حساً وجعله حجة عليه يدرك به محاسن الأفعال ومقابحها، وذلك الحس هو الضمير بمصطلح علم الأخلاق الحديث وقد يسمى بالقلب أو العقل العملي أو العقل المستقيم أو الحس السليم.» بعض هذه المصادر، مثل العقل، لها دور أداتي أيضًا؛ لذلك، بالنظر إلى الفرق بين المصدر والأداة، فإن مصادر فهم الدين هي: الوحي، العقل، الفطرة، القلب أو النفس، والطبيعة. أما أدواته فهي: العقل (أداة الفهم)، الكتاب والسنة (دليل على حقيقة الدين والوحي)، الكشف والشهود (وسيلة للوصول إلى الحقيقة)، الحس والتجربة (أداة ووسيلة للارتباط بالطبيعة). بناءً على ذلك، يُعد العقل مصدرًا للمعرفة وأداة لها. عندما نأخذ في الاعتبار الجانب الاستقلالي للعقل، يكون المراد هو العقل المصدري. أما إذا كان العقل يُعتبر كأداة لفهم الكتاب والسنة، وفهم الأمور الفطرية، وتحليل البيانات الطبيعية والتجريبية، وتقييم المعلومات الشهودية، فإننا نتعامل مع الجانب الأداتي للعقل. بعض المصادر خارجية؛ مثل الطبيعة والدين، وبعضها الآخر مثل العقل والفطرة، من نوع المصادر الداخلية؛ بناءً على ذلك، تختلف أداة كل منها. منطق فهم الدين يتبع أيضًا المصادر والأدوات اللازمة، ومع تنوع مصادر وأدوات فهم الدين، يتنوع منهجه أيضًا. يعتبر المرحوم الحكيم أن مصادر فهم الدين (في فهم الأحكام الشرعية) كما هو الحال عند سائر الأصوليين هي: الكتاب، السنة، العقل، والإجماع.

٢. اعتبار وحجية الكتاب والسنة

أهم مصدر للمعرفة الدينية هو المصدر الوحياني. الوحي الإلهي يأتي في صورتين: رسالي وغير رسالي (تفسيري وتبييني). القرآن الكريم هو وحي رسالي، وسنة المعصومين (عليهم السلام) من نوع الوحي غير الرسالي؛ لذلك، فإن القرآن والسنة كلاهما ينبعان من مصدر الوحي والإلهام، وكلاهما شعاع من نور واحد، ولكنهما يختلفان في بعض الجوانب، منها ما يلي:

أ) نزل القرآن في مقام التحدي والإعجاز وهو وحي مباشر، لكن السنة لا تحمل هذه الخصوصية: «نفس الحديث القدسي فهو خارج عن السنة والحديث والقرآن والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن هو المنزل للتحدي والإعجاز بخلاف الحديث القدسي».

ب) القرآن (بالجملة) قطعي الصدور، والسنة (في الجملة) ظنية الصدور؛ أي لا شك أن جميع الآيات من عند الله تعالى؛ بينما صدور كل حديث من المعصوم يحتاج إلى دليل قطعي.

ج) في القرآن، تُبين عادةً كليات الأحكام والقوانين، ولكن في السنة، تُبين تفصيلات وفروع الأحكام والمسائل. بعبارة أخرى، بيّن الله الكليات في القرآن وفوّض بيانها وتوضيحها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام).

يقول المرحوم الحكيم في بيان اعتبار الكتاب والسنة:

«فقد اتفق الإمامية على لزوم العمل بالكتاب الشريف وبأحاديث النبي وأهل بيته (عليهم السلام) مع ثبوتها عنهم شرعاً بحجة كافية. أما ما عدا ذلك فليس حجة في نفسه، ولا يجوز العمل به إجماعاً، إلا أن يوجب العلم بالحكم الشرعي الواقعي، أو بالوظيفة الظاهرية التي يقطع معها بالأمن من العقاب، فلابد من العمل على العلم المذكور والعلم بذلك.. مستلزم للعلم بالحكم الإلهي المخزون عند الأئمة (عليهم السلام) والوظيفة التي رضيها الله تعالى لعباده، ورضوا (عليهم السلام) بها تبعاً له. وليس بعد العلم شيء. وحينئذ فالعمل إنما هو بالعلم المذكور، لا بسببه، ونسبة العمل للسبب الذي أوجبه مبنية على التسامح وعلى ذلك يبتني الرجوع للإجماع والسيرة وحكم العقل عند القائلين بحجيتها. ومرجع الخلاف في الرجوع إليها مطلقاً أو في بعض الموارد هو المنع من حصولها، أو من حصول العلم بسببها، وهو أمر لا يختص بفئة معينة، كالخلاف في الرجوع لبعض الآيات الكريمة للخلاف في تمامية دلالتها، أو في وجود الدليل المخرج عنها، وكالخلاف في الرجوع لبعض الأخبار الشريفة للخلاف في ضوابط حجية الخبر سنداً، أو للخلاف في تمامية دلالته، أو في وجود المخرج عنه أو المعارض له.»

٣. اعتبار وحجية العقل

أحد مصادر فهم الدين هو العقل. لا شك في أصل قدرة العقل والفهم البشري على فهم الدين واعتباره في الجملة. علم الأصول، الذي هو منطق الفقه والاجتهاد، يعتمد على عشرات القواعد العقلية؛ فمثلًا، في كتاب «كفاية الأصول»، استُند إلى أكثر من سبعين قاعدة فلسفية ومنطقية. حتى بعض معارضي كون العقل مصدرًا يتفقون على اعتباره كأداة.

أحد الخلافات الأساسية في نطاق وظيفة واعتبار العقل هو: هل العقل مجرد أداة لفهم النصوص الدينية، أم أنه أحد المصادر الدينية في عرض الكتاب والسنة، وبالتالي هو أداة ومصدر في آن واحد؟ ينكر أهل الحديث بشدة كون العقل مصدرًا. والإخباريون أيضًا يوافقون أهل الحديث في عدم اعتبار العقل مصدرًا لاستنباط الأحكام الدينية. وقد قلل بعض الإخباريين من دور العقل في فهم الدين لدرجة أنهم رفضوا اعتباره حتى في فهم ظواهر القرآن. في المقابل، يعتقد المعتزلة والعلماء الاجتهاديون الشيعة بمكانة أسمى للعقل. غالبية الأصوليين يعتبرون العقل، إلى جانب الكتاب والسنة، أحد مصادر استنباط الأحكام الدينية. بغض النظر عن بعض تطرفات المعتزلة، يبدو أن فعالية وقدرة العقل أكبر بكثير من دوره الأداتي.

اهتم المرحوم الحكيم أيضًا باعتبار وحجية العقل في فهم الدين. مراده بالعقل ليس فقط العقل البرهاني والفلسفي؛ بل هو ناظر بشكل أكبر إلى معناه الارتكازي والوجداني.

[الحاشية ١] «ولا نريد بالعقل الاستدلالات العقلية المعقدة المبنية على مقدمات برهانية دقيقة، تحتاج إلى خبرة عالية يفقدها الكثيرون، بل العقل الجلي، بالرجوع للمرتكزات الوجدانية التي أودعها الله تعالى في الإنسان بفطرته، والتي بها تحديد الحق من الباطل… نعم لا بأس بالاستظهار لمعرفة الحقيقة وتأكيد الحجة الواضحة عليها بالاستدلالات العقلية المعقدة التي لا يقوى عليها إلا ذوو المقام الرفيع في المعرفة والتحقيق».

بالنظر إلى التوضيحات السابقة، يبدو أن تأكيده على العقل الفطري والعرفي يتركز أكثر في استنباط الأحكام الفقهية لا في جميع ساحات الدين؛ لأنه في مجال فهم العقائد، يُستفاد من العقل الفلسفي والبرهاني بشكل أكبر، وقد استفاد هو أيضًا في كتابه أصول العقيدة في المباحث الاعتقادية من البراهين العقلية والفلسفية استفادة كبيرة. خاصة وأن للعقل، سواء في البعد النظري أو في الجانب العملي والسلوكي، إدراكات بديهية وقبلية تشكل البنية التحتية لمعارف الإنسان الأخرى. هذه الإدراكات يمكن بالتأكيد أن تكون، بتوظيف المنهج البرهاني، مصدرًا لكشف المجهولات واستنباط بعض الأمور الدينية. لذلك، فإن العقل الذي يمكن طرحه كمصدر لمعرفة الدين هو العقل الفطري والبرهاني. ولا يمكن أن تكون قيمة واعتبار هذا العقل أقل من أي شيء يُفهم من الكتاب والسنة.

يستند آية الله الحكيم في أهمية ومنزلة العقل إلى بعض الآيات والروايات. على سبيل المثال، يشير إلى آية «وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الألباب» (البقرة/٢٦٩) أو آية «قَد بَيَّنَّا لَكُم الآيَاتِ إِن كُنتُم تعقلون» (آل عمران/١١٨) للتأكيد على أهمية مكانة العقل.

بعض النصوص الروائية وصفت العقل بأنه أساس الدين، ورسول إلهي، ودليل الإنسان إلى الله، وحجة الحق. أو حديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي يقول: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» أو «ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل … ولا بعث الله رسولًا حتى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من عقول جميع أمته…» أو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل» أو «من كمل عقله حسن عمله».

[الحاشية ١] قال رسول الله (ص): «العقل أصل ديني».

[الحاشية ٢] قال علي (ع): «العقل رسول الحق».

[الحاشية ٣] الإمام الكاظم (ع): «إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول».

يكتب المرحوم الحكيم عن كون العقل مصدرًا إلى جانب الكتاب والسنة: «هذا وبعد أن اتضحت أهمية العقل، فحيث كان الدين من أهم شؤون الإنسان التي يمر بها تقرير مصيره – في سعادته وشقائه وخيره وشره في دنياه وآخرته – كان أفضل عون له في أمره عقله، فهو الطريق الأول له وبه تقوم حجته ويصل إليه. ولذا سبق التأكيد عليه في الكتاب المجيد والسنة الشريفة». ويستشهد برواية هشام بن الحكم عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام). وأما الباطنة فالعقول». بناءً على ذلك، ووفقًا للآيات والروايات، فإن شأن ومنزلة العقل مثل الكتاب والسنة، وحكم العقل من حيث الاعتبار أيضًا، في الجملة، مثل حكم النقل القطعي.

[الحاشية ٤] «والظاهر أن مراده (ع) أن الأنبياء (ع) تختص حجتهم بوظيفتهم، وهي التبليغ عن الله تعالى. أما العقل فهو الحجة في الأمور الباقية، من إثبات وجود الله عز وجل، وحاكميته، ووجوب طاعته، وإرساله الأنبياء، وصدقهم في دعوى الرسالة من قبله تعالى، وغير ذلك مما يكون مورداً للحساب والمسؤولية بينه وبين عباده، فهو الدعامة الكبرى، والقطب الذي عليه المدار، وإليه ترجع الأمور» أو في باب عدم إمكان تعارض بين عقل قطعي مع نقل قطعي يقول: «إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشيء، كيف يجوز حصول القطع أو الظن من الدليل النقلي على خلافه؟ وكذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي، كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟».

٤. محورية مراد الشارع

من مبادئ وأصول فهم الدين، أصالة ومحورية نية ومراد المؤلف في فهم النص الديني. بناءً على هذا المبدأ، يكون كل الجهد في فهم الدين من أجل الوصول إلى مقصود ومنظور صاحب الكلام (الشارع المقدس). أصالة المؤلف هي المبدأ العقلائي الحاكم على دراسة جميع الآثار والآراء على مر التاريخ، وبدونها يفقد ارتباط الإنسان بآراء وأفكار ومعارف السابقين لونه تمامًا، ويسود انقطاع تاريخي شامل على عالم العلم والمعرفة. نفي أصالة المؤلف يساوي نفي ارتباط أفكار ومعارف السابقين باللاحقين، وأقل أثر له هو أن البشر لن يكون لديهم تاريخ للعلم والمعرفة وطريق لكشف تراث آلاف السنين من السعي العلمي والمعرفي لأسلافهم. على أي حال، يقتضي المقام أن نذكر، ولو بإيجاز واختصار، بعض أسرار أصالة المؤلف في مجال فهم الدين، ونستعرض بعض مبادئها ومخرجاتها.

في رؤية أصالة المؤلف، فهم نص أو كلام يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي:

١. المؤلف أو المتكلم،

٢. النص أو الكلام،

٣. المخاطب أو القارئ، السامع، الفاهم، المفسر.

ينظم المؤلف جملاً وينتج نصًا أو كلامًا باستخدام المفردات ومراعاة القواعد الأدبية والبيانية وأساليب التفهيم الشائعة عند العقلاء لنقل مراده إلى الآخرين. يسعى المفسر من خلال النص إلى الوصول إلى العالم الذهني لصاحب الكلام، وفهم معنى النص، أي مراد المؤلف.

في هذه الرؤية، للنص معنى محدد ومعين هو نفسه مراد ونية المؤلف؛ لأنه بالتأكيد، أراد معنى خاصًا من الألفاظ والجمل التي كتبها أو نطق بها. لا جرم أن المعنى الذي أراده هو المعنى النهائي ومقياس الفهم الصحيح من الخاطئ. لذلك، فإن المعنى مستقل عن توجه وعالم المفسر الذهني، ويجب على المفسر، بتوظيف دقيق للمنهجية التفسيرية والحياد العلمي، أن يسعى لكشف معنى النص، لا لإلقاء المعنى عليه.

ما يرشد القارئ والمفسر إلى مقصود ومعنى النص هو في الغالب الظهور الناتج عن كلامه. الظهور اللفظي ينشأ من «الوضع» والوعي به، وبتعبير آخر، بواسطة نشوء أنس ذهني بين اللفظ والمعنى. الألفاظ قبل الوضع خالية من أي معنى، والإنسان في عملية الوضع يلبس المعنى للألفاظ كالثوب. ثم بتكرار الألفاظ في المعاني الموضوع لها، تنشأ علاقة علية ومعلولية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، بحيث مثلًا، عند سماع لفظ الماء، يحصل في الذهن معناه الذي هو ذلك السائل الخارجي المعين. لذلك، في عملية الوضع، يصبح اللفظ الذي لا معنى له ذا معنى، وفي مقام الاستعمال، يُستخدم اللفظ الذي حُمّل بالمعنى سابقًا، ومن خلاله تتم عملية التفاهم. من ناحية أخرى، يستخدم الشارع المقدس الألفاظ والعبارات في نفس المعاني الموضوع لها، ولا يستخدم لغة خاصة. هو يتحدث إلى الناس بلغتهم لكي لا ينتقض الغرض ويكون كلامه قابلًا للفهم من قبل البشر.

ولكن بالنظر إلى الفاصل الزمني بين المفسر والنص، يمكن سد هذا الفاصل الزمني بمبدأ عقلائي هو «عدم النقل». بناءً على هذا المبدأ، وبالنظر إلى أن دلالة الكلام على المعنى تابعة للوضع؛ طالما لم يثبت وقوع وضع بديل، بشكل تعييني أو تعيني، فإن ظاهر الكلام في الزمن الحاضر يُحكم ويثبت بالنسبة للأزمنة الماضية أيضًا.

ج) منطق الفهم في مختلف ساحات الدين

ينقسم منطق فهم الدين، من حيث محتوى الدين، إلى فروع مختلفة مثل منطق فهم العقائد، منطق فهم الأحكام، منطق فهم الأخلاق، منطق فهم التربية وأمثالها، ومن حيث مصادر وأدوات المعرفة، يُصنف أيضًا إلى منطق فهم وتفسير القرآن، منطق فهم الحديث، منطق توظيف العقل، ومنطق توظيف الفطرة والقلب. كل قسم من الأقسام المذكورة له مستويات وساحات مختلفة مثل مستوى النموذج الفكري، المبادئ، الأسس، والمنهج (الأصول، القواعد، والضوابط). بعبارة أخرى، كل نوع من أنواع منطق فهم الدين يشتمل على مبادئ ومنهج. إن طرح مباحث مثل منطق فهم القرآن، السنة، ومنطق توظيف العقل والفطرة يحتاج إلى بحث مستقل يمكن رسمه في مقال منفصل؛ لذا، سنشير فيما يلي إلى بعض ساحات منطق فهم الدين، خاصة منطق فهم الأحكام:

١. منطق فهم العقائد والأخلاق

١-١. فقه العقائد

تنقسم العقائد الدينية إلى قسمين: عام وخاص. المعنى العام يشمل جميع المعتقدات والقضايا المعرفية والإخبارية في الدين؛ سواء كانت قضايا كلامية، كونية، أنثروبولوجية، تاريخية، وغيرها. العقائد الدينية بمعناها الخاص، هي في الغالب ناظرة إلى المعتقدات الإيمانية والقضايا الكلامية. معتقدات معرفة الله، والمسائل المتعلقة بالحقائق الماورائية وعوالم الوجود؛ مثل عالم الآخرة، الملائكة، مسألة النبوة، وغيرها، هي من هذا القبيل. بحثنا في هذا الجزء ناظر إلى هذا المجال من المعتقدات الدينية. موضوع العقائد الدينية هو الحقائق الماورائية مثل الله، ودوره والعوامل الماورائية الأخرى في نظام الوجود، والوجه المعنوي للكون وغاية العالم والإنسان؛ لذا، من خصائص العقائد الدينية كونها حقيقية وقطعية، ومن حيث المكانة، لها دور بنيوي وأساسي للمعارف والتعاليم الدينية الأخرى. من الخصائص الأخرى للعقائد الدينية أنه لا يمكن الاكتفاء فيها بالظن، وبعبارة أخرى، لا يتشكل الاعتقاد بالظن والتخمين؛ كما أن الاعتقاد لا يتحقق بالتعبد.

يحصر المرحوم الحكيم أصول الدين في ثلاثة أصول: التوحيد، النبوة، المعاد. ويعتقد بشأن أصول المذهب أن الشيعة، بالإضافة إلى الأصول الثلاثة المذكورة، أضافوا أصل الإمامة والعدل إلى أصول الدين. منطق المرحوم الحكيم للاستدلال على أصول الدين وسائر العقائد هو دليل العقل، الفطرة، والكتاب والسنة.

[الحاشية ١] «والأدلة على وجوب الاعتقاد بهذه الأمور الثلاثة متظافرة من الكتاب والسنّة. ومن المعلوم من سيرة النبي (ص) أنه كان يدعو الناس للإقرار بهذه الأمور، ويحارب من أجل ذلك … ومن الطبيعي أن الاستدلال بالكتاب المجيد وسنة النبي (ص) وسيرته على وجوب هذه الأمور الثلاثة لا يتم إلا بعد ثبوت وجود الله عز وجل ونبوة النبي (ص)».

[الحاشية ٢] «نعم، لابد في الاعتقاد بالشيء والإذعان به من قيام الدليل عليه، وحصول العلم به، ويحرم التسرع في ذلك ظناً وتخرصاً من دون بينة وبصيرة، كما سبق. وهو افتراء على الله تعالى، بل أقبح الافتراء ومن أعظم المحرمات، بضرورة الدين».

بالنظر إلى خصائص العقائد الدينية وموضوعها، يُستفاد بشكل رئيسي من ثلاثة مصادر: العقل، النقل، والشهود (طريق القلب)، حيث يلعب العقل الدور الأهم في إثبات العقائد الدينية الأساسية. إثبات وجود الله وبعض صفاته الجمالية والجلالية والنبوة العامة لا يمكن إلا عن طريق العقل. للعقل دور جاد أيضًا في تبيين وإثبات بعض العقائد الدينية الأخرى مثل المعاد، الإمامة العامة وأمثالها؛ لذلك، فإن العقائد الدينية من الناحية المنهجية ليست عقلية محضة ولا نقلية صرفة. بالنظر إلى اختلاف موضوع العقائد الدينية وموضوع سائر مجالات الدين، خاصة مجال الأحكام الشرعية، فإن منهجيتها ستكون مختلفة أيضًا. العقائد الدينية تتحدث عن حقائق مجردة وغير مادية؛ بينما مثلًا، تبحث الأحكام الشرعية عن أمور تكليفية (اعتبارية) أو الأخلاق عن القيم والواجبات والمحظورات؛ لذا، فإن نوع الدراسات، والمصادر، والأدوات المعرفية مختلفة أيضًا. بالطبع، هذه الساحات، مع اشتراكها في الاستفادة من مصدر وأداة العقل، تشترك أيضًا في الرجوع إلى القرآن والحديث؛ ولكنها تعمل بشكل مختلف في نوع وكيفية الرجوع إلى المصادر المذكورة؛ فمثلًا، في مجال العقائد، بسبب نوع موضوعها وكون القضايا حقيقية، يُستفاد من العقل المحض (التجريدي) والبرهاني، كمصدر وأداة؛ بينما في مجال الأحكام الشرعية، بسبب كون معظم موضوعاتها اعتبارية، يُستخدم بشكل أكبر القواعد اللغوية والعقلائية. هذه المسألة مطروحة أيضًا في كيفية الرجوع إلى مصدر الكتاب والسنة. بالطبع، هذه المسألة تختلف في المدارس العلمية المختلفة؛ فمثلًا، لا يتفق الاتجاه العقلي مع الاتجاه النقلي. الاتجاه العقلي يعطي الأصالة للمنهج العقلي ويستفيد من النقل ك مؤيد ومعاضد، ويعارض منهج الاكتفاء بالنقل، ولكن الاتجاه النقلي يعطي الأصالة لمصدر النقل ولا يجيز توظيف المنهج العقلي.

١-٢. فقه الأخلاق

مجال الأخلاق والتربية من جملة المعارف الدينية، ويتألف من قضايا إنشائية-تنزيلية (منشأ استحقاقي) واعتبارية؛ ولكنها ليست اعتبارية محضة بحيث تكون مجرد فرضية وتعاقدية، بل لها سند واقعي وعيني، وبالتالي فهي قابلة للصدق والكذب، وقابلة للاختبار من حيث الفعالية والغاية. موضوعات ومحمولات القضايا الأخلاقية ليست من سنخ المعقولات الأولى أو المفاهيم الماهوية، ولا من المعقولات الثانية المنطقية، بل تُعد من المفاهيم الاعتبارية والفلسفية؛ لأنها تحكي عن حيثيات وخصائص الأشياء الخارجية التي تُؤخذ من متن ذاتها وتُحمل عليها، دون أن يكون لها ذات مستقلة بجانبها. اعتبار هذه المفاهيم، وإن كان رهين الجعل والتعاقد؛ لكن ليس كجعل واعتبار صرف، بل يحكي عن علاقات عينية وحقيقية بين أفعال وسلوكيات البشر والنتائج المترتبة عليها، وفي الحقيقة، تلك العلاقات التكوينية والمصالح الحقيقية هي سند هذه المفاهيم التشريعية والتعاقدية. المعارف الأخلاقية والتربوية، من حيث النطاق والمجال، يمكن القول إنها تشمل جميع فضائل ورذائل الأفعال الاختيارية للإنسان؛ لذلك، فإن متعلق القضايا الأخلاقية والتربوية هو الأفعال الجوارحية والجوانحية. بناءً على ذلك، فإن مصادر الأخلاق هي: العقل، الكتاب، والسنة، وبالنظر إلى خصائص القضايا الأخلاقية، مع الاستفادة من المناهج المشتركة، خاصة القواعد الأصولية، فإنها تقتضي أصولًا وقواعد خاصة، ويُشعر بفراغ فقه الأخلاق في العلوم الإسلامية، خاصة في آثار المرحوم الحكيم والشهيد الصدر. لقد طرح المرحوم الحكيم وكذلك الشهيد الصدر بعض مباحث فقه الأخلاق مثل مسألة الحسن والقبح في مسائل الفقه والأحكام التكليفية والشرعية، والتي يمكن الاستفادة منها أحيانًا في منطق فهم الأخلاق؛ ولكن هذه المسائل أولًا ناظرة إلى مجال الفقه؛ وثانيًا ليست كافية ووافية؛ لذا فإن البحث في هذا المنطق أمر ضروري ومهم.

٢. منطق فهم الأحكام

أهم وأقدم مجال لمنطق فهم الدين هو منطق الفقه أو فقه الأحكام الذي نعبر عنه بمنطق فهم الأحكام، وعلم أصول الفقه هو المسؤول عنه. بعبارة أخرى، أحد العلوم التي تقع في نطاق منطق فهم الدين هو علم أصول الفقه. هذا العلم، كأحد الفروع المهمة لمنطق فهم الدين، هو عبارة عن: منطق فهم واستنباط الأحكام الشرعية باستخدام الأدلة العقلية والنقلية (الكتاب والسنة). بعبارة أخرى، منهج علم الفقه هو: مراحل وعملية استنباط الأحكام الشرعية الإسلامية الفرعية من المصادر المعتبرة. كلمة «أصول» ناظرة إلى المبادئ، الأصول، القواعد، وأدوات الفهم، وكلمة «فقه» بمعناها الخاص؛ أي الأحكام الشرعية الفرعية؛ لذا فإن أصول الفقه في الحقيقة هي مقدمة ومنطق فهم الأحكام، وهي بنوع ما منطق علم الفقه أو منهجية الفقه: «علم الأصول مقدمة لعلم الفقه»؛ لذا فإن المراد بمنطق الفقه يشمل المباني النظرية والمنهجية؛ فمثلًا، يتناول المرحوم الحكيم، كغيره من الأصوليين، في بداية كتبه الأصولية مباحث مثل ماهية الحكم، حقيقة الحكم الشرعي، أنواع الأحكام، الإرادة التكوينية والتشريعية، الأمر الاعتباري والانتزاعي وأمثالها، وهي في الحقيقة نفس المبادئ والمباني النظرية، ومباحث وقواعد الألفاظ والمفاهيم وأمثالها من سنخ المنهج.

طُرحت وجهات نظر مختلفة حول موضوع أصول الفقه؛ مثل «الأدلة الأربعة» (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل) أو العنوان الكلي (الأعم من الأدلة الأربعة) الذي هو محور جميع مسائل هذا العلم، أو نفس عمليات وعملية الاستنباط التي يبحث هذا العلم عن عناصرها المشتركة، ونظائرها. يعتقد المرحوم الحكيم حول موضوع علم الأصول وضرورة وحدة الموضوع: «وقع الكلام من جماعة من أهل الفن في لزوم وحدة موضوع العلم وهو الجامع بين موضوعات مسائله وفي معيار وحدة العلم وفي تحديد موضوع علم الأصول خاصة وتعريف العلم المذكور وتحديد الغرض منه ورتبته وغير ذلك وأكثر ذلك خال عن الفائدة المصححة لصرف الوقت. ولعل أهم ذلك وأنفعه الكلام في تعريف علم الأصول، لما فيه من ضبط مسائله وتمييز مقاصده الأصلية عن المباحث الاستطرادية، فالأنسب الاقتصار على ذلك»؛ لذلك، فإن علم أصول الفقه، على الرغم من الاختلاف في تعريفه وموضوعه، كجزء من علم منطق فهم الدين، يتناول فقط منهج فهم واستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والمصادر المعتبرة. المراد من علم أصول الفقه هنا هو أصول الفقه الموجود لا أصول الفقه المطلوب؛ كما أن الفقه أيضًا ناظر إلى الفقه الموجود لا الفقه المطلوب؛ لأن الفقه الموجود يتناول في الغالب الأحكام الفردية؛ بينما الفقه المطلوب (الشامل) يتناول جميع مجالات الأحكام الشرعية، سواء كانت فردية، اجتماعية، حكومية، حضارية، وغيرها. وبناءً عليه، يجب أن يتشكل أصول فقه شامل. لقد ترك المرحوم الحكيم في بعض نطاقات فقه النظام والفقه المضاف آثارًا وأبحاثًا مختلفة، منها كتب مثل: فقه الاستنساخ البشري وفتاوى طبية، فقه الصناديق الخيرية، فقه العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة الأجنبية، فقه الكمبيوتر والإنترنت، فقه المرأة المسلمة، فقه المساجد والحسينيات وأمثالها.

بالنظر إلى أنواع الفقه، يمكن استنباط بعض المسائل بالمنهج التقليدي لعلم الأصول (الأصول والقواعد المشتركة)؛ فمثلًا، الأصول والقواعد المتعلقة بالألفاظ، الحجج، الأمارات وأمثالها، لا تختص بالفقه الفردي والمصطلح، ويمكن استخدامها في فهم مجالات أخرى من الدين أيضًا؛ ولكن في بعض المسائل والمجالات المعرفية للفقه، خاصة فقه النظام والفقه المضاف، بالإضافة إلى مراعاة المشتركات، يتطلب الأمر منهجًا ومنطقًا آخر.

يقول المرحوم الحكيم عن الأصول والقواعد المشتركة والخاصة بفهم الأحكام: «حيث كانت نتائج المسائل الأصولية كبريات تنفع في الاستنباط، فالكبريات المذكورة على قسمين: أحدهما: ما يكون مضمونه أمراً واقعياً نظرياً لا يتضمن العمل بنفسه، وإنما يترتب عليه العمل في بعض الموارد لخصوصية موضوعه أو بضميمة أمر خارج عنه، وتنحصر بمباحث الألفاظ التي يبحث فيها عن تشخيص الظهورات اللفظية ومداليل المواد والهيئات الإفرادية والتركيبية ومباحث الملازمات العقلية، كملازمة الأمر بالشيء للأمر بمقدمته والنهي عن ضده. فإن تشخيص الظهور تنقيح لأمر واقعي مدرك للعرف لا يتقوم بالعمل، وإنما يترتب العمل على مفاد الظاهر إذا كان عملياً كالأحكام التكليفية- وبضميمة ثبوت حجية الظهور. كما أن الملازمات العقلية أمور واقعية مدركة للعقل، وحكمه بها نظري لا يتقوم بالعمل، وإنما يترتب العمل عليها بتوسط إدراك اللازم تبعاً لثبوت الملزوم. ثانيهما: ما يكون مضمونه عملياً مبتنياً على التعذير والتنجيز المستتبعين للعمل وهي مباحث الحجج والأصول العملية الشرعية والعقلية، لوضوح تقوّم الحجية والوظيفة الظاهرية بالعمل، ويلغو جعلهما شرعاً أو عقلاً بدونه ومن ثم يقع الكلام في كل من القسمين على حدة ولنطلق على الأول (الأصول النظرية) لتمحض الكلام فيها في البحث عن إدراك العرف أو العقل. وعلى الثاني (الأصول المتقومة بالعمل). ولكل من القسمين مقاصد مقومة له تكون مبحوثة بالأصل، وربما يكون له أو لمقاصده بحوث خارجة مناسبة تبحث مقدمة أو خاتمة لها. على ما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. كما أنه ينبغي تقديم على الأصول بقسميه بمقدمة يبحث فيها عن حقيقة الحكم الشرعي، الذي حرر علم الأصول لأجل استنباطه، فهو من مبادئه المهمة التي لمعرفتها الدخل في بعض مباحثه. وقد بحث غير واحد من الأصوليين ذلك في مواضع متفرقة من مباحثه تبعاً للحاجة له، غير أن بحثه في مقدمة علم الأصول هو الأنسب بعد خروجه عن المقاصد المقومة للعلم».

الخلاصة والاستنتاج

في هذا المقال، وبعد بيان مفاهيم ومفردات البحث، تم أولًا دراسة وجهة نظر الشهيد الصدر والمرحوم الحكيم حول منطق ومنهج الأصوليين مقابل الاتجاه الإخباري، وتوصلنا إلى نتيجة أن المرحوم الحكيم، على الرغم من كونه أصوليًا وذا اتجاه اجتهادي عقلي، يعتقد أن الاختلافات بين الاتجاهين تكمن في الغالب في الأفراد والأشخاص والادعاءات أكثر من الواقع والعمل؛ لكن الشهيد الصدر يرى فرقًا جادًا بين الاتجاهين الإخباري والأصولي.

من النتائج الأخرى، أن المرحوم الحكيم يقلل من شأن الخلاف بين الاتجاهين والمدرستين الفكريتين (الأصولية والإخبارية) إلى حد اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء والأصوليين، ويعتقد أن هذه الخلافات ليست جوهرية وأساسية؛ بل هي في الغالب نزاع لفظي وصوري؛ بينما بحسب اعتقاد مشهور الأصوليين، وخاصة الشهيد الصدر، فإن النزاع بين التيارين الأصولي والإخباري ليس مجرد نزاع لفظي، بل هما نموذجان فكريان متضادان ومختلفان.

فيما بعد، تم طرح المباني النظرية والمسلمات الفكرية للمرحوم الحكيم والشهيد الصدر في باب فهم الدين، مثل مصادر المعرفة وأنواعها، واعتبار وحجية هذه المصادر وأمثالها، وبناءً على المباني المذكورة، تم طرح ودراسة منطق فهم ساحات الدين المختلفة، مثل منطق فهم العقائد والمعتقدات الدينية، منطق فهم الأحكام، منطق فهم الأخلاق (فقه الأخلاق) ونظائرها، وتوصلنا إلى نتيجة أن آراء وآثار الأصوليين المذكورين تتركز في الغالب في منطق فهم الأحكام (فقه الأحكام)، وفي المجالات الأخرى، تم طرح ودراسة مسائل بحسب الاقتضاء، وفي بعض المجالات، مثل منطق فهم الأخلاق، كما هو الحال عند معظم الفقهاء والأصوليين، لم يتم القيام بعمل اجتهادي شامل ومناسب، أو تم الحكم أحيانًا بأدبيات فقه الأحكام على سائر المجالات المعرفية للدين؛ لذا فإن عملية فهم الدين في المنظومة الفكرية للأصوليين المذكورين هي ذاتها العملية التقليدية للاجتهاد مع غلبة فقه الأحكام. في العملية التقليدية للاستنباط وفهم الدين، تم طرح ودراسة بعض مراحل وخطوات الاستنباط في علم علوم القرآن والتفسير، وفي علم أصول الفقه وعلوم الحديث، وهناك حالات أيضًا تتم بشكل غير واعٍ وارتكازي من قبل المجتهدين، دون التصريح بها. بعبارة أخرى، في هذا النموذج، يعمل كل مجتهد وفقًا لأساليبه الخاصة في الاستنباط؛ ولكن بسبب عدم إبراز المراحل التفصيلية، تظل هذه الاستنباطات كعمليات غير واعية مخفية في ثنايا تحليلاتهم، والتي يمكن في معظم الحالات كشفها وتحديدها، وهناك حالات أخرى يمكن تتبعها.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

١. ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين (١٤٠٥هـ). عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية. الطبعة الأولى. قم: دار سيد الشهداء للنشر.

٢. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤١١هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٣. البحراني، الشيخ يوسف (١٤٠٥هـ). الحدائق الناضرة. بيروت: دار الأضواء.

٤. جمال الدين، حسن بن زين الدين (١٣٦٥ش). معالم الدين وملاذ المجتهدين. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٥. رشاد، علي أكبر (١٣٨٢ش). الدراسات الدينية المعاصرة. طهران: نشر مؤسسة فرهنكي دانش وانديشه معاصر.

٦. رشاد، علي أكبر (١٣٨٣ش). فلسفة الدين. الطبعة الأولى، طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي.

٧. الزركشي، بدر الدين (١٣٩١ق). البرهان في علوم القرآن. بيروت: دار المعرفة.

٨. شاكرين، حميدرضا (١٣٩٦ش). منهجية العقائد الدينية. طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي.

٩. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٠١ق). المعالم الجديدة للأصول. بيروت: دار التعارف للمطبوعات.

١٠. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٢٣ق). دروس في علم الأصول. المجموعة الكاملة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١١. الصدر، السيد محمد باقر (١٣٩١). مباحث الأصول. الطبعة الثالثة، قم: انتشارات دار البشير.

١٢. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. تقرير حسن عبد الساتر، بيروت: الدار الإسلامية.

١٣. الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد (١٣٨٩ش). أصول العقيدة. الطبعة الرابعة، قم: دار الهلال.

١٤. الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد (١٣٩٢ش-أ). الأصولية والأخبارية بين الأسماء والواقع. الطبعة الخامسة، قم: دار الهلال.

١٥. الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد (١٣٩٢ش-ب). المحكم في أصول الفقه. قم: دار الهلال، الطبعة الرابعة.

١٦. الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد (١٤٢٨ق). الكافي في أصول الفقه. بيروت: دار الهلال، الطبعة الرابعة.

١٧. الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد (بلا تاريخ). التنقيح: تعليقة موسعة على فرائد الأصول للشيخ الأنصاري. الطبعة الأولى، بيروت: مؤسسة الحكمة الثقافة الإسلامية.

١٨. علي تبار، رمضان (١٤٠٠ش). منطق فهم الدين. طهران: سازمان سمت.

١٩. القاضي عياض اليحصبي، أبو الفضل (١٤٠٩ق). الشفاء بتعريف حقوق المصطفى. بيروت: دار الفكر.

٢٠. الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٥ش). الكافي. تحقيق علي أكبر غفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية.

٢١. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ق). بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

٢٢. المسعودي، عبد الهادي (١٣٨٩ش). فهم الحديث. قم: انتشارات زائر.

٢٣. مصباح اليزدي، محمد تقي (١٣٧٨ش). تعليم الفلسفة. طهران: مؤسسة انتشارات أمير كبير، شركة چاپ ونشر بين الملل.

٢٤. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤١٧ق). دائرة المعارف فقه مقارن. الطبعة الأولى، قم: انتشارات مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).

٢٥. الميرزا القمي، أبو القاسم (بلا تاريخ). قوانين الأصول (حجرية قديمة). المكتبة العلمية الإسلامية.

٢٦. الوحيد البهبهاني، محمد باقر (١٤١٥ق). الفوائد الحائرية. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٧. يوسفيان، حسن وشريفي، أحمد حسين (١٣٨٥ش). العقل والوحي. الطبعة الأولى، طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي.

Scroll to Top