مناهج ومعايير نقد الرواية في تفسير «في ظلال القرآن»

الملخص

لطالما كانت الرواية، بوصفها أحد مصادر التفسير، محط اهتمام مفسري القرآن، وقد استُخدمت في تفسير القرآن بأشكال متنوعة. فبعض المفسرين اقتصر على نقل الرواية، بينما اهتم آخرون بنقدها وتمحيصها، وفصل الروايات الصحيحة عن غيرها. ومن بين هذه التفاسير، يُعد تفسير «في ظلال القرآن» لسيد قطب، الذي يُصنّف ضمن التفاسير المعاصرة، من التفاسير التي لم تكتفِ بنقل الروايات، بل عنيت بنقدها ودراستها أيضاً. قام سيد قطب في هذا التفسير بدراسة الروايات من حيث السند والمتن كليهما، معتمداً في ذلك على مجموعة من المعايير. ومن أبرز هذه المعايير: موافقة الرواية للقرآن، وموافقة الرواية للسنة النبوية القطعية، وموافقة الرواية للعقل، وموافقة الرواية للتاريخ، وغيرها. كما أنه عند مواجهة الروايات المتعارضة، سعى إلى حل التعارض بينها بالاستعانة بمعايير الترجيح.

المقدمة

بما أن الله تعالى قد أناط برسوله الأكرم (ص) مهمة تفسير القرآن الكريم (النحل: 44، 64؛ البقرة: 151 و…)، وبما أن هذه المهمة قد انتقلت بعد النبي (ص) إلى أهل بيته (ع) بمقتضى حديث الثقلين، فإننا نجد عند مراجعة تفاسير القرآن في العصور المتقدمة والوسطى أن الروايات تشكل جزءاً كبيراً منها، وأن هذه التفاسير قد أكدت على محورية الروايات في فهم آيات القرآن. أما في العصر الحديث، فقد شهد الاعتماد على الروايات في تفسير القرآن تراجعاً ملحوظاً، ويبدو أن قسماً كبيراً من هذه التفاسير قد سلك مسلك التفريط في الاستفادة من الروايات، وأعطاها دوراً هامشياً. علاوة على ذلك، فإن بعض التفاسير التي تطرقت إلى نقل الروايات وطرحها إلى حد ما، لم تعتمد عليها في آرائها التفسيرية. وفي تفاسير أخرى، اقتصر نقل الروايات غالباً على الأجزاء غير التفسيرية، مثل فضائل السور، وأسباب نزول الآيات، وتأييد الاستنباطات القرآنية، أو ترجيح رأي على آخر. ويُعد تفسير «في ظلال القرآن» من التفاسير التي كُتبت في منتصف القرن الرابع عشر الهجري بمنحى اجتماعي-سياسي على يد سيد قطب. وقد تزامن تأليف هذا التفسير من جهة مع نمو التيار العقلاني ومنهج تفسير القرآن بالقرآن، ومن جهة أخرى مع أفول التفسير المأثور وتهميش الروايات في ساحة التفسير. (الخالدي، المنهج الحركي، 1406هـ، 13 – 20) لم يكن لسيد قطب، كغيره من مفسري عصره، نظرة إيجابية مطلقة تجاه الروايات. ورغم أنه ينقل روايات كثيرة في تفسيره، إلا أنه يتبنى رؤية نقدية نسبياً، فيقوم بتحليل الروايات ونقدها من ناحيتي السند والمتن. وقد ركز سيد قطب في هذا التفسير على دراسة الروايات من جهة المتن والمحتوى، مستعيناً بمعايير عدة لهذا الغرض. ومن أهم هذه المعايير: موافقة الرواية لظاهر القرآن، وموافقتها لسياق الآيات، وموافقتها للسنة النبوية القطعية، وموافقتها للعقل، وموافقتها للتاريخ، وغيرها. بناءً على ما تقدم، تسعى هذه المقالة إلى دراسة مكانة الروايات في تفسير «في ظلال القرآن»، وتحليل مناهج سيد قطب ومعاييره في نقد الأحاديث والروايات التفسيرية.

دراسات سابقة

حول الدراسات السابقة لهذا البحث، تجدر الإشارة إلى وجود كتب ورسائل جامعية ومقالات تناولت هذا التفسير من زوايا مختلفة. ومنها على سبيل المثال: «تحليل انتقادي لمباني ومنهج سيد قطب التفسيري في ظلال القرآن» لكرم سياوشي، ومؤلفات صلاح عبد الفتاح الخالدي مثل «مدخل إلى ظلال القرآن» و«في ظلال القرآن في الميزان»، بالإضافة إلى كتب ورسائل ومقالات أخرى. والقاسم المشترك بين كل هذه الأعمال – التي تعد بحد ذاتها إسهامات قيمة حول في ظلال القرآن – هو أنها لم تتناول مباحث التفسير الروائي، وخاصة مناهج نقد الروايات في هذا التفسير. من هنا، يمكن لهذه المقالة أن تقدم جديداً في هذا المجال. أما منهج البحث المتبع فهو المنهج المكتبي، حيث تمت دراسة التفسير بأكمله بشكل إجمالي، مع التركيز على المواضع التي استعان فيها سيد قطب بالرواية، ومن ثم تحليل منهجيته في التعامل معها.

سيد قطب وتفسير «في ظلال القرآن» في سطور

وُلد سيد قطب (1324هـ/1906م) في قرية «موشا» التابعة لمحافظة أسيوط في مصر. يُعد من أبرز الأدباء والمفكرين والمصلحين المعاصرين. بعد إتمام دراسته، اتجه إلى البحث والدراسة في الأدب والنقد الأدبي، وألف في هذا المجال العديد من الكتب والمقالات. ثم انخرط في النشاط السياسي، حتى انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين عام 1953م. بعد عام 1940م، توجه إلى الدراسات والأبحاث القرآنية، التي أثمرت عن دورة تفسير كاملة للقرآن بعنوان «في ظلال القرآن»، كتب معظمها في السجن بمنحى سياسي واجتماعي وحركي وتربوي. من أهم خصائص تفسير «في ظلال القرآن» أن سيد قطب يكشف عن المحور أو المحاور الأساسية لكل سورة، والتي تدور حولها جميع موضوعات السورة. على سبيل المثال، يرى المفسر أن المحور الرئيسي في سورة البقرة هو التقوى وقوم بني إسرائيل، وفي سورة النساء حياة الزوجين والمسائل المتعلقة بها، وفي سورة المائدة إقامة الدولة وتنظيم المجتمع، وفي سورة الشعراء العقائد، وفي سورة محمد الجهاد، وفي سورة سبأ أصول العقائد (التوحيد، الإيمان، المعاد)، وهكذا. وبالطبع، يرى المؤلف عمومًا أن السور المكية تتمحور حول قضايا العقيدة. فهو يكرر مراراً في بداية السور المكية أن موضوع هذه السورة، كغيرها من السور المكية، هو موضوع عقائدي، بينما يرى أن الموضوع الرئيسي في السور المدنية هو المجتمع والحياة الاجتماعية والأحكام المتعلقة بالحياة الفردية والاجتماعية، وكذلك الأحكام المتعلقة بالحكومة والدولة الإسلامية. وبما أن سيد قطب يرى أن هدف القرآن هو تربية الإنسان وبناء المجتمع، فقد أولى اهتماماً خاصاً بالقضايا الاجتماعية والتربوية والعقائدية في القرآن، وتجنب الخوض في موضوعات مثل المباحث اللغوية، وبيان النكات الصرفية والنحوية أو إعراب الآيات، واختلاف القراءات، والمسائل البلاغية، ونقل الروايات الإسرائيلية، والخلافات الفقهية، والمبالغة في المسائل الكلامية والفلسفية، والخلافات المذهبية، وتفسير الآيات العلمية. وبشكل عام، يمكن تلخيص السمتين الرئيسيتين لتفسير «في ظلال القرآن» في: أ) بيان الخصائص الأدبية والجمالية للقرآن، ب) بيان الخصائص الحركية والديناميكية والتطورية للقرآن. (سياوشي، 1389، 47). من أبرز خصائص تفسير «في ظلال القرآن» الأخرى قلة الاعتماد على الرواية في التفسير. فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من منهج تفسير القرآن بالقرآن، والنزعة العقلانية للمفسر، ووجود تناقض في النقول المختلفة للرواية الواحدة، والطابع الاجتهادي لبعض أقوال الصحابة والتابعين، وتحاشي المفسر للروايات الإسرائيلية والموضوعة في التفسير، وعدم تفسير الأمور الغيبية وحتى القصص، كل هذه العوامل أدت إلى تقليل اعتماد سيد قطب على الروايات في تفسير القرآن، وفي المقابل، دفعه ذلك إلى نقدها وتحليلها. ومن أهم العوامل الأخرى التي أدت إلى قلة الاعتماد على الرواية في تفسير «في ظلال القرآن» والتركيز على آيات القرآن، هي الخلفيات والمنطلقات الفكرية لسيد قطب، وهي: أ) الخلفية الأدبية التي دفعته حتى قبل تأليف تفسير القرآن إلى تأليف كتابين آخرين بعنوان «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن». من وجهة نظر سيد قطب، فإن هذا المنهج يكشف جمال ألفاظ القرآن ورونقها وتأثيرها الظاهري بشكل أكبر. ب) الخلفية الفكرية-الإصلاحية والاهتمام بالبعد التربوي للقرآن. فمن وجهة نظر سيد قطب، فإن توجيهات القرآن وأفكاره وحلوله لمشكلات المجتمع هي من الكمال والشمول والعمق والأصالة بحيث لا تحتاج إلى أي فكر أو قول خارج القرآن – حتى الروايات – لتبيين تلك الموضوعات الأساسية. فالقرآن وحده برنامج عمل ودليل للحركة الأساسية للفرد والمجتمع. ويرى أن المشكلات الأساسية للأمة الإسلامية ناتجة عن ابتعادها عن القرآن، وبالتالي، فإن العلاج يكمن حصراً في العودة الحقيقية إلى القرآن ورسائله. من المجالات الأخرى التي تجنب فيها مفسر «في ظلال القرآن» الاستعانة بالروايات، تفسير الآيات المتعلقة بالأمور الغيبية مثل مساعدة الملائكة للمسلمين في غزوة بدر، وتزيين الشيطان للأعمال (الأنفال: 48)، وأفعال الله مثل قصة أصحاب الفيل. وبدراسة هذا التفسير، يمكن استنتاج أن المنهج التفسيري القائم على الوقوف عند حدود نصوص القرآن يظهر جلياً في العديد من موضوعات تفسير «في ظلال القرآن». (سياوشي، 1389، 111؛ لأمثلة أخرى، انظر سيد قطب، 21/1، 370؛ 1880/4، 1894، 1901، 1906، 1934، 1948، 2066، 2076، 2100، 2103، 2142، 2145). على الرغم مما قيل، فقد أظهرت الدراسة والبحث في التفسير أنه تم نقل أكثر من 1200 رواية في تفسير «في ظلال القرآن»، ويزداد هذا العدد إذا ما أخذنا في الاعتبار موارد «النقل بالمعنى». ولهذه الروايات في تفسير «في ظلال القرآن» وظائف متعددة، منها: بيان سبب نزول الآيات (سيد قطب، 433/1؛ 3307/5، 3317؛ 3519/6)، وتبيين معاني الألفاظ والمصطلحات (نفسه، 1453/3؛ 1902/4؛ 2784/5)، وتبيين مفهوم الآية ومدلولها (نفسه، 71/1، 243، 244؛ 1541/3)، وتحديد مكي أو مدني الآيات والسور (نفسه، 27/1، 193، 554؛ 894/2؛ 1564/3؛ 3984/6)، وتبيين وتفصيل جزئيات آيات الأحكام (نفسه، 175/1، 181، 198، 202)، وبيان مصداق الآيات (نفسه، 369/1، 964؛ 1664/3، 1673، 1685؛ 2319/4؛ 2700/5؛ 3406/6، 3566، 3812)، وتوضيح المبهمات (نفسه، 290/1؛ 3199/5)، وبيان تفاصيل الوقائع والأحداث في زمن النبي (ص) (نفسه، 30/1، 363، 520؛ 1472/3، 1551، 1723؛ 3425/6)، وتأييد الرأي التفسيري (نفسه، 253/1، 589، 590، 591، 201، 907؛ 681/2، 699، 737، 903، 970، 971، 975؛ 1282/3)، وتقرير وتأييد محتوى الآيات (في مواضع كثيرة)، وبعض الأدوار الثانوية الأخرى… ولكن يجب ملاحظة أن سيد قطب لم يكتفِ بنقل الرواية فحسب، بل عمد في كثير من الأحيان إلى نقد وتحليل سند الرواية أو متنها، خاصة عندما يكون مصدره الروائي غير تفسير ابن كثير وتفسير الطبري. (الخالدي، مدخل إلى ظلال القرآن، 1406هـ، 136) وبالإضافة إلى التفسيرين المذكورين، يمكن الإشارة إلى تفسير الكشف والبيان للثعلبي، وجواهر البيان للثعالبي، والدر المنثور للسيوطي، وبعض الكتب الأخرى كمصادر روائية رئيسية له. وفيما يلي، نتناول بالدراسة مناهج نقد الحديث في تفسير «في ظلال القرآن».

مناهج ومعايير نقد الرواية في تفسير «في ظلال القرآن»

في علم الحديث، يُطلق مصطلح «الرواية» على مجموع السند والمتن. لذلك، لتقييم صحة رواية ما، لا بد من دراسة سند الحديث بدقة، بالإضافة إلى نقد متنها بمعايير فقه الحديث. في نقد السند، يتم التحقق من أصالة الحديث، واعتبار المصدر، واتصال السند، وهوية الرواة وشخصيتهم العقدية والأخلاقية والروائية في سلسلة السند، بالرجوع إلى مصادر علم الرجال، لإثبات عدالتهم وضبطهم أو فقدانهم لهاتين الصفتين. (البيضاني، 1385، 19). وفي نقد المتن، يُعنى بمتن الرواية ومحتواها، ويتم تقييم مدى صحتها من خلال عرضها على معايير مثل الكتاب، والسنة، والعقل، وغيرها. (نفسه، 19؛ نصيري، 1390، 66). إن استخدام منهج نقد السند أكثر شيوعاً في روايات الفقه، ولكنه أقل أهمية في مجال روايات التفسير، لأن جزءاً كبيراً من روايات التفسير إما فاقد للسند أو سنده ضعيف، مما يؤدي إلى تعطيل الكثير من هذه الروايات عند تطبيق هذا المنهج. ويتجلى هذا الأمر بوضوح أكبر في العديد من التفاسير، وخاصة التفاسير المعاصرة. ولهذا، فإن معظم نقد الروايات التفسيرية يتعلق بنقد محتواها. ففي دراسة المتن، يتم النظر في النص بطريقة نقدية وتحليلية، ودراسة منهجية ومواطن الخلل في كل رواية على حدة. على الرغم من أن الروايات التفسيرية تختلف أحياناً فيما بينها، إلا أن أياً من المفسرين لم يستغنِ عن هذا التراث الثمين، بل استفاد كل منهم منه استفادة كبيرة بحسب منهجه ورؤيته. ومن ناحية أخرى، يوجد في مجموعة الروايات التفسيرية نماذج تتعارض مع المسلمات العقلية والشرعية، ولا يجد المفسرون أحياناً سبيلاً إلا إنكارها و«ضربها عرض الحائط». إذن، الروايات التفسيرية، مع كونها من المصادر المهمة لفهم القرآن، إلا أنها تعاني من مشكلات وآفات، منها: وجود روايات مختلقة وموضوعة، وعدم إسناد الكثير من الروايات التفسيرية، ووجود تناقض وتضاد في الروايات التفسيرية، وتسلل الأفكار اليهودية والمسيحية إلى المتون التفسيرية، ووجود روايات ضعيفة وواهية. (معرفت، 1418هـ، 2/ 30؛ علوي مهر، 1381، 97). قبل بيان مناهج نقد السند، من المناسب الإشارة إلى نقطة مهمة حول روايات أسباب النزول – التي تشكل جزءاً مهماً من الروايات التفسيرية في تفسير «في ظلال القرآن». يرى سيد قطب أن العبرة في معظم روايات أسباب النزول هي بعموم اللفظ، ولا يخصص الآية بسبب نزولها. يقول هو نفسه في هذا الصدد: «النصوص القرآنية دائماً لها أبعاد أوسع من الأحداث المحددة والمنفصلة التي نزلت الآيات لمواجهتها، وتشمل حالات كثيرة تختلف عن الحالة التي نزلت الآية بسببها. لهذا السبب، ننطلق بهذه النصوص نحو مدلولاتها ومفاهيمها الكلية، مع إبقاء حوادث أسباب النزول ماثلة أمامنا والالتفات إليها». (سيد قطب، 3553/6؛ وانظر أيضاً: نفسه، 2/ 892، 894، 977، 984، 3/ 1424) [4]. فيما يلي، نتناول بالدراسة والتحليل مناهج سيد قطب في نقد سند ومتن الروايات.

1. نقد سند الرواية في تفسير «في ظلال القرآن»

في نقد السند، يُنظر في كيفية السند من حيث الاتصال والانقطاع وغيره، أو في أجزاء السند ورواته؛ وبناءً على ذلك، يتم التحقق مما إذا كان يمكن الاطمئنان إلى صدور مثل هذا الحديث عن المعصوم أم لا. (سليماني، 1385، 52) معظم مفسري القرآن لم يغفلوا عن هذه النقطة، وقد أخضعوا الروايات التفسيرية في بعض الحالات للنقد والدراسة السندية. كما سبق بيانه، فإن سيد قطب، بالإضافة إلى نقد المتن، قد أولى اهتماماً أيضاً بنقد سند الروايات التفسيرية، وفي بعض الحالات أشار إلى صحة الحديث أو ضعفه؛ على سبيل المثال، في أحد المواضع، يشير إلى «جودة» إسناد الرواية (نفسه، 3/ 1572؛ 311/1)؛ وفي مواضع أخرى، ينسب صحة إسناد الرواية إلى محدثين آخرين (نفسه، 3211/5، 3212؛ 1473/3، 1552؛ 3336/6، 3412، 3589، 3858)، وأحياناً يعتبر سند رواية ما أوثق من سند رواية أخرى (نفسه، 3724/6)، وفي أحيان أخرى يطعن في إسناد الرواية (نفسه، 3471/6)، وأحياناً يعتبر الخبر مرسلاً (نفسه، 243/1؛ 985/2؛ 1199/3، 1530؛ 2431/4؛ 3419/6) (سياوشي، 1389، 309). أحياناً يشير سيد قطب إلى وجود رواية أو روايات حول آية ما، ثم دون ذكر لفظها أو محتواها، يقدم الرواية التي يرتضيها في إطار استنباطه الخاص (سيد قطب، 1864/4). وأحياناً أخرى، يشير إلى وجود روايات متعددة حول آية ما، ولكنه لا يستفيد من أي منها (نفسه، 2278/4)، وهذا الأمر يلاحظ بكثرة خاصة في قصص القرآن. بالطبع، اعترف سيد قطب في بعض الحالات بعجزه عن تمييز صحة الرواية من سقمها (نفسه، 1/ 12597، 193، 290). والنقطة المهمة الأخرى هي أن صحة إسناد الحديث ليست هي العامل الحاسم عند سيد قطب، فهو في كثير من الحالات يرجح روايات على روايات صحيحة الإسناد لمناسبتها لسياق الآيات (نفسه، 730/2) أو للمسلمات التاريخية (نفسه، 729/2). أما منهج المؤلف في «في ظلال القرآن» بخصوص ذكر أسماء الرواة أو عدم ذكرهم، فهو أنه عند نقل الرواية، يذكر فقط اسم الراوي الأول، الذي يكون من الصحابة أو التابعين، ونادراً ما يذكر معظم أفراد سلسلة السند أو جميعهم بالترتيب (نفسه، 1/ 165، 411، 578). كما أنه في معظم الحالات يشير إلى مصدر الرواية. وينقل هذا المفسر الروايات التفسيرية والأحاديث المتعلقة بأسباب النزول في الغالب من «تفسير ابن كثير» و«تفسير الطبري» و«الصحاح الستة». وفي نقل روايات السيرة، يرجع في الغالب إلى «السيرة النبوية» لابن هشام، و«إمتاع الأسماع» للمقريزي، و«زاد المعاد» لابن قيم الجوزية. وفي بعض الحالات، يشير المفسر في «في ظلال القرآن» إلى ضعف سند الحديث. على سبيل المثال، بخصوص الآية 48 من سورة الأنفال «وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ»، يقول: «وردت روايات كثيرة حول هذه الآية وسبب نزولها، لم يُنقل من بينها سوى حديث واحد عن رسول الله (ص)»؛ ثم يضعف الحديث نفسه لوجود «عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون» في سلسلة سنده ولكونه مرسلاً: «وفي هذا الأثر عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، وهو ضعيف الحديث، والخبر مرسل». (نفسه، 1530/3). من الأمثلة البارزة الأخرى على هذا النوع من النقد، الآية 52 من سورة الحج: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ». يقول سيد قطب: «وردت روايات مختلفة حول سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر الكثيرون منها. قال ابن كثير في تفسيره: كل هذه الروايات ذُكرت من طرق مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح»؛ ثم يقول سيد قطب نفسه: «أشرح هذه الروايات هي رواية ابن أبي حاتم»، ثم ينقل عنه قصة الغرانيق. وفي الختام يقول: «هذا ملخص ما ورد في رواية أسطورة الغرانيق، ولكن هذا القول من ناحية السند واهٍ جداً ولا أساس له. قال علماء الحديث: لم يروه أحد من أهل الصحيح ولم يُنقل بسند موثوق. وهذا الحديث من ناحية الموضوع يتعارض مع أصل من أصول العقيدة وهو عصمة النبي (ص)». (نفسه، 2431/4). أدى الخلاف بين الروايات التفسيرية حول رؤية النبي (ص) للجن من عدمها إلى أن يتجه سيد قطب إلى دراسة ونقد الروايات، وفي النهاية يقبل رواية ابن عباس ويقول عنها: «ولكن إسناد الرواية الأولى أوثق». (نفسه، 3724/5). ويصدر سيد قطب الحكم نفسه حول روايات سبب نزول سورة التحريم، وبعد النقد والدراسة، يرجح الرواية ذات السند الأقوى. (نفسه، 3116/6). وفي بعض الحالات، يشير سيد قطب إلى قوة الرواية، كما في قوله عن روايات نزول سورة التحريم. فقد ورد نوعان من الروايات حول سبب نزول هذه السورة. وفقاً للروايات الأولى، كان رسول الله (ص) يأكل عسلاً عند زينب بنت جحش، فشق ذلك على عائشة وحفصة، فقررتا أن تقولا للنبي (ص) إذا دخل عليهما: «إنا نجد منك ريح مغافير»، فتأذى النبي (ص) من ذلك وقال إنه أكل عسلاً، وحرم على نفسه العسل بعد ذلك، وطلب من زوجته ألا تخبر أحداً بذلك خشية أن يمتنع الناس عن أكل العسل اقتداءً به، ولكن عائشة أخبرت حفصة. فأخبر الله رسوله (ص) بما جرى، وخاطبه بقوله: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ»، ونهاه عن ذلك الفعل. ووفقاً لروايات أخرى، جامع النبي (ص) جاريته مارية، فغضبت حفصة، فقال لها النبي (ص) إنه يحرمها على نفسه وطلب منها ألا تخبر أحداً، ولكن حفصة أخبرت عائشة، فنزلت الآية وأخبرت النبي (ص) بالحوار الذي دار بين المرأتين. بعد نقل هاتين المجموعتين من الروايات، يقول سيد قطب: «محتوى كل من هاتين الروايتين ممكن الوقوع. الرواية الثانية أقرب إلى جو النصوص، وقد أثارت غضب النبي (ص) وكاد الأمر أن يصل إلى طلاق زوجاته. لكن الرواية الأولى ذات سند أقوى وإمكانية وقوعها أكبر». (نفسه، 3616/6). وبالطبع، فإن موضوع الخلاف بين هذه الروايات أوسع مما نقله سيد قطب. ففي بعض الروايات، أكل النبي (ص) العسل في بيت حفصة، فتأذت عائشة من ذلك. ووفقاً لروايات أخرى، كان هذا الفعل في بيت أم سلمة أو زينب بنت جحش، مما أثار غيرة النساء الأخريات. وهناك خلاف أيضاً حول قصة مضاجعة النبي (ص) لإحدى نسائه. ففي بعض الروايات، جامع النبي (ص) مارية في بيت حفصة – في يوم لم تكن فيه في بيتها – ووفقاً لروايات أخرى، وقع هذا الفعل في بيت عائشة. (الطبرسي، 1372، 471/10). وتجدر الإشارة إلى أن بعض المفسرين قد طعنوا في روايات سبب النزول هذه، واعتبروا ذلك لا يليق بمقام النبوة، بل يعتقدون أن المسألة كانت سراً أهم أفشاه النبي لإحدى زوجاته. (القرشي، 1377، 232/11). على سبيل المثال، روي عن ابن عباس أن ما أسره النبي هو خلافة أبي بكر وعمر من بعده، وخشي أن يُفشى. (الفيض الكاشاني، 1415هـ، 195/5؛ الحويزي، 1415هـ، 368/5).

2. نقد متن الرواية في تفسير «في ظلال القرآن» ومعاييره

المنهج الثاني في دراسة ونقد الأخبار والروايات يتعلق بدراسة ونقد محتوى الحديث ومتنه، دون النظر إلى سلسلة أسناده ورواته. وقد ورد في روايات النبي (ص) وأهل البيت (ع) نقد متن الأحاديث على أساس القرآن والأدلة القطعية الأخرى. على سبيل المثال، يقول النبي الأكرم (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ، وَمَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَمْ أَقُلْهُ». (البرقي، 1371، 221/1؛ العياشي، 1380، 8/1). كما أن الشيخ الكليني – الذي يعد من متقدمي جامعي الأخبار والأحاديث الشيعية – قد أشار في مقدمة كتاب الكافي إلى مطابقة الأخبار للقرآن والسنة القطعية وغيرها، والتي تعد من معايير نقد المتن. (الكليني، 1407هـ، 8/1). وقد اهتم سيد قطب أيضاً في تفسيره بهذا المعيار لنقد الأحاديث والروايات والمنقولات التفسيرية، واستعان بمعايير متعددة لنقد متن الروايات.

أ. ضرورة موافقة الرواية للقرآن وسياق الآيات

إن أهم معيار لتقييم صحة الروايات هو عرضها على القرآن والروح العامة للمعارف القرآنية. فإذا كانت الروايات مطابقة لنصوص القرآن وظواهره أو أصوله ومعارفه الكلية، فإنها تكون مقبولة، وإلا فهي غير قابلة للقبول. (إبراهيمي، 1389، 100). إن عرض الروايات على القرآن كمعيار لصحتها أو خطئها قد تم تأكيده مراراً وتكراراً من قبل النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع). فقد نُقل عنهم كثيراً أنهم قالوا: «إِذَا جَاءَكُمْ مِنَّا حَدِيثٌ، فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَاطْرَحُوهُ أَوْ رُدُّوهُ عَلَيْنَا». (الطوسي، 1407هـ، 275/7). كلما وصلكم حديث منا، فاعرضوه على القرآن، فإن وافق القرآن فاعملوا به، وإلا فاتركوه أو ردوه إلينا. وقد استخدم صحابة النبي الأكرم (ص) أيضاً هذا المنهج لتمييز الحديث الصحيح من غيره. على سبيل المثال، نُقل عن عائشة أنها عندما سمعت رواية «إن الميت يعذب ببكاء أهل بيته»، ردتها لمخالفتها لآية «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (الأنعام: 164). وقد استعان سيد قطب أيضاً بهذا المعيار لنقد متن الروايات. على سبيل المثال، يرد سيد قطب الروايات التي تعتبر سورة القلم ثاني سورة نزلت على النبي الأكرم (ص) لمخالفتها لسياق آيات السورة، ويعتقد أن سياق هذه السورة وموضوعها وأسلوبها يدل على أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة، أي بعد ثلاث سنوات من الدعوة الفردية (سيد قطب، 3650/5). اختلاف الروايات حول معنى «اللمم» في الآية 32 من سورة النجم هو مثال آخر دفع المفسر في «في ظلال القرآن» إلى اختيار الرواية الصحيحة بمعيار الاستعانة بالسياق. ففي تفسير آية «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» (النجم: 32)، يتناول بالنقاش والتحليل الأقوال حول معنى «اللمم»، وينقل مجموعتين من الروايات؛ وفقاً للمجموعة الأولى، «اللمم» هو صغائر الذنوب، ووفقاً للمجموعة الأخرى، «اللمم» هو كبائر الذنوب التي يتوب منها الإنسان. ثم يقبل روايات المجموعة الثانية التي تتوافق مع السياق، لأن الآية تختتم بقوله: «إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ»، وذكر رحمة الله ومغفرته يناسب المعنى الثاني. (نفسه، 3412/6). نقد المحتوى الروائي لقصة سحر النبي (ص) على يد لبيد بن أعصم اليهودي وردها لمخالفتها لآيات أخرى من القرآن وأصول العقيدة وعصمة النبي (ص) هو من الأمثلة الأخرى في هذا الباب. وفقاً لهذه الروايات، سحر لبيد النبي (ص) في المدينة، بحيث كان النبي (ص) يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله. بعد هذه الحادثة، نزلت سورتا الفلق والناس، وبقراءتهما زالت هذه الحالة عن النبي (ص). يقول سيد قطب في نقد هذه الروايات: 1. هذه الروايات تخالف آيات 47 من سورة الإسراء، و8 من الفرقان، و153 و185 من الشعراء. 2. تخالف أصل عصمة النبوة في العمل والتبليغ. 3. شرط العمل بالأحاديث في أصول الاعتقادات هو التواتر، بينما هذه آحاد. 4. هاتان السورتان نزلتا في مكة بإجماع العلماء والمفسرين. (نفسه، 4008/8). نقد ورد الروايات المتعلقة بقصة الغرانيق، بالإضافة إلى ضعف سندها وإرسالها، يأتي بسبب ما تحتويه من خرافات وأكاذيب، في حين أنها تخالف سياق آيات السورة وعصمة النبي (ص). (نفسه، 3419/6). إن اختيار رواية من بين روايات متنوعة وربما متناقضة حول سورة النصر بسبب تناسقها مع آيات السورة وطرح الروايات الأخرى هو مثال آخر على نقد الرواية بعرضها على القرآن. في هذا الصدد، يورد سيد قطب رواية عن ابن عباس نقلاً عن البيهقي، مفادها أنه لما نزلت سورة النصر، استدعى النبي الأكرم (ص) فاطمة (ع) وأخبرها بقرب وفاته، فبكت فاطمة ثم ضحكت. ولما سُئلت عن ذلك، قالت: أخبرني النبي (ص) أولاً بوفاته فبكيت، ثم قال لي: أنت أول من يلحق بي، ففرحت. ولكن يبدو أن سيد قطب يرى أن هذه الرواية لا تتوافق تماماً مع النص، فيقول: يتضح من هذه الرواية أن سورة النصر قد نزلت، وظهرت علامة الوفاة، وتحقق دخول الناس في دين الله، وبعد ذلك فهم النبي (ص) أن أجله قد اقترب. بناءً على ذلك، يقول سيد: إن هذه الرواية رُويت بشكل آخر يتوافق أكثر مع النص القرآني، وهي رواية أم سلمة التي قالت: في عام فتح مكة، دعا النبي الأكرم (ص) فاطمة (ع) وخلا بها. فبكت فاطمة (ع) أولاً ثم ضحكت. قالت أم سلمة: بعد وفاة رسول الله (ص)، سألتها عن بكائها وضحكها… وبقية الرواية كالسابق. ثم يقول سيد: هذه الرواية لأم سلمة تتوافق تماماً مع ظاهر النص القرآني ورواية الإمام أحمد، وقد أوردها مسلم أيضاً في صحيحه. (نفسه، 3994/6). مثال آخر على رد الرواية لمخالفتها سياق الآيات يمكن العثور عليه في تفسير الآية 180 من سورة آل عمران. وفقاً لإحدى الروايات، نزلت هذه الآية أيضاً في سياق غزوة أحد، ولكن من وجهة نظر سيد قطب، لا علاقة لهذه الآية بغزوة أحد، والرواية غير جديرة بالثقة. (نفسه، 534/1). على الرغم من أن موافقة الرواية للقرآن هي من أهم شروط قبولها عند سيد قطب، إلا أنه في بعض الأحيان ينقل في تفسيره روايات تخالف القرآن. على سبيل المثال، روايات مثل «حتمية دخول المحاربين في غزوة بدر إلى الجنة ومغفرة جميع ذنوبهم» (نفسه، 1481/3؛ 3538/6) و«نهي النبي (ص) عن سب أصحابه ورفعة منزلتهم» (نفسه، 3484/6) تعد من هذا القبيل. من الواضح أن هذه الروايات تخالف بعض الآيات (النساء: 123) التي تشير إلى المحاسبة الدقيقة على أعمال الخير والشر لكل فرد يوم القيامة. وتجدر الإشارة إلى أن الروايات المذكورة أعلاه تخالف بعض الروايات الأخرى التي تدل على أن بعض الصحابة من أهل النار.

ب. ضرورة موافقة الرواية للسنة القطعية وأصول الشريعة الاعتقادية

تتمتع السنة القطعية للنبي (ص) والمعصومين (ع)، مثل القرآن الكريم، بأعلى درجات الحجية. وفي آيات كثيرة، أمر الله المسلمين بالطاعة المطلقة لرسوله الأكرم (ص) دون قيد أو شرط. من هذه الآيات: آل عمران: 32، 132؛ النساء: 59؛ المائدة: 92؛ الأنفال: 1، 20، 46؛ النور: 54، 56؛ الأحزاب: 36؛ محمد (ص): 13…). هذه الآيات تظهر أنه لا فرق بين القرآن وكلام المعصوم (ع) في الحجية والتبعية. من وجهة نظر سيد قطب، لا يُعتد في الأمور العقائدية إلا بالروايات المتواترة والصحيحة، وروايات الآحاد حتى لو كانت صحيحة لا يُستند إليها. (نفسه، 4008/6) ولهذا السبب، لا يقبل بقصة سحر النبي (ص) على الرغم من وجود بعض الروايات التي تدل على ذلك، ويعتبرها أمراً عقائدياً يتعارض مع عصمة النبي (ص). (نفسه). كما أنه يعتبر تبيين تفاصيل وكيفية بعض الأمور الغيبية في القرآن جزءاً من الأمور العقائدية التي يجب أن تستند إلى رواية متواترة، وينتقد مدرسة عبده لتأويلها مثل هذه الأمور. (نفسه، 1531/3). مثال آخر على استعانة سيد قطب بهذا المعيار هو نقد الروايات المتعلقة بالغرانيق التي سبق ذكرها. من وجهة نظر سيد قطب، هذه الروايات، بالإضافة إلى ضعف سندها، تتعارض مع أصول ومبادئ ومعايير الشريعة الإسلامية وعصمة النبي (ص). (نفسه، 3419/6). بالطبع، لم يتمكن سيد قطب في كل موضع من الإفلات من فخ الروايات المخالفة لمبادئ الشريعة. ففي بعض الحالات، أقدم على نقل روايات تتعارض مع عصمة النبي الأكرم. على سبيل المثال، في رواية منسوبة إلى النبي (ص)، قال للناس عن تلقيح أشجار النخيل: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». في حين أن هذه الرواية، من وجهة نظر عامة علماء المسلمين، غير صحيحة، وتعد من الروايات الموضوعة والمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية. (الطباطبائي، 1417هـ، 4/ 298؛ العاملي، بلا تاريخ، 168/4؛ 23/7). ومن ناحية أخرى، قُدِّم النبي (ص) في القرآن كأسوة وقدوة للمسلمين (الممتحنة: 6)، وكل كلامه قائم على الوحي الإلهي. (النجم: 3، 4).

ج. ضرورة موافقة الرواية للحقائق التاريخية

من أدوات نقد الحديث وفهمه المسلمات التاريخية. يمكن تقييم بعض الروايات الموجودة في الأحاديث بعرضها على علم التاريخ. وفي بعض الأحيان، يتوقف فهم بعض الألفاظ والمصطلحات وتبرير ورود بعض المفاهيم أو التعبيرات في الأحاديث على معرفة السياق التاريخي لصدور الرواية والأحداث التاريخية في تلك الفترة. لم يغفل سيد قطب عن هذا الأمر أيضاً، ويقيس العديد من الروايات بمحك التاريخ. على سبيل المثال، يعتقد سيد قطب بخصوص الآية 61 من سورة الأنفال «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» أن النبي (ص) عمل بهذه الآية منذ نزولها في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر حتى نزول سورة براءة التي أمرت صراحة بأخذ الجزية من المشركين واليهود، ولم يأخذ الجزية من أحد. كما أنه يعترض على بعض الفقهاء الذين افترضوا أن هذا الحكم نهائي. ثم ينقل رواية في هذا الصدد تتحدث عن أخذ الجزية من المشركين في فترة المدينة قبل نزول سورة براءة، لكن سيد قطب يرد هذه الرواية ويعتقد أنها غير صحيحة من الناحية التاريخية، لأنها تتحدث عن الهجرة وأرض المهاجرين ومسائل الجزية، في حين أن أخذ الجزية لم يصبح واجباً بشكل قطعي ويقيني إلا بعد فتح مكة. (سيد قطب، 1545/3). [5] في بداية تفسير سورة الجن، يتناول سيد قطب بالتفصيل مسألة ما إذا كان النبي (ص) قد رأى الجن أم أنهم سمعوا القرآن منه فقط، فآمنوا به ونقلوه إلى سائر الجن؛ وينقل عدة روايات ويقوم بنقد محتواها وتحليله بالاستناد إلى البيانات التاريخية. في البداية يقول: «الروايات في هذا الشأن مختلفة. الرواية الأولى عن ابن عباس، وخلاصتها أن النبي (ص) لم ير الجن، ولكنهم سمعوا القرآن منه ومن أصحابه وهم يقيمون صلاة الصبح بالقرب من سوق عكاظ، فآمنوا به ونقلوه إلى سائر الجن. بعد هذه الحادثة، أوحى الله (ص) إلى النبي (ص) بكلام الجن». الرواية الثانية عن ابن مسعود، الذي قال: «كنت مع النبي (ص) ذات ليلة، ففقدناه. وفي الصباح التالي، رأيناه قادماً من جهة حراء، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن». وبالطبع، وفقاً لنقل آخر، كان ابن مسعود أيضاً مع النبي (ص). ثم يقول سيد قطب: «سند الرواية السابقة أقوى: ولكن إسناد الرواية الأولى أوثق»؛ ثم يتابع قائلاً إن البيهقي قد جمع بين الروايتين، على أن هاتين الروايتين تتعلقان بحادثتين منفصلتين. ثم ينقل سيد قطب رواية ثالثة عن ابن إسحاق، مفادها أن النبي (ص) بعد وفاة أبي طالب، ذهب إلى الطائف وحده طالباً المساعدة، فلم يساعدوه فحسب، بل حرضوا السفهاء على شتمه وإيذائه. تحرك النبي (ص) نحو مكة، حتى وصل ليلاً إلى نخلة، فوقف في جوف الليل يصلي، فمرت به جماعة من الجن فسمعوا صوته فآمنوا به وبلغوا سائر الجن. ثم ينقل تعليق ابن كثير على الرواية، الذي قال: «إن استماع الجن للقرآن في تلك الليلة محل تأمل، لأن قصة إيمانهم كانت في بداية نزول القرآن، أما ذهاب النبي الأكرم (ص) إلى الطائف فكان بعد وفاة أبي طالب». ويتابع سيد قطب في نقد ودراسة الروايات ورأي ابن كثير، فيقول: «إذا صحت رواية ابن إسحاق، التي تقول إن هذه الحادثة وقعت بعد العودة من الطائف، فمن العجيب أن يرسل الله تلك المجموعة من الجن إليه ويوحي إليه بما فعلوه وما قالوه لقومهم. إن زمان هذه الحادثة وشروطها وظروفها، أياً كانت، هو عمل عظيم بلا شك». وفي الختام، ينقل سيد قطب رواية عن الترمذي عن جابر، ويقول: «هذه الرواية تؤيد رواية ابن مسعود». (نفسه، 3724/5).

د. ضرورة موافقة الرواية للدليل العقلي القطعي

في بعض الأحيان، يوفر العقل أصول الفهم والاستنتاج واستخراج معاني الروايات للباحثين. في هذه الحالة، يفهم العقل معنى الحديث بدقة في ضوء الضوابط الداخلية والخارجية والجمع بينها. دور العقل في هذه الحالة هو تفسير ودراسة معاني الروايات بالنظر إلى طرق فهم الكلام التي يستخدمها العقلاء. (مير جليلي، 1390، 309). من وجهة نظر سيد قطب، يحتل العقل مكانة سامية في الإنسان، لدرجة أنه يعتقد أن الإسلام دين العقل، وأن فهم مدلولات النصوص الدينية قد أُنيط بالعقل، ولكن من وجهة نظره، للعقل حدود. ففهم الأمور الغيبية وتشخيص مصلحة وحكمة أحكام الدين ليست من اختصاص العقل، لأن مجرد وجود نص من عند الله يتضمن المصلحة. إذن، يمكن للعقل أن يكون أساساً عندما لا يوجد نص من عند الله. وقد استعان سيد قطب بالعقل والاستنباطات العقلية كثيراً في تفسير «في ظلال القرآن». ومن بين هذه الحالات، نقد ودراسة الروايات التفسيرية. ومثال ذلك ما يُلاحظ في شأن «النجم» في الآية الأولى من سورة النجم «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى». بعد الإشارة إلى اختلاف الروايات في هذا الصدد، يقول سيد قطب: «أقرب النظريات التي تتبادر إلى الذهن ويؤيدها العقل هي أن المراد هو نجم الشعرى، لأن بعض المشركين كانوا يعبدون نجم الشعرى، كما ورد ذكر نجم الشعرى في هذه السورة نفسها: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى». وقد أولى القدماء أيضاً أهمية كبيرة لهذا النجم. ومنهم المصريون الذين اعتقدوا أنه عندما يرتفع نجم الشعرى في السماء، يفيض نهر النيل. ولهذا النجم مكانة خاصة جداً في أساطير الإيرانيين وكذلك بين العرب؛ ولعل الإشارة هنا هي إلى هذه العبادة والاهتمام بها». (نفسه، 3406/6).

هـ. الابتعاد عن نقل الإسرائيليات في التفسير

الإسرائيليات مفهوم واسع وشامل يتضمن جميع القصص الخرافية والأساطير والروايات المختلقة والموضوعة التي تسللت من الديانات اليهودية والمسيحية وغيرها من الأديان والملل والنحل إلى الآثار الإسلامية، وخاصة تفاسير القرآن الكريم، وتركت آثاراً سيئة لا يمكن تداركها. من حيث المبدأ، يشترك القرآن في طرح قصص الأنبياء وسير الأمم السابقة في نقاط كثيرة مع التوراة، وبدرجة أقل مع الإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب جميعها، بغض النظر عن التحريفات التي طرأت على العهدين، تنبع من مصدر واحد. لم يتطرق القرآن في عرضه للقصص إلى أي مسائل غير مفيدة وجزئية لا دور لها في الجانب التربوي والاعتباري. ففي القرآن، لا يوجد خبر عن تاريخ الولادة والوفاة، وعدد الزوجات والأبناء، وأسماء الأشخاص، والإحصاءات والأرقام، وأسماء المدن وما شابه ذلك. (محمد قاسمي، 1388، 188). إن المفسر في «في ظلال القرآن» حذر جداً في تعامله مع الروايات الإسرائيلية ويتجنب نقلها. وفي مواضع كثيرة، يشير إلى أنه على الرغم من وجود روايات كثيرة حول هذه الآية، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها لأنها من الإسرائيليات وليست جديرة بالثقة. (سيد قطب، 1358/3، 1370). على سبيل المثال، بخصوص قصة كرسي سليمان (ع) في سورة سبأ، يقول: «وردت روايات كثيرة في التفاسير، ولكن لا يمكن الاعتماد على أي منها لأنها من الروايات الإسرائيلية». (نفسه، 3020/5). وفي تفسير الآية 83 من سورة الكهف التي تتحدث عن قصة ذي القرنين، يذكر سيد قطب عدة روايات حول سبب نزول الآية، وفي ختام نقل الروايات، يقول: «بسبب تعدد روايات أسباب النزول، نفضل أن نبقى في ظل النص القرآني. نفهم من هذا النص أن السؤال كان عن ذي القرنين، ولكننا لا نعرف شيئاً عن التفاصيل. لا يخبرنا النص شيئاً عن سمات شخصية ذي القرنين وزمانه ومكانه. هذه هي السمة الدائمة والمستمرة للقصص في القرآن، مثل قصص قوم نوح وهود وصالح وغيرهم، بل المراد هو العبرة التي تؤخذ من القصة. والعبرة تتحقق أيضاً دون الحاجة إلى تحديد الزمان والمكان. ولا يمكن الاعتماد على التوراة والإنجيل أيضاً لأنهما ممزوجان بالخرافات والإسرائيليات». (نفسه، 2289/4). مثال آخر يمكن ملاحظته في تفسير الآية 19 من سورة الأعراف «وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ»، حيث يتحدث الله عن خلق آدم وحواء وسكناهما في الجنة، ولكنه لا يشير إلى كيفية خلقهما أو اسم ونوع الشجرة المحرمة. يقول سيد قطب: «لآدم زوجة من نوعه، ولكننا لا نعرف كيف ظهرت إلى الوجود، والآيات صامتة في هذا الشأن. بالإضافة إلى ذلك، لا نعرف اسم الشجرة وكيفيتها. والروايات التي تتحدث عن خلق حواء من ضلع آدم الأيسر، أو تشير إلى الشجرة، هي أيضاً مزيج من الإسرائيليات ولا يمكننا الاعتماد عليها. الشيء الوحيد الذي يمكننا قوله بشكل قاطع هو أن لآدم زوجة، وأن قانون الله الكلي هو الزوجية. كما أن القرآن يسكت عن تحديد هذه الشجرة، لأن تحديد نوع الشجرة لا تأثير له في حكمتها. والأرجح أن التحريم نفسه هو المراد». وفي الآية 35 من سورة البقرة أيضاً، توجد آية مشابهة. (نفسه، 1268/3). بالإضافة إلى أن سيد قطب نفسه يبتعد عن الإسرائيليات، فإنه ينتقد التفاسير التي تستعين بهذه الروايات. على سبيل المثال، يلوم الطبري وابن كثير على حشو تفسيريهما بالروايات الإسرائيلية. (نفسه، 1358/3). في الآيتين 175 و176 من سورة الأعراف «…فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا…»، يضرب الله مثلاً يُعرّف فيه أفراداً كالكلب، إن هاجمته أخرج لسانه، وإن تركته بحاله أخرج لسانه أيضاً. يقول سيد قطب: «توجد روايات كثيرة تحاول تحديد مصداق ذلك، ولكنها كلها من الإسرائيليات، وليس لدينا في نص القرآن ولا في رواية صحيحة ما يطمئن إليه، بالإضافة إلى أن الروايات أيضاً مختلفة ومضطربة في تفصيلات القصة». (نفسه، 1397/3). في الآيتين 189 و190 من سورة الأعراف «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»، يشير إلى زوجين يتمنيان ولداً صالحاً، ولكن بعد أن يرزقهما الله ولداً سليماً، يشركان بالله. يقول سيد قطب في ذيل هذه الآيات: «بعض الروايات التفسيرية تعتبرها قصة حقيقية لآدم وحواء، في حين أن هذه كلها من الإسرائيليات وليست مقبولة على الإطلاق». (نفسه، 1412/3؛ 1877/4، 1881؛ 1908/4؛ 1981/4؛ 2391/4؛ 3018/5؛ 3977/6).

3. التعامل مع الأحاديث المتعارضة ومعايير رفع التعارض بينها

من آفات الروايات، ومنها الروايات التفسيرية، وجود تعارض بينها. (معارف، 1387، 337). وهذا الأمر نفسه أدى إلى أن يكون للمفسرين، ومنهم سيد قطب، نظرة غير إيجابية تجاه الروايات. ففي تفسير «في ظلال القرآن»، مع الانتباه إلى التعارض بين الروايات، سعى إلى الجمع بين الروايات المتعارضة إذا كانت قابلة للجمع، وإلا فإنه يرجح رواية على أخرى بواسطة المرجحات، وإذا لم يكن أي من ذلك ممكناً، فإنه يرد جميع الروايات المتعارضة. وتجدر الإشارة إلى أن سيد قطب أحياناً يختار رواية من بين الروايات المتعارضة دون أي إشارة إلى سبب هذا الاختيار، بل يعتبرها أصح رواية من بين الروايات. على سبيل المثال، عندما نزلت سورة براءة، أُمر النبي الأكرم (ص) بإعلانها على المشركين، وهناك خلاف في الروايات حول الشخص الذي أبلغ سورة براءة إلى أهل مكة. يقول سيد قطب في هذا الصدد: «جمع الطبري روايات كثيرة، وقام بنقدها ودراستها، ولكننا نقتصر على نقل الروايات التي تتوافق مع رؤيتنا، وكلما صرفنا النظر عن نقل روايات، فذلك لما فيها من ضعف ووهن ولا يمكن الاستناد إليها». ثم ينقل رواية عن الترمذي عن الإمام علي (ع)، مفادها أن الإمام (ع) قال: «لما نزلت براءة، أرسلني النبي (ص) إلى مكة». وفي ختام البحث، يقول سيد: «هذا الخبر هو أصح ما ورد في هذا الشأن». (نفسه، 1597/3). فيما يلي، نذكر بعض أهم المرجحات التي استخدمها سيد قطب.

أ. ترجيح الرواية لتناسقها مع سياق الآيات

من وجهة نظر سيد قطب، الروايات حول زمان نزول سورة الإنسان مختلفة ومتعارضة. وهو لا يقبل إلا الروايات التي تفيد بمكية السورة لموافقتها لسياق آيات السورة، ويعتقد أن موضوع السورة وسياقها ومؤشراتها تدل على مكيتها، لدرجة أنه يعتقد أن هذه السورة من أوائل السور التي نزلت في مكة. من وجهة نظره، وجود النعم السماوية، وتصوير العذاب، وتوجيه النبي (ص) إلى الصبر على حكم الله وعدم طاعة الآثمين والكافرين، كلها تدل على هذه النظرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن إمهال المشركين وتثبيت النبي (ص) على الحق الذي أُنزل عليه، وعدم ميله نحو المشركين – كما ورد في سور القلم والمزمل والمدثر – كلها من علامات مكية السورة. وفي النهاية، يرجح سيد قطب الروايات الدالة على مكية السورة. (نفسه، 3777/6). مثال آخر يمكن ملاحظته في ذيل الآية 172 من سورة الأعراف «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ…». من وجهة نظر سيد قطب، هناك نظريتان مطروحتان حول كيفية أخذ الميثاق من ذرية آدم، ولكل منهما سند روائي. وفقاً للنظرية الأولى، التي يتبناها سيد قطب أيضاً، كان أخذ الميثاق من العباد باللسان وبشكل عادي، لأنه لا يوجد مانع عقلي لذلك، وقد أُيدت هذه الرؤية في رواية عن ابن عباس. وينقل سيد قطب نظرية ثانية عن ابن كثير، مفادها أن المقصود بأخذ الميثاق هو الميثاق الفطري للبشر، الذي يرتبط بلغة الحال. أي أن الله أودع هذا الميثاق والعهد في فطرتهم كحس باطني ذاتي، وثبته في عقولهم كحقيقة واعية ومعترفة بوحدانية الله الواحد. لقد وضع الله هذا السر في فطرة البشر، فتنمو فطرة الإنسان على هذا الميثاق العظيم وتكبر. ونتيجة لذلك، فإن المراد من هذا الإشهاد هو التوحيد الفطري ووجود الإيمان بالله في أعماق روح الإنسان. وفي الختام، ينقل سيد قطب عدة روايات تؤيد النظرية الثانية. كما يلاحظ، هناك تعارض بين الرؤية الأولى والروايات المؤيدة لها مع الرؤية الثانية والروايات المتعلقة بها، وهي غير قابلة للجمع. لذلك، سعى سيد قطب إلى رفع التعارض بينها. وهو يعتقد في هذا الصدد أن النظرية الأولى ورواياتها المؤيدة لها، بسبب تناسقها مع سياق الآيات، ترجح على الرؤية الثانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المسألة من مسائل الغيب التي لا يمكن للفهم والإدراك البشري أن يفهم تفاصيلها. (نفسه، 1392/3). أدى الخلاف حول روايات سبب نزول الآيتين 73 و74 من سورة التوبة «…يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا…» وعدم إمكانية الجمع بين الروايتين إلى أن يرجح سيد قطب إحدى الروايتين. وهو ينقل مجموعتين من الروايات حول سبب النزول؛ وفقاً للمجموعة الأولى، نزلت هاتان الآيتان في شأن نفر من منافقي المدينة كانوا يشتمون النبي (ص)، وعندما استدعاهم النبي (ص) وسألهم عن سبب فعلهم، أنكروا ذلك. ولكن سيد قطب يرى أن هذه المجموعة من الروايات تخالف هذا المقطع من الآية الذي يقول: «وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا»، لأن هذا المقطع من الآية يدل على أمر كانوا يعتزمون فعله ولم يتمكنوا منه؛ لذلك، ينقل المفسر في «في ظلال القرآن» مجموعة أخرى من الروايات يراها موافقة لسياق الآية، ومفادها أن المنافقين كانوا يعتزمون قتل النبي (ص) بعد عودته من غزوة تبوك، ولكن الله أخبر النبي (ص) بمخططهم المشؤوم ولم يتمكنوا من تنفيذ خطتهم. (نفسه، 1677/3). في الآيات 10 إلى 16 من سورة الدخان «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ»، يتحدث الله عن مجيء دخان يغشى جميع الناس ويُعرّف بأنه تهديد للعباد، ولكن لم يُذكر في الآيات شيء عن زمان مجيء هذا الدخان. يلجأ سيد قطب إلى الروايات لبيان ماهية الدخان وزمان وقوعه، وينقل عدة روايات في هذا الصدد، ولكن يوجد تعارض بينها. ثم يقبل رواية ابن عباس التي تعتبر الدخان من علامات القيامة ولم يقع بعد، وذلك لتناسقها مع السياق، ويرد الروايات الأخرى، لأن الله في القرآن قد جعل الدخان تهديداً للعباد «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ»، مما يدل على أنه لم يقع بعد. (نفسه، 3210/5؛ ولمزيد من الحالات، انظر 3272/5؛ 3412/6). كما يلاحظ، فإن من أهم معايير قبول الرواية عند سيد قطب موافقتها لسياق الآيات وظاهر القرآن.

ب. ترجيح الرواية لتناسقها مع الأصول والمباني الاعتقادية

إن تناسق الرواية مع المباني الاعتقادية وأصول الشريعة هو أحد معايير المفسرين، ومنهم سيد قطب، في نقد الروايات وترجيح رواية على أخرى من بين الروايات المتعارضة. وفقاً للآيتين 15 و16 من سورة الأنفال، فإن الذين يولون الأدبار في الحرب يتعرضون للذم ويستحقون غضب الله، ولكن المسألة هي ما إذا كان هذا الحكم خاصاً بالمشاركين في غزوة بدر أم أنه حكم عام يشمل كل حرب في كل زمان. ينقل سيد قطب نوعين من الروايات في هذا الصدد، ثم يقول في مقام الترجيح: «روايات الفئة الثانية هي الراجحة، ويجب عدم تخصيص حكم الآية بزمان ومكان وحدث معين، لأن الفرار يوم الزحف وفي وقت المعركة له تأثيرات سلبية هائلة على الحركة الإسلامية، ومن ناحية أخرى، يرتبط بأصل المعتقدات الإسلامية، ويستحق كل هذه الشدة والحدة». (نفسه، 1487/3).

ج. ترجيح الرواية دون تقديم دليل خاص

في حالات نادرة، يرجح سيد قطب رواية على أخرى دون تقديم أي دليل. على سبيل المثال، في آية «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ» (لقمان: 12)، يذكر الله شخصاً اسمه لقمان أُوتي الحكمة، ولكنه لم يذكر في أي مكان في القرآن أنه كان من أنبياء الله أو عبداً صالحاً من عباده. والروايات أيضاً مضطربة ومتناقضة حول هوية هذا الشخص. وقد التفت سيد قطب إلى هذا الاختلاف، وهو نفسه يعتقد أن روايات الفئة الثانية هي الصحيحة، والتي تفيد بأن لقمان كان عبداً صالحاً ورجلاً حكيماً، وليس نبياً من أنبياء الله. ولكن سيد قطب لا يقدم أي دليل على هذا الترجيح. (نفسه، 2787/5). من وظائف الروايات في تفسير القرآن تحديد زمان نزول الآيات والسور. وأحياناً يوجد خلاف بين هذه الروايات بحيث لا يمكن الجمع بينها، مثل الخلاف في زمان نزول سورة الماعون، التي هي مكية بأكملها وفقاً لبعض الروايات، ووفقاً لبعضها الآخر، فإن الآيات الثلاث الأولى مكية والباقي مدنية. يعتقد سيد أن النظرية الثانية هي الراجحة، ولكنه لا يقدم أي دليل، ثم في قبوله لهذه الرواية يتردد قليلاً ويقول: «لهذه السورة وحدة متسقة ومترابطة تدفعنا إلى اعتبارها مدنية بالكامل، بالإضافة إلى أن موضوعاتها تشبه موضوعات السور المدنية. ولكن لا يوجد مانع من قبول القول الثاني أيضاً». (نفسه، 3984/6). الخلاف في الروايات في ذيل الآية 114 من سورة البقرة «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ» حول الذين منعوا المسلمين من دخول المساجد والمسجد الحرام هو مثال آخر على أن سيد قطب يرجح روايات معينة تعتبرهم اليهود دون تقديم أي دليل خاص. وعلى الرغم من أنه في النهاية يعمم حكم الآية. (نفسه، 105/1؛ 1599/3). وهذا يتوافق مع القرطبي الذي، على الرغم من نقل آراء مختلفة حول سبب نزول الآية، فإنه أيضاً يعمم حكم الآية ليجري في كل زمان. (القرطبي، 1364، 77/2). هذا في حين أن الكثير من المفسرين يعتبرونهم كفار وقريش مكة الذين منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام. ودليل هذا التفسير هو ظاهر وسياق الآية، خاصة أنه استخدم فيها لفظ «كان» الذي يدل على الماضي، لأن سورة البقرة من السور التي نزلت في أوائل الهجرة. (الطباطبائي، 1417هـ، 258/1). وتجدر الإشارة إلى أن سيد قطب أحياناً يشير إلى روايات مختلفة حول موضوع ما، ولكنه لا يرجح رأياً على آخر أو يرد أياً منها. على سبيل المثال، في الآية 138 من سورة الأعراف «وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ»، يقول الله: بعد أن أنجى موسى بني إسرائيل من فرعون عبر البحر، بمجرد نجاتهم من فرعون، طلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة ليعبدوها، لأنهم بعد النجاة من البحر رأوا قوماً يعبدون الأصنام. هنا نسوا كل تعاليم وتوجيهات موسى. يقول سيد: «وفقاً لبعض الروايات، قام موسى بتعليمهم لمدة 20 عاماً، ووفقاً لروايات أخرى لمدة 23 عاماً». (سيد قطب، 1366/3). وبالطبع، يمكن تبرير هذا الأمر بأن هذه المسألة من مبهمات القرآن التي لا يجيز سيد قطب تفسيرها، بل يعتبر علمها خاصاً بالله، لأنه يعتقد أنه لو أراد الله أن يبين هذه الأمور لعباده، لما أوردها بشكل مبهم. وفي بعض الأحيان، على الرغم من وجود روايات مختلفة حول آية في التفاسير الروائية، فإن سيد قطب يحدد مصداق الآية بناءً على رواية واحدة، ويشير فقط إلى وجود روايات أخرى مختلفة في هذا الشأن، ولكنه لا يذكر أي رواية منها، كما في الآية 114 من سورة البقرة «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ»، حيث يذكر الله جماعة منعت المسلمين من دخول المساجد والكعبة، ولكن مصداقها غير محدد في الآية. لذلك، يحدد سيد قطب مصداق هذه الجماعة باليهود بناءً على رواية سبب النزول، ثم يشير إلى أنه: «وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه»، ولكنه لا يستند إلى أي رواية أخرى. (نفسه، 125/1). وكذلك في تحديد «الحج الأكبر» في الآية 3 من سورة التوبة «وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ»، يشير إلى اختلاف الروايات: «ويوم الحج الأكبر اختلفت الروايات في تحديده: أهو يوم عرفة أم يوم النحر، والأصح أنه يوم النحر». في هذه الروايات، لم تتم الإشارة إلى لفظ «أحاديث»، بل يقول سيد فقط: «لفظ روايات مختلف». (نفسه، 1599/3). أخبر الله في سورة الروم عن حرب فارس والروم وهزيمة فارس أمام الروم للمسلمين. وفي هذا الشأن، توجد روايات كثيرة، ولكن سيد قطب اختار فقط رواية ابن جرير الطبري ويقول: «توجد روايات كثيرة حول هذا الحدث، وقد اخترنا من بينها رواية ابن جرير الطبري». (نفسه، 2756/5). تتحدث الآيتان 117 و118 من سورة براءة عن قبول توبة المتخلفين عن غزوة تبوك. إن وصف الوضع الشاق للحرب، ومعرفة المنافقين والمتخلفين عن غزوة تبوك، من المسائل التي دفعت سيد قطب إلى الاستعانة بالروايات في هذا الشأن. وبما أن الروايات تختلف في هذا الأمر، فإن سيد قطب، مع الإشارة إلى هذا الاختلاف، يتناول دراسة مصدر الروايات ومستندها، ويقول عن رواية: «هذه الرواية نُقلت في تفسير ابن كثير، ولكني لم أجدها في سيرة ابن هشام». (نفسه، 1723/3). كما اهتم سيد قطب باختلاف الأقوال في الروايات أيضاً، فهو يقول في هذا الشأن: «الروايات نُقلت بألفاظ مختلفة، ففي رواية، أخبر النبي (ص) حذيفة وعماراً بأسماء الأفراد الذين قصدوا الهجوم عليه بعد العودة من الحرب، ولكن في رواية أخرى، أخبر حذيفة فقط بأسمائهم». يقول سيد عن الرواية الأخيرة: «هذه الرواية نُقلت في تفسير ابن كثير، ولكني لم أجدها في سيرة ابن هشام». (نفسه).

الخاتمة

1. تفسير «في ظلال القرآن»، كغيره من تفاسير القرن الرابع عشر، قد اتخذ موقفاً سلبياً بشكل عام تجاه الروايات التفسيرية.

2. اهتم سيد قطب في نقد الروايات بكلا نوعي النقد السندي والمتني، ولكن النقد المتني في هذا التفسير يحظى بأهمية أكبر بكثير.

3. من أهم معايير نقد متن الروايات التفسيرية في «في ظلال القرآن»: موافقة الرواية للقرآن، وموافقة الرواية للسنة القطعية لرسول الله (ص)، وموافقة الرواية للعقل القطعي، وموافقة الرواية للمسلمات التاريخية، وموافقة الرواية للأصول والمبادئ الاعتقادية والشرعية، وغيرها.

4. لم يغفل سيد قطب في تعامله مع الروايات عن رفع التعارض بين الروايات المتعارضة، ويسعى إلى حل الخلاف بينها بالنظر إلى بعض المعايير.

الهوامش

1. أستاذ مساعد بقسم علوم القرآن والحديث في جامعة الإمام الخميني (ره) الدولية (المؤلف المسؤول) molavi@isr.ikiu.ac.ir

2. أستاذ مساعد بقسم علوم القرآن والحديث في جامعة الإمام الخميني (ره) الدولية – memaridavood@yahoo.com

3. باحثة ماجستير في علوم القرآن والحديث – mehrisabet91@yahoo.com

4. لمزيد من الأمثلة، راجع: سيد قطب، 1/ 175، 198، 311، 315، 369، 433، 542، 662، 912، 913؛ 2/ 759، 970؛ 3/ 1424، 1680، 1683؛ 5/ 2784؛ 6/ 3538.

5. تجدر الإشارة إلى وجود فرق بين التاريخ والسنة. فالتاريخ له طبيعة منفصلة تميزه عن السنة. التاريخ أعم من السنة، لأن السنة هي قول المعصوم (ع) وفعله وتقريره؛ بينما يشمل التاريخ ذلك بالإضافة إلى الوقائع والأحداث التي قد تكون قرينة على كذب الخبر. (البيضاني، 1385، ص 118).

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

إبراهيمي، إبراهيم، كيفية تحليل ونقد الحديث، أراك، جهاد دانشگاهي، الطبعة الأولى، 1389ش.

البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1371ش.

البيضاني، قاسم، مباني نقد متن الحديث، قم، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى، 1385ش.

الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، قم، إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1415ق.

الخالدي، صلاح عبد الفتاح، المنهج الحركي في ظلال القرآن، جدة، دار المنارة، الطبعة الأولى، 1406ق.

ـــــــــــــــــــــ، مدخل إلى ظلال القرآن، جدة، دار المنارة، الطبعة الأولى، 1406 ق.

سليماني، داود، فقه الحديث ونقد الحديث، طهران، فرهنگ و دانش، الطبعة الأولى، 1385ش.

سياوشي، كرم، مباني و روش تفسيري سيد قطب، طهران، شركت چاپ و نشر بين الملل، الطبعة الأولى، 1389ش.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1417ق.

الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان لعلوم القرآن، تحقيق: محمد جواد بلاغي، طهران، ناصر خسرو، 1372ش.

الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، تحقيق: حسن الموسوي خرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.

العاملي، سيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي، قم، دار الحديث، الطبعة الأولى، بلا تاريخ.

علوي مهر، حسين، روش ها و گرايش هاي تفسيري، قم، انتشارات اسوه، الطبعة الأولى، 1381ش.

العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، طهران، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1380ش.

الفيض الكاشاني، ملا محسن، تفسير الصافي، طهران، انتشارات الصدر، الطبعة الثانية، 1415ق.

القرشي، سيد علي أكبر، تفسير أحسن الحديث، طهران، بنياد بعثت، الطبعة الثالثة، 1377ش.

القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، طهران، ناصر خسرو، الطبعة الأولى، 1364ش.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، محمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.

محمد قاسمي، حميد، إسرائيليات و تأثير آن بر داستانهاي انبياء در قرآن، طهران، سروش، الطبعة الأولى، 1388ش.

معارف، مجيد، شناخت حديث، طهران، انتشارات نبأ، الطبعة الأولى، 1387ش.

معرفت، محمد هادي، التفسير و المفسرون، مشهد، الجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، الطبعة الأولى، 1418ق.

مير جليلي، علي محمد، روش و مباني فقه الحديث، يزد، دانشگاه يزد، الطبعة الأولى، 1390ش.

نصيري، علي، روش شناسي نقد احاديث، قم، وحي و خرد، الطبعة الأولى، 1390ش.

Scroll to Top