ماهية انقلاب النسبة (رؤية جديدة في منهجية الملا أحمد النراقي لحل التعارضات)

الخلاصة

يُعدُّ “انقلاب النسبة” من المسائل المطروحة في باب تعارض الأدلة في علم الأصول. ورغم أن هذه الرؤية قد حظيت باهتمام كبير من قِبَل المفكرين الأصوليين بعد طرحها، إلا أن ماهيتها لم تُبحث وتُدقق بشكل مستقل قط. يهدف هذا البحث إلى تحديد ماهية انقلاب النسبة وحقيقتها من منظور منهجي، وذلك بالاستفادة من المصادر المكتوبة بعد توصيف كلمات كبار الأصوليين وتحليلها. وقد خلص البحث إلى نتيجة مفادها أن ما اشتهر في لسان الأصوليين بعنوان “انقلاب النسبة” لا يتطابق مع الرؤية التي قدمها مبدعها الملا أحمد النراقي. في الحقيقة، تُظهر نتائج البحث أن انقلاب النسبة هو نظرية منهجية في حل تعارض الأدلة المتعددة، قد تؤدي إلى تغيير النسب بين الأدلة المتعارضة أو قد لا يترتب عليها مثل هذا التغيير. ولكن، كمنهج مقبول، يجب أن يُؤخذ بنظر الاعتبار في حل تعارض الأدلة المتعددة وفي جميع مراحل حل التعارض، سواء في حالات الجمع العرفي أو غيرها، وأن يتم حل التعارض وتطبيق القواعد بناءً على قياس العلاقة بين جميع الأدلة المتعارضة.

مقدمة

للنظريات دائمًا دور مهم في مختلف العلوم؛ لأنها تبين المسائل والموضوعات الجزئية المختلفة لعلم ما في صورة مجموعة مترابطة، وتوضح ارتباطاتها ببعضها البعض، وتساعد في حل مسائل ذلك العلم.

وعلم أصول الفقه، شأنه شأن سائر العلوم، يشتمل على مسائل كثيرة تشكلت فيها نظريات مختلفة عبر تاريخ العلم، مثل نظرية الحكم، والسنة، والمقاصد، والحجية والاعتبار، وحق الطاعة، وذلك من خلال اكتشاف علماء الأصول للروابط المختلفة بين مسائله. ومن جملة هذه النظريات، نظرية انقلاب النسبة.

تُعد نظرية انقلاب النسبة من النظريات المثيرة للجدل في القرون الأخيرة في علم أصول الفقه، والتي طرحها بعض المفكرين الأصوليين. وبالنظر إلى التأثيرات الكبيرة لانقلاب النسبة في كيفية جريان قواعد التعارض عندما تكون أطراف التعارض أكثر من دليلين، استطاعت هذه الرؤية أن تجذب اهتمام جميع الأصوليين، حيث انبرى المفكرون الأصوليون بعد طرحها إلى نقدها ودراستها.

تندرج هذه النظرية ضمن النظريات المتعلقة بمجال المنهجية في علم الأصول؛ لأنها تعالج طريقة حل التعارض بين أكثر من دليلين. وبناءً على ذلك، فإن تناول انقلاب النسبة من الجانب المنهجي لعلم الأصول يكتسب أهمية. ومع ذلك، لا يُلاحظ اهتمام كبير بماهيتها في كلمات العلماء الأصوليين، بل يمكن القول إن التبيين الذي قدمه الأصوليون حول انقلاب النسبة ليس دقيقًا ويختلف عما قصده مبدعها.

لذلك، تم في هذا البحث لأول مرة تناول ماهية انقلاب النسبة وخصائصها المنهجية، مع الأخذ في الاعتبار رؤية مبدعها وسائر علماء الأصول، وتقديم تحليل جديد لها.

فرضية البحث هي أن التبيين المقدم لانقلاب النسبة كان مصحوبًا بالتسامح والخطأ، وأن انقلاب النسبة له ماهية منهجية يجب الانتباه إلى هذه الخاصية عند تبيينه.

في هذه المقالة، بعد عرض التقريبات المختلفة لانقلاب النسبة وتحليلها، سيتم تبيين وتثبيت التقريب المختار حول ماهية انقلاب النسبة.

تعريف انقلاب النسبة

مصطلح “انقلاب النسبة” هو مصطلح أصولي مركب من كلمتي “انقلاب” و”نسبة”.

كلمة “انقلاب” في اللغة مشتقة من مادة “قلب” بمعنى الرد (الطريحي، 1416هـ، ج2، ص147)، والتحول والرجوع (ابن منظور، 1414هـ، ج1، ص686؛ ابن الأثير الجزري، د.ت، ج4، ص96).

وكلمة “نسبة” مشتقة من مادة “نسب” بمعنى القرابة والعلاقة بين شيئين، مثل العلاقة بالآباء، والعلاقة بالمدن، والعلاقة بالصناعات وغيرها. (راجع: ابن منظور، 1414هـ، ج1، ص755).

بناءً على ذلك، يفيد تركيب هاتين الكلمتين لغويًا معنى: “التغيير والتحول في العلاقة بين شيئين”.

وفي الاصطلاح الأصولي أيضًا، يحمل هذا المركب معناه اللغوي نفسه (التحول في العلاقة بين شيئين)، مع قيود تربطه بالمباحث الأصولية (تعارض الأدلة). لم يتعرض المفكرون الأصوليون عادةً لتعريف هذا المصطلح، بل اكتفوا بتوضيحه وتبيينه ضمن أمثلة. (راجع: النراقي، 1375، ص350-353؛ الكاظمي الخراساني، 1376، ج4، ص740-747؛ الواعظ الحسيني البهسودي، 1422هـ، ج4، ص464؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص288؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج3، ص197؛ الخميني، 1410هـ، ج2، ص32؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت:، 1427هـ، ص487). لعل سبب عدم تعريف هذا المصطلح من قبل علماء الأصول هو عدم وجود تعريف محدد من قبل من طرح هذه الرؤية. فالملا أحمد النراقي، الذي يُعرف بأنه مصمم ومبدع انقلاب النسبة، لم يضع له مصطلحًا خاصًا ليعرّفه، بل أوضحه ضمن مثال.

في هذا السياق، قام بعض المعاصرين بتعريف هذا المصطلح قائلين: “انقلاب النسبة هو تبدل نسبة الأدلة المتعارضة بعد ملاحظة نسبة أحد الدليلين مع دليل ثالث، بعد ملاحظة نسبة الدليلين الأولين، حيث تكون هذه النسبة مختلفة عن النسبة بين الأدلة الثلاثة في عرض واحد”؛ (صنقور، 1428هـ، ج1، ص382).

وقال آخرون في تعريف انقلاب النسبة: “المقصود بانقلاب النسبة هو عندما يرد دليل مخصِّص بالنسبة لأحد دليلين متعارضين، فإذا لوحظت العلاقة بين المتعارضين بعد إعمال التخصيص، يتحول تعارضهما المستقر إلى تعارض غير مستقر”. (الحسيني، 1415هـ، ص42).

لكن التعريفين المقدمين لا يبدوان دقيقين، خاصة التعريف الثاني الذي هو ناقص جدًا؛ لأن هذا التعريف يستند فقط إلى إحدى الصور المطروحة في تطبيقات انقلاب النسبة، بينما لانقلاب النسبة صور متعددة تم بيانها تفصيلًا في موضعها.

والتعريف الأول أيضًا مبني على الفهم الشائع لانقلاب النسبة. لذا، يجب أولًا تبيين وتحليل التقريبات المختلفة لانقلاب النسبة، حتى يتضح إشكال هذا التعريف أيضًا. وبناءً عليه، بعد تبيين انقلاب النسبة، سيتم تقديم تعريف له.

تبيين انقلاب النسبة

من خلال الدراسات التي أُجريت، يمكن تحديد تقريبين لانقلاب النسبة. الوجه المشترك بين التقريبين هو أن انقلاب النسبة يتعلق بتعارض أكثر من دليلين. ولكن هناك اختلافات في طريقة تبيينه بين التقريبين.

هذان التقريبان هما: 1- ما اشتهر وشاع في كتب الأصول؛ 2- ما يمكن استخلاصه من توضيحات الملا أحمد النراقي.

تبيين النراقي لانقلاب النسبة

نظرًا لنسبة انقلاب النسبة إلى النراقي، لا يمكن إغفال توضيحاته في هذا الصدد. بالرجوع إلى كلماته، يتضح أن ما شاع عن انقلاب النسبة في الكلمات المشهورة هو جزء من توضيحاته، لكنه لم يقبل هذا التبيين ولم يقل به. ومن وجهة نظره، توجد صورة أخرى يجب على أساسها قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة.

يقول الملا أحمد النراقي في تبيين انقلاب النسبة: (النراقي، 1375، ص350-351). لإجراء قواعد باب التعارض في الحالات التي تكون فيها الأدلة المتعارضة أكثر من دليلين، توجد ثلاثة وجوه (طرق):

1. أن تؤخذ الأدلة المتعارضة في الاعتبار مثنى مثنى، وبين كل دليلين متعارضين، دون الالتفات إلى سائر الأدلة المتعارضة، تُجرى قواعد باب التعارض ويُرفع التعارض. ثم تُجمع النتائج التي تم التوصل إليها ويُعمل بها.

2. الطريقة الثانية هي أن تُجرى قواعد التعارض بين كل دليلين متعارضين بعد إلغاء تعارضهما مع سائر الأدلة، ويُعمل بمقتضى ذلك. ثم يُقاس تعارض النتيجة الحاصلة مع الدليل الآخر.

3. الطريقة الثالثة هي أنه عند إجراء قواعد التعارض بين الأدلة المتعارضة، يجب الالتفات إلى جميع الأدلة المتعارضة وعلاقاتها. أي أن كل دليل، عامًا كان أو خاصًا، يُقاس بأحد الأدلة المتعارضة مع مراعاة الأدلة الأخرى، ويُعمل بمقتضى التعارض. أي لا يُكتفى بتعارض دليلين، ولا يُعمل بمقتضى تعارض دليلين أولًا ودون الالتفات إلى سائر الأدلة.

ثم يرى من بين الوجوه الثلاثة المذكورة أن الوجه الثالث هو المطابق للتحقيق والصحيح، ويعلن بطلان الوجهين الآخرين. سبب بطلان الوجه الأول من وجهة نظر النراقي هو أنه مع وجود أدلة متعارضة أخرى، يؤدي الانتباه ومراعاة علاقتها بسائر الأدلة المتعارضة إلى اختلاف في الحكم، فلا يوجد دليل على الإغماض والتغاضي عن مثل هذه العلاقة. أما قياس النسبة وإجراء القواعد بالطريقة الثانية فهو نوع من التحكم والتعسف؛ لأن كل هذه الأدلة المتعارضة وصلتنا في وقت واحد ودفعة واحدة، وكلها بمنزلة كلام واحد. فيجب العمل بمقتضى جميع الأدلة، وإجراء قواعد التعارض بالطريقة الثانية غالبًا ما يؤدي إلى الدور أو التسلسل، وهو باطل. (النراقي، 1375، ص 351-352).

وبعد توضيح نظرية المسألة، ينتقل النراقي إلى التبيين العملي لاختلاف الوجوه الثلاثة المذكورة. فيقوم بذكر أربعة أدلة كمثال لشرح وتطبيق الوجوه الثلاثة وبيان اختلافاتها من حيث النتيجة الفقهية. يقول في تبيين المسألة ضمن مثال فقهي: (النراقي، 1375، ص 352-353).

توجد أربعة أدلة: «أنّ الالتفات عن القبلة يقطع الصلاة»، «أنّ الالتفات لا يقطعها»، «أنّ الالتفات بكل البدن يقطعها»، و«أنّ الالتفات إلى غير الخلف لا يقطعها». العلاقة بين الدليل الأول والثاني هي التباين؛ العلاقة بين الدليل الأول والرابع هي العموم المطلق؛ لكن لا يوجد أي تعارض بين الدليل الأول والدليل الثالث. العلاقة بين الدليل الثاني والثالث هي العموم المطلق؛ وهذا الدليل لا يتعارض مع الدليل الرابع. العلاقة بين الدليل الثالث والرابع هي تعارض العموم من وجه. ومن جهة أخرى، هناك إجماع على انتفاء التخيير في المسألة.

تطبيق الطريقة الأولى

إذا كان من المقرر أن تُجرى قواعد باب التعارض بالطريقة الأولى بين هذه الأدلة الأربعة، فستكون النتيجة كما يلي: 1- بالنظر إلى علاقة التباين بين الدليل الأول والثاني، يجب الرجوع إلى الأصل في المسألة وهو عدم قطع الصلاة؛ 2- الدليل الرابع، لكونه أخص مطلقًا من الدليل الأول، يخصصه، وبالتالي الحكم هو أنه إذا لم يكن الانصراف عن القبلة بمقدار الاستدبار، فلا تُقطع الصلاة؛ 3- بناءً على علاقة العموم المطلق بين الدليل الثاني والثالث، تكون النتيجة أنه إذا كان الانصراف عن القبلة بكل البدن، فإنه يوجب البطلان وقطع الصلاة؛ 4- في التعارض بين الدليل الثالث والرابع، لدينا ثلاثة أحكام في المسألة: في حالة ما إذا كان الانصراف عن القبلة بكل البدن ولكن ليس بمقدار الاستدبار، يجب الرجوع إلى الأصل في المسألة، وإذا كان الانصراف عن القبلة ليس بكل البدن ويوجب الاستدبار، تكون الصلاة صحيحة، أما إذا كان الانصراف بكل البدن وبمقدار الاستدبار، فالصلاة باطلة.

في هذا التطبيق، يُلاحظ أنه على الرغم من أن قواعد باب التعارض قد جرت بين الأدلة المتعارضة مثنى مثنى، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة. لأن نتيجة تعارض الدليل الأول والرابع (إذا لم يكن الانصراف عن القبلة بمقدار الاستدبار، فلا تُقطع الصلاة) مع نتيجة تعارض الدليل الثاني والثالث (إذا كان الانصراف عن القبلة بكل البدن، يوجب البطلان وقطع الصلاة)، بينهما تباين جزئي (تعارض العموم من وجه)، وهذه العلاقة لم تُقس بناءً على الطريقة المذكورة. ولكن هذا التعارض أيضًا يحتاج إلى جريان قواعد باب التعارض، ونتيجته هي نفس التعارض بين الدليل الثالث والرابع (العموم من وجه)، وبالتالي يصبح حكم المسألة هو نفس الصور الثلاث التي ذُكرت في العلاقة بين الدليل الثالث والرابع.

تطبيق الطريقة الثانية

في حال استخدام الطريقة الثانية في حل التعارض بين الأدلة الأربعة، يتم العمل على النحو التالي: 1- أولًا، يُخصَّص الدليل الأول بالدليل الرابع (إذا لم يكن الانصراف عن القبلة بمقدار الاستدبار، فلا تُقطع الصلاة)؛ 2- ثم يُخصَّص الدليل الثاني بواسطة الدليل الثالث (إذا كان الانصراف عن القبلة بكل البدن، يوجب البطلان وقطع الصلاة)؛ 3- نتيجة التخصيص الأول مع نتيجة التخصيص الثاني تتعارضان (علاقة العموم من وجه بين النتيجتين)؛ 4- كل ما ذُكر يجب أن يكون متزامنًا مع ملاحظة علاقة التعارض بين الدليل الثالث والرابع (علاقة العموم من وجه) وإجراء القواعد بينهما (ذُكرت ثلاثة أحكام لهذه الحالة)؛ 5- لإجراء القاعدة بين الدليل الثالث والرابع، يجب أيضًا مراعاة علاقة كل من الدليلين مع الدليل الأول والثاني (عموم مطلق وعدم تعارض)؛ 6- كل هذه القياسات يجب أن تكون مع مراعاة جميع التعارضات والنسب الأخرى، وهكذا يجب في كل قياس نسبة وإجراء للقواعد الانتباه إلى سائر النسب والقواعد، وهذا هو الدور أو التسلسل نفسه، لأنه لا نهاية له.

تطبيق الطريقة الثالثة

أما بناءً على الطريقة الثالثة، وهي الطريقة الصحيحة لقياس علاقة الأدلة المتعارضة، فيجب العمل على النحو التالي: الدليل الرابع أخص مطلقًا من الدليل الأول، ولكنه في نفس الوقت معارض للدليل الثالث (عموم من وجه)، لذا بملاحظة علاقة الدليل الثالث والرابع، وبواسطة مادة افتراق الدليل الرابع عن الدليل الثالث التي لا تعارض فيها (الانصراف عن القبلة الذي ليس بكل البدن ولا يوجب الاستدبار)، يُخصَّص الدليل الأول (الانصراف عن القبلة يوجب قطع الصلاة إلا إذا لم يكن هذا الانصراف بكل البدن ولم يوجب الاستدبار). سبب عدم تخصيص الدليل الرابع للدليل الأول في مادة اجتماعه مع الدليل الثالث هو أنه في مسألة تخصيص العام بالخاص، لم يثبت أن الدليل الخاص في فرض التعارض يمكنه أيضًا تخصيص الدليل العام.

في النهاية، يعترف الملا أحمد النراقي بأن نتيجة وثمرة هذه الطرق في معظم الحالات تكون واحدة ولا يوجد اختلاف من حيث الحكم المستخرج. ولكن في بعض الصور على أي حال تكون لها ثمرة، وأن جريان الطريقة الثالثة أو الطريقتين الأخريين يؤدي إلى اختلاف حكم المسألة. مثلما إذا ورد عامان متخالفان مثل «الالتفات يقطع» و«الالتفات لا يقطع»، وورد خاصان متوافقان مثل «بالكل يقطع» و«إلى الخلف يقطع». في هذا الفرض، إذا استُخدمت الطريقة الثالثة، يُخصَّص الدليل العام الثاني بالدليلين الخاصين، لأنهما أخص من الدليل الثاني. أما بناءً على الطريقتين الأولى والثانية، فإن الدليل العام الثاني بعد أن يُخصَّص بأحد الدليلين الخاصين، يتحول تعارضه مع الدليل الآخر إلى عموم من وجه. وبالتالي، سيكون الحكم النهائي مختلفًا. (النراقي، 1375، ص 353).

التبيين المشهور لانقلاب النسبة

تختلف كلمات الأصوليين في تبيين انقلاب النسبة قليلًا في الظاهر عن تبيين النراقي. وكما ذُكر، لم يتطرق المفكرون الأصوليون إلى تعريف انقلاب النسبة، بل قاموا بتبيينه وتوضيحه ضمن أمثلة. بالرجوع إلى المصادر المختلفة وبالنظر إلى التوضيحات والتبيينات التي ذُكرت ضمن أمثلة لانقلاب النسبة، (راجع: الكاظمي الخراساني، 1376، ج4، ص740-747؛ الواعظ الحسيني البهسودي، 1422هـ، ج4، ص 464؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 288؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج3، ص 197؛ الخميني، 1410هـ، ج2، ص 32؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت: 1427هـ، ص 487)، يمكن تقريبه على النحو التالي:

يُطرح انقلاب النسبة حيث يوجد أكثر من دليلين متعارضين. قد تكون لهذه الأدلة عند قياس نسبتها مع بعضها البعض إحدى النسب الأربع. مثلًا، دليل «أكرم العلماء» مع دليل «لا تكرم الفساق» بينهما علاقة تباين جزئي (عموم من وجه). ويوجد دليل ثالث وهو «لا تكرم الفساق من العلماء»، وعلاقة هذا الدليل الثالث مع الدليل الأول والثاني هي العموم المطلق. إذا خصصنا الدليل الأول بواسطة الدليل الثالث، فإن النتيجة تكون «أكرم العلماء العدول»؛ التي لم تعد علاقتها بالدليل الثاني عمومًا من وجه، بل تتغير هذه العلاقة إلى تباين. يُسمى هذا التغير في علاقة الدليل الأول بالدليل الثاني من العموم من وجه إلى العموم المطلق انقلاب النسبة. لأن نسبة الدليلين تبدلت وتغيرت وانقلبت بمراعاة الدليل الثالث. أما إذا لم تُراعَ هذه النسبة المتغيرة، وظلت النسبة الابتدائية بين الأدلة هي المقياس، فستكون النتيجة مختلفة؛ لأنها ستؤدي إلى تعارض بين الدليل الأول والثاني، مما يستدعي القول بالترجيح أو التساقط أو غيرها من الأقوال المطروحة بشأن الأدلة المتعارضة.

بناءً على التوضيح المذكور، يمكن القول إن المسألة في الواقع تدور حول أي طريق يجب اتباعه في التعارض بين الأدلة المتعددة؟ هل يجب البدء بقياس النسبة بين دليلين والنتيجة الحاصلة تُقاس مع سائر الأدلة؛ حتى لو تغيرت نسبتها مع بعضها البعض بملاحظة النسبة الأولية؟ بمعنى آخر، هل يجب قبول انقلاب النسبة وإجراؤه في تعارض الأدلة المتعددة؟ أم أن المهم هو النسبة الابتدائية بين الأدلة المتعارضة ويجب الحكم وإجراء القواعد بينها على أساس تلك النسبة الابتدائية؟

بتعبير ثالث، هل يجب في قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة الالتفات إلى مدلول الأدلة، بصرف النظر عن القرائن؛ أم بعد إعمال القرائن في مدلول الأدلة يجب قياس العلاقة بينها؟

ظاهر التعابير المطروحة في كلمات المفكرين الأصوليين يتطابق مع الطريقتين اللتين طرحهما النراقي لإعمال قواعد باب التعارض، أي الطريقة الأولى والثانية. ولكن لا يُلاحظ ذكر للالتفات إلى جميع النسب بشكل متزامن ومؤثر على بعضها البعض، وهي الطريقة الثالثة المطروحة في كلام النراقي. في الحقيقة، ظاهر التقريب المشهور لانقلاب النسبة يتطابق مع الطريقة الثانية التي طرحها الملا أحمد النراقي لإجراء قواعد باب التعارض بين الأدلة المتعارضة المتعددة. لذا، بناءً على هذا التقريب، فإن نسبة القول بقبول انقلاب النسبة إلى النراقي ستكون نسبة غير تامة؛ لأنه هو نفسه لم يقبل هذه الطريقة. (راجع: النراقي، 1375، ص 351-352).

تحليل المختار والجمع بين التبيينين المقدمين

في تبيين نظرية انقلاب النسبة وطريقة الملا أحمد النراقي في حل تعارض الأدلة المتعددة، يجب الانتباه إلى عدة نقاط ضرورية:

1. بناءً على النقاط التي ذُكرت في كلمات النراقي وبعض علماء الأصول الآخرين حول هذه الطريقة في حل التعارض، يجب تعريف وتقديم انقلاب النسبة من منظور منهجية حل المسائل الأصولية كطريقة جديدة في حل تعارض أكثر من دليلين. في الحقيقة، قام النراقي بتحليل الطريقة المشهورة في حل تعارض الأدلة المتعددة، بعمل منهجي، وبعد تحليل هذه الرؤية والالتفات إلى إشكالها، طرح طريقة جديدة في حل التعارضات وقام بعرضها وتطبيقها. لقد قام في الخطوة الأولى بتحليل أنواع العلاقات وقياس النسب بين الأدلة المتعارضة، وإلى جانب الطريقة والأسلوب المشهور، طرح احتمالين آخرين من الناحية المنهجية. ثم بنقد ودراسة الطرق الثلاث الموجودة، اختار الطريقة الصحيحة وقدمها. من النقاط المهمة الأخرى في المنهجية التي اتبعها في التعامل مع الأدلة المتعارضة، تطبيق الطرق الموجودة والتبيين العملي لإشكال الطريقة المشهورة، وفي النهاية إظهار الثمرة العملية للطريقة الصحيحة في حل تعارض الأدلة المتعددة.

2. كما ذُكر، ظاهر التقريب المشهور يتوافق مع الطريقة الثانية لحل التعارض من وجهة نظر النراقي، وهي طريقة مرفوضة من قبله وتستلزم الدور والتسلسل. بناءً على ذلك، فإن نسبة قبول انقلاب النسبة إلى النراقي، بناءً على التقريب المشهور، هي نسبة غير تامة وغير صائبة. ولكن بتحليل دقيق لكلام النراقي والتطبيقات التي ذكرها، يمكن تبيين كلامه بطريقة تتوافق إلى حد ما مع التقريب المشهور لانقلاب النسبة.

لقد ذكر بعد تقديم حل التعارض بطريقة جديدة، أنه يجب الانتباه إلى أن الطريقة المقدمة لا تقع في الإشكال. لذلك، يجب الالتفات إلى أنواع العلاقات الموجودة بين الأدلة المتعارضة. بتحليل كلام النراقي بالنسبة للطريقة الثانية والثالثة التي ذكرها، يمكن القول: على الرغم من أن ظاهر الطريقة الثالثة يختلف عن الكلمات المشهورة في تبيين انقلاب النسبة، إلا أنها في الواقع إحدى الحالات التي تُطرح في انقلاب النسبة. بالطبع، هناك فرق بين الطريقة الثانية والثالثة، مما جعله يقبل إحداهما ويرفض الأخرى؛ وهو كون الطريقة الثالثة منضبطة مقابل عدم انضباط الطريقة الثانية. (لمزيد من الدراسة حول الضوابط المطروحة، راجع: شاكري، 1396، ص 29-44). لذلك، في نظرية انقلاب النسبة، في الحقيقة، يُنظر إلى جميع العلاقات، على عكس الطريقة الأولى التي تكتفي فقط بالعلاقة بين دليلين بمعزل عن مراعاة العلاقات الأخرى.

بالطبع، من وجهة نظره (بالنظر إلى أن نظرية جديدة قيد الإنشاء وفي مثل هذه المواقف قد لا تُكتشف جميع جوانب القضية)، فإن الطريقة الثانية، التي هي في الحقيقة نوع من قياس العلاقة بدون قرينة، تواجه إشكال الدور والتسلسل (أو كما ذُكر في كلمات سائر العلماء الأصوليين، تستلزم الترجيح بلا مرجح. (راجع: الآشتياني، د.ت، ص 484؛ الحسيني الشيرازي، 1427هـ، ج9، ص 191؛ الصافي، 1428هـ، ج3، ص 333؛ الفرحي، 1386هـ، ص 438)). لذا، هذه الطريقة والأسلوب ليسا صحيحين، أما الطريقة الثالثة، التي تكون مصحوبة بالنظر إلى القرائن الموجودة والمؤثرة في قياس النسبة، فإن مثل هذا التغيير في النسبة يكون صحيحًا ويجب قياس النسبة بين الأدلة بهذه الطريقة.

في الحقيقة، من وجهة نظر النراقي، للانتباه إلى العلاقات المختلفة وتقديم وتأخيرها لحل التعارض، يجب العمل بشكل منضبط، وإذا كانت هذه القياسات للنسب بدون ضابط، فستواجه مشكلة الدور أو التسلسل أو الترجيح بلا مرجح. إذا أمكن إيجاد وتقديم قرائن وضوابط أخرى لقياس العلاقات، فلا يبدو بعيدًا أنه سيعارض تغيير النسب؛ لأنه بالانتباه إلى القرائن الموجودة وضوابط المسألة، تم الالتفات إلى جميع التعارضات والارتباطات بينها في آن واحد، وهذه هي النقطة نفسها التي يسعى إليها النراقي في الطريقة الثالثة.

أما بناءً على التقريب الشائع لانقلاب النسبة، فقد اهتم المخالفون والموافقون ظاهراً بإحدى الطريقتين الصحيحة والخاطئة المقدمة في رؤية النراقي فقط. فالمخالفون أجروا هذه الرؤية على الصورة الثانية، وبما أن النراقي نفسه معترف بعدم صواب هذه الطريقة، فقد واجهوا هم أيضاً انقلاب النسبة بالمشكلة؛ أما الموافقون، فقد وضعوا في اعتبارهم مصاديق وحالات مثل الطريقة الثالثة وقالوا بقبولها.

وأن بعض موافقي انقلاب النسبة اعتبروا موارد جريانه من موارد إمكان الجمع العرفي (راجع: لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت: 1427هـ، ص 487)، بل إن بعضهم عدّ هذه النظرية من مصاديق الجمع العرفي. (المشكيني الأردبيلي، 1374، ص 91) شاهد على هذا الاستنتاج.

على أي حال، بالتقريب الدقيق لانقلاب النسبة يمكن القول: إن قبول انقلاب النسبة مطابق للحق، والطريقة التي قدمها النراقي هي طريقة دقيقة وقابلة للدفاع، أي يجب في قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة الالتفات إلى القرائن والقواعد الأخرى أيضاً، وبناءً على ذلك يتم قياس النسبة وتقديم وتأخير القياسات. ورغم أن هذا التقديم والتأخير قد يؤدي إلى تغيير النسبة بين الأدلة المتعارضة، أو لا يؤدي إلى مثل هذا التغيير، بل قد يؤدي جريان هذه الطريقة إلى تحويل التعارض غير المستقر إلى تعارض مستقر أو العكس. ففي الواقع، إن انقلاب النسبة ليس من مصاديق الجمع العرفي، بل قد يكون أحياناً مطابقاً للجمع العرفي، وأحياناً يحوّل الجمع العرفي بين الأدلة إلى تعارض مستقر.

بناءً على التوضيحات المذكورة، في نسبة هذه النظرية بدقة إلى النراقي وكونه قائلاً بماذا، يجب القول: بناءً على التقريب الشائع لانقلاب النسبة، فإن نسبة القبول المطلق له إلى النراقي غير تامة، وهو كما صرح، لم يقبل انقلاب النسبة بالطريقة الثانية، ويرى صحة تغيير النسب بناءً على الطريقة الثالثة فقط. لذا، بناءً على هذا التقريب، يجب اعتباره من القائلين بالتفصيل في المسألة. أما بناءً على التقريب الصحيح (ستأتي أجزاء من هذا التقريب لاحقاً)، فإنه يقبل انقلاب النسبة كطريقة لحل التعارض بشكل مطلق. بمعنى أن الطريقة الوحيدة التي يجب أن تجري في حل تعارض أكثر من دليلين هي هذه الطريقة؛ ورغم أن تأثير واختلاف هذه الطريقة عن الطريقة المشهورة لا يشمل جميع المصاديق، وفي معظم الحالات لا يوجد اختلاف في النتيجة النهائية، وفي بعض الحالات أيضاً بسبب عدم وجود ضابطة وقرينة للتأثير، لا تؤدي هذه الطريقة إلى نتيجة.

لذا يمكن القول إن النراقي يطرح طريقة جديدة لحل التعارضات ويجعل تأثيرها مشروطاً بضوابط وشروط، وفقط في الحالات التي يمكن فيها قياس النسبة بضابطة، يقبل اختلاف النتيجة بين طريقته المقترحة والطريقة المشهورة. ورغم أنه لم يتطرق إلى تبيين هذه الضوابط والقرائن. يؤيد هذا التبيين توضيحات الشيخ الأنصاري، تلميذ النراقي، حول رؤية أستاذه. فهو في مقام نقل كلام النراقي ينسب إلى الأستاذ أن النراقي لا يجري هذه الرؤية في الحالات التي يكون فيها الخاص لفظياً، وفقط عندما يكون أحد الأدلة الخاصة لبياً يجري مثل هذه الرؤية. (راجع: الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 103). ورغم أن هذه النسبة لا تتوافق مع ما ورد في كلمات النراقي، إلا أنها من حيث بيان ضابطة لتأثير انقلاب النسبة، تؤيد كلامنا. (كون المخصص لفظياً أو لبياً، ضابطة وردت في كلام الشيخ).

3. إنقلاب النسبة، خلافاً لما اشتهر، لا يجري فقط في موارد تغيير النسبة بين الأدلة المتعارضة. وبما أن هذه الرؤية عادةً ما تُشرح بمثال، وتطبيقها الأساسي وثمرتها العلمية في الحالات التي تتغير فيها النسبة بين الأدلة المتعارضة، فقد سُميت بهذا الاسم واشتهرت به. هذا التطبيق والتعريف المثالي، تسبب في أن الكثير من الأصوليين لا يعتبرون الحالات التي لا يحدث فيها أي تغيير في النسبة بين الأدلة المتعارضة مشمولة بانقلاب النسبة ويقولون بعدم جريانها. ربما يكون سبب حصر البعض لهذه الرؤية في الحالات التي يمكن فيها الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة أو وجود بعض الأدلة (راجع: المشكيني الأردبيلي، 1374، ص 91) هو هذا الفهم الخاطئ.

لكن يبدو أن مثل هذا الفهم لانقلاب النسبة خاطئ. لأنه من خلال الدراسات التي أُجريت، يتضح أن ماهية هذه النظرية وتأكيدها على الانتباه إلى القرائن الموجودة لدراسة دليلين من بين الأدلة المتعارضة ابتداءً (بناءً على ضوابط) ثم قياس النتيجة الحاصلة مع سائر الأدلة، سواء أدى هذا القياس إلى تغيير النسبة بين سائر الأدلة أم لم يحدث مثل هذا التغيير. بتعبير آخر، كما ذُكر من منظور منهجي، فإن انقلاب النسبة هو طريقة جديدة لدراسة تعارض أكثر من دليلين؛ ودائرة شمولها لا تقتصر على الحالات التي تتغير فيها النسب، بل تشمل جميع الحالات التي يوجد فيها أكثر من دليلين متعارضين. لذلك، يجب التعامل مع قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة وفقاً للطريقة والأسلوب المقدم. بالطبع، لأن الأثر البارز لهذه الطريقة يظهر في حالات تغيير النسبة بين الأدلة، فقد اشتهرت بهذا الاسم.

لإثبات التحليل المذكور، توجد أدلة وشواهد في كلمات النراقي وغيره:

1- النراقي في بداية توضيحاته حول هذه الطريقة، يبيّن المسألة بشكل عام. فهو في بداية كلامه يذكر أنه لجريان قواعد باب التعارض في الحالات التي يوجد فيها أكثر من دليلين متعارضين، يمكن تصور ثلاث طرق وأساليب. (راجع: النراقي، 1375، ص 350). في تبيينه لهذه الطرق الثلاث واختياره للطريقة الصحيحة، لا يشير إطلاقاً إلى تغيير النسبة وعدمه.

2- شاهد آخر هو أن النراقي، مع اعترافه بأن الطرق المذكورة من حيث الثمرة العملية في حل التعارضات، لا يوجد بينها اختلاف نوعي، والنتيجة واحدة، وبتعبير آخر لا تتغير النسب، ولكنه مع ذلك يجب العمل بناءً على الطريقة الثالثة التي هي الطريقة الصحيحة. (راجع: النراقي، 1375، ص 353). هذا التصريح يوضح جيداً أن انقلاب النسبة من وجهة نظره لا يقتصر على حالات تغيير النسبة بين الأدلة، بل هو بمثابة طريقة وأسلوب في حل التعارضات ويجري في جميع الحالات.

3- شاهد آخر على هذا الادعاء هو أن القائلين بانقلاب النسبة يعتبرونه من مصاديق الجمع العرفي، لذا يعتقدون أن الجمع العرفي مقدم على سائر قواعد باب التعارض؛ لأنه بالجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة، يزول التعارض بين الأدلة في الواقع، ولا تعود النوبة إلى جريان قواعد باب التعارض. (راجع: النراقي، 1375، ص 350-354؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت: 1427هـ، ص 487). وفي الحقيقة، تقدم الجمع العرفي على سائر قواعد باب التعارض دائم، ولا يختص بفرض خاص. هذه النقطة يمكن أن تكون شاهداً آخر على جريان انقلاب النسبة بشكل مطلق في جميع حالات تعارض أكثر من دليلين. لأن القاعدة هي أن الجمع العرفي (وانقلاب النسبة كمصداق له) مقدم على جميع قواعد باب التعارض.

4- الشاهد الرابع على الادعاء المذكور هو نقطة حول ثمرة إجراء هذه الطريقة بين الأدلة المتعارضة؛ فجريان انقلاب النسبة لا يعني دائماً رفع التعارض. بل أحياناً يؤدي إجراء هذه الطريقة إلى تثبيت واستقرار التعارض، وبتغيير العلاقة مثلاً من العموم المطلق الذي هو تعارض غير مستقر، إلى العموم من وجه الذي هو تعارض مستقر، تتشكل حالة لجريان قواعد باب التعارض. كما صرح البعض بهذه النقطة. (راجع: الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 106؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت: 1427هـ، ص 487). الانتباه إلى نتائج هذه الطريقة التي تحول أحياناً التعارض المستقر إلى غير مستقر، وأحياناً تعمل بالعكس وتحول التعارض غير المستقر إلى مستقر، وأحياناً لا تحدث أي تغيير في النسب، يدل على دائرة شمول هذه النظرية في جميع حالات تعارض أكثر من دليلين.

5- بعض الإشكالات التي أُثيرت على بعض صور انقلاب النسبة (مثل إشكال تعارض تقديم خاصين من نفس الرتبة وردا على عام واحد. (الكمره‌اي، د.ت، ج2، ص 278-279)) تدل أيضاً على أن جريان هذه الطريقة في جميع حالات تعارض أكثر من دليلين هو محل نقاش، وإن كان في بعض الحالات قد لا تكون له نتيجة خاصة أو في بعض الصور بسبب إشكالات خاصة لا يمكن إجراؤه أو بتعبير آخر لا يصل إلى مرحلة الفعلية.

توضيح ذلك أنه إذا لم يُطرح انقلاب النسبة كطريقة عامة، واقتصر على الحالات التي تؤدي إلى تغيير النسبة بين الأدلة المتعارضة، فلا ينبغي أن تُطرح الصور التي تواجه إشكال عدم الجريان، كصور لانقلاب النسبة، وتُحلل وتُدرس. خاصة وأن النراقي، بصفته منظر هذا البحث، لم يتطرق بنفسه إلى ذكر صور المسألة، وهذه الصور طُرحت من قبل علماء أصوليين آخرين (موافقين ومخالفين)، مما يدل على أن فهمهم لانقلاب النسبة أيضاً كان طريقة عامة لجميع التعارضات.

4. النقطة الرابعة حول تبيين انقلاب النسبة وتحديد ماهيته، هي الفرق بين انقلاب النسبة والجمع العرفي. كما ذُكر، اعتبر البعض انقلاب النسبة من مصاديق الجمع العرفي، وذكر البعض أن مورد انقلاب النسبة هو حيث يوجد إمكان الجمع العرفي، لذا في الحالات التي لا يوجد فيها إمكان الجمع العرفي، لم يقبلوا انقلاب النسبة. من وجهة نظر الكاتب، على الرغم من وجود ارتباط وثيق بين هاتين المسألتين، ومصاديق مختلفة من الجمع العرفي تساعد بشكل كبير في رفع الإشكالات وضبط انقلاب النسبة. (راجع: شاكري، 1396، ص 29-44). كما أن انقلاب النسبة أيضاً في بعض الحالات، بتغيير النسبة الذي يحدثه، يوجد محملاً لجريان قاعدة الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة؛ لكن هذا الارتباط الوثيق لا يعني تطابق هاتين المسألتين أو حتى علاقة العموم المطلق بينهما ليكون انقلاب النسبة من مصاديق الجمع العرفي. مع التوضيحات المقدمة، اتضح أن الادعاءات المطروحة تعود إلى التقريب غير التام لانقلاب النسبة. ولكن بناءً على التبيين الصحيح، يتضح الفرق بين هذين العنوانين الأصوليين جيداً. لبيان العلاقة الدقيقة بين انقلاب النسبة والجمع العرفي، سيتم بيان الفروق والتشابهات بين هاتين المسألتين.

وجه الشبه بين الجمع العرفي وانقلاب النسبة

وجه الشبه بينهما يكمن في موقعهما ورتبتهما بالنسبة لسائر قواعد باب التعارض في حل تعارض الأدلة. بعبارة أخرى، إذا أُخذت جميع المسائل والقواعد المتعلقة بتعارض الأدلة في الاعتبار (مسائل مثل قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة (انقلاب النسبة)، الجمع العرفي، الرجوع إلى المرجحات، التخيير و…)، فإن رتبة وموقع انقلاب النسبة والجمع العرفي مقدمة على سائر القواعد المطروحة في حل التعارض.

في الجمع العرفي، تُقاس الأدلة المتعارضة أولاً، فإذا أمكن الجمع ورفع التعارض، يتم الجمع، وإلا فإن قواعد باب التعارض تجري بين الأدلة. بناءً على ذلك، فإن رتبة الجمع العرفي مقدمة على سائر القواعد.

بشأن موقع انقلاب النسبة، بناءً على التقريب المشهور والشائع، فإن مثل هذا الادعاء صحيح أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من وجود اختلاف بين الأصوليين حول موقعه وفقاً لهذا التقريب، إلا أن الوجه المشترك بينهم هو تقدم انقلاب النسبة على سائر قواعد باب التعارض مثل الرجوع إلى المرجحات و….

توضيح ذلك: لقد ذكر عدد من المفكرين الأصوليين أن موقع طرح انقلاب النسبة يقع في التعارض المستقر (راجع: الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 102؛ الخراساني، 1409هـ، ص 451؛ العراقي، 1420هـ، ج2، ص 482؛ الأصفهاني، 1374هـ، ج3، ص 408؛ الحسيني، 1415هـ، ص 42). ولكن بناءً على قبول انقلاب النسبة، قالوا إنه يتم أولاً قياس النسبة بين الأدلة، ثم بناءً على النتائج الحاصلة، تُطبق سائر القواعد مثل الرجوع إلى المرجحات، التخيير أو التساقط. كما طرح آخرون هذه النظرية بعد التعارض غير المستقر أو كحالات مشكوك في كونها من مصاديق التعارض المستقر أو التعارض غير المستقر، واعتبروا موقعها بين مسألتي التعارض المستقر وغير المستقر. (راجع: الحكيم، 1413هـ، ج7، ص 348؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 288). إذا كانت هذه الرؤية صحيحة ومقبولة، يتضح مرة أخرى أن انقلاب النسبة مقدم على سائر قواعد باب التعارض من حيث الرتبة والموقع. لأنه ما لم يتم تطبيق وتنفيذ قياس النسبة، لا تصل النوبة إلى التعارض المستقر وجريان سائر القواعد. في الحقيقة، لأن كلاً من الجمع العرفي وانقلاب النسبة يؤديان إلى رفع التعارض بين الأدلة، فإنهما يتشابهان. هذا التشابه في الموقع أدى إلى أن يخطئ البعض في العلاقة بينهما.

الفروق بين الجمع العرفي وانقلاب النسبة

ولكن بالنظر إلى الفروق الأساسية الموجودة بين هاتين الطريقتين لحل التعارض؛ لا يمكن اعتبارهما متماثلين أو من مصاديق بعضهما البعض. من جملة هذه الفروق يمكن الإشارة إلى ما يلي:

1- الفرق في الماهية والسنخ: يتباين انقلاب النسبة والجمع العرفي من حيث الماهية والسنخ. لأن الجمع العرفي قاعدة من قواعد باب التعارض تُطبق في حالات إمكان الجمع العرفي وتُقدم على سائر قواعد باب التعارض. أما انقلاب النسبة فليس قاعدة من حيث الماهية، بل هو طريقة لجريان القواعد، وهو طريقة تؤثر في مسار حل تعارض الأدلة بأكمله. هناك فرق ماهوي بين القاعدة وطريقة جريان القاعدة. لذلك، حتى في حالات جريان قاعدة الجمع العرفي، يجب الانتباه إلى طريقة انقلاب النسبة، وإذا كانت الأدلة المتعارضة أكثر من دليلين وكان الجمع العرفي ممكناً، يجب الانتباه إلى جميع الروابط والنسب في الجمع العرفي.

2- الفرق في الموقع والرتبة: على الرغم من أن تقدم الجمع العرفي وانقلاب النسبة على قواعد باب التعارض مقبول، وكما ذُكر، هناك تشابه بينهما في المقارنة مع سائر قواعد باب التعارض، فإن تقدم موقعهما ورتبتهما في المقارنة مع سائر القواعد أمر واقع. لكن الجمع العرفي وانقلاب النسبة يختلفان في الموقع والرتبة عند مقارنتهما ببعضهما. توضيح ذلك: رتبة جريان انقلاب النسبة مقدمة على الجمع العرفي. لأنه كما ذُكر، انقلاب النسبة هو طريقة لجريان قواعد باب التعارض، ومن جملة هذه القواعد الجمع العرفي. لذلك، يسيطر انقلاب النسبة على جميع قواعد باب التعارض وكيفية جريانها ويحيط بها ويضعها كلها تحت تأثيره. بعبارة أخرى، لأن انقلاب النسبة هو طريقة لجريان قواعد باب التعارض؛ في جميع مراحل تنفيذ قواعد باب التعارض وبالتزامن معها (حتى الجمع العرفي)، يجب الانتباه إلى طريقة جريان القواعد، هل تُجرى بالطريقة المشهورة أم على أساس انقلاب النسبة.

3- الفرق في مورد الجريان: الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة قابل للجريان، سواء كان التعارض بين دليلين أو أكثر. بينما انقلاب النسبة لا يكتسب معنى إلا في حالات تعارض أكثر من دليلين، وفي التعارض بين دليلين لا معنى لهذه الطريقة. لذلك، من حيث المورد وقابلية الجريان، فإن العلاقة بينهما هي العموم المطلق، أي أن نطاق جريان الجمع العرفي أوسع من نطاق جريان انقلاب النسبة.

4- الفرق في النتيجة: تختلف هاتان المسألتان في النتيجة أيضاً. لأن الجمع العرفي يمنع دائماً من حدوث تعارض مستقر؛ بينما نتيجة انقلاب النسبة ليست دائماً واحدة. أحياناً، تكون هذه الطريقة مثل الجمع العرفي، فتؤدي إلى رفع التعارض المستقر (تُنشئ مصداقاً للجمع العرفي)؛ وأحياناً بالعكس، تحوّل التعارض غير المستقر بين الأدلة إلى تعارض مستقر؛ وأحياناً لا يكون لها أي تأثير في علاقة الأدلة المتعارضة.

بناءً على النقاط المطروحة في التقريب الصحيح لانقلاب النسبة، يجب القول إن تعابير الفقهاء والأصوليين حوله مصحوبة بالتسامح، وأن التفصيلات المختلفة التي طُرحت كأقوال في المسألة لا تتطابق مع ماهية انقلاب النسبة. في الحقيقة، بخصوص انقلاب النسبة، محل النزاع هو فقط الجريان وعدم الجريان. أي هل مثل هذه الطريقة لجريان قواعد باب التعارض في حالات تعارض أكثر من دليلين مقبولة أم لا؟ سائر التفصيلات في المسألة هي في الواقع تحديد لنطاق تأثير انقلاب النسبة. ادعى البعض أن انقلاب النسبة لا يؤثر في بعض الصور، وفي الحقيقة لا تصل قابليته للجريان إلى الفعلية. بعبارة أخرى، النزاع بين العلماء الأصوليين في الصور المذكورة يدور حول ما إذا كانت هذه الطريقة لحل التعارض مؤثرة في أي من الصور المطروحة، وبناءً على القرائن والضوابط التي تم التوصل إليها، تؤدي إلى تغيير النسب؛ وفي أي الحالات بسبب عدم وجود ضابطة محددة في قياس النسبة لا تؤثر هذه الطريقة في النتيجة.

بعد أن اتضحت ماهية انقلاب النسبة، يمكن للمهتمين بهذه المسألة الأصولية تعريف انقلاب النسبة بشكل موجز كما يلي:

«انقلاب النسبة هو طريقة لجريان قواعد باب التعارض، في حالات تعارض أكثر من دليلين؛ حيث يتم بناءً على هذه الطريقة الالتفات إلى جميع العلاقات والنسب الموجودة بين الأدلة المتعارضة، وبناءً على ضوابط وقرائن محددة، تُجرى قواعد باب التعارض بين الأدلة.»

الاستنتاج

بناءً على المطالب المذكورة، يمكن استخلاص النتائج التالية حول انقلاب النسبة:

1. انقلاب النسبة هو نظرية منهجية في باب تعارض الأدلة تعالج كيفية جريان قواعد باب التعارض لحل التعارض.

2. التقريب المشهور والشائع لانقلاب النسبة يختلف عن التبيين الذي قدمه النراقي، صاحب النظرية.

3. نسبة قبول انقلاب النسبة إلى الملا أحمد النراقي بناءً على التقريب المشهور، غير تامة، وهو ينكر هذا التقريب صراحةً.

4. هذه النظرية تحتاج إلى تطوير، وما طرحه النراقي كمبدع لها كان في خطواتها الأولية، والكثير من النقاط والمطالب المرتبطة بها لم تُطرح في كلماته.

5. انقلاب النسبة لا يؤدي دائماً إلى حل التعارض، ومثل هذا الفهم مبني على فهم غير تام لها. بل قد يحول أحياناً التعارض المستقر إلى غير مستقر، وأحياناً بالعكس، وأحياناً قد لا يحدث أي تغيير في قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة.

6. تسمية هذه الرؤية لم تكن من قبل مبدعها، بل كانت من قبل مفكرين أصوليين آخرين بناءً على التسامح ومطابقةً للحالات المؤثرة، وإلا فمن الممكن أن لا تُحدث هذه الطريقة أي تغيير في قياس النسب.

7. بين انقلاب النسبة والجمع العرفي، على الرغم من وجود تشابه، إلا أن وجود الفروق الأربعة بينهما يمنع من اعتبارهما واحداً أو حتى القول بعلاقة العموم المطلق بينهما.</p

8. وجود أقوال مختلفة حول انقلاب النسبة مبني على الخطأ الشائع أو على الأقل يمكن القول إنه مبني على التسامح المشهور، وإلا فإن هذه الطريقة إما مقبولة أو غير مقبولة. سائر التفصيلات المطروحة هي في الحقيقة تحديد لنطاق تأثير هذه الطريقة مع الطرق المنافسة.

9. تعريف انقلاب النسبة كنظرية منهجية هو: «انقلاب النسبة هو طريقة لجريان قواعد باب التعارض، في حالات تعارض أكثر من دليلين؛ حيث يتم بناءً على هذه الطريقة الالتفات إلى جميع العلاقات والنسب الموجودة بين الأدلة المتعارضة، وبناءً على ضوابط وقرائن محددة، تُجرى قواعد باب التعارض بين الأدلة.»

الهوامش

1. إن تبيين كون “انقلاب النسبة” نظرية يتطلب مقالة مستقلة، ولا يتسع المجال في هذا الموضع للخوض فيه. ولكن، يمكن القول إجمالاً إن التعاريف المختلفة التي طُرحت للنظرية العلمية، قابلة للانطباق على انقلاب النسبة. لذا، يمكن اعتبار انقلاب النسبة نظرية أصولية.

2. التعبير بـ”المبدع” يستند إلى الطريقة المتبعة التي تنسب النظرية إلى شخص ما، فيُعرف بأنه مبدع النظرية. بالطبع، قد تكون للنظرية جذور أو حتى نماذج من تطبيقها لدى المتقدمين. كما أنه بالرجوع إلى تاريخ نظرية انقلاب النسبة، يتضح جيداً أن الفقهاء المتقدمين كانوا أحياناً يستخدمون مثل هذه الطريقة في حل التعارض. (دراسة تاريخ النظرية تتطلب مجالاً آخر، ولكن كنموذج لتطبيق هذه الطريقة في كلمات المتقدمين، راجع: الطوسي، 1390هـ، ج3، ص 125-126؛ الحلي، 1387هـ، ج2، ص 129-130). ولكن أول من نقّح هذه الطريقة في حل تعارض أكثر من دليلين وذكرها صراحة كطريقة لحل التعارض هو الملا أحمد النراقي.

3. بالرجوع إلى كلماتهم، يتضح فقط أن الملا أحمد النراقي طرح طريقة انقلاب النسبة كحل صحيح في دراسة الروايات المتعارضة، وعلى الأقل في أثره الأصولي لا يُشاهد مثل هذا المصطلح. (راجع: النراقي، 1375، ص 350-354). أول من استخدم مصطلح “انقلاب النسبة”، وإن لم يكن بهذا العنوان الخاص المشهور حالياً لدى الأصوليين، بل بتعبير “تنقلب النسبة” لنظرية الملا أحمد النراقي، هو تلميذه الشيخ الأنصاري. (راجع: الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 111). في الواقع، شاع هذا المصطلح بعد الشيخ الأنصاري وفي كلمات تلاميذه، أي بعد جيلين من الملا أحمد النراقي. (راجع: الروزداري، 1409هـ، ج4، ص 346؛ التبريزي، 1369هـ، ص 622؛ الآشتياني، 1388، ج8، ص 287-288؛ اليزدي، 1426هـ، ص 258-259).

4. بالطبع، توجد اختلافات في تقسيم صور المسألة. ولكن نظراً لعدم أهمية هذه التقسيمات في بحثنا الحالي، نمتنع عن ذكرها. لمزيد من الاطلاع، راجع: الخوئي، 1352، ج2، ص 518-520؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 295-309؛ الموسوي الزنجاني، 1308هـ، ص 112-130؛ الحسيني الشيرازي، 1427هـ، ج9، ص 191-196؛ الخميني، 1375، ص 93-99؛ الهاشمي الشاهرودي، 1419هـ، ج4، ص 377-386؛ التبريزي، 1369هـ، ص 618-623؛ الآشتياني، 1388، ج8، ص 287؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج3، ص 199-208.

5. بالرجوع إلى كلمات الأصوليين بعد النراقي، يتضح أنهم نسبوا انقلاب النسبة إليه. الشيخ الأنصاري هو أول من تناول هذه المسألة بالتفصيل. بالطبع، استخدم هو تعبير “بعض من عاصرناه” ولم يذكر اسماً. (الأنصاري، 1428، ج4، ص 103). ولكن في شروح وحواشي الرسائل، ذُكر صراحة أن مراد الشيخ الأنصاري من “بعض من عاصرناه” هو الملا أحمد النراقي. (الحسيني الشيرازي، 1421هـ، ج15، ص 206؛ الاعتمادي، 1387، ج3، ص 578؛ التبريزي، 1369هـ، ص 623؛ التنكابني، 1385هـ، ج2، ص 1031؛ الروزداري، 1409هـ، ج4، ص 337). كذلك، نسب المحشون والشارحون للكفاية هذه الرؤية إلى الملا أحمد النراقي. (الجزائري، 1415هـ، ج8، ص 268؛ المشكيني الأردبيلي، 1413هـ، ج5، ص 221). وفي بعض المصادر الأصولية الأخرى، تم تأييد هذه النسبة. (إسماعيل بور، 1395، ج8، ص 297).

6. نظراً لأن هذه الرؤية طُرحت لأول مرة من قبل الملا أحمد النراقي، ولتحليل قوله تأثير كبير في تبيين ماهية نظرية انقلاب النسبة، يتم طرح كلامه بالتفصيل.

7. مثلاً، توجد ثلاثة أدلة: “أكرم العلماء”، “أكرم الفقهاء”، و”لا تكرم العالم الفاسق”. العلاقة بين الدليل الأول والثالث هي العموم المطلق، لذا يخصص الدليل الثالث الدليل الأول. العلاقة بين الدليل الثاني والثالث هي العموم من وجه، لذا بالنسبة للفقيه الفاسق إما يتساقطان ولا يُعطى أي حكم، أو يجري بينهما التخيير. بين الدليل الأول والثاني أيضاً علاقة العموم المطلق، فإذا قلنا في المتوافقين بالتقييد والتخصيص، يُقيد الدليل الأول بالدليل الثاني؛ أما إذا حملنا المتوافقين على التأكيد، فلن يكون هناك تقييد.

8. أو في مثال آخر، توجد ثلاثة أدلة: “لا تكرم العلماء”، “أكرم الفقهاء”، و”أكرم العدول”. لا يوجد تعارض بين الدليل الثاني والثالث. لكن علاقة هذين الدليلين بالدليل الأول هي العموم المطلق. لذلك، يُخصَّص الدليل الأول بغير العدول وغير الفقهاء. لذا، يختص حكم عدم الإكرام بالفاسق من غير الفقهاء. (النراقي، 1375، ص 350-351). هذه الطريقة هي نفسها التي يطرحها معارضو نظرية انقلاب النسبة. (راجع: الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 290؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج3، ص 198-199؛ المؤمن القمي، 1419هـ، ج2، ص 508؛ إسماعيل بور، 1395هـ، ج4، ص 413؛ الخراساني، 1409هـ، ص 452).

9. مثلاً، في المثال الثاني المذكور، يُخصَّص دليل “لا تكرم العلماء” أولاً بدليل “أكرم الفقهاء” الذي هو أخص مطلق منه؛ ثم النتيجة الحاصلة (لا تكرم العلماء غير الفقيه) تتعارض مع “أكرم العدول” وتتحول علاقتهما إلى عموم من وجه. (النراقي، 1375، ص 351). هذه الطريقة هي نفسها التي اشتهرت في لسان الفقهاء بنظرية انقلاب النسبة. (راجع: الكاظمي الخراساني، 1376، ج4، ص 740-747؛ الواعظ الحسيني البهسودي، 1422هـ، ج4، ص 464؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 288؛ الطباطبائي القمي، 1371، ج3، ص 197؛ الخميني، 1410هـ، ج2، ص 32؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت: 1427هـ، ص 487).

10. لم يذكر الملا أحمد النراقي أياً من المثالين السابقين لهذه الطريقة، ويبدو أنه لم يعتبر الطريقة الثالثة منطبقة على هذين المثالين، لذا في النص يذكر مثالاً آخر يرى أنه قابل لتطبيق الطرق الثلاث جميعها.

11. كما سيأتي لاحقاً، يبدو أن ما يقصده هو التمييز بين الحالات المختلفة في قياس النسبة، وفي الحقيقة هو أيضاً يرى جريان انقلاب النسبة في بعض الفروض والصور (الطريقة الثالثة التي هي صورة من صور مسألة انقلاب النسبة)، وفي بعض الصور لا يقول بجريانها (الطريقة الثانية التي ستبين، هذه الطريقة أيضاً صورة أخرى من مصاديق مسألة انقلاب النسبة). وسبب هذا التمييز هو وجود ضابطة لقياس النسبة في بعض الحالات وعدم وجودها في حالات أخرى، مما يؤدي من وجهة نظره إلى الدور والتسلسل. ولكن بناءً على الضوابط التي ذُكرت لجريان هذه النظرية وتأثير أنواع قياس النسبة بين الأدلة المتعارضة (أكثر من دليلين)، يمكن حتى تطبيق هذه النظرية في المثال نفسه الذي ذكره لجريان الطريقتين الأوليين، دون الوقوع في الدور أو التسلسل. في الواقع، نفس التطبيق الذي ذكره للطريقة الثانية في المثال، صحيح بناءً على الضوابط المحددة، ولكنه بسبب عدم انتباهه لهذه الضوابط، واجه مثل هذا التطبيق بمشكلة الدور أو التسلسل. توضيح التطبيق المذكور من قبله مع مراعاة الضوابط المطروحة في المسألة هو كالتالي: بالنظر إلى المراحل الثماني للضابطة المحددة لجريان العلاقة بين الأدلة المتعارضة أكثر من دليلين، فإن المراحل السبع الأولى لا تنطبق على الحالات الثلاث المذكورة في المثال الثاني، وتأتي النوبة إلى الضابطة الثامنة. هذه الضابطة تنص على أنه إذا وجدت علاقة توافق وتخالف بين الأدلة المتعارضة، تُقاس أولاً علاقة الدليلين المتخالفين ثم تُقاس النتيجة الحاصلة مع الدليل الثالث. (لمزيد من الدراسة حول الضوابط المعنية، راجع: شاكري، 1396، ص 29-44). في المثال المذكور، دليل “أكرم الفقهاء” مع الدليلين “أكرم العدول” و”لا تكرم العلماء” له علاقة عموم مطلق، ولكن بين دليل “أكرم الفقهاء” ودليل “أكرم العدول” يوجد توافق، وبين دليل “أكرم الفقهاء” ودليل “لا تكرم العلماء” يوجد تخالف. لذا، يُقيد أولاً دليل “لا تكرم العلماء” بـ”أكرم الفقهاء” والنتيجة (لا تكرم العلماء غير الفقيه) تُقاس بدليل “أكرم العدول”. نتيجة هذا القياس هي وجود علاقة عموم وخصوص من وجه بين النتيجة الحاصلة والدليل المتبقي.

12. كيفية الدور والتسلسل ستتضح في تتمة كلامه والتطبيقات التي يذكرها للطرق الثلاث المذكورة.

13. في هذا المثال أيضاً، يتضح جيداً أن النراقي في الطريقة الثالثة استخدم ضابطة توافق وتخالف الخاصين في تقديم أحد قياسات النسبة، وقدّم تخصيص الدليل العام بالخاصين المتخالفين على قياس علاقة الدليل العام المتوافق مع الخاصين.

14. هذه النقطة مستفادة من كلمات بعض الأصوليين بناءً على التطبيقات التي أجروها في الصور المختلفة المطروحة في انقلاب النسبة. على سبيل المثال، المحقق النائيني يطرح انقلاب النسبة في الحالات التي يوجد فيها إمكان الجمع العرفي. (راجع: الكاظمي الخراساني، 1376، ج4، ص 745-746). وكذلك عمل الإمام الخميني بهذه الطريقة. (راجع: الخميني، 1410هـ، ج2، ص 35-36).

15. الفرق بين نظرية انقلاب النسبة والجمع العرفي سيُبيَّن لاحقاً.

16. على سبيل المثال، في بحث ضمان العارية، حيث عمل الشيخ الأنصاري في المخصص المتصل بناءً على نظرية انقلاب النسبة، أدى إجراء هذه الطريقة إلى تغيير العلاقة بين الأدلة إلى عموم من وجه، وتشكل تعارض مستقر. (راجع: الشيخ الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 406).

17. خصوصاً أن النراقي نفسه في نهاية عبارته يذكر ما يدل على أن بيان المخصص اللبي واللفظي لا يختلف من حيث نظرية انقلاب النسبة. (راجع: النراقي، 1375، ص 353).

18. على سبيل المثال، المحقق الخوئي في فرض وجود دليل عام (حرم الربا) ودليلين خاصين، وعلاقة الخاصين هي التباين (لا ربا بين الوالد والولد؛ لا ربا بين الزوج والزوجة)، يقول إن القول بانقلاب النسبة أو عدمه لا يفرق، لأن لحاظ الدليل العام مع الخاصين في آن واحد وتخصيصه بهما، مع لحاظ العام أولاً مع خاص واحد وتخصيصه به ثم قياسه مع الخاص الآخر، لا يغير في النسب. لأن نسبة العام في كلتا الحالتين مع الخاصين هي العموم المطلق. (الواعظ الحسيني البهسودي، 1422هـ، ج2، ص 467-468).

19. كما ذُكر، لم يقدم الملا أحمد النراقي مثل هذا الاسم لطريقته المقترحة. فقط الشيخ الأنصاري بسبب ملاحظة حالة انقلبت فيها النسب، استخدم تعبير “تنقلب النسبة” (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 111) وبعده اشتهر هذا المصطلح وشاع لهذه النظرية. قد يكون وجه تسمية هذه النظرية بانقلاب النسبة مبنياً على حالات من الجريان والتطبيق تختلف عن الرؤية المشهورة في حل التعارض، وإلا فإن أصل هذه النظرية لا ينحصر في انقلاب النسب. قد يكون من الأفضل اختيار اسم جديد لهذه النظرية لتجنب مثل هذا الفهم الخاطئ لعنوانها، ولكن نظراً لشهرة هذا العنوان، استُخدم في هذا البحث نفس العنوان الشائع.

20. مثل التعاريف التي نُقلت في بداية هذا البحث لانقلاب النسبة. أو الإشكال الذي طرحه بعض العلماء الأصوليين بأن جريان انقلاب النسبة بين الأدلة المتعارضة ليس له ثمرة ولم يؤد إلى تغيير النسبة بين الأدلة. كنموذج، راجع: الاعتمادي، 1387، ج3، ص 586.

21. هذا المطلب طُرح في كلمات بعض المفكرين الأصوليين الآخرين. على سبيل المثال، يصرح الشيخ الأنصاري بأنه في حالات اختلاف نسبة الأدلة المتعارضة، يكون انقلاب النسبة مقبولاً حتى لو لم تتغير النسب في هذا القياس. (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 111-112). أو فخر المحققين في بحث ضمان العارية، تناول قياس الأدلة المتعارضة بطريقة نظرية انقلاب النسبة، على الرغم من أنه لم يؤد إلى تغيير النسبة. (الحلي، 1387هـ، ج2، ص 129-130).

22. سواء الذين قبلوا النظرية مطلقاً أو الذين قالوا بالتفصيل في المسألة، في الصور التي قبلوا فيها النظرية وأجرَوها، قالوا إنها من مصاديق الجمع العرفي.

23. بالطبع، هذه النقطة محل نقد من قبل الكاتبين، وسيتم في تتمة البحث بيان الفرق بين انقلاب النسبة والجمع العرفي.

24. إذا اعتُبرت المسائل المنهجية كقاعدة، يجب القول إن الفرق بين الجمع العرفي وانقلاب النسبة هو أن الجمع العرفي قاعدة خاصة لها موقع محدد في حل تعارض الأدلة؛ أما انقلاب النسبة فهو قاعدة عامة تسيطر على مسار حل تعارض الأدلة بأكمله، وتنظم كيفية جريانها وتحدد التقدم والتأخر.

المصادر

1. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد (د.ت). النهاية في غريب الحديث والأثر. قم: مؤسسة إسماعيليان للطباعة.

2. ابن منظور (1414ق). لسان العرب. المصحح: أحمد فارس صاحب الجوائب. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.

3. إسماعيل پور، محمد علي (1395ق). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار (تقريرات درس ميرزا هاشم آملي). قم: المطبعة العلمية.

4. الأصفهاني، محمد حسين (1374ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. قم: سيد الشهداء.

5. الاعتمادي، مصطفى (1387). شرح الرسائل. الطبعة الثانية. قم: شفق.

6. الأنصاري، مرتضى (1428ق). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

7. الآشتياني، محمد حسن بن جعفر (1388). بحر الفوائد في شرح الفرائد. قم: ذوي القربى.

8. الآشتياني، محمود (د.ت). حاشية على درر الفوائد. قم: مؤلف.

9. شاكري، بلال (1396). ضابطه مندسازي نظريه انقلاب نسبت. جستارهاي فقهي واصولي، العدد 6، صص 29-44.

10. التبريزي، موسى (1369ق). أوثق الوسائل في شرح الرسائل. قم: كتبي نجفي.

11. التنكابني، محمد (1385ق). إيضاح الفرائد. طهران: مطبعة الإسلامية (إخوان كتابجي).

12. الجزائري، محمد جعفر (1415ق). منتهى الدراية في توضيح الكفاية. الطبعة الرابعة. قم: مؤسسة دار الكتاب.

13. الحسيني الشيرازي، صادق (1427ق). بيان الأصول. الطبعة الثانية. قم: دار الأنصار.

14. الحسيني الشيرازي، محمد (1421ق). الوصائل إلى الرسائل. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة عاشوراء.

15. الحسيني، محمد (1415ق). معجم المصطلحات الأصولية. بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات.

16. الحكيم، عبد الصاحب (1413ق). منتقى الأصول (تقريرات درس محمد روحاني). قم: دفتر آية الله سيد محمد حسيني روحاني.

17. الحلي، فخر المحققين (1387ق). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. المصحح: سيد حسين موسوي كرماني – علي پناه اشتهاردي – عبد الرحيم بروجردي. قم: مؤسسة إسماعيليان.

18. الخراساني، محمد كاظم (1409ق). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

19. الخميني، روح الله (1375). التعادل والترجيح. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (ره).

20. ______ (1410ق). الرسائل. قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.

21. الخوئي، أبو القاسم (1352). أجود التقريرات (تقريرات درس محمد حسين نائيني). قم: مطبعة العرفان.

22. الروزداري، مولى علي (1409ق). تقريرات آية الله المجدد الشيرازي (تقريرات درس ميرزا محمد حسن شيرازي). قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

23. الشيخ الحر العاملي، محمد بن حسن (1409ق). وسائل الشيعة. المصحح: مؤسسة آل البيت. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

24. الصافي، لطف الله (1428ق). بيان الأصول. قم: دائرة التوجيه والإرشاد الديني في مكتب المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني (دام ظله).

25. الصنقور، محمد (1428ق). المعجم الأصولي. الطبعة الثانية. قم: منشورات الطيار.

26. الطباطبائي القمي، تقي (1371). آراؤنا في أصول الفقه. قم: محلاتي.

27. الطريحي، فخر الدين (1416ق). مجمع البحرين. المصحح: سيد أحمد حسيني. طهران: كتابفروشي مرتضوي.

28. الطوسي، محمد بن الحسن (1390ق). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. المصحح: خرسان. حسن الموسوي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

29. العراقي، ضياء الدين (1420ق). مقالات الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

30. الفرحي، سيد علي (1386ق). تحرير الأصول (تقريرات درس ميرزا هاشم آملي). قم: مكتبة الداوري.

31. الكاظمي الخراساني، محمد علي (1376). فوائد الأصول (تقريرات درس محمد حسين نائيني). قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

32. الكمره‌اي، محمد باقر (د.ت). أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي. طهران: مطبعة فردوسي.

33. لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (1427ق). قواعد أصول الفقه على مذهب الإمامية. المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام. الطبعة الثانية. قم: مركز الطباعة والنشر.

34. المشكيني الأردبيلي، أبو الحسن (1413ق). كفاية الأصول (با حواشي مشكيني). قم: لقمان.

35. المشكيني الأردبيلي، علي (1374). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. الطبعة السادسة. قم: الهادي.

36. الموسوي الزنجاني، محمد بن أبو القاسم (1308ق). إيضاح السبل في الترجيح والتعادل. أبو طالب موسوي. طهران: د.ن.

37. المؤمن القمي، محمد (1419ق). تسديد الأصول. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

38. النراقي، أحمد بن محمد مهدي (1375). عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام. قم: دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

39. الواعظ الحسيني البهسودي، محمد سرور (1422ق). مصباح الأصول (تقريرات درس أبو القاسم خوئي). قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

40. الهاشمي الشاهرودي، علي (1419ق). دراسات في علم الأصول (تقريرات درس أبو القاسم خوئي). قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت عليهم السلام.

41. الهاشمي الشاهرودي، محمود (1417ق). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس سيد محمد باقر صدر). الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت عليهم السلام.

42. اليزدي، محمد كاظم (1426ق). التعارض. قم: مؤسسة انتشارات مدين.

Scroll to Top