دراسة وتحليل آراء الفقهاء حول جواز القراءات السبع في الصلاة

الملخص

تعد الصلاة من أهم العبادات التي أكد عليها الشرع المقدس تأكيداً بالغاً. ومن أفعال الصلاة القراءة، والتي لها شروط وضوابط خاصة. وفيما يتعلق بجواز قراءة القراءات السبع في الصلاة، توجد آراء متعددة بين فقهاء الفريقين. فجمهور أهل السنة يجيزون قراءة القراءات السبع بل وحتى العشر. وبين فقهاء الشيعة، أجاز الأكثرية الساحقة منهم قراءة القراءات السبع، بل إن بعضهم جوّز قراءات أخرى أيضاً. وفي المقابل، يرى عدد قليل من فقهاء الشيعة أن قراءة الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة واحدة. في هذا البحث، وبعد دراسة الآراء المختلفة وأصحابها، نوقشت أدلة ومستندات الفتاوى، وتوصلنا إلى أن قراءة القراءات السبع في الصلاة جائزة من وجهة نظر الفريقين، وأن أهم دليل على هذه الفتوى هو تقرير وتأييد المعصومين (عليهم السلام) لهذه القراءات.

المقدمة

الصلاة واجب عيني على جميع المكلفين (النساء/103)، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر (العنكبوت/45)، وذكر لله (طه/14)، وعمود الدين (المجلسي، بحار الأنوار، 1403هـ: 79/ 202)، وأحب الأعمال إلى الله (المصدر نفسه، 79/ 206)، وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة (المصدر نفسه، 7/ 267). ويكفي في بيان أهميتها أن الاستخفاف بها يوجب الحرمان من الشفاعة (المصدر نفسه، 8/ 47)، وأن تركها كفر (المصدر نفسه، 79/ 217).

ونظراً لأهمية هذا العمل العبادي، يجب على المكلف أن يولي اهتماماً خاصاً به، وأن يؤدي جميع أركانه وأجزائه على الوجه الصحيح.

إن القراءة من واجبات الصلاة. ومن البديهي أن للقراءة نفسها شروطاً وضوابط خاصة. ونظراً لوجود قراءات قرآنية متعددة، فإن موضوع البحث في هذا المقال هو: على أي قراءة أو قراءات يجب أن تكون قراءة سورة الحمد والسورة في الصلاة حتى يتمكن المكلف من أداء تكليفه. ومن المسلّم به أن القراءة التي تُقرأ في الصلاة يجب أن تكون بحيث يستطيع العبد أن يقدم حجة ودليلاً عليها، وأن تكون معذِّرة بحسب مصطلح علماء الأصول.

دراسة الآراء

في الإجابة عن سؤال «أي قراءة يمكن قراءتها في الصلاة؟»، طُرحت ثلاث آراء بين علماء الفريقين، نوردها فيما يلي.

1. الرأي الأول: لزوم الاكتفاء بقراءة واحدة

يعتقد بعض الفقهاء المتأخرين أنه لا يمكن أداء الصلاة إلا بقراءة واحدة، وهي القراءة الرائجة والمشهورة بين الناس، أي قراءة عاصم برواية حفص. ومن هؤلاء الأعلام يمكن الإشارة إلى الميرزا هاشم الآملي (الآملي، مجمع الأفكار، 1395هـ: 3/ 131)، والعلامة مرتضى العسكري (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416هـ: 2/ 267)، وآية الله معرفت (معرفت، علوم قرآني، 1386ش: 246).

أ) أدلة الرأي الأول

يعتقد القائلون بجواز قراءة واحدة فقط أن القرآن واحد، وقد نزل من عند إله واحد، وهذه القراءة الواحدة فقط هي التي لها الحجية. يقول الآملي: «إن ما هو معتبر لدينا هو نفس القراءة المدونة في المصحف، سواء للقراءة أو لاستنباط الحكم. وهذا القول بأن حكم القراءة في الصلاة يختلف عن استنباط الأحكام ليس صحيحاً؛ لأن ما هو مصدر الحكم الفقهي هو القرآن، وكذلك نحن مكلفون بقراءة القرآن، وما لم يثبت كونه قرآناً لا يمكن نسبته إلى الله» (الآملي، مجمع الأفكار، 1395هـ: 3/ 131).

وقد استدل آخرون على هذه النظرية بنهي المعصوم (ع) عن القراءات الأخرى، وادعوا أن هذا النهي قد وصل إلينا في قالب حديث «اقرؤوا كما يقرأ الناس». ويكتب آية الله معرفت حول هذا الحديث: «حديث (اقرؤوا كما يقرأ الناس) ناظر إلى الحقيقة الجارية بين الناس، والتي ورثوها عن النبي (ص)، لا ما يجري على ألسنة القراء وهو وليد اجتهاداتهم ويختلفون حوله؛ فبناءً على هذا، ما هو معتبر وله حجية شرعية هو القراءة التي لها طابع عام وشعبي، وكانت ثابتة على الدوام ودون اختلاف، وجميع المصاحف الموجودة في الحوزات العلمية المعتبرة عبر العصور كانت متطابقة، ولم يوجد أي اختلاف في تدوينها وضبطها» (معرفت، علوم قرآني، 1386ش: 246).

كما يذكر العلامة العسكري هذه الروايات ويكتب: «بناءً على هذه الروايات، يجب على الإنسان أن يتجنب جميع القراءات المنقولة، وأن يقرأ القرآن فقط كما يقرأه عامة المسلمين» (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416هـ: 2/ 267).

ب) دراسة وتحليل

تستند هذه النظرية إلى ثبوت تواتر قراءة معينة في جميع العصور والقرون، وعدم رواج القراءات الأخرى بين المسلمين، وكلا الأمرين مثير للتأمل؛ إذ صحيح أن قراءة عاصم برواية حفص رائجة في معظم البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر وفي القرون المتأخرة، ولكن إثبات هذا الأمر في القرون الأولى وفي عصر المعصومين (ع) أمر صعب ودون دليل. ومن جهة أخرى، فإن إنكار سائر القراءات يخالف الشواهد التاريخية.

كما أن رواية «اقرؤوا كما يقرأ الناس» هي نفسها محل بحث، وهناك اختلاف في معناها ومفهومها. ومن المثير للاهتمام أن القائلين بجواز قراءة القراءات المتعددة قد استندوا أيضاً إلى هذه الرواية نفسها، وهو ما سيشار إليه لاحقاً.

إن قول العلامة معرفت بأن جميع القراءات هي وليدة اجتهادات شخصية من القراء هو قول مثير للتأمل أيضاً؛ لأن مبنى القراءات هو النقل، والاختلافات الموجودة بينها تستند إلى الرواية، لا إلى الاجتهاد الشخصي. وعلى فرض وجود اجتهاد، فقد كان لاختيار قراءة واحدة من بين عدة موارد منقولة، لا الاجتهاد بما يخالف ما نُقل؛ بعبارة أخرى، كان الاجتهاد للوصول إلى النص القرآني، لا الاجتهاد في مقابل النص القرآني. ومؤيد هذا المطلب رواية صرح فيها الإمام بأن الاختلاف في القراءة من جهة الرواة (الكليني، الكافي، 1365ش: 2/ 630).

2. الرأي الثاني: إجزاء أي من القراءات السبع

يرى كثير من الفقهاء، ومنهم حضرات الآيات العلامة الحلي (الحلي، تحرير الأحكام، 1420هـ: 1/ 245؛ والمصدر نفسه، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، 1412هـ: 5/ 46)، والمقدس الأردبيلي (الأردبيلي، مجمع الفائدة، 1403هـ: 2/ 217)، والآقا وحيد البهبهاني (البهبهاني، الفوائد الحائرية، 1415هـ: 286)، والآقا رضا الهمداني (الهمداني، مصباح الفقيه، 1416هـ: 12/ 118)، والميرزا القمي (القمي، قوانين الأصول، 1378هـ: 1/ 406)، وأبو الحسن الأصفهاني (الأصفهاني، وسيلة الوصول، 1419هـ: 485)، والشيخ عبد الكريم الحائري (الحائري، كتاب الصلاة، 1362ش: 205)، والسيد حسين البروجردي (البروجردي، نهاية الأصول، 1415هـ: 482)، أن القراءة في الصلاة طبقاً لأي من القراء السبعة مجزئة. وفي هذا السياق، يعتبر العلامة الحلي القراءات السبع متواترة (الحلي، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، 1412هـ: 5/ 46). ويرى عدد من الأكابر مثل الميرزا النائيني (النائيني، كتاب الصلاة، 1411هـ: 2/ 112)، والإمام الخميني (الخميني، تحرير الوسيلة، 1390هـ: 1/ 167)، وبهجت (بهجت، توضيح المسائل، بي‌تا: 200) وكثير من فقهاء العصر أن مطابقة القراءة لأحد القراء السبعة موافقة للاحتياط. كما يرى الشيخ البهائي صحة قراءة الصلاة طبقاً لأي من القراءات السبع، ولكنه يستثني البسملة (بكسر الباء وميم مخففة «بِسْمِ الله الرحمن الرحيم» أو بفتح الباء وميم مصدر صناعي بمعنى قول «بسم الله الرحمن الرحيم»)؛ أي أن المصلي يجب أن يقرأ البسملة أياً كانت القراءة التي يقرأ بها، وإن لم تنقل البسملة في تلك القراءة. ويوضح في تتمة كلامه أن مراد أولئك العلماء من الإمامية الذين أفتوا بجواز القراءة طبقاً للقراء السبع هو هذا المعنى؛ لأن علماء الإمامية مجمعون على أن من ترك البسملة عمداً فصلاته باطلة (البهائي، الاثنا عشرية الصلاة اليومية، 1409هـ: 27).

ومن بين فقهاء الشافعية، يكتب النووي: «القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع جائزة، واستعمال القراءات الشاذة غير صحيح؛ لأن شرط القراءة المعتبرة هو التواتر، والقراءات الشاذة ليست متواترة» (النووي، المجموع شرح المذهب، بي‌تا، 3/ 392).

أ) أدلة الرأي الثاني

اعتبر علماء أهل السنة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف دليلاً على حجية القراءات. وفي المقابل، ذكر كثير من علماء الشيعة تقرير المعصوم (ع) دليلاً على هذا القول. ومن بينهم، يعتبر العلامة الحلي فقط القراءات السبع متواترة (الحلي، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، 1412هـ: 5/ 46). وبناءً على رأيه، فإن سند جواز قراءة القراءات السبع هو تواترها.

ب) دراسة وتحليل

بشكل عام، تختلف آراء علماء أهل السنة في هذا المجال اختلافاً جوهرياً عن رأي علماء الإمامية؛ إذ إن الغالبية العظمى من أهل السنة قبلوا أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ويعتبرون القراءات السبع جزءاً من القراءات النازلة من عند الله، في حين أن هذا النوع من الأحاديث لا اعتبار له عند علماء الشيعة، ويتعارض أيضاً مع الحديث الصحيح الذي يفيد بأن القرآن نزل على حرف واحد. من ناحية أخرى، يرى معظم علماء أهل السنة أن القراءات السبع متواترة؛ لذا يعتبرون جواز القراءة بها أمراً مسلماً به؛ ولهذا السبب، قلما صرحوا في كتبهم الفقهية بجواز القراءات السبع؛ إذ لم يروا حاجة لذكره.

إن نظرية تواتر القراءات، التي طرحها عدد قليل من فقهاء الشيعة منهم العلامة الحلي، قد أضعفها علماء الشيعة الآخرون. ومن المسلم به أن اعتبار القراءات متواترة عن النبي (ص) وحتى عن القراء أنفسهم أمر صعب.

بناءً على ذلك، لا يمكن أن يستند جواز قراءة القراءات السبع إلى تواترها. بالطبع، هناك أدلة أخرى مثل تقرير المعصوم (ع) قد طرحت لجواز القراءات السبع، والتي سيتم بيانها ومناقشتها ضمن الرأي الثالث.

تجدر الإشارة إلى أن تنبيه الشيخ البهائي بأن البسملة مستثناة من هذا الحكم مهم جداً؛ لأنه في بعض القراءات السبع، عند وصل سورتين، لا تقرأ البسملة؛ لذا يجب على المصلي أن يقرأ البسملة أياً كانت القراءة التي يقرأ بها، وإن لم تنقل البسملة في تلك القراءة. والجدير بالذكر أن جميع القراء السبعة يقرؤون «بسم الله» في بداية كل سورة.

ولكنهم قرأوا البسملة بين سورتين عند الانتقال من سورة إلى أخرى برواية قالون، ابن كثير، عاصم والكسائي، بينما وصل حمزة سورة بسورة دون ذكر البسملة. ومن الضروري التذكير بأنه إذا تم الوقف في نهاية السورة، فإنه يلزم ذكر البسملة أيضاً حسب قراءة حمزة. وفي رواية ورش عن نافع وكذلك في قراءة أبي عمرو وابن عامر، يجوز ذكر البسملة بين سورتين. بناءً على ذلك، يجب في الصلاة، وفقاً لجميع القراءات السبع، أن تبدأ السورة بالبسملة؛ لأنه بعد قراءة سورة الحمد يجب الوقف، ثم قراءة سورة أخرى مع البسملة.

3. الرأي الثالث: جواز التمسك بالقراءات الأعم من القراءات السبع

يرى عدد من العلماء أن جواز القراءة لا يقتصر على القراءات السبع المشهورة، بل يمكن الاستفادة من سائر القراءات أيضاً إذا كانت مستوفية لشروط الاعتبار.

بعض الأكابر مثل الشهيد الأول (العاملي، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، 1419هـ: 3/ 305) والشهيد الثاني (العاملي، المقاصد العلية، 1420هـ: 244) يعتبرون القراءات العشر متواترة، وبالتالي يرون أن القراءة بها في الصلاة مجزئة. ويرى المحقق الكركي (الكركي، جامع المقاصد، 1414هـ: 2/ 245) أن قراءة الصلاة طبقاً للقراءات العشر صحيحة. كما يرى الشيخ جعفر كاشف الغطاء أن القراءات العشر كافية (كاشف الغطاء، كشف الغطاء، بي‌تا: 1/ 239). ويصرح الشهيد الأول في أحد كتبه بأنه إذا قرأ شخص في الصلاة بغير القراءات السبع أو العشر، فصلاته باطلة (العاملي، البيان، 1412هـ: 157). كما يكتب الشهيد الثاني: «إن اتباع قراءة واحدة من بين القراءات العشر والاكتفاء بها ليس بواجب ولا مستحب» (العاملي، المقاصد العلية، 1420هـ: 245؛ والمصدر نفسه، البيان، 1402هـ: 2/ 700). ويكتب الآقا رضا الهمداني في كتابه الاستدلالي «مصباح الفقيه»: «الإجماع والنصوص تدل على جواز القراءات السبع والعشر وحتى القراءات الأخرى التي كانت رائجة في زمن المعصومين (ع). على الأقل لا شبهة في جواز القراءات السبع؛ إذ بالإضافة إلى المؤيدات الروائية، فإن نقل الإجماع على جوازها مستفيض بل متواتر» (الهمداني، مصباح الفقيه، 1416هـ: 12/ 118). ويقول آية الله الخوئي: «الأحوط أن تكون القراءة مطابقة لإحدى القراءات السبع، ولكن الأقوى – ما يبدو أقوى من حيث الأدلة – هو أن كل قراءة كانت متداولة في عصر المعصومين (ع) يمكن قراءتها في الصلاة» (الخوئي، منهاج الصالحين، 1410هـ: 1/ 165). ورأي وحيد الخراساني هو نفسه (وحيد الخراساني، منهاج الصالحين، 1428هـ: 2/ 184). ويقول آية الله الخوئي في موضع آخر بعد بيان تقرير وتأييد القراءات من قبل المعصومين (ع): «لا يوجد دليل على أن جواز القراءة منحصر في القراءات السبع أو العشر، بل يمكن قراءة القراءات الأخرى أيضاً، بالطبع يجب اجتناب القراءات الشاذة أو المزيفة … خلاصة القول أن كل قراءة كانت موجودة في زمن المعصوم (ع)، فقراءتها في الصلاة صحيحة» (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1418هـ: 167).

خلاصة رأي آية الله الخوئي بشأن مستند هذا الحكم هو أن هذه القراءات كانت موجودة في زمن الأئمة المعصومين (ع)، ولو لم تكن قراءتها جائزة، لصدر ردع من جانب الأئمة، في حين لم يصدر مثل هذا الردع، بل إن روايات مثل «اقرأوا القرآن كما يقرأ الناس» (الكليني، الكافي، 1365ش: 2/ 633) يمكن أن تكون مؤيدة للقراءات (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1418هـ: 167؛ الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، 1430هـ: 14/ 442).

يكتب صاحب العروة: «الأحوط أن تكون القراءة مطابقة للقراءات السبع، ولكن الأقوى أن مراعاتها غير واجبة، بل يكفي أن تكون القراءة مطابقة للنهج والقواعد العربية، وإن لم تكن مطابقة في الحركات والإعراب لإحدى هذه القراءات» (الطباطبائي، العروة الوثقى، 1419هـ: 2/ 519). وهذا هو رأي آية الله الكلبايكاني (الكلبايكاني، هداية العباد، 1413هـ: 1/ 153) وآية الله الصافي (الصافي، 1416هـ: 1/ 113) أيضاً. كما يجيز الشهيد محمد باقر الصدر (الصدر، الفتاوى الواضحة، 1403هـ: 486) وفاضل اللنكراني (فاضل، مدخل التفسير، 1418هـ: 154) قراءة الصلاة طبقاً لإحدى القراءات الرائجة في زمن المعصوم، ويعتقدان أن هذا الحكم لا يختص بالقراءات السبع. ويرى آية الله السيستاني أيضاً أن قراءة الصلاة طبقاً للقراءات السبع مناسبة، ولكنه يعتقد أن الأقوى هو كفاية القراءة طبقاً للمنهج العربي المتعارف، وإن كان لا ينبغي استخدام قراءة لم تكن رائجة في زمن المعصومين (ع) فيما يتعلق بالحروف والحركات (السيستاني، المسائل المنتخبة، 1414هـ: 121)؛ بعبارة أخرى، رأيه يتعلق بالنطق واللهجة المختلفة عن الموارد الجزئية والموضعية (فرش الحروف).

يقول السيد محسن الحكيم بالتفصيل في هذه المسألة. فيقول: «قاعدة الاقتضاء تقتضي أن تلك الاختلافات المتعلقة بكيفية أداء الكلمات (مثل الفصل والوصل أو المد والقصر وأمور من هذا القبيل) لا يلزم اتباع أي من القراءات فيها؛ فما بالك بأن تقتصر على القراء السبعة فقط، أما في الموارد التي يؤدي فيها الاختلاف إلى تغيير في المعنى، فيلزم التعامل معها كمتضادين. وبما أن إجماع المتقدمين قد انعقد على قبول القراءات المشهورة، والسيرة القطعية تؤيده أيضاً، فإن اتباع أي من القراءات المشهورة كافٍ؛ لذا لم يتم تعيين أي من القراءات على وجه الخصوص» (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، 1404هـ: 6/ 245). وقد ورد كلام شبيه بهذا في الكتاب الاستدلالي فقه الصادق أيضاً (الروحاني، فقه الصادق، 1412هـ: 1/ 423).

رأي السبزواري في هذا المجال مثير للاهتمام أيضاً. يقول: «الملاك في صحة القراءات هو إحراز الواقع، وصحة القراءة في عالم الواقع أعم من القراءات السبع المشهورة، وهذه القراءات السبع ليس لها موضوعية، والروايات والإجماع لا تدل على أن قراءة غير هذه القراءات غير مجزئة؛ بناءً على ذلك، كل قراءة تكون صحيحة على أساس القواعد العربية المعتبرة، فهي مجزئة ومعتبرة وإن كانت مخالفة للقراءات السبع» (السبزواري، مهذب الأحكام، 1413هـ: 6/ 333). ويرى أن نقل الإجماع على جواز القراءات السبع مستفيض بل متواتر (المصدر نفسه). ويصل الشيخ الأنصاري بعد بحث مستفيض في هذا المجال إلى نتيجة أن قراءة القرآن على أساس معايير وقواعد اللغة العربية الصحيحة مجزئة، ويصدق عليها قراءة القرآن وإن لم تكن موافقة للقراءات الرائجة (الأنصاري، كتاب الصلاة، 1415هـ: 1/ 362).

ويرى بعض العلماء أيضاً، دون التصريح بالقراءات السبع أو العشر، أن اتباع القراءات المشهورة مجزئ. وهذا الرأي قد يتوافق من جهة مع الرأي الثاني. فالعلامة المجلسي، دون التصريح بالسبع أو العشر، يكتب: «لا شك في زماننا أن قراءة القرآن طبقاً لأي من القراءات المشهورة جائزة» (المجلسي، بحار الأنوار، 1403هـ: 82/ 65). ويكتب الشيخ يوسف البحراني أيضاً في كتاب «الحدائق الناضرة»: «وإن كانت القراءة الواقعية والحقيقية واحدة فقط، إلا أنه قد رُخص في القراءة طبقاً للقراءات المشهورة» (البحراني، الحدائق الناضرة، 1405هـ: 8/ 100).

ويكتب البعض: «مشهور قدماء الإمامية، دون حصر القراءات في عدد معين، قائلون بجواز القراءة على أساس جميع القراءات التي كانت رائجة في صدر الإسلام» (آل عصفور، إتحاف الفقهاء، 1410هـ: 68).

وبالطبع، يجب الانتباه إلى هذه النقطة وهي أنه وفقاً لفتوى مشهور الفقهاء، لا يجوز استخدام القراءات الشاذة (العاملي، المقاصد العلية، 1420هـ: 246).

ومن بين علماء أهل السنة، يعتقد الرافعي أيضاً أن القراءة طبقاً للقراء السبعة جائزة. ومن سائر القراءات يمكن الاستفادة أيضاً بشرط ألا يتغير المعنى وألا ينقص حرف أو يزداد (الرافعي، فتح العزيز شرح الوجيز، بي‌تا: 3/ 327).

ويعتقد بعض علماء الشافعية الآخرين أن قراءات سائر القراء (غير السبعة) لها حكم القراءة الملحونة (الخاطئة)، ومن الواضح أن القراءة الملحونة، ما لم تؤد إلى تغيير في المعنى، لا تبطل الصلاة والقراءة. إذن، بالإضافة إلى القراءات السبع، يمكن استخدام سائر القراءات أيضاً في الصلاة، بشرط ألا يتغير المعنى (الشرواني، حواشي الشرواني، بي‌تا: 2/ 39).

يكتب الشوكاني في «نيل الأوطار»: «لا يلزم الاكتفاء بالقراءات السبع، بل يمكن قراءة كل قراءة تتصف بشروط صحة القراءة» (الشوكاني، نيل الأوطار، 1973م: 2/ 263).

أ) أدلة الرأي الثالث

ذكر القائلون بهذا الرأي أدلة مختلفة لإثبات قولهم. بعض الأكابر مثل الشهيد الأول والشهيد الثاني (العاملي، المقاصد العلية، 1420هـ: 244) اعتبروا القراءات العشر متواترة. وبعض آخر مثل الآقا رضا الهمداني (الهمداني، مصباح الفقيه، 1416هـ: 12/ 118) والسيد محسن الحكيم (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، 1404هـ: 6/ 245) اعتبروا جواز قراءة القراءات السبع مطابقاً لإجماع الشيعة. ويعتبر السيد عبد الأعلى السبزواري نقل الإجماع على جواز القراءات السبع مستفيضاً بل متواتراً (السبزواري، مهذب الأحكام، 1413هـ: 6/ 333). كما يقول الشيخ الطوسي: «علماء المذهب مجمعون على جواز القراءة على أساس القراءات المشهورة» (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 1409هـ: 1/ 7).

وقد استند بعض الأكابر إلى مؤيدات روائية كدعامة لفتواهم. ومن هذه المؤيدات أحاديث بمضمون «اقرأوا القرآن كما يقرأ الناس»، ومن هؤلاء الأعلام يمكن الإشارة إلى الآقا رضا الهمداني (الهمداني، مصباح الفقيه، 1416هـ: 12/ 118)، ووحيد البهبهاني (البهبهاني، الفوائد الحائرية، 1415هـ: 286)، والميرزا القمي (القمي، قوانين الأصول، 1378هـ: 1/ 406)، وآية الله الخوئي (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1418هـ: 167)، والسيد عبد الأعلى السبزواري (السبزواري، مهذب الأحكام، 1413هـ: 6/ 333)، وفاضل اللنكراني (فاضل، مدخل التفسير، 1418هـ: 154).

ب) دراسة وتحليل

إن السيرة القطعية للمسلمين وتقرير المعصوم دليل آخر لفقهاء الشيعة. رأي عدد من الفقهاء مثل الشيخ يوسف البحراني (البحراني، الحدائق الناضرة، 1405هـ: 8/ 100)، والسيد محسن الحكيم (الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، 1404هـ: 6/ 245)، وآية الله الخوئي (الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، 1430هـ: 14/ 442) فيما يتعلق بمستند هذا الحكم هو أن هذه القراءات كانت موجودة في زمن الأئمة المعصومين، ولو لم تكن قراءتها جائزة، لصدر ردع من جانب الأئمة، في حين لم يصدر مثل هذا الردع.

يمكن تلخيص مجموع الأدلة المذكورة آنفاً في عدة أدلة: التواتر، الإجماع، الأحاديث الخاصة، سيرة المسلمين وتقرير المعصوم.

تمت الإشارة إلى دليل التواتر ضمن الرأي الثاني، وذُكر عدم اعتبار التواتر، ومن هنا لا يمكن التمسك بتواتر القراءات في البحث محل النظر؛ لأن إثبات التواتر المذكور أمر صعب جداً.

إن التمسك بالإجماع لإثبات جواز القراءة هو أمر مثير للتأمل أيضاً؛ لوجود احتمال كون الإجماع مدركياً، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يكون الإجماع دليلاً مستقلاً. بالإضافة إلى أن الإجماع المذكور منقول، ووفقاً للرأي المشهور في اعتبار الإجماع، فإن كونه محصلاً هو شرط؛ بناءً على ذلك، فإن نقل مثل هذا الإجماع ليس معتبراً، ولكن لا يمكن تجاهل ادعاء الإجماع من قبل كبار العلماء مثل الشيخ الطوسي من علماء الإمامية، والذي يحكي بشكل ما عن رأي القدماء في هذا الشأن؛ إذ إن هذا الأمر ذو أهمية للشيعة؛ لذا يمكن اعتباره مؤيداً.

روايات «اقرؤوا كما يقرأ الناس» وروايات مشابهة، على فرض صحة سندها، يمكن أن تكون دعامة لاعتبار القراءات السبع وحتى القراءات الأخرى؛ لوجود شواهد متعددة على رواج قراءات مختلفة، منها القراءات السبع، في عصر المعصومين، وكل قراءة يثبت معاصرتها لعصر الأئمة، يمكن قراءتها بناءً على هذا الحديث. بالطبع، أفضل دليل على جواز قراءة القراءات السبع في الصلاة هو تقرير المعصوم، كما صرح بذلك عدد من الأكابر.

كما مر في دراسة الرأي الأول، فإنه وفقاً لرأي بعض أهل العلم، لا يمكن الاستفادة من تقرير المعصوم لجواز قراءة القراءات المتعددة؛ لأن تقرير المعصوم يكون نافذاً حيث لا يكون هناك منع، في حين أن الأئمة قد نهوا الناس عن التعدد في القراءة، وقد وصل إلينا هذا النهي في قالب حديث «اقرؤوا كما يقرأ الناس». ومن جهة أخرى، استند القائلون بجواز قراءة القراءات المتعددة إلى هذه الرواية نفسها. يعود هذا الاختلاف في الفهم من الرواية إلى هذا السؤال: ما هي القراءة الرائجة في زمن المعصومين، وخاصة في عصر الإمام الصادق (ع)؟ وهل كانت في ذلك الزمان قراءة واحدة فقط رائجة، أم كانت هناك قراءات متعددة رائجة بين عامة الناس؟

يبدو أنه في عصر الأئمة كانت هناك اختلافات في قراءة المسلمين؛ لذا يجب على الأقل قبول الاختلافات الناشئة عن تعدد اللهجات، بل إن هذه الاختلافات كانت موجودة إلى حد ما في عصر الصحابة أيضاً. كما تؤيد شواهد أخرى وجود قراءات مختلفة في زمن المعصومين؛ منها أن بعضهم مثل القاسم بن سلام (ت 224هـ) الذي كان يعيش في عصر الأئمة، قد ألف كتاباً وجمع فيه قراءات أكثر من عشرين قارئاً مشهوراً في ذلك الزمان (راجع: الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1418هـ: 159)، وكان القراء السبعة من بينهم. وهذا يدل على أنه في عصر المعصومين لم تكن هناك قراءة واحدة فقط رائجة. بالطبع، ليس من الواضح أيضاً أن هذه القراءات السبع كانت هي القراءات الرائجة الوحيدة؛ وإن كانت هذه القراءات السبع بالتأكيد من بين القراءات الرائجة.

يُستفاد من هذه الروايات أن قراءة الناس هي الملاك والمعيار، ومن المسلم به أن القراءة المعتبرة هي التي كانت رائجة في زمن صدور هذه الروايات، أي في عصر الأئمة الأطهار. ونتيجة لذلك، يمكن استنباط جواز القراءة طبقاً للقراءات الرائجة في زمن المعصومين من هذه الأحاديث، وهذا الأمر قابل للإثبات إذا كانت هذه الروايات صحيحة ومقبولة من حيث السند.

ومن المناسب ذكر هذه النقطة أنه على فرض صحة الحديث، فإن جملة الإمام مطلقة وتشمل جميع قراءات فترة الأئمة أو على الأقل زمن صدور هذه الأحاديث، وكل قراءة تثبت معاصرتها للإمام، ويُعلم أنها كانت مشهورة في ذلك الزمان، فهي حجة ومعتبرة.

خلاصة القول هي أنه باستخدام هذه الأحاديث في الجملة يمكن إثبات جواز قراءة القراءات المتعددة، ومنها القراءات السبع. بالطبع، في حال صحة السند وثبوت صدور هذه الروايات، وكما ذُكر، فإن معظم فقهاء الشيعة وأهل السنة يجيزون قراءة القراءات المشهورة، وخاصة القراءات السبع، في الصلاة وغيرها.

قراءة القرآن في غير الصلاة

تتمتع قراءة القرآن في غير الصلاة بأهمية خاصة، وقد أكد النبي العظيم الشأن (ص) والأئمة المعصومون (ع) عليها تأكيداً بالغاً. والسؤال الذي يطرح بمناسبة هذا البحث هو: هل يجب أن تكون قراءة القرآن في غير الصلاة مطابقة لأي قراءة؟

تتضح إجابة هذا السؤال إلى حد ما من المطالب السابقة؛ لأن الذين يجيزون قراءة الصلاة طبقاً لأي من القراءات السبع أو العشر، يجيزونها من باب أولى في غير الصلاة. ولكن النقطة المهمة التي يجب الانتباه إليها هي أن قراءة القرآن في غير الصلاة ليست من الواجبات التي تحتاج حتماً إلى حجة ودليل شرعي؛ لذا إذا قرأ شخص القرآن بقصد الرجاء مطابقاً لإحدى القراءات، فلا إشكال في ذلك. بالطبع، من المسلم به أنه لا ينبغي أن يقرأ بطريقة يثبت عدم صحتها، لذا يجب اجتناب القراءات الملحونة والمجعولة.

أما في حال وجبت قراءة القرآن على شخص، كمن حلف أو نذر وما شابه، فليس ببعيد أن يكون حكم القراءة لهذا الشخص كحكم قراءة القرآن في الصلاة، ويجب أن يقرأ بطريقة تكون له حجة شرعية عند الله تعالى؛ لذا في هذه الحالة لا يمكنه استخدام القراءات غير المشهورة.

وفقاً لرأي أبي شامة من كبار علماء أهل السنة، لا يجوز قراءة القرآن طبقاً للقراءة الشاذة في غير الصلاة (أبو شامة، المرشد الوجيز، 1424هـ: 117). وقد نسب أحمد بيلي هذا الرأي إلى جمهور علماء أهل السنة (بيلي، الاختلاف بين القرائات، 1408هـ: 117)، ولكن بعض علماء أهل السنة اعتبروا قراءة القرآن على أساس القراءات الشاذة صحيحة في غير الصلاة، ويعتقدون أن هذا مثل النقل بالمعنى في الحديث (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421هـ: 1/ 357).

النتيجة

كما لوحظ، فإن معظم فقهاء الفريقين قد أجازوا قراءة القراءات السبع في الصلاة، بل إن فقهاء أهل السنة اعتبروا هذا البحث مسلماً به ومفروغاً عنه.

وبعد دراسة آراء فقهاء الشيعة، يُستنتج أن قراءة الصلاة يمكن أن تكون طبقاً لإحدى القراءات السبع. والأكثرية الساحقة من الفقهاء يعتبرون هذا مجزئاً؛ وإن كانت هناك نظريات متعددة بين الفقهاء العظام حول مستند هذا الحكم. فقد اعتبر البعض مثل العلامة الحلي والشهيد الأول والشهيد الثاني تواتر القراءات سنداً لهذا الحكم. وذكر كثيرون تقرير وإمضاء المعصوم (ع) دليلاً على هذا الحكم، وطرح آخرون أحاديث «اقرؤوا كما يقرأ الناس» مؤيداً له. واعتبر البعض مثل الشيخ الطوسي والسيد عبد الأعلى السبزواري هذا الجواز مطابقاً للإجماع. ويبدو أن وجود قراءات متعددة في عصر المعصومين وتأييدهم وتقريرهم لها بشكل عام من القراءات الرائجة في ذلك العصر، هو أفضل دليل على هذا الأمر.

نستنتج من مجموع هذه الأقوال أن قراءة الصلاة طبقاً لإحدى القراءات السبع جائزة وفقاً لرأي جمهور فقهاء الشيعة وأهل السنة. وبالطبع، هذا الجواز ليس دليلاً على صحة جميع هذه القراءات أو نزولها من عند الله، بل هو متعلق بوظيفة المكلف في الصلاة.

الهوامش

1. أستاذ جامعة المصطفى العالمية (الكاتب المسؤول) M_faker@miu.ac.ir

2. باحث دكتوراه في التفسير المقارن بجامعة المصطفى العالمية smujtabarizvi@yahoo.com

3. تاريخ الاستلام: 94/2/31 وتاريخ القبول: 94/3/23

Scroll to Top