دراسة مواجهة الشيخ الطوسي للأحاديث المتعارضة (في باب التعارض غير المستقر)

ملخص البحث

إن وجود الأخبار المتعارضة في الجوامع الروائية أمر لا يمكن إنكاره. وبما أنه لا يمكن نسبة الأقوال المتعارضة إلى الأئمة (عليهم السلام)، فقد بذل كبار علماء الدين جهوداً جبارة على مر التاريخ لحل مشكلة التعارض، وتركوا آثاراً علمية قيمة في هذا المجال. ومن رواد حل التعارض الشيخ الطوسي الذي قدم خدمة جليلة في هذا المضمار بتأليفه كتابين قيمين هما “تهذيب الأحكام” و”الاستبصار”. يتناول هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي، مواجهة الشيخ للأخبار المتعارضة في باب التعارض غير المستقر. وتُظهر نتائج البحث أن الشيخ، بعد أن افترض قاعدة كلية بعنوان (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح) وبيّن وجهها، قد ذهب إلى أن أثمن الطرق لحل الأخبار المتعارضة في باب التعارض غير المستقر هو الجمع العرفي. ومن خلال التدقيق في عبارات مقدمة الاستبصار والموارد التطبيقية، يتضح أن جميع الموارد التي عمل فيها الشيخ الطوسي في الفقه بكلا الخبرين هي من باب الجمع العرفي، ولم يعمل قط بالجمع التبرعي. وإن كان مراد الشيخ من هذه القاعدة في موارد رفع الشبهة الكلامية هو الجمع التبرعي؛ إلا أن بعض المتأخرين كالوحيد البهبهاني فهموا من هذه القاعدة أن مراد الشيخ في جميع الموارد هو الجمع التبرعي، في حين أن هذا النوع من الجمع له توالٍ فاسدة كثيرة. ولكن بناءً على التحقيق في الموارد التي ذكرها الشيخ بعنوان الجمع، اتضح أن مراده من الجمع هو الجمع العرفي وكل جمع يستند إلى قرينة عقلية أو نقلية؛ لا الجمع التبرعي. وعليه، فإن نسبة ما ذهب إليه المحقق البهبهاني إلى الشيخ غير صحيحة.

مقدمة

يحظى علم أصول الفقه، نظراً لدوره الأساسي في استنباط الأحكام الشرعية، بمكانة خاصة لدى المفكرين المسلمين وفي بنية العلوم الإسلامية؛ حيث إن المداقّات العلمية ونتاجها الذي أفضى إلى مؤلفات متنوعة، لدليل على هذا الأمر. وتُعرف هندسة مباحث هذا العلم لدى الأصوليين بمباحث من قبيل «أدلة الاستنباط» و«الأصول العملية» و«الأصول اللفظية»، كما تُطرح فيه مباحث كتتمة، مثل «التعادل والتراجيح» و«التزاحم» و«تعارض الأدلة»، مع موضوعات جانبية. وفي هذا السياق، يكتسب موضوع تعارض الأدلة أهمية بالغة لكثرة وروده في نتاج استنباط الفقيه. إن وجود الروايات المتعارضة من الأمور التي كانت دائماً محط اهتمام في مسيرة فهم الحديث، وقد أثمرت عن قواعد لحل تعارض الأخبار. ويمكن ملاحظة هذه الجهود في آثار المحدثين كالشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وغيرهم. ومن بين هذه الجهود، تبرز محاولات الشيخ الطوسي لحل تعارض الأخبار في كتابيه القيمين “الاستبصار” و”تهذيب الأحكام” بمكانة خاصة؛ لأنه أورد في هذين الكتابين الروايات المتعارضة، وتناول جمعها وتأويلها ببيان علمي دقيق. (الطوسي، 1390، ج 1، ص 2). ومن العوامل المهمة التي استند إليها في حل تعارض الأخبار قاعدة “الجمع مهما أمكن أولى من الطرح”. ويبدو أن نظرة ورؤية جميع المفكرين من الشيعة والسنة الذين ذكروا هذه القاعدة هي أن الجمع الدلالي العرفي، ما دام ممكناً، يتقدم على قواعد التعارض الحقيقي كالتخيير أو الترجيح. وذلك لأن هؤلاء المفكرين قسموا البحث إلى «يمكن الجمع بينهما ولا يمكن». (ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، 1403هـ، ج 4، ص 136) ثم تناولوا قواعد رفع التعارض بالتفصيل. بينما في فرض قبول الجمع التبرعي، لا يوجد مصداق لـ «لا يمكن الجمع».

يسعى هذا البحث إلى دراسة دور هذه القاعدة في حل تعارض الروايات من وجهة نظر الشيخ الطوسي. والنتيجة التي توصل إليها البحث هي أن مراد الشيخ من هذه القاعدة هو الجمع العرفي وكل جمع له قرينة من العقل والنقل يمكن أن يكون مصداقاً لهذا الجمع.

مفهوم التعارض

كلمة «تعارض» في تقسيم المفردات العربية، هي مصدر من باب «تفاعل». والمادة الأصلية لهذه الكلمة هي «عرض»، ومن معانيها «معارضة أحد الشيئين للآخر». (الخولى الشرتوني، بلا تا، ج 2، ص 765)

وكتب الزحيلي أيضاً في هذا الصدد: التعارض في اللغة: هو اعتراض كل واحد من الأمرين الآخر، مأخوذ من أن كل أمر أصبح في عرض الآخر دون طوله. (الزحيلي، 1986، ج2، ص 451)

وقد ذكر الجوهري في «الصحاح» وبعض أهل اللغة الآخرين له معنى «الظهور» وكذلك «الإظهار» و«الإبراز». (الجوهري، 1418هـ، ج4، ص 818)

بالنظر إلى المعاني اللغوية، يمكن القول إن تعارض الأدلة يعني أن كل دليل من الدليلين يظهر في مقابل الآخر ويبرز وجوده بالنسبة للآخر. ويتعزز هذا المعنى أيضاً بالنظر إلى رأي الفراهيدي في «العين». (الفراهيدي، 1409هـ، ج1، ص 271)

وفي اصطلاح الأصوليين، ذُكرت لهذه الكلمة معانٍ مختلفة؛ ومن بين تعريفات علماء الشيعة، نشير إلى تعريفين للشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني.

يعتقد الشيخ أن التعارض هو تنافي مدلولي دليلين، وهذا التنافي والتناكر يظهر إما في صورة التناقض أو في صورة التضاد. (الأنصاري، 1411هـ، ج2، ص 750)

ويرى الآخوند الخراساني أن التعارض هو تنافي وتناكر دليلين أو أكثر في مقام الدلالة والإثبات على شكل تناقض أو تضاد. (الآخوند الخراساني، 1389ش، ج3، ص 291)

والمسألة المهمة التي تطرح هنا هي البحث حول قاعدة يُدّعى أنها بعنوان “الجمع مهما أمكن أولى من الطرح”. وسنبدأ بطرح الجذر التاريخي لدخول هذه القاعدة في كتب الأصول، ثم نتناول حدودها وثغورها.

دراسة آراء القائلين بقاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح وأدلتهم

يعتقد المحقق البهبهاني (ره) أن فقهاء عصره عند مواجهة خبرين متعارضين، أول ما يفعلونه هو السعي للجمع بينهما بأي نحو ممكن. ويجعلون هذا الجمع هو مستند فتواهم ويعملون به، ويعتبرونه حكم الله، ويتمسكون به كدليل، ويعبرون عن هذا العنوان بـ «الجمع مهما أمكن». لكنه يعتقد أنه لا يوجد دليل شرعي على هذه القاعدة فحسب، بل إن الأخبار والروايات تثبت خلاف ذلك. فما يُفهم من الروايات هو أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في مقام التعارض، أرشدونا إلى المرجحات ثم التوقف أو غير ذلك. بالإضافة إلى أن هذا الجمع هو خروج عن مدلول الروايات والأحاديث وهو أمر باطل، والواجب علينا تجاه الروايات هو التمسك بمعاني الألفاظ. وضمنًا، لم تكن هذه الطريقة هي طريقة القدماء حتى زمن الشيخ الطوسي، وهذه الطريقة في الجمع من مبتدعات الشيخ، وقد ذكر لها وجوهاً. (البهبهاني، 1415 هـ، ص 233-234)

والآن، لشرح وتبيين القاعدة المذكورة، سنتناول مفرداتها ثم ندرس صحة النسبة التي أعطاها الوحيد البهبهاني لشيخ الطائفة في تأسيس هذه القاعدة.

الجمع: المراد بالجمع في هذه القاعدة حسب رأي الوحيد البهبهاني هو الأقسام الثلاثة للجمع: 1- الجمع المتداول عرفاً، كالعام والخاص والحاكم والمحكوم، وهو مرتبط بالدلالة الداخلية للروايتين. 2- الجمع الذي له شاهد من العقل أو قرينة ودليل من النقل، كجمع بين دليلين لهما قدر متيقن. 3- الجمع التبرعي الذي يقول عنه السيد صاحب العروة: هذا الجمع ليس جمعاً دلالياً بل هو احتمال الجمع، وإلا لوجب طرح الخبر المرجوح، وبعد الطرح والأخذ بالراجح يقال إن المراد بالمرجوح هو الخبر الذي لا ينافي هذا الخبر. (اليزدي، 1426هـ، ص 118)

الطرح: المراد بالطرح أعم من طرح أحدهما بشكل معين لوجود مزية في الخبر الآخر أو وجود شاهد وقرينة فيه. أو طرح أحدهما تخييراً بسبب تعادل الخبرين، أو طرح كليهما للتوقف أو التساقط بناءً على المبنى الذي يتبناه كل فقيه.

أولى: المراد بالأولوية هنا هو الوجوب والتعيين، لأن دليلهم -على فرض تمامية القاعدة- يدل على التعيين.

ذهب صاحب كتاب “تمهيد القواعد” إلى أنه في تعارض دليلين، يكون العمل بهما ولو من جهة أولى من إسقاط أحدهما كلياً، لأن الأصل في كل منهما هو العمل به، فيجب الجمع بين الخبرين بأي طريق ممكن لأن الترجيح بلا مرجح محال. (العاملي الشهيد الثاني، 1416هـ، ص 283 و 284). وبيان استدلاله هو أنه في تعارض دليلين، هناك ثلاثة احتمالات: إسقاطهما معاً، وإسقاط أحدهما، والعمل بهما. الاحتمال الأول مخالف للأصل، والاحتمال الثاني ترجيح بلا مرجح ومخالف للعقل، فما يتعين هو الاحتمال الثالث.

والإشكال على هذا الدليل هو أن هناك شقاً رابعاً أيضاً، وهو القول بالتخيير، ولا محذور فيه.

يقول العلامة الحلي (ره) في شرح كلام القائلين بهذه القاعدة: إذا تعارض دليلان، فإن العمل بكلا الدليلين من جميع الجهات الممكنة لن يكون ممكناً، وإلا لما كان هناك تعارض بينهما. بل يجب إبطال أحدهما من جميع الجهات أو من بعض الوجوه، أو إبطالهما معاً من جميع الوجوه أو من بعض الوجوه. بناءً على ذلك، إذا كان العمل بهما من جهة ما ممكناً، فهو أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر كلياً؛ لأن دلالة اللفظ على جزء المفهوم تابعة لدلالته على كل المفهوم التي هي دلالة أصلية. فإذا عملنا بهما من وجه، نكون قد تركنا العمل بالدلالة التبعية، وإذا عملنا بأحدهما، نكون قد تركنا العمل بالدلالة الأصلية، والأولى أفضل. إذن، العمل بهما من وجه له أولوية على العمل بأحدهما من كل جهة. (العلامة الحلي، 1425هـ، ج5، ص 295). بالطبع، هو نفسه يرى هذا البيان محلاً للإشكال ويقول إن العمل بهما من وجه هو عمل بالدلالة التبعية وإبطال للدلالة الأصلية لكلا الدليلين، والعمل بأحدهما هو عمل بالدلالة الأصلية والتبعية في أحد الدليلين وإبطالهما في الدليل الآخر، ولا شك أن العمل بالدليل الأصل والتابع أولى من العمل بدليلين تابعين وإبطال دليلين أصلين. (نفس المصدر). والإشكال الآخر هو أن هذا الاستدلال مجرد استحسان لا دليل عليه.

الشيخ الأنصاري، أحد مخالفي القاعدة بهذا المعنى. وقد قال في رد هذه القاعدة إن العمل بها بحسب ظاهرها يؤدي إلى انسداد باب الترجيح، كما يسبب الهرج والمرج في الفقه. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد دليل على هذه القاعدة، بل يمكن ادعاء وجود دليل على خلافها من الإجماع والنص. (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 20). في تحليل كلام الشيخ الأعظم، يمكن القول إن مراده من النص هو أخبار الترجيح التي سأل فيها الراوي الإمام (عليه السلام) عن روايتين غير قابلتين للجمع العرفي ولا يوجد دليل للجمع بينهما، وكان إمكان الجمع التبرعي قائماً بينهما، لكن الإمام (عليه السلام) في جوابه للراوي قدم حلولاً أخرى؛ ولهذا السبب يبدو أن هذه القاعدة بهذا المعنى ليست تامة. لكن بعض العلماء قدموا معنى آخر لهذه القاعدة وحملوا رأي الموافقين على هذا المعنى؛ فقد ذهب صاحب العروة إلى أنه إذا أمكن الجمع بوجه يواكبه العرف أو كان هناك شاهد من النقل أو العقل، فإنه في هذه الحالة يتقدم على سائر أحكام التعارض كالترجيح أو التخيير والتساقط وما شابه ذلك؛ وربما يكون مراد القائلين بالجمع هو هذا المعنى، فيرتفع النزاع. وعليه، فإن دعوى الإجماع التي طرحها صاحب الغوالي صحيحة، لأنه حيثما وجد إمكان الجمع العرفي، يمكن ادعاء الإجماع على وجوب العمل به. (اليزدي، 1426هـ، ص 127-129). ويفسر صاحب العروة معنى قاعدة «الجمع مهما أمكن» بالجمع العرفي والجمع الذي له شاهد من العقل والنقل، ويعتبر هذا الجمع واجباً، ويحمل دعوى إجماع ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب غوالي اللئالي على هذا المعنى من القاعدة. وذهب صاحب زبدة الأصول إلى توجيه آخر للجمع العرفي. فبعد تقسيم الجمع إلى جمع عرفي متداول وجمع تبرعي محض، ذكر نوعاً ثالثاً من الجمع بعنوان «الجمع بنحو لا يأبى عنه المتفاهم العرفي بالكلية»، والمثال الذي ذكره لهذا المورد هو حيث يكون لكل من الخبرين قدر متيقن، ويعتقد أن من يدعي أولوية الجمع على الطرح، فإن مراده هو هذا القسم. وبناءً على ذلك، لا يوجد مورد للاستدلال على الشيخ (ره) لإبطال القاعدة، لأن هذه الوجوه التي ذكروها للإبطال إنما تتم إذا كان مورد كلام الأصحاب هو الجمع التبرعي المحض، لا الجمع الذي أشرنا إليه. (القمي، 1382ق، ج6، ص 210-211).

ولكن الإشكال الرئيسي الذي يرد على هذا الرأي هو نظرية الوحيد البهبهاني التي قالها في عبارة نقلناها عنه: شاع في عصرنا الجمع بين الأخبار بنحو الجمع التبرعي، والقائلون بهذا الجمع يتمسكون بقاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح». لذا، لا يمكن قبول هذا التوجيه من صاحب الزبدة بالنسبة لجميع العلماء، لأنه لو كان هذا المعنى الثاني هو المراد من القاعدة، لما توجه إشكال على القاعدة ولكانت مقبولة.

إن ما ينسبه المحقق البهبهاني من «الجمع مهما أمكن» إلى الشيخ الطوسي هو المعنى الأول للجمع، ولهذا، ضمن نقل كلام الشيخ الطوسي (ره)، سندرس هذه الدعوى من المحقق البهبهاني.

قال الشيخ الطوسي في مقدمة “تهذيب الأحكام” إنه كلما أمكن تأويل بعض الأحاديث دون أن يرد إشكال على أسانيدها، فإنه لا يتجاوز هذا العمل ولا يخطو خطوة أبعد. ويحاول في نفس معنى التأويل أن يذكر حديثاً آخر يتضمن ذلك المعنى، بحيث يُفهم هذا المضمون إما من صريحه أو من فحواه. ويبين الشيخ علة هذا التأويل بأنه يكون قد عمل بالخبر في الفتوى والتأويل، ورغم أنه لا يوجب هذا النوع من التأويل، إلا أنه يراه حلاً لتسهيل التمسك بالأحاديث. ولذلك يقول إنه سيستمر على هذه العادة حتى نهاية الكتاب، وسيبينها بحيث لا يخفى سببها على أحد. (الطوسي، 1407هـ، ج1، ص 3 و 4)

وقد حمل الوحيد البهبهاني كلام الشيخ هذا على إرادة المعنى الأول، أي الجمع التبرعي، وبيّن علته بأنه على الرغم من أن الشيخ (ره) أحدث هذا الأسلوب، إلا أنه كان له عذر ودليل لتحديثه، وقد اعتذر به. وكان دليل الشيخ هو الارتداد الذي حدث لدى بعض الكبراء بسبب الظن بوجود تناقض في ظاهر كلمات الأئمة (عليهم السلام). فأجاب الشيخ على هذا الإشكال بأن التناقض يلزم حين لا يمكن التوجيه أو يحتمل وجود قرائن كانت قائمة فتنافي بين ظاهر الخبرين، لكن تلك القرائن فُقدت بسبب الحوادث. لذا، قبل الشيخ الجمع والاستشهاد من أي طريق ممكن. (البهبهاني، 1415هـ، ص 234)

ولكن الإنصاف هو أن توجيه الروايات المتعارضة بأي نحو ولو بوجه بعيد وسخيف لا يرفع الإشكال الوارد على الروايات المتعارضة، بل على العكس يوجب نقض غرض شيخ الطائفة. لذا، يبدو أن هذا العذر غير مقبول، ويُفهم من عبارات الشيخ الطوسي خلاف ذلك. فالشيخ يصف الذين يقعون في الشبهة في باب تعارض الروايات بضعف العلم وعدم المعرفة بالآراء ومعاني الألفاظ. ويعتقد أن الفرد العالم والبصير والدقيق لا يقع في هذه الشبهة ويتوجه إلى اختلاف الأحاديث. يقول الشيخ في مقدمة “تهذيب الأحكام” إن بعض الأصدقاء تحدثوا معه حول أحاديث أصحابنا، والاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد الذي فيها، وقالوا إن هذا الاختلاف والتباين قد بلغ حداً لا يمكن العثور على خبر إلا ويوجد بإزائه خبر مضاد، ولا يوجد حديث إلا ويوجد في مقابله حديث ينافيه، إلى درجة أن الشبهة دخلت على جماعة ليس لديهم قوة في العلم والبصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ. (الطوسي، 1407هـ، ج1، ص 2)

ويكتب الشيخ في مقدمة “الاستبصار” حول طريقة الجمع بين خبرين متعارضين، بعد بيان المرجحات: إذا خلت الروايتان المتعارضتان من المرجحات السابقة، يُنظر فيهما. فإن كان يمكن العمل بأحد الخبرين بحيث يمكن العمل بالخبر الآخر أيضاً بتوجيه وتأمل، فالعمل بهذا الخبر (الخبر الأول) أفضل وأولى من العمل بالخبر الآخر، ففي هذه الحالة لا يلزم طرح الخبر الأول؛ لأن العامل بهذا الخبر يكون في الحقيقة قد عمل بمضمون كليهما (مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد). أما إذا كان الخبران المتعارضان بحيث يمكن العمل بكليهما مع التوجيه والتأويل؛ ولكن لأحد التأويلين شاهد روائي ومؤيد صريح أو إشاري، لفظي أو لبي، وتأويل الرواية الأخرى ليس له أي شاهد أو قرينة، فالعمل بالخبر المؤول الذي له شاهد وقرينة أولى من العمل بالمؤول الذي لا شاهد له من الروايات (وهي موارد الجمع العرفي). (الطوسي، 1390ق، ج2، ص 66)

ومن الشواهد الأخرى التي يمكن أن ندعي بها أن مراد الشيخ من الجمع ليس الجمع التبرعي، هو الكلام الذي نقلناه عن الشيخ من أنه يبذل كل جهده لتقديم دليل من الروايات على التأويل، على الرغم من أنه ليس من الضروري أن يكون الدليل على الجمع رواية فقط، بل يمكن أن يكون العقل والكتاب والإجماع شواهد على الجمع؛ المستفاد من هذا الكلام هو جمع غير الجمع التبرعي. كما أن الشيخ في عمله يلتزم بهذا الوعد، وإن لم نقل في كل الموارد، ففي غالب الموارد، يذكر شاهداً على الجمع الذي يقدمه.

وسبب سعي الشيخ لتأويل هذا النوع من الأحاديث هو أنه جمع هذه الروايات من الكتب المعروفة والمشهورة، في حين أن هذه الكتب مقبولة لدى أكثر الفقهاء وقد نُقل الإجماع عليها. لذا، من الطبيعي أن يقبل الشيخ الطعن والخدش في السند بصعوبة، ولا يلجأ إليه ما لم يُجبر، ولكن هذا لا يعني أنه قائل بالجمع التبرعي. لذا، لا تبدو هذه النسبة إلى شيخ الطائفة صحيحة، ونحن لم نجد بين القدماء من قال بالجمع التبرعي واعتبره حجة وأفتى به. على الرغم من أن الشيخ في هذا الكتاب (الاستبصار) أولى اهتماماً خاصاً برفع الشبهة الكلامية في ذلك الزمان حول الروايات المتعارضة، ولهذا السبب في مقام رفع هذه الشبهة، أضاف إلى الاحتمالات حتى يغلق فم الخصم بناءً على مبدأ “إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال”. (يوسف البحراني، بلا تا، ج1، ص 90). على سبيل المثال، في باب «علامة أول يوم من شهر رمضان»، بعد نقل رواية، لا يقبل العمل بها بسبب شذوذها واضطراب سندها ومخالفتها للقرآن والأخبار المتواترة. ولكن في النهاية، يلجأ إلى توجيه الرواية ويقول: «فإذا احتمل الكلام من المعنى في هذا الخبر ما ذكرناه حملناه عليه وجمعنا بينه وبين الأخبار المتواترة من جواز نقصان شهر رمضان عن ثلاثين يوماً ليقع الاتفاق والالتئام بين الأخبار عن الصادقين (عليهم السلام)». (نفس المصدر)

نقد ودراسة موارد الجمع العرفي في كلمات القدماء

قبل الدخول في البحث، يجب أن يكون معلوماً أن جمع وتعارض الخبرين يتعلق بخبرين كلاهما يتمتع بشرائط الحجية، والعامل الوحيد الذي يسبب توقفنا في الحكم بينهما هو هذا التعارض؛ وإلا إذا كان معلوماً أن أحد الخبرين ناسخ للآخر أو أن أحدهما صدر بسبب التقية وأمثالها؛ فلن يبقى مجال لتعارضهما.

مرادنا من الجمع العرفي في هذا البحث أعم من الجمع الذي يكون فيه أحد الخبرين عرفاً قرينة على التصرف في الآخر، أو أن نأخذ القرينة والشاهد على التصرف من العقل أو النقل.

توجد موارد متعددة في كلمات القدماء، خاصة الشيخ الطوسي (ره)، يمكن أن تندرج تحت عنوان الجمع العرفي. سنطرح أهم هذه الموارد وندرس آراء القدماء بشأنها.

١. حمل العام على الخاص (التخصيص)

التخصيص هو إخراج أفراد العام من حكم فُرض عليه مع حفظ الموضوع. مثلاً، إذا قال دليل «أكرم العلماء» وقال دليل آخر «لا تكرم العالم الفاسق»، فإن الدليل الثاني هنا، مع أنه يقر بأن العالم الفاسق من مصاديق العلماء، إلا أنه يخرجه من حكم الإكرام الذي حُمل على عموم العلماء. (السبحاني، 1436، ج4، ص 414)

بما أن السيد المرتضى لم يقبل بحجية خبر الواحد، فإنه لا يرى فرضاً للجمع العرفي بين العام والخاص في الفقه؛ وحتى لو تنازل عن مبناه وقال بوقوع التعارض بين الأخبار، فإنه يقول بالرجوع إلى دليل ثالث يدل على ترجيح العمل بأحد الدليلين، ولا يقبل بالجمع العرفي بين الدليلين على نحو التخصيص.

لذلك، يعتقد السيد المرتضى في مسألة اختلاف العلماء في التعامل مع العام والخاص وتنافيهما، وفي الموضع الذي ينفي فيه الخاص الحكم عن بعض موارد شمول العام، أن ما يجب دراسته هو أن الاختلاف ناشئ عن عدم معرفة التاريخ وعدم العلم بتقدم أحدهما أو تأخره. بينما لا يمكن افتراض هذا الوضع إلا في أخبار الآحاد، لأن في أخبار الآحاد يحدث هذا التعارض أحياناً، ولكن من يقول بالعمل بأخبار الآحاد، تسقط عنه صعوبة حل هذه المسألة. فإذا تكلم في هذا الشأن، فقد تكلم على سبيل الفرض والتقدير، وما يقوى في نفسنا هو التوقف عن البناء، أي اتخاذ أحد الطرفين والرجوع إلى دليل يدل على ترجيح العمل بأحدهما. وهذا البحث غير موجود في عموم الكتاب، لأن تاريخ نزول آيات القرآن مضبوط ومعين ولا خلاف فيه. (علم الهدى، 1414هـ، ج1، ص 315-316)

من جهة أخرى، الشيخ الطوسي في الموارد التي يثبت فيها العام حكماً ويأتي خاص ينفي نفس الحكم عن بعض أفراد ذلك العام؛ ما يجعله معياراً هو تاريخهما. فإذا كان أحدهما قبل الآخر، فالمتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ. وإذا لم نعلم بتاريخهما، فإنه يقول بحمل العام على الخاص والجمع بينهما. يقول الشيخ: على الرغم من أن بعض الكبراء يوجبون جعل هذا المورد الثاني مجرى التعارض والأخذ بأحدهما؛ إلا أن ما يدل على صحة الرأي الأول هو أن من حق المولى الحكيم ألا يُلغى كلامه إذا أمكن حمله على وجه مفيد. والآن بعد أن ثبت هذا الأمر، فإذا قدمنا استعمال العام أدى ذلك إلى إلغاء الخاص، وإذا قدمنا الخاص على العام أدى ذلك إلى حمل صحيح وعدم طرح العام. (الطوسي، 1417هـ، ج1، ص 393 و 394)

ويلتزم الشيخ الطوسي بهذا البيان في عمله أيضاً، وقد صرح به في موارد في “التهذيبين”؛ مثلاً، في “الاستبصار” في ذيل رواية تحصر الطيب (استشمام الرائحة الطيبة) في أربعة موارد، وفي تعارضها مع روايات تنهى عن الطيب بشكل عام، يقول إن العلة في هذه الأخبار أمران؛ أحدهما عمومية الأخبار التي تدل على اجتناب الرائحة الطيبة؛ وبهذه الأخبار الخاصة نخصصها ونقول إن الرائحة الطيبة التي يجب اجتنابها هي الموارد التي ذُكرت في هذه الرواية بشكل خاص، لذا يجب حمل تلك الروايات العامة على الروايات الخاصة. (الطوسي، 1390ق، ج2، ص 180)

في دراسة كلام السيد المرتضى (ره)، يجب القول إننا قائلون بحجية خبر الواحد، وبناءً على حجيته، كما بينا سابقاً، إذا أمكن الجمع العرفي بين دليلين متعارضين؛ فلا يوجد دليل على إسقاط الخبرين. لذا، ما قاله السيد المرتضى (ره) غير قابل للتأييد.

ولكن في دراسة كلام الشيخ الطوسي، يجب أن نبحث جهتين، إحداهما في النسخ والأخرى في دليل حمل العام على الخاص.

أما بالنسبة للنسخ، فيجب القول إن أصل إمكان النسخ في الشريعة الإسلامية مسلم به، وشبهة استحالة النسخ ناشئة عن قياس تشريع الشارع بالأمور البشرية. (دلبري، 1391ق، ص 559). ولكن بسبب ندرة وجود موارد قطعية للنسخ في الشريعة، فإن مشهور المتأخرين في بحث دوران الأمر بين النسخ والتخصيص، قدموا التخصيص. يقول صاحب “المبسوط”: غلبة التخصيص وندرة النسخ يورث تقديم احتمال التخصيص على احتمال النسخ؛ فغلبة التخصيص وندرة النسخ أوجبت تقديم احتمال التخصيص على احتمال النسخ. (السبحاني، 1436هـ، ج4، ص 442)

والدليل الآخر في تقديم التخصيص على النسخ هو أن الأصل عدم النسخ، لذا ما لم يثبت النسخ، لا يمكن الحكم به، لأن المعصومين (عليهم السلام) بمنزلة المتكلم الواحد. ولهذا السبب، تُعتبر الرواية المتقدمة والمتأخرة بمنزلة المتقارنة. ولهذا السبب يقول آية الله الروحاني صاحب “زبدة الأصول”: في التعارض بين النسخ والتخصيص، الحق هو تقديم التخصيص وحمل العام عليه. وهذا لأن النصوص الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) كاشفة عن أحكام ثابتة في الإسلام من الأول إلى الأبد. فالروايات الصادرة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هي بمنزلة الروايات الصادرة عن شخص واحد. وبناءً على ذلك، فإن المتقدم والمتأخر منها بمنزلة المتقارن. لذا، إذا صدر خبر خاص عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخبر عام عن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ يُفترض أن كليهما صدر عن شخص واحد في مجلس واحد، ونخصص العام بالخاص، لا أن نقول إن العام ناسخ للخاص. (القمي، 1382ق، ج6، ص 404 و 405)

لذا، بمجرد معرفة المتقدم من المؤخر، لا يمكن الحكم بالنسخ، حتى لو قلنا إن النسخ في كلمات القدماء كان له معنى أوسع كما ادُعي (معرفت، 1381ق، ص 248)، وهذا الإشكال وارد على كلا العلمين (السيد المرتضى والشيخ الطوسي).

أما بالنسبة لدليل تقديم الخاص على العام في كلام الشيخ الطوسي، فيجب القول إنه استند إلى هذه القرينة العقلية القائلة بأن الشارع حكيم، وبقدر الإمكان يجب حفظ جميع كلماته وعدم إلغائها، وقد ذكرها كدليل لتقديم الخاص على العام. وهذا من القسم الثاني للجمع العرفي؛ أي الجمع الذي له شاهد من العقل أو النقل. ولكن يبدو أن المتأخرين اعتبروه من القسم الأول للجمع العرفي؛ أي الجمع الدلالي الذي يجمع فيه العرف نفسه بين الكلامين دون الحاجة إلى دليل خارجي. أي أن العرف يعتبر الخاص قرينة على التصرف في العام، والقرينة إذا أُحرزت قرينيتها تُقدم على ذي القرينة؛ على الرغم من وجود اختلافات في تبيين ذلك.

ذهب المحقق الخوئي إلى أنه لا يوجد تنافٍ بين العام والخاص، وتقديم الخاص على العام من باب حكومة دليل الخاص على العام. ويقول إن تقديم الخاص على العام ليس من باب الأظهرية كما يُفهم من كلام الشيخ (ره). ودليل ذلك أن موضوع حجية العام هو الشك، وبورود الخاص يرتفع الشك. فيسقط العام عن الحجية؛ حتى لو كان في أعلى مراتب الظهور. فيُقدم الخاص على العام؛ حتى لو كان في أدنى مراتب الظهور، والأمر على هذا المنوال في كل قرينة تصاحب ذا القرينة. لأن القرينة بإحراز قرينيتها تُقدم على ذي القرينة حتى لو كان ظهور ذي القرينة أقوى من ظهور القرينة. (المحقق الخوئي، 1418هـ، ج3، ص 352 و 353)

ويتضح من كلام المحقق الخوئي أن الاحتمال الذي يطرحه صاحب “الكفاية” (وهو معاملة العام والخاص معاملة المتعارضين من حيث الرجوع إلى المرجحات والرجوع إلى التخيير عند فقدان المرجحات) غير صحيح، لأنه بوجود الخاص، يرتفع موضوع حجية العام، وبعد أن لا يكون العام حجة؛ لا يبقى معنى لتعارضهما وبين الخاص؛ لأن التعارض هو تنافي حجتين من حيث المدلول. ويُستفاد من كلام المحقق الخوئي والآخوند أن مرادهما من الحكومة هو الورود لأنها تستتبع ارتفاع موضوع العام لا تضييقه أو توسعته التي هي الحكومة. (الآخوند، 1389ش، ج3، ص 305)

يقول صاحب “الكفاية”: إذا كان مراد ابن أبي جمهور الأحسائي والميرزا القمي من قاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» هو الجمع العرفي، فإن الإشكال الذي يلزم هو أن الجمع العرفي بين خبرين متعارضين واجب لا أولى؛ والجواب الذي يقدمونه على هذا الإشكال هو أنهم يقولون لا منافاة في أن يكون المراد من الجمع هنا هو الجمع العرفي، والأولوية هي أولوية تعيينية لا تفضيلية. (الآخوند، 1389ش، ج3، ص 304)

يقول بعض الفقهاء المتأخرين إنه لا شك في تقديم ظهور القرينة على ظهور ذي القرينة، ومحل الكلام هو حيث لا يكون العام نصاً في العموم، وإلا وقع التعارض بينه وبين الخاص، ولم يقل أحد في هذا المورد بتقديم الخاص. (القمي، 1382ش، ج6، ص 297)

صاحب “الزبدة” بعد أن يعتبر ملاك تقديم الخاص على العام هو الظهور في القرينية، يقسم الخاص إلى أربعة أقسام: قطعي السند والدلالة، ظني السند والدلالة، ظني السند قطعي الدلالة، وقطعي السند ظني الدلالة.

وهو في القسم الأول قائل بورود الخاص على العام وينسب هذا الرأي إلى الشيخ الأعظم (ره) ويضع في مقابله المحقق النائيني والسيد الخوئي اللذين التزما بأن تقديم الخاص على العام في هذا القسم من باب التخصص.

وفي القسم الثاني أيضاً قائل بالورود وينسب إلى الشيخ الأعظم (ره) أن تقدم الخاص على العام في هذا القسم على فرض أن حجية أصالة الظهور تكون بسبب أصالة عدم القرينة، سيكون من باب الحكومة ثم يقول: “واحتمال الورود نیز داده سپس در آخر بحث در آن تأمل کرده است.” (الروحاني، 1382ش، ج6، ص 264) ويذكر من بين مخالفي الشيخ في هذا الرأي الآخوند الخراساني والميرزا النائيني.

وفي القسمين الثالث والرابع، يختار رأي الشيخ الأعظم وهو العمل بـ “أقوى الظهورين”، ظهور العام في العموم وظهور الخاص في التخصيص. (الروحاني، 1382ش، ج6، ص 266). وأحد مخالفي هذا الرأي هو المحقق النائيني الذي قال إن العام يُخصص بالخاص وإن كان ظهوره أضعف من ظهور العام؛ لأن الخاص بمنزلة القرينة على التصرف في العام. (النائيني، 1376ش، ج4، ص 715)

ومن الإشكالات التي ترد على جناب الشيخ أنه لم يلتزم بمبناه في أي مسألة فقهية. (الروحاني، 1382ش، ج6، ص 268)

يعلل المحقق الروحاني عدم التزام الشيخ بهذا المبنى في المسائل الفقهية من هذه الجهة بأنه ربما في جميع الموارد في الفقه، يكون الخاص نصاً في عدم العموم، ولذا صرح الشيخ بأننا لم نجد مصداقاً يُقدم فيه العام من جهة كونه عاماً على الخاص. (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص 17؛ الروحاني، 1382ش، ج6، ص 266-269)

إن ما يُستفاد من كلمات المتأخرين هو التركيز على الجمع العرفي بين العام والخاص؛ لا الجمع بشاهد من العقل أو النقل. ويبدو أن كلمات المتأخرين في هذا الباب تامة، لذا على الرغم من أن الشيخ الطوسي (ره) موافق في الجمع بين العام والخاص في هذه الموارد، إلا أن الدليل الذي يقدمه للجمع ليس تاماً. لأنه مع وجود الجمع العرفي بين الدليلين، لا ينبغي اللجوء إلى الجمع بالشاهد.

٢. حمل المطلق على المقيد (التقييد)

إذا ورد في الشرع مطلق ومقيد يتنافيان، وأُحرزت وحدة التكليف (أي عُلم أن الشارع من بيان المطلق والمقيد يريد تكليفاً واحداً)، في هذه الحالة، يُحمل المطلق على المقيد، أي نرفع اليد عن إطلاق المطلق ونتصرف فيه ونعمل به بالقيد المذكور في المقيد. مثلاً، إذا قال الشارع في باب كفارة القتل: “أعتق رقبة”، وفي مكان آخر في نفس الكفارة قال: “أعتق رقبة مؤمنة”، فإننا نرفع اليد عن إطلاق الرقبة التي تشمل المؤمن والكافر، ونحمل ذلك المطلق على المقيد.

يقول الشيخ الطوسي في “الاستبصار” بعد ذكر روايات في جواز غسل الرجل للمرأة والعكس: على الرغم من أن هذه الأخبار مطلقة، إلا أننا نقيدها بالأخبار التي ذكرناها، لأنه في الموارد التي يكون فيها الحكم واحداً، مقيداً ومطلقاً، لا خلاف في حمل المطلق على المقيد. (الطوسي، 1390ش، ج1، ص 199)

ويوضح صاحب “السرائر” سبب تقديم الخاص على العام وكذلك تقديم المقيد على المطلق بأن حمل المطلق على المقيد يوضح مراد المخاطب من المطلق. والمثال الذي يذكره هو أنه إذا ورد حكم مطلق في موضع ثم ورد نفس الحكم في موضع آخر مقيداً بصفة، يُحمل المطلق على المقيد، وهذا الأمر مقبول لدى جميع الأصوليين. (الحلي، 1410هـ، ج1، ص 175)

ومن الأدلة الأخرى التي ذكرها بعض العلماء لتقديم المقيد على المطلق هو أن المأمور به أمر واحد، والتقييد يقتضي اشتراطه، لذا إذا لم يُقيد المطلق به، فيجب القول إن المطلق غير المقيد. (الحلي، 1403هـ، ص 134). ويبدو أن هذا البيان هو نفس الجمع العرفي الذي وضعه المتأخرون أيضاً لحمل المطلق على المقيد من هذا الباب.

أحياناً يكون المقيد مخالفاً للمطلق في الحكم، مثل أن يقول المطلق: أعتق رقبة، ويقول المقيد: لا تعتق رقبة كافرة، وأحياناً يكون حكم المطلق موافقاً للمقيد، مثل: أعتق رقبة، وأعتق رقبة مؤمنة. في الحالة الأولى، يتفق العلماء على حمل المطلق على المقيد، وفي الحالة الثانية، يذهب المشهور إلى التقييد، وتقول جماعة إن المقيد يُحمل على أفضل الأفراد. (الروحاني، 1382ش، ج3، ص 278)

وقد حمل القدماء المطلق على المقيد في موارد كثيرة لرفع التعارض الظاهري بين الأخبار؛ على سبيل المثال، صرح الشيخ الطوسي (ره) في “الاستبصار” في عشرين مورداً بتقييد الأخبار المطلقة، وفي موارد كثيرة أيضاً استخدم هذه الطريقة دون الإشارة إلى حمل المطلق على المقيد. (دلبري، 1390ش، ص 217). وبالطبع، من الشروط التي يجب مراعاتها لحمل المطلق على المقيد هو أن يكون حكم الدليلين من سنخ واحد، فمثلاً “أطعم يتيماً” و “أكرم يتيماً هاشمياً” خارجان عن محل البحث لأنه من المؤكد أن المطلق لا يُحمل على المقيد في هذه الموارد.

وهنا نشير إلى نموذجين لتقييد الإطلاق في كلمات الشيخ الطوسي:

قال بشأن آية “واستشهدوا شهيدين من رجالكم” إن هذه الآية مطلقة من حيث كون الشاهد عادلاً أو فاسقاً، ويقيدها بآية “وأشهدوا ذوي عدل منكم” التي قيدت بالعدالة. فيُحمل المطلق عليها. (السبحاني، 1436هـ، ج8، ص 100)

كما يكتب الشيخ في “الاستبصار” في ذيل الروايات التي تنهى عن إجارة الأرض بالحنطة والشعير: هذه الأخبار كلها مطلقة في كراهة إجارة الأرض بالحنطة والشعير، ومن المناسب أن نقيدها ونقول إن هذا العمل مكروه في حالة إجارتها بالحنطة التي تُزرع في نفس الأرض، وتُعطى من نفس الحنطة لصاحبها. أما إذا كانت الإجارة بحنطة غيرها، فلا إشكال. (الطوسي، 1390ش، ج3، ص 128). ثم يورد روايتين تدلان على هذا القيد.

٣. حمل المجمل على المبين

قد يكون اللفظ مجملاً من حيث المراد الاستعمالي، ولكنه معلوم من حيث المراد الجدي، مثل لفظ الصعيد والغناء والكعب وأمثالها التي اختلف في معانيها في الفقه. وأحياناً يكون المراد الاستعمالي ظاهراً والمراد الجدي مجملاً، مثل العام المخصص بمخصص منفصل يدور أمره بين متباينين. مثلاً، إذا قال المولى “أكرم العلماء” ثم قال “لا تكرم زيداً عالماً” وكان زيد في الخارج متردداً بين شخصين، في هذه الحالة يصبح المخصص مجملاً وإجماله يسري إلى العام، لأن المخصص المنفصل يوجب التصرف في المراد الجدي لا المراد الاستعمالي، فيصبح العام مجملاً من حيث المراد الجدي. وفي الفقه، تُبتلى جمل مثل “لا صلاة إلا بطهور” و “لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب” وأمثالها بهذا الإجمال. (الروحاني، 1382ش، ج3، ص 280)

في كلمات القدماء، يُعبر أحياناً عن المبين بالمفصل والمفسر والمشروح أيضاً.

يقول الشيخ الصدوق (ره) بعد نقل رواية تدل على جواز صلاة الليل في السفر في أول الليل: تلك الروايات التي أمرت بإقامة صلاة الليل من بداية الليل بشكل مطلق، مختصة بالسفر، لأن الأخبار المفسرة والمفصلة تُقدم على المجمل. (الشيخ الصدوق، 1413هـ، ج1، ص 478)

ويقول الشيخ الطوسي (ره) في ذيل حديث يدل على أن حج الصرورة (من يحج لأول مرة) يكفي عن نفسه وعمن ينوب عنه: هذا الخبر لا ينافي الخبر الدال على عدم الكفاية عن حجه الخاص. لأن معنى كلام المعصوم (عليه السلام) الذي قال “يكفي عنه” هو أنه يكفي عنه ما دام معسراً وليس لديه مال. فإذا تمكن، وجب عليه الحج بمقتضى الخبر الأول. لأن هذا الخبر الثاني مجمل ومحتمل، والخبر الأول مفصل ومبين، والحكم به أولى من المجمل. (الطوسي، 1390ش، ج2، ص 321)

كما أن الشيخ في “تهذيب الأحكام” أيضاً في ذيل رواية قال إن الحكم بالمفصل على المجمل أولى من الحكم بالمجمل على المفصل. (الطوسي، 1407هـ، ج4، ص 39)

ويدعي ابن إدريس أنه لا خلاف بين الأصوليين في حمل المجمل على المبين، وجعل دليله الأولوية، وهذا بحد ذاته يدل على الفهم العرفي والجمع العرفي. ويقول إن المبين من القرآن والسنة يُقدم على المجمل ولا خلاف في ذلك. (الحلي، 1429هـ، ص 225)

وبالطبع، من المعلوم أن ليس كل مجمل قابلاً للحمل على المبين. صاحب “ضوابط الأصول” في جوابه على سؤال: إذا ذُكر في الكلام مجمل ومبين، فهل يُحمل المجمل على المبين؟ يقول: أما تحقيق الكلام فهو أن يكون محلهما مختلفاً، مثل «أعط زيداً عيناً وأعط بكراً ذهباً»، أو متحداً من حيث المحل، مثل «أعط زيداً عيناً، أعط زيداً ذهباً». وبناءً على كلا الفرضين، إما أن يكونا متحدين في متعلق الحكم والسبب، مثل «إذا قدم ابني من السفر فأعط زيداً عيناً أو أعطه ذهباً»، أو ليسا كذلك، وعلى جميع التقادير إما أن يكونا مثبتين أو منفيين أو مختلفين. وتحقيق هذه الأقسام هو أن نقول: إذا كان محلهما مختلفاً؛ فلا حمل فيه حتى لو كانا متحدين حكماً وسبباً، سواء كانا مثبتين أو مختلفين. وكذلك لا حمل إذا كان المجمل والمبين محلهما واحداً ولكنهما يختلفان سبباً وحكماً. ودليل عدم الحمل هو عدم مساعدة فهم العرف. وإذا كانا متحدين في المحل والسبب ومتعلق الحكم؛ فالحمل لازم وإن اختلفا في الإثبات والنفي ما لم يأت دليل خارجي على تعدد التكليف، وذلك لفهم العرف، مثل «إذا قدم ابني من السفر فلا تعط زيداً عيناً، إذا قدم ابني من السفر فأعط زيداً ذهباً»، فيحكم العرف بأن المراد من المجمل المنهي عنه هو غير الذهب حتى لا يؤدي الحكم إلى التناقض. (الموسوي القزويني، 1371ش، ص 253)

لذا، في المجملات التي تقبل الحمل على المبين، الضابطة هي الجمع العرفي، وهذا الأمر مؤيد ومعمول به لدى القدماء والمتأخرين.

٤. الحمل على القدر المتيقن

من موارد الجمع بشاهد من العقل أو النقل حمل خبرين متعارضين على القدر المتيقن بينهما، وذلك بأن نتصرف في ظهور كل من الخبرين بالقدر المتيقن الخاص به، وبرفع التعارض نعمل بكلا الخبرين. مرادنا بالقدر المتيقن هنا ليس القدر المتيقن في مقام التخاطب، لأن ظهور الكلام بسببه يقع في إشكال ولا تصل النوبة إلى التعارض أصلاً، بل ما نريده هو القدر المتيقن من الخارج.

وقد ذهب بعض المحققين، بعد تقسيم الجمع إلى ثلاثة أقسام، إلى أن القسم الثالث من الجمع هو ما لا يأباه المتفاهم العرفي، مثل حيث يكون لكل من المتعارضين قدر متيقن في الإرادة من الخارج. (الروحاني، 1382ش، ج6، ص 281)

والمثال الشائع لهذا القسم هو الجمع الذي قام به الشيخ الطوسي (ره) بين روايتين. يقول في باب «النهي عن بيع العذرة» في “الاستبصار” بعد ذكر رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس ببيع العذرة»، إنه لا يوجد تنافٍ بين هذين الخبرين، لأن الخبر الأول يُحمل على غير عذرة الإنسان وهذا الخبر يُحمل على عذرة الإنسان. ويذكر الشيخ شاهداً على هذا الجمع ليخرجه عن كونه جمعاً تبرعياً، وهذا الشاهد هو رواية سأل فيها رجل الإمام الصادق (عليه السلام): أنا رجل أبيع العذرة، ما رأيك؟ فقال الإمام (عليه السلام): شراؤها وبيعها حرام، ثم قال الإمام (عليه السلام): بيع العذرة لا بأس به. يقول الشيخ: لو لم يكن مراد الإمام (عليه السلام) مما قاله من أن شراءها وبيعها حرام ما قلناه، لكان كلامه اللاحق القاضي بجواز بيع العذرة متناقضاً معه، والتناقض في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) منتفٍ. (الطوسي، 1390ش، ج3، ص 56)

وكان حمل الشيخ في هذا المثال محل نقاش بين الفقهاء، هل هذا الحمل من الشيخ يُعد جمعاً تبرعياً أم لا؟ ذهب المحقق الخوئي إلى أن الجمع العرفي بين دليلين بطرح ظهور كل منهما بنص آخر لا يجري إلا في حالة كون كل منهما قرينة لرفع اليد عن ظهور الآخر. مثل الجمع بين الأمر والترخيص، بحمل الأول على الاستحباب والثاني على الكراهة. وهذا بخلاف الحالة التي يرد فيها النفي والإثبات على مورد واحد. مثل المورد الذي نبحث فيه، لأنه من أوضح موارد المتعارضين. (الخوئي، بلا تا، ج1، ص 45)

ويبدو أن الحمل على القدر المتيقن من موارد الجمع العرفي. ولكن يجب الانتباه إلى وجود دليل قطعي على وجود المتيقن، وإذا كان وجوده احتمالياً وغير قطعي، فسيكون ذلك الجمع جمعاً تبرعياً.

المحقق الخوئي في مسألة وجوب إعادة الصلاة لمن نسي أن ثوبه نجس وصلى؛ بعد ذكر روايات متعددة تدل على وجوب الإعادة، يذكر صحيحة تقول إنه لا حاجة للإعادة. وفي مقام الجمع بين هاتين الطائفتين، يذكر أقوالاً منها تفصيل بين الإعادة والقضاء، وهو أحد الجموع المدعاة في هذا المقام. وذلك بأن يكون القدر المتيقن من الروايات الآمرة بالإعادة هو الإعادة في الوقت، ونحمل الروايات النافية على نفي الإعادة خارج الوقت. ووجه الجمع في هاتين الطائفتين من الروايات شبيه بوجه الجمع في ثمرة العذرة الحرام. (الخوئي، 1418هـ، ج4، ص 193)

ثم يشكل المحقق الخوئي على هذا الجمع ويقول: الحمل على القدر المتيقن جمع تبرعي، لأنه لا شاهد عليه. وفي المثال المذكور أيضاً لا شاهد على هذا الجمع. لذا، إذا كان هناك دليلان، أحدهما نص في معنى، وظاهر في معنى آخر، والدليل الثاني عكس ذلك، يُجمع بينهما بحمل الظاهر على النص، لأن نصية كل منهما في أمر تكون قرينة على إرادة خلاف ظاهر الدليل الثاني. (الخوئي، 1418هـ، ج4، ص 193)

ويمكن الاستنتاج من كلامه أنه إذا وجد شاهد معتبر ومقبول على وجوه القدر المتيقن، يمكن استخدام هذا الجمع، وهذا منوط بإيجاد مثال واضح لهذا الحمل في الفقه.

٥. الحمل على التخيير الفقهي

أحياناً توجد طائفتان من الروايات، كل منهما يبين حكم المسألة بطريقة لا تقبل الجمع مع الأخرى، ولكنها بصورة يفهم منها العرف التخيير في حكم المسألة.

في موارد متعددة، قال القدماء والمتأخرون بالتخيير في المسألة الفقهية كجمع عرفي بين خبرين. على سبيل المثال، أورد الشيخ الطوسي في صلاة العيدين التي تُصلى فرادى روايات تقول إنه يجب أن تُصلى ركعتين، ثم يذكر روايات تقول إنه يجب أن تُصلى أربع ركعات، ويبين وجه الجمع في هذه الرواية بالتخيير. لأن من يصلي منفرداً مخير بين أن يصلي ركعتين بترتيب صلاة العيدين وبين أن يصلي أربع ركعات؛ كيفما شاء عمل. (الطوسي، 1390ش، ج1، ص 446)

وفي كتاب “الخلاف” حول المبتدئة التي يستمر دمها، يطرح نقلين ثم يقول: دليلنا إجماع الفرقة على هاتين الروايتين ووجه الجمع بينهما التخيير. (الصيمري، 1408، ج1، ص 234)

الفاضل الآبي في “كشف الرموز” في مسألة المعتمر المفرد في عمرة مفردة وزمان قطع التلبية، بعد نقل روايتين يقول إن الشيخ هنا قال بالتفصيل، ووجهه هو الجمع بين الدليلين، ومن جهة أخرى قال ابنا بابويه بالتخيير، ووجههما أيضاً الجمع بين الدليلين، لكن ما هو أولى هو القول بالتخيير، لأن التفصيل يحتاج إلى تكلف في الإضمار. (الآبي الفاضل، 1417هـ، ج1، ص 352)

ما يبدو هو أن هذا الوجه من الجمع العرفي مقبول في الجملة لدى القدماء، ولكن يجب أن يكون بحيث يفهم العرف التخيير من الروايتين ويخرجه عن حد الجمع التبرعي.

وقد قدم المتأخرون أيضاً استدلالات مصحوبة بأمثلة لهذا الوجه من الجمع العرفي. المحقق الحكيم في مسألة من ينوي ويكبر ولم يصل إلى حد الركوع فيرفع الإمام رأسه من الركوع، حكمه إما أن يواصل الصلاة فرادى أو ينتظر الإمام؛ كدليل على جواز الانتظار، يذكر روايات. ثم يذكر عدة روايات كمعارضة لها تدل على أن المأموم يتابع الإمام في السجود ولكنه لا يحسبها، ثم يقول ليس ببعيد أن يكون وجه الجمع العرفي بينهما هو الحمل على التخيير، ولهذا السبب يجب على صاحب العروة أن يذكر عدلاً آخر هنا وهو السجود مع الإمام، كما ذكره الآخرون أيضاً. (الحكيم، 1416هـ، ج7، ص 208)

المحقق الخوئي في بحث كفارة القسم ذكر أنه إذا كان الفقير صغيراً، كيف يجب إطعامه، ثم يذكر روايتين متعارضتين. ويقول إن هاتين الروايتين وكلتاهما معتبرة، مطلقتان من حيث الانضمام وعدمه، ومقتضى الصناعة في هذه الحالة الأخذ بكلتيهما، والحمل على التخيير من باب الجمع. فبين أن يحسب صغيرين كبيراً واحداً، وبين أن يضيف إلى الصغير بقدر ما يأكل الكبير، مثلاً إذا أكل ثلث طعام الكبير يعطيه الثلثين المتبقيين، فهو مخير. (الخوئي، 1418هـ، ج21، ص 405)

ما يُستفاد من كلمات المتأخرين هو أنهم قبلوا التخيير كأحد موارد الجمع العرفي وذكروا له أمثلة، وإذا كان هناك خلاف بينهم، فهو ليس حول أصل قبول هذا الجمع، بل حول موضوعاته ومصاديقه.

٦. حمل الأمر على الاستحباب والنهي على الكراهة

المشهور بين الأصوليين أن ظهور صيغة الأمر في الوجوب وظهور النهي في الحرمة. ولا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور إلا بوجود قرينة صارفة في الكلام تفصلهما عن معناهما الحقيقي وتخلق قابلية الحمل على المعنى المجازي.

على سبيل المثال، حسب تقرير بعض المحققين، فإن الشيخ الطوسي فقط في “الاستبصار” في 208 موارد جمع بين الأخبار المتعارضة بحمل أحد الخبرين على الاستحباب، وفي 82 مورداً بحمل أحد الخبرين على الكراهة. (دلبري، 1390ش، ص 226 و 231)

كما يذكر الشيخ في “الاستبصار” في باب الأغسال المسنونة روايات تدل على استحباب غسل الجمعة، ثم في شرح رواية تدل بشكل مطلق على وجوب غسل الجمعة؛ يقول إن لفظ الوجوب المستخدم في الرواية معناه التأكيد في السنة وشدة الاستحباب. (الطوسي، 1390ش، ج1، ص 103)

وفي باب جواز التدهين والخضاب للجنب والحائض، بعد ذكر الروايات الدالة على الجواز، يذكر رواية تنهى عن ذلك ثم يقول: وجه الجمع بين هذه الأخبار هو أن نحمل الروايات الناهية على نوع من الكراهة لا الحظر والحرمة؛ ليرتفع التناقض بين الأخبار. (الطوسي، 1390ش، ج1، ص 117)

من خلال ذكر هذه الأمثلة في نظرة الشيخ، يمكن استنتاج أن جناب الشيخ ذكر أن أحد موارد حل التعارض بواسطة الجمع العرفي هو حمل الأمر على الاستحباب والنهي على الكراهة. وبالطبع، يجب أن يتم هذا الحمل بناءً على القرائن الموجودة في الكلام. وقد قبل المتأخرون أيضاً هذا المبدأ للشيخ في موارد متعددة. على سبيل المثال، يذكر الشيخ الأنصاري في بحث نزح ماء البئر وأن المشهور بين الفقهاء استحباب النزح؛ شواهد على الاستحباب، ويقول في هذا الصدد لحل التعارض بين الأخبار، يجب حمل الأخبار الدالة على الوجوب على الاستحباب حتى لا يؤدي ذلك إلى طرح بعضها. (الأنصاري، 1415هـ، ج1، ص 207)

المحقق الخوئي في بحث جواز تذوق الطعام للصائم قال إن في تذوق المرق، تتعارض روايات الجواز مع روايات المنع، ويقول إنه نُقل عن الشيخ أن روايات المنع تُحمل على عدم الحاجة، وروايات الجواز على حالة الحاجة إلى التذوق مثل الطباخ وأمثاله؛ ويقول المحقق الخوئي إن هذا الجمع الذي قام به الشيخ هو جمع تبرعي لا شاهد له، ومقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الكراهة، لأن الطائفة الأولى صريحة في الجواز، فبعد ظهور إحداهما يُرفع اليد عنه بسبب صراحة الأخرى. (الخوئي، بلا تا، الصوم، ج1، ص 274)

كانت هذه بعض الموارد الشائعة للجمع العرفي التي ذُكرت في كلمات القدماء، وفي جميع هذه الموارد، الضابطة هي أن يكون الجمع بحيث يقبله العرف أو أن يُقدم له شاهد مقبول من العقل أو النقل، وإلا فإنه يقع في زمرة الجموع التبرعية التي أثارت اعتراضات كثيرة على الشيخ (ره) في موارد متعددة.

النتيجة

من بين علماء الشيعة، كان الشيخ الطوسي أول من دخل ميدان حل تعارض الروايات، ومن خلال تأليف كتاب “الاستبصار”، تناول بيان وجه الجمع للأحاديث التي تبدو متعارضة ظاهرياً. وقد سمى هذا النوع من التعارض بالتعارض البدوي أو غير المستقر. وضع الشيخ الطوسي أساس عمله على تقديم أدلة منطقية لرفع اختلاف الحديث، وجعل رفع تعارض الأخبار قانونياً ومنهجياً. ومبناه هو أيضاً فرض قاعدة (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح)، لأنه يعتقد أن الأصل هو عدم طرح الروايات، وما دام إمكان الجمع موجوداً فلا معنى للطرح. ومن خلال البحث في أقوال الشيخ، يتضح أن مراده من هذه القاعدة هو الجمع العرفي والجمع الذي تدل عليه قرينة من العقل والنقل، لا الجمع التبرعي. لذا، من خلال تحقيق ميداني في آثار الشيخ الطوسي الفقهية والأصولية، يمكن استخلاص طرق رفع التعارض بين الروايات في التعارض غير المستقر من وجهة نظره. وهو يقدم الجمع العرفي على تطبيق سائر القواعد، وما دام الجمع العرفي ممكناً وكانت هناك قرينة من النقل والعقل للجمع، فإنه يسعى لمواءمة ومطابقة روايتين أو أكثر من الروايات المتعارضة. وقد قام الشيخ الطوسي في موارد متعددة بحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، وحمل صيغة الأمر على الاستحباب وحمل صيغة النهي على الكراهة، برفع التعارض الظاهري لبعض الأخبار.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

1. ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد بن علي (1403هـ). عوالي اللئالي. تحقيق مجتبى عراقي. قم: بلا ناشر.

2. ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور بن أحمد (1410هـ). السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى. الطبعة الثانية، قم: مكتب النشر الإسلامي.

3. ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور بن أحمد (1429هـ). أجوبة مسائل ورسائل في مختلف فنون المعرفة. الطبعة الأولى، قم: دليل ما.

4. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1428هـ). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

5. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1415هـ). كتاب الطهارة. الطبعة الأولى، قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأعظم الأنصاري.

6. آخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين (1389ش). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

7. آملي، ميرزا محمد تقي (1380ق). مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى. الطبعة الأولى، طهران: المؤلف.

8. البحراني، يوسف بن أحمد (1379ش). الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. الطبعة الثالثة، قم: مكتب النشر الإسلامي.

9. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1418هـ). الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية). بيروت: دار الفكر.

10. الحكيم، سيد محسن الطباطبائي (1416هـ). مستمسك العروة الوثقى. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة دار التفسير.

11. الحلي، أبو القاسم نجم الدين (المحقق) (1403هـ). معارج الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

12. الحلي، حسن بن يوسف (العلامة) (1425هـ). نهاية الوصول إلى علم الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

13. الخوري الشرتوني، سعيد (بلا تا). أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد. بلا مكان: بلا ناشر.

14. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (1418هـ). فقه الشيعة (كتاب الطهارة). الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة آفاق.

15. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (1418هـ). موسوعة الإمام الخوئي. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

16. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (بلا تا). المستند في شرح العروة الوثقى. الطبعة الأولى، بلا مكان: بلا ناشر.

17. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (بلا تا). مصباح الفقاهة. الطبعة الأولى، بلا مكان: بلا ناشر.

18. الخوئي، أبو القاسم (1422هـ). مصباح الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

19. دلبري، سيد علي (1390ش). مباني رفع تعارض الأخبار. الطبعة الثانية، مشهد: منشورات جامعة العلوم الإسلامية الرضوية.

20. دلبري، سيد علي (1391ش). آسيب شناسي فهم حديث. الطبعة الأولى، مشهد: العتبة الرضوية المقدسة.

21. الزحيلي، وهبة (1986م). أصول الفقه الإسلامي. دمشق: دار الفكر.

22. السبحاني التبريزي، جعفر (1436هـ). المبسوط في أصول الفقه. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

23. الصيمري، مفلح بن حسن (1408هـ). تلخيص الخلاف وخلاصة الاختلاف. الطبعة الأولى، قم: منشورات كتابخانه.

24. الطوسي، محمد بن حسن (1376ش). الأمالي. الطبعة الأولى، قم: دار الثقافة.

25. الطوسي، محمد بن حسن (1390ش). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. الطبعة الأولى، طهران: دار الكتب الإسلامية.

26. الطوسي، محمد بن حسن (1407هـ). تهذيب الأحكام. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

27. الطوسي، محمد بن حسن (1417هـ). العدة في أصول الفقه. الطبعة الأولى، قم: بوستان كتاب.

28. العاملي، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (1416هـ). تمهيد القواعد. الطبعة الأولى، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.

29. علم الهدى، علي بن الحسين (1414هـ). الذريعة إلى أصول الشريعة. الطبعة الأولى، طهران: جامعة طهران.

30. الفاضل الآبي، حسن بن أبي طالب اليوسفي (1417هـ). كشف الرموز في شرح مختصر النافع. الطبعة الثالثة، قم: مكتب النشر الإسلامي.

31. الفراهيدي، الخليل بن أحمد (1409هـ). كتاب العين. الطبعة الثانية، قم: نشر هجرت.

32. القمي، ابن بابويه، محمد بن علي (1413هـ). من لا يحضره الفقيه. الطبعة الثانية، قم: مكتب النشر الإسلامي.

33. القمي، محمد صادق الروحاني (1382ش). زبدة الأصول. الطبعة الثانية، طهران: حديث دل.

34. معرفت، محمد هادي (1381ش). علوم قرآني. الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة فرهنگي شهيد.

35. الموسوي القزويني، سيد إبراهيم (1371ش). ضوابط الأصول. الطبعة الأولى، قم: المؤلف.

36. النائيني، محمد حسين (1376ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى، قم: جامعة المدرسين.

37. الوحيد البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل (1415هـ). الفوائد الحائرية. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

38. اليزدي، محمد كاظم بن عبد العظيم (1426هـ). كتاب التعارض. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة انتشارات مدين.

Scroll to Top