دراسة فقهية في إعادة النظر بحكم القاضي

الملخص

إن إعادة المحاكمة أو طلب الاستئناف، الذي يُعرف في الفقه بـ«نقض حكم الحاكم»، من المسائل القضائية المستحدثة التي يتباين فيها رأي الفقهاء مع التوجه الحالي للمحاكم القضائية؛ ذلك أن نقض حكم الحاكم غير جائز في الفقه، بينما يُعد الاستئناف إجراءً شائعاً في المحاكم. يتناول هذا البحث هذا التحدي بمنهج تحليلي نقدي مستعيناً بالوثائق المكتبية. وتُظهر دراسة الأدلة أن الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم العادية قابلة للاستئناف، أما الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة العليا ومحاكم الثورة فلا تقبل إعادة المحاكمة إلا إذا ثبت أن القاضي الذي أصدر الحكم لم يكن يتمتع بالاجتهاد والكفاءة اللازمين، أو أنه قد غفل أو قصّر في اجتهاده وحكمه، أو أنه لم يحكم وفقاً لمعايير الاجتهاد الإمامي الصحيح، ففي هذه الحالة يمكن نقض حكمه.

المقدمة

من المسائل التي طرحها الفقهاء الأجلاء منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، وبسطوا فيها آراءهم الفقهية وأدلتهم، مسألة جواز نقض حكم الحاكم المجتهد. أي هل يجوز أن يُنقض حكم حاكم مجتهد بحكم حاكم مجتهد آخر، أو أن يكون محلاً لإعادة النظر؟ وإن كان جائزاً، فما هي موارده وشروطه؟

نظراً لأهمية مسألة حكم الحاكم المجتهد في مجال القضاء والحكم الإسلامي، وكذلك الاختلاف والإيجاز في كلمات الفقهاء حول هذا الموضوع، فإن تبيين وشرح نقض الحكم بوضوح، مع ذكر الأقوال والأدلة وبيان الترتيب المنطقي للإشكالات الواردة عليه والكشف عن جوانبه الغامضة، يُعد أمراً ذا فائدة جمة، ولا يتأتى إلا بالدراسة العلمية الدقيقة والتنظير المحايد في هذا المجال.

فرضية المقال هي عدم جواز النقض وإعادة النظر الابتدائية والطلبية في حكم القاضي المجتهد الصادر وفقاً لمعايير الاجتهاد الشيعي الصحيح ودون غفلة أو سهو أو تقصير، إلا إذا ثبت أن القاضي حين صدور الحكم لم يكن ذا أهلية للحكم، أو أنه سها أو غفل أو قصّر، أو أنه لم يحكم وفقاً لمعايير الاجتهاد الشيعي الصحيح.

في الوقت الحاضر، معظم القضاة ليسوا مجتهدين، بل هم مجرد قضاة مأذونين يطبقون الأحكام على الموضوعات. في الواقع، هم يهيئون مقدمات الحكم فقط، ثم في محاكم الاستئناف، بعد طلب إعادة النظر من قبل أحد الطرفين أو كليهما، وبإحالة الملف إلى قاضٍ آخر، يتم فحص الملف مجدداً قبل صدور الحكم. ونتيجة لذلك، لا تحدث إعادة نظر في حكم القاضي ولا نقض له. لكن هذا المقال يثبت أولاً أن طلب إعادة المحاكمة وإعادة النظر في الحكم بعد أن يصبح قطعياً ويصدر وينفذ من قبل قاضٍ مجتهد (أو أي شخص حقيقي أو اعتباري آخر) في المحكمة العليا في البلاد من قبل أي شخص حقيقي أو اعتباري، مجتهداً كان أم غير مجتهد، أو أي هيئة أو منظمة، حتى لو كان قاضياً مجتهداً آخر أو شخص قاضي القضاة، بل حتى شخص الوالي والحاكم الإسلامي – طبعاً بحكم أولي – في غير حالات الغفلة والسهو والتقصير وعدم أهلية القاضي، هو أمر غير جائز شرعاً. وثانياً، كبحث استباقي ومتقدم، يمنع وضع أي قانون في المستقبل قد يؤدي إلى نقض حكم الحاكم المجتهد، وهو أمر حدث في المسار التاريخي والتشريعي في حكم إعادة النظر في تاريخ وضع القوانين القضائية في إيران الإسلامية، واحتمال وقوعه لا يزال قائماً.

في بداية انتصار الثورة وفي أثناء دراسة وتصديق دستور البلاد، سُمح بحكم إعادة النظر تبعاً لقوانين ما قبل الثورة، ولكنه مُنع بعد ذلك، ثم سُمح به مجدداً بتعديلات من مجلس صيانة الدستور في غير ثلاثة موارد (عدم أهلية القاضي، عدم الحكم وفقاً لموازين الاجتهاد، غفلة وسهو القاضي، ومخالفة الحكم لضروريات الفقه).

بالطبع، يحتوي هذا القانون على نقاط غامضة تتطلب دراسة فقهية لتحديد التكليف والكشف عن تلك النقاط، وبيان حدود وثغور هذه المسألة، وكذلك الاستجابة للحاجة الفقهية المستقبلية للمجتمع القضائي والتشريعي في البلاد، والاستعداد العلمي لمنع وضع قوانين مخالفة للشرع في المستقبل.

في هذا المجال، كُتبت مقالات تناولت حكم إعادة النظر من الجانب القانوني أكثر منه بشكل كامل، مثل «الحكم الحكومي في مجال القضاء»، و«إعادة النظر في حكم المحكمة وموعده من وجهة نظر الفقه الإمامي والحقوق الوضعية الإيرانية»، و«نقض حكم الحاكم من وجهة نظر الفقه».

وفي كتب الفقه أيضاً، منذ زمن المرحوم الكليني رحمه الله وحتى الآن، تناول الفقهاء في كتاب القضاء بيان هذا الحكم الفقهي. بعض الفقهاء مثل المرحوم الشيخ الطوسي وابن البراج وابن حمزة اكتفوا ببيان فتواهم في هذا المجال. وبعضهم الآخر مثل المرحوم فخر المحققين والمرحوم العاملي ذكروا أدلة المسألة بشكل مجمل. وعدد من المتأخرين أيضاً مثل المرحوم السبزواري والخوئي والآشتياني تناولوا استنباط الحكم بالتفصيل.

في هذا المقال، بالإضافة إلى الدراسة الكاملة للأقوال والأدلة، تم التطرق إلى توسيع عدم جواز إعادة النظر ونقض حكم القاضي ليشمل حالة العلم بمخالفة حكم القاضي للواقع، وهو ما لم يلاحظ في أي كتابة علمية، وهو أمر له تأثير كبير في أمر المحاكمة والقضاء.

هذا البحث، بالمنهج المكتبي وبمنحى وصفي-تحليلي، جمع أقوال وأدلة الفقهاء، ثم قام بتصنيفها وتلخيصها وإزالة الغموض عن النقاط المبهمة في المسألة وفق ترتيب منطقي.

1. دراسة مفهوم النقض

النقض في اللغة مصدر «نَقَضَ» ويعني الكسر والإبطال والإفساد وفتح الشيء المعقود، ومن مصاديقه حل الحبل المفتول، وهدم البناء المحكم، وكسر العهد والميثاق، وإبطال الكلام القاطع، وإبطال الطهارة بالحدث. النقض في اصطلاح الفقهاء يعني إبطال الحكم ومنع تأثيره من وقت صدوره، بخلاف النسخ الذي هو منع التأثير من وقت النسخ. وله صورتان: أحياناً يكون النقض مقتصراً على إبطال الحكم السابق، وأحياناً يكون بإنشاء حكم جديد. على سبيل المثال، إذا حكم حاكم بحرية عبد، فنقضه يكون تارة بأن يقول ذلك الحاكم نفسه أو حاكم آخر: أبطلت هذا الحكم، فيبقى العبد عبداً، وتارة بأن يحكم بخلافه فيقول مثلاً: حكمت بعبودية هذا العبد. لذلك، كل حكم مخالف يعتبر نقضاً للحكم السابق وموجباً لبطلانه.

2. دراسة مفهوم الحكم

الحكم في اللغة من مادة (ح-ك-م)، وهو مصدر الفعل «حَكَمَ يَحكُمُ»، وقد اعتبره معظم اللغويين بمعنى القضاء، أو على الأقل أشهر معانيه هو القضاء. وبعض اللغويين اعتبروا الأصل المعنوي للحكم هو المنع، ويسمون حكم الحاكم حكماً لأنه يمنع الظلم. وكلمة «حكومة» هي اسم، وتطلق على حاصل ونتيجة الحكم. ورغم أن هناك علاقة من وجه بين المعنيين اللغويين لـ«قَضَى» (أنهى) و«حَكَمَ» (منع)، إلا أن كلمتي «حُكم» و«قضاء» مترادفتان وتعنيان الأمر الحتمي الذي وصل إلى نهايته؛ سواء كان في فصل الخصومة أم في أمر آخر. لم يبحث الفقهاء الحكم في فصل مستقل، بل طرحوه وعرّفوه في ثنايا كلماتهم بمناسبات مختلفة، وتعرضوا لبعض أحكامه. مصطلح «الحكم»، بالنظر إلى استعمالاته المختلفة في الفقه، يجد تعريفات متنوعة. يُقسّم الحكم بحسب خصوصيات الحاكم والجاجل له إلى حكومي-قضائي وغير حكومي (شرعي)، حيث يكون المراد بالحاكم والجاجل في الحكم الشرعي هو الشارع المقدس، وفي الحكم الحكومي-القضائي هو الفقيه الجامع للشرائط.

3. أنواع الحكم

3-1. الحكم الشرعي

الحكم الشرعي هو اعتبار يجعله الشارع المقدس بشأن فعل الإنسان؛ بمعنى أنه يمنع الإنسان من ارتكاب فعل ما، أو يجبره على القيام به، أو يمنحه الإذن والرخصة في فعله وتركه (الأحكام التكليفية)، أو يرتب أثراً على فعل الإنسان (الأحكام الوضعية).

3-2. حكم الحاكم

يوجد اختلاف في وجهات النظر حول معنى حكم الحاكم من حيث السعة والضيق. سيأتي لاحقاً أن البعض يخصه بالحكم القضائي، والبعض الآخر يجعله أعم من القضائي والولائي. ونتيجة لذلك، ينقسم حكم الحاكم إلى قسمين رئيسيين: أ) الحكم القضائي: وهو فصل الخصومة وإنهاء النزاع بإلزام أحد الخصمين بما يخالف مقتضى تكليفه. على سبيل المثال، إذا كانت وظيفة زيد حفظ ورعاية أرض معينة ويجوز له التصرف فيها، فبعد حكم القاضي بخلع يده من تلك الأرض وثبوت ملكيتها لعمرو، لم يعد لزيد مثل هذا التكليف والحق، ويجب عليه تسليمها لعمرو خلافاً لمقتضى تكليفه. ب) الحكم الحكومي: مثل حكم الحاكم بثبوت هلال شهر رمضان، وحكم بتحريم شيء حلال كالتنباك. حول ماهية الحكم الحكومي توجد ثلاث رؤى: بعض الفقهاء كالإمام الخميني رحمه الله يعتبرونه في عرض الأحكام الأولية، وبعضهم كالشيخ جعفر السبحاني والشيخ الصافي الكلبايكاني يعدونه في طول الأحكام الأولية أو الثانوية، وبعضهم كالشهيد الصدر يضعون بعض الأحكام الحكومية كالأحكام الاقتصادية في حيز «منطقة الفراغ» مستقلة عن الأحكام الأولية والثانوية.

4. أنواع إعادة النظر

تنقسم إعادة النظر في الحكم السابق إلى نوعين: ابتدائية وطلبية. إعادة النظر الابتدائية: أن يقوم الحاكم بمراجعة الحكم دون طلب من المترافعين أو بطلب من أحدهما فقط – وهو عادة المحكوم عليه – وإذا توصل إلى رأي مخالف للحكم السابق، ينقضه ويصدر حكماً جديداً. إعادة النظر الطلبية: أن يقوم الحاكم بمراجعة الحكم بطلب ورضا طرفي الدعوى – حيث يكون المحكوم عليه هو الطالب والمحكوم له هو الموافق – وإذا توصل إلى رأي مخالف للحكم السابق، ينقضه ويصدر حكماً جديداً.

4-1. آراء الفقهاء

في هذه المسألة، هناك رؤيتان عامتان: معظم الفقهاء، ومنهم المرحوم الخوئي، وجواد التبريزي، والآشتياني، والرشتي، وجعفر السبحاني، مع اختلاف طفيف، يعتقدون أن إعادة النظر في الحكم غير جائزة مطلقاً، ورضا الطرفين ليس له أي تأثير في ذلك. الرؤية الأخرى هي وجوب إعادة النظر في حال الطلب؛ حيث يعتقد صاحب الجواهر أن إعادة النظر في الحكم واجبة إذا رضي طرفا الدعوى بها وطلباها، ويُنقض الحكم السابق، وفي غير هذه الحالة لا يجوز.

5. دراسة الأدلة

لكل من الرؤيتين المطروحتين أدلة لإثبات وجهة نظرهما، والتي سيتم دراستها بالترتيب.

5-1. أدلة عدم جواز إعادة النظر مطلقاً

لإثبات رؤية عدم الجواز، تم الاستناد إلى أربعة أدلة، سيتم فحصها وتقييمها.

5-1-1. الدليل الأول: موضوعية الحكم

يُستفاد من الأدلة الروائية مثل مقبولة عمر بن حنظلة – التي ستأتي لاحقاً – وسيرة العقلاء أن حكم القاضي ليس أمارة وطريقاً إلى الواقع، بل يتمتع بصلابة ومتانة تجعله هو نفسه واقعاً وموضوعية. والمراد بحكم القاضي هو الحكم الواقعي في نظره، لا الحكم الواقعي الإلهي، شريطة أن يكون صادراً عن ميزان واجتهاد صحيح، لا عن سهو أو غفلة وتقصير. بناءً على ذلك، فإن الإشكال الرئيسي للقائلين بالنقض – أي صورة الخطأ في طريق الحكم وحتى عدم مطابقته للواقع – لن يكون وارداً.

5-1-1-1. الإشكال: دلالة الرواية النبوية على طريقية الحكم

بالاستناد إلى صحيحة هشام بن الحكم عن النبي صلى الله عليه وآله، يثبت أن الحكم ليس له موضوعية بل هو طريق إلى الواقع. في هذه الرواية يقول النبي صلى الله عليه وآله: «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، وبعضكم ألحن في حجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار». بناءً على ذلك، اعتبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حكم القاضي طريقاً ظاهرياً إلى الواقع، والذي في حالة العلم بخطئه، يفقد طريقيته ولا يغير الواقع ولا يكون نافذاً.

ملاحظة: (مورد الرواية هو الشبهات الموضوعية لا الحكمية، وبالتالي فإن الطريقية في حكم القاضي الناشئ عن الاستنباط في الأحكام الشرعية لا تشمله).

إذا حُمل دليل وجوب قبول وحرمة رد حكم القاضي في الشبهات الموضوعية على الطريقية، فيجب حمله في الشبهات الحكمية أيضاً على الطريقية، لأنه لا يمكن عرفاً التفريق بين الموردين في دليل واحد. بناءً على ذلك، يجب حمل جميع أنواع الدليل على الطريقية.

5-1-1-2. دراسة الإشكال الأول

الاستدلال بالرواية النبوية لإثبات طريقية الحكم غير تام، لأن اللام في عبارة «فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار» ظاهرة في الملكية. ونتيجة لذلك، تظهر الرواية أن الآخذ يملك ولكنه آثم، وترافقه قطعة من النار. وهذا شبيه بالصيد في الحج، الذي يصح في المرتبة الثانية والثالثة… ولا كفارة له، ولكن هذا لا يعني أنه لا إثم فيه، بل إثمه أكبر وعقابه أشد، لدرجة أن الله ينتقم منه. بناءً على ذلك، حكم القاضي ليس طريقاً، بل هو إنشاء ومن باب الولاية، وهو نافذ وحجة. وإذا شككنا في ظهور الرواية، تصبح مجملة وتفقد قابليتها لمنع موضوعية الحكم.

5-1-2. الدليل الثاني: منع الفوضى والخصومة الأبدية

الهدف من القضاء هو رفع الخصومة والقطع القانوني والشرعي للنزاع، وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كان حكم القاضي يتمتع بصلابة وقوة بحيث لا يُنقض بالاعتراض، وإلا فلن يتحقق الهدف وسيؤدي إلى الفوضى. ولهذا السبب، يتمتع حكم القاضي في جميع المجتمعات بالقوة والمتانة. من ناحية أخرى، فإن طرفي الدعوى في الشبهات الموضوعية غالباً لا يعتبران الطرف المقابل صادقاً ولا يعتقدان أن بينته مطابقة للواقع. لذلك، إذا جاز إعادة النظر ونقض الحكم، فلن يكون حكم القاضي نافذاً في معظم النزاعات وستبقى الخصومة بين الطرفين إلى الأبد، في حين لا شك أن إطلاقات أدلة حجية حكم القاضي تجعل حكمه نافذاً بشكل جازم.

5-1-3. الدليل الثالث: لزوم الرضا بحكم القاضي وانتفاء موضوع النزاع

بما أن حقيقة الحكم هي فصل الخصومة وقطع النزاع بإلزام المتخاصمين، فعندما يتحقق هذا الأمر، لا تبقى مسألة قابلة للفصل شرعاً عند القاضي، سواء رضي المتخاصمان بتجديد المرافعة أم لا.

5-1-3-1. نقد ودراسة الدليل

الكلام في النقض لا في الحكم المجدد، والحكم المجدد يأتي بعد تحقق النقض. وعندما يتحقق النقض برضا المتخاصمين، يعود النزاع ويصبح محلاً قابلاً لفصل الخصومة مجدداً. بعبارة أخرى، مدعي جواز النقض يقول إن النقض في هذه الموارد صحيح، وعندما يكون النقض صحيحاً، تعود الخصومة. إذن، يجب على المستدل أن يأتي بدليل على عدم جواز النقض، لا على عدم النزاع والخصومة. ولكن يبدو أن نقض الحكم من قبل القاضي متفرع على المرافعة المجددة أمامه، وفصل الخصومة المجدد متفرع على جواز النقض. وبما أن المرافعة قد تمت مرة واحدة وصدر الحكم وزال النزاع شرعاً، فإن تجديد المرافعة يصبح بلا موضوع ومحل. لذلك، جواز النقض وما يتبعه من فصل خصومة مجدد لا موضوع له، وإن كان رضا الطرفين له دخل في جواز النقض.

5-1-3-2. ملاحظة: دراسة ملف السجناء من قبل القاضي الجديد

1. إن قول البعض مثل المحقق الحلي بوجوب دراسة ملف وأحكام السجناء من قبل القاضي الجديد لا يتنافى مع عدم جواز إعادة النظر في حكم القاضي السابق؛ لأن النظر في أمر السجين من قبل القاضي الثاني هو باعتبار أن استيفاء الدين من السجين متوقف على ثبوت الحق في ذمته عند القاضي الثاني. بناءً على ذلك، يجب على القاضي الثاني النظر في أمر السجين ليثبت له الحق، لأن مجرد ثبوت الحق عند القاضي الأول لا يوجب على القاضي الثاني أن يكون ولياً على الاستيفاء. وهذا بخلاف بحث إعادة النظر الابتدائية، حيث يكون البحث فيه بعد ثبوت واستيفاء الحكم عند القاضي الأول.

5-1-3-3. نقد ودراسة الملاحظة

يبدو أن هذا الكلام غير صحيح، لأنه بناءً على فقرة «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فعلينا رد» في مقبولة عمر بن حنظلة – التي ستأتي – فإن عدم قبول حكم القاضي أعم من إصدار حكم مخالف لحكمه وعدم تنفيذ حكمه.

5-1-4. الدليل الرابع: السنة

وردت روايات كثيرة في هذا المجال، نكتفي للاختصار بنقل روايتين منها:

5-1-4-1. الرواية الأولى

إطلاق حرمة نقض الحكم في مقبولة عمر بن حنظلة يشمل صورة إعادة النظر الابتدائية والطلبية، والتي تعتبر بحسب رأي بعض الفقهاء أفضل دليل على المدعى. يمنح الإمام الصادق عليه السلام في رواية عمر بن حنظلة منزلة رفيعة لحكم الحاكم والقاضي المجتهد، ويجعل حكمه في رتبة حكمه هو، ورده ردٌ لحكمه هو، وفي حد الشرك بالله. بناءً على ذلك، فإن حكمهم واجب الاتباع مطلقاً ورده ونقضه حرام. يقول عمر بن حنظلة: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً وإن كان حقه ثابتاً لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله». يُستفاد من فقرتي الرواية، أي فقرة «فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً» وفقرة «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله»، أن حكم القاضي نافذ في حق الجميع. وبتعبير آخر، يُستفاد من الروايات أنه إذا صدر حكم القاضي عن ميزان واجتهاد صحيح، فهو معتبر مطلقاً، وبالتالي فإن نقضه غير جائز مطلقاً.

5-1-4-1-1. دراسة سند الرواية

هذه الرواية من حيث السند صحيحة ومقبولة – أي محل قبول فقهاء الشيعة -؛ صاحب «مفتاح الكرامة»، المتميز في إحاطته بآراء الفقهاء وتتبعه في متون الفقه، يقول: لا ينبغي التوقف في سند المقبولة، لأن الفقهاء متفقون على قبول هذه الرواية والعمل بموجبها. المحدث المحقق، الملا محمد تقي المجلسي، المتبحر في علم الحديث، يقول عن هذا الحديث: «هذا الحديث مشهور بـ«المقبولة» وقد تلقاه أصحابنا بالقبول، وهو العمدة في باب الفقه والاجتهاد…» وكما قال الشهيد الثاني، فإن الأصحاب سموها «مقبولة»، وهذا الاسم الظاهر أنه من جهة حكمهم بصحة مضمونها – بالنظر إلى روايات أخرى -. لذلك، هي عند الفقهاء كرواية متواترة معنوياً. وابنه، العلامة محمد باقر المجلسي، يعتبرها أيضاً رواية موثوقة ومقبولة لدى الأصحاب. والشيخ الأنصاري من كبار فقهاء الشيعة يقول في هذا الصدد: «رواية عمر بن حنظلة بأسانيدها المتعددة موضع ثقة كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، عملت الطائفة الإمامية بها وتلقتها بالقبول، ولذلك سميت «مقبولة». بل ربما يمكن اعتبار مثل هذه الرواية في أعلى درجات الاعتبار والصحة، بل هي أكثر اعتباراً من كثير من الروايات ذات السند الصحيح، وهذه النقطة واضحة لأهل البصيرة»، فلا يرد عليها خدش من حيث السند.

5-1-4-1-2. دراسة دلالة الرواية

وردت أربعة إشكالات على دلالة المقبولة على عدم جواز إعادة النظر ونقض حكم الحاكم والقاضي مطلقاً، نعرضها بالترتيب.

5-1-4-1-2-1. الإشكال الأول: عدم إحراز موضوع حرمة إعادة النظر

موضوع حجية حكم القاضي وحرمة إعادة النظر ونقضه لا يُحرز بثلاثة بيانات: أ) التمسك بالمقبولة لحرمة النقض فرع إحراز موضوعها، أي مطابقة حكم القاضي لحكم الأئمة عليهم السلام، بينما أحياناً وجداناً – كصورة قيام حجة قطعية على خلاف الحكم – أو تعبداً – كصورة قيام أمارة حجيتها قطعية على خلاف الحكم – لا يُحرز هذا الموضوع. ب) مقتضى المقبولة عدم نفوذ الحكم في صورة الشك في مطابقته للواقع، لأن في هذه الصورة موضوع وجوب تنفيذ الحكم – أي العلم بالمطابقة للواقع – غير محرز. وكذلك، بما أن العقل بمفرده يحكم بتنفيذ الحكم في صورة العلم بمطابقته للواقع، فلا حاجة لجعل وجوب التنفيذ للحكم. بناءً على ذلك، نصل إلى نتيجة أن الرواية ليست بصدد إمضاء حكم القاضي، ولهذا السبب لم يستدل بعض العلماء بهذه الرواية. ج) الحكم الصادر من الحاكم الجامع للشرائط وعن اجتهاد صحيح هو طريق شرعي إلى الواقع، ولكن عند العلم بمخالفة الحكم للواقع أو وقوع خطأ في الطريق ومبادئه أو قيام حجة على خلافه، يسقط عن الطريقية ونتيجة لذلك يجوز نقضه.

5-1-4-1-2-2. دراسة الإشكال الأول

كما مر في الدليل الأول، اعتبار الحكم ليس لكونه أمارة وكاشفاً عن الواقع، بل له موضوعية تامة في حل النزاعات. لذلك، سواء عُلم بخطئه في الطريق أو عدم مطابقته للواقع وجداناً أو تعبداً أم لا، يجب الالتزام بعدم جواز نقض الحكم. كما أن المقبولة بقرينة صدرها الذي يبين وظيفة المتنازعين لا يمكن أن تنيط حل الخصومة بالعلم بالمطابقة للواقع – الذي غالباً ما يكون خفياً على أهل العلم -. ونتيجة لذلك، المراد من عبارة «فإذا حكم بحكمنا» في المقبولة هو الحكم بعنوان حكم الأئمة عليهم السلام، في مقابل حكم العقل والعرف والمخالفين والكفار و…، وبناءً على ذلك، يوجد في حكم القاضي بحد ذاته نوع من الكاشفية عن حكم الأئمة عليهم السلام. كما أن المراد من عبارة «فإذا حكم بحكمنا» في المقبولة هو الحكم الواقعي في نظر الحاكم (أي الحكم وفقاً لموازين الاجتهاد الصحيح) لا الحكم الواقعي الإلهي، وإلا لما كان نافذاً لا في فرض الشك ولا في فرض العلم بالواقع، لأن في فرض الشك في الواقع قيد الموضوع لم يحرز، وفي فرض العلم بالواقع، بما أن العلم نفسه حجة، فلا معنى لجعل الحجية للحكم. بناءً على ذلك، المراد من «حكمنا» هو الحكم الواقعي في نظر الحاكم، أي أن نظر الحاكم له موضوعية في وجوب التنفيذ. إذن، معنى هذه العبارة في المقبولة هو: إذا حكم الحاكم بما يراه حكم الأئمة عليهم السلام، فقبوله واجب ورده حرام، ومقتضى إطلاقها وجوب القبول حتى في صورة العلم بالخطأ في مبادئ الحكم – وهو خطأ يقع كثيراً من المجتهدين، ولهذا السبب يظهر الاختلاف بينهم كثيراً -، طبعاً هذا الدليل منصرف عن الحكم المخالف لموازين الاستنباط، سواء كان عن عمد أو سهو أو نسيان.

5-1-4-1-2-3. الإشكال الثاني: انتفاء حجية الحكم في صورة العلم بخطئه

الارتكاز العقلائي في باب الحجية متوافق مع اعتبار عدم العلم بالخطأ. بناءً على ذلك، في صورة العلم بالخلاف، يجب رفع اليد عن إطلاق المقبولة بالنسبة لهذه الصورة. ونتيجة لذلك، إذا كان الحكم مخالفاً للواقع بشكل قطعي، فلا يجوز العمل به، أما إذا كان هناك احتمال موافقته للواقع، فيجب العمل به، سواء كان العلم بخطأ الطريق في الاستناد أو المستند أم لا، وسواء قامت حجة على خلافه أم لا. طبعاً، إذا كان الخطأ ناشئاً عن تقصير سهوي أو عمدي في الاجتهاد بحيث يكون مخالفاً لموازين الاجتهاد، فلا يجوز العمل بالحكم، وأدلة الحجية منصرفة عن هذه الصورة. بناءً على ذلك، لا تشمل المقبولة حالة العلم بخطأ الحكم.

5-1-4-1-2-4. دراسة الإشكال الثاني

هناك ثلاثة انتقادات لهذا الإشكال: النقد الأول: بالنظر إلى القرائن الموجودة في ذيل المقبولة، لا يمكن الانصراف عن حجية الحكم في صورة العلم بمخالفته للواقع، وفي هذه الصورة أيضاً يكون اتباع القاضي لازماً. يقول عمر بن حنظلة في تتمة الرواية: «قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة». يرجح الإمام الصادق عليه السلام في ذيل المقبولة، في فرض اختلاف حكمين، أولاً الحكم الذي يكون راويه «أعدل» و«أفقه» و«أصدق» و«أورع»، وفي المرحلة التالية وفي فرض تساوي الرواة، يشير إلى مدرك الحديث ويرجح بالمجمع عليه، وكذلك في تتمة الحديث، إذا كان مدرك كليهما مشهوراً، يجعل موافقة الكتاب ومخالفة العامة وجه الترجيح. معنى هذا الكلام أنه إذا أصدر الفقيه «الأعدل» و«الأفقه» حكماً يكون مدركه شاذاً ونادراً وبتعبير الرواية «بين الغي»، فإن اتباعه لازم، وإن كان مدرك حكم القاضي الآخر الذي ليس «أعدل» و«أفقه» مجمعاً عليه وقطعياً. الآن، بما أن حكم القاضي الأعدل والأفقه والأصدق – وإن كان مخالفاً للإجماع والكتاب وموافقاً للعامة – مقدم ونافذ على حكم القاضي الآخر، فبطريق أولى في حالة وجود قاضٍ واحد ولا معارض له، يكون حكمه نافذاً وشاملاً لجميع صور الخطأ حتى مخالفة الحكم للواقع.

إشكال على النقد الثاني: الفقرة الثانية في ذيل المقبولة تشير إلى قاعدة يمكنها تقييد إطلاق الفقرة الأولى من ذيل المقبولة بصورة عدم المخالفة للواقع، حيث يقول عليه السلام: «إِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ». دراسة الإشكال: جاءت فقرة «إنما الأمور ثلاثة» مباشرة بعد تقسيم الحديث إلى شاذ ومجمع عليه وفي بيان العلة للتمسك برواية المجمع عليه ورد رواية الشاذ، بينما في الفقرة السابقة تم بيان قيمة الحكم الصادر والمستند إلى رواية شاذ من قبل القاضي، فلا تعارض بينهما. بعبارة أخرى، الفقرة الأولى في ذيل رواية المقبولة تقدم الحكم الذي حكم به القاضي الأعدل، أما الفقرة الثانية فبتمسكها بتعليل «إنما الأمور ثلاثة» تقدم الحكم الذي مستنده مجمع عليه، فلا تعارض بين الفقرتين، وحكم القاضي الأعدل له قيمة لدرجة أنه حتى لو كان مستنده رواية شاذة فهو واجب الإطاعة ونقضه حرام.

النقد الثاني: حجية الحكم ليست كحجية الخبر عن حس أو حدس، بل فيها نحو من الموضوعية وشبه الموضوعية لأن الحكم منصب وولاية، لذا فحكم القاضي كحكم الوالي والأمير واجب الاتباع وإن كان هناك علم بالخطأ فيه. على سبيل المثال، في نظر العرف هناك فرق واضح بين جعل الحجية لقول المجتهد الذي يقول: «حكمت بأن هذا نجس» وقوله: «هذا نجس»؛ فالأول لا يسقط عن الحجية بالعلم بالخطأ في طريقه، أما الثاني فيسقط. بعبارة أخرى، مقتضى إطلاق دليل نفوذ حكم القاضي هو نفوذه المطلق على نحو الموضوعية. وهذا لا معنى له إلا على مبنى السببية المحضة والموضوعية الصرفة، وإلا فإن جعل الطريقية في ظرف العلم بالخلاف أو الوفاق لا معنى له.

ملاحظة: تعارض المقبولة في صورة الحجية المطلقة مع دليل الحكم المخالف: إذا قبلنا عمومية حجية الحكم في المقبولة حتى في حالة مخالفة الواقع، فإنها تتعارض مع دليل حجية الحكم المخالف. وليس لدينا دليل على تقديم المقبولة على دليل حجة الحكم المخالف. دراسة الملاحظة: مورد المقبولة هو صورة التنازع في الميراث، وهو أيضاً ظاهر في التنازع في الحكم الكلي بصورة جزئية، والذي يتحقق بقيام الحجة. الآن، إذا كان من المقرر العمل بالحجة في مقابل الحكم، فإن ذلك يستلزم تخصيص المورد، وهو غير جائز. بناءً على ذلك، يجب الأخذ بحكم القاضي ورفع اليد عن الحجة المقابلة.

النقد الثالث: الحكم الولائي ليس حكماً ظاهرياً يمكن فيه الخطأ، بل هو حكم واقعي على أساس إعمال الولاية. ومعنى القطع بالخلاف هو أن الشخص يقطع بأن الحاكم قد أخطأ في ملاك الحكم، مثلاً يقطع بأن الحاكم أخطأ في اعتقاده بوجود مصلحة للجهاد. هذا النوع من القطع بالخلاف لا يضر بحجية حكم الحاكم، لأن معنى ولاية الولي هو تقديم نظره على نظر المولى عليهم، وهذا الحكم ليس حكماً ظاهرياً وطريقاً صرفاً إلى الواقع ليقال إن مخالفته للواقع ممكنة ومُغيّاة بالقطع به، بل هو نفسه واقع.

5-1-4-2. الرواية الثانية

وردت روايتان بمضامين متقاربة عن أبي خديجة. نص الرواية الأولى لأبي خديجة يقول: «قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه». نص الرواية الثانية لأبي خديجة يقول: «بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارأ في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».

5-1-4-2-1. دراسة سند الرواية

روايتا أبي خديجة صحيحتان من حيث السند ولا خدش فيهما.

5-1-4-2-2. دراسة دلالة الروايتين

في هاتين الروايتين، نصب الإمام الصادق عليه السلام الفقيه المجتهد العالم بأحكام القضاء قاضياً مطلقاً، واعتبر الحكم الصادر منه وفقاً لميزان واجتهاد شيعي صحيح حجة ونافذاً في جميع الحالات، حتى في صورة العلم بخطأ الطريق ومخالفة الحكم للواقع، وحرّم نقضه.

5-1-5. الدليل الخامس: القياس بالفتوى

العمل بحكم القاضي في واقعة معينة ليس أقل من العمل بفتوى المجتهد في واقعة معينة، والحال أن الفقهاء مجمعون على أنه في صورة العمل بفتوى المجتهد في واقعة شخصية، لا يجوز رفع اليد والرجوع عنه إلى آخر.

5-1-6. الدليل السادس: الأصل العملي

في حال المناقشة في شمول الأدلة اللفظية لحرمة النقض، تصل النوبة إلى الأصل العملي، ويجب على المترافعين في هذه الحالة استصحاب أثر الحكم السابق وجريانه.

5-2. دليل وجوب إعادة النظر الطلبية

لجواز، بل وجوب، إعادة النظر في حكم القاضي في صورة طلب أحد طرفي الدعوى أو كليهما، أقيم دليل واحد.

5-2-1. لزوم سماع الدعوى

إعادة النظر الابتدائية غير جائزة لحمل فعل المسلم على الصحة، أما في صورة ادعاء الجور والظلم من القاضي الأول على المحكوم عليه بسبب فساد اجتهاده أو غيره، فإن إعادة النظر لازمة، ويجب سماع دعواه لإطلاق أدلة لزوم قبول دعوى المدعي، ولا دليل على عدم سماع دعواه.

5-2-1-1. النقد الأول

ادعاء الجور والظلم من القاضي الأول واستئناف الدعوى هو نقض ورد لحكم القاضي الأول وهو ممنوع. كما أنه إذا سُمح للمحكوم عليه بطرح مثل هذه الدعوى، يُسد باب فصل الخصومات، لأن ادعاء جور القاضي الثاني سيكون جائزاً أيضاً، ولن تنتهي الدعوى أبداً.

5-2-1-2. النقد الثاني

يبدو أن إقامة مثل هذه الدعوى ليست رداً على القاضي، لأن الرد ينصرف إلى الإنكار العملي للقاضي، خاصة عندما يكون قضاؤه موافقاً للموازين الشرعية، ولا يشمل ادعاء الخطأ وخروج القاضي عن الموازين الشرعية.

النتيجة

إن إعادة النظر الابتدائية والطلبية – بمعنى جواز نقض الحكم في صورة مخالفته لرأي القاضي الثاني – غير جائزة مطلقاً. بالنظر إلى إطلاق أدلة حجية الحكم، خصوصاً ذيل رواية مقبولة عمر بن حنظلة، وأدلة مثل موضوعية الحكم، ومنع لغوية تشريع الحكم، ومنع الخصومة الأبدية، ومنع الفوضى، والرضا بالحكم وغيرها، فإن الحكم القضائي للحاكم، حتى في صورة العلم بمخالفته للواقع، له حجية مطلقة، ومراجعته وإعادة النظر فيه بتصور جواز نقضه وإبطاله ولو بطلب ورضا طرفي الدعوى، غير جائز. طبعاً، إذا كان للمحكوم عليه أو طرفي الدعوى ادعاء جديد مبني على جور أو غفلة القاضي في الحكم، فبالنظر إلى أدلة لزوم استماع الدعوى، يجب على القاضي الجديد أن يراجع الحكم، وهذا بمعنى جواز المراجعة المجددة لا جواز نقض الحكم؛ فإذا ثبت للقاضي أن القاضي السابق لم يكن لديه الأهلية اللازمة أو أنه غفل أو قصّر أو جار وظلم في اجتهاده وحكمه، أو لم يحكم وفقاً لموازين الاجتهاد الشيعي، ينقض حكمه. وفي غير هذه الموارد، وبعد أن يصبح الحكم نهائياً وقطعياً ويصدر من قبل قاضٍ مجتهد، فإنه لا يقبل النقض والرد من قبل أي شخص أو شخصية حقيقية أو اعتبارية، مجتهدة أو غير مجتهدة، حتى لو كان قاضياً مجتهداً آخر أو شخص قاضي القضاة بل شخص الوالي والحاكم الإسلامي – بحكم أولي – حتى في صورة العلم بمخالفة حكمه، وهو حرام شرعاً.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم.

2. الآشتياني، محمد حسن بن جعفر (1425هـ). كتاب القضاء. قم: منشورات زهير، مؤتمر العلامة الآشتياني.

3. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414هـ). لسان العرب. بيروت: دار صادر.

4. أبو الحسين، أحمد بن فارس (1404هـ). معجم مقاييس اللغة. قم: منشورات مكتب الإعلام الإسلامي.

5. الأردبيلي، السيد عبد الكريم (1423هـ). فقه القضاء. قم.

6. الأنصاري، مرتضى (1415هـ). القضاء والشهادات. قم: المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري.

7. البحراني، يوسف بن أحمد (1405هـ). الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. قم: مكتب المنشورات الإسلامية.

8. بيارجمندي الخراساني، يوسف (د.ت). مدارك العروة. النجف: مطبعة النعمان.

9. التبريزي، جواد بن علي (د.ت). أسس القضاء والشهادة. قم: مكتب المؤلف.

10. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1410هـ). الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية). أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين.

11. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ). وسائل الشيعة. قم: قسم الأبحاث بمؤسسة آل البيت عليهم السلام.

12. الحسيني، محمد (1415هـ). معجم المصطلحات الأصولية. بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات.

13. الحسيني الحائري، السيد كاظم (1424هـ). ولاية الأمر في عصر الغيبة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

14. الحسيني العاملي، السيد محمد جواد (1391ش). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة. قم: جامعة المدرسين.

15. الحلي (المحقق)، نجم الدين جعفر بن حسن (1415هـ). شرائع الإسلام. قم: المعارف الإسلامية.

16. الحلي (فخر المحققين)، محمد بن حسن. إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. قم: إسماعيليان.

17. الخطيب العمري، محمد بن عبد الله (1411هـ). مشكاة المصابيح. لبنان – بيروت.

18. الخميني، السيد روح الله (1361ش). صحيفة نور. طهران: وزارة الإرشاد الإسلامي.

19. الخوئي، السيد أبو القاسم (د.ت). المستند في شرح العروة الوثقى. (د.م): (د.ن).

20. الخوئي، السيد أبو القاسم (د.ت). موسوعة الإمام الخوئي. (د.م): مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

21. رحماني، محمد (1389ش). «نقض حكم حاكم از نگاه فقه». فصلية حكومت اسلامى، العدد 30.

22. الرشتي، حبيب الله (1401هـ). كتاب القضاء. قم: دار القرآن الكريم.

23. السبحاني التبريزي، جعفر (1418هـ). نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء. قم: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام.

24. السبزواري، السيد عبد الأعلى (1413هـ). مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام. قم: مؤسسة المنار، مكتب آية الله السبزواري.

25. الصدر، السيد محمد باقر (1387ش). اقتصادنا. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان.

26. الصدوق، محمد بن علي بن بابويه (1413هـ). من لا يحضره الفقيه. قم: مكتب المنشورات الإسلامية.

27. صرامي، سيف الله (1385ش). حق، حكم وتكليف. قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.

28. الطباطبائي الحكيم، السيد محسن (1416هـ). مستمسك العروة الوثقى. قم: مؤسسة دار التفسير.

29. الطبرسي، أحمد بن علي (1403هـ). الاحتجاج. مشهد: نشر مرتضى.

30. الطوسي، محمد بن حسن (1387ق). المبسوط في فقه الإمامية. السيد محمد تقي كشفي، طهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

31. الطوسي، محمد بن حسن (1390ق). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. طهران: دار الكتب الإسلامية.

32. الطوسي، محمد بن حسن (1407ق). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلامية.

33. العاملي (الشهيد الأول)، محمد بن مكي (د.ت). القواعد والفوائد. قم: مكتبة مفيد.

34. العراقي، آقا ضياء الدين علي الكزازي (د.ت). كتاب القضاء. قم: [د.ن].

35. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410هـ). كتاب العين. قم: هجرت.

36. الفيومي، أحمد بن محمد المقري (د.ت). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. قم: منشورات دار الرضى.

37. الكليني، محمد بن يعقوب (1407هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

38. الكلبايكاني، السيد محمد رضا (1413هـ). كتاب القضاء. قم: دار القرآن الكريم.

39. المجلسي، محمد باقر (1391ش). مرآة العقول. دار الكتب الإسلامية.

40. المجلسي، محمد تقي (1406هـ). روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. المؤسسة الثقافية الإسلامية.

41. مهربرور، حسين (1369ش). «تجديد نظر در حكم دادگاه وموعد آن از نظر فقه اماميه وحقوق موضوعه ايران». مجلة كانون وكلا، العدد 150 و 151.

42. موسوي، السيد عبد الصالح (1392ش). «حكم حكومتى در حوزه قضاء». فصلية حكومت اسلامى، العدد 70.

43. النجفي، محمد حسن (1373ش). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. طهران: دار الكتب الإسلامية.

44. النجفي كاشف الغطاء، علي بن محمد رضا (1381ق). النور الساطع في الفقه النافع. النجف: مطبعة الآداب.

45. النراقي، أحمد بن محمد مهدي (1415هـ). مستند الشيعة في أحكام الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

الهوامش

1. أستاذ في حوزة قم العلمية. sharif.ali58@gmail.com

Scroll to Top