دراسة رواية مجادلة الإمام علي (ع) مع النبي (ص) في مصادر أهل السنة

الملخص

نُقلت في المصادر الروائية لأهل السنة روايةٌ حول مجادلة الإمام علي (ع) مع النبي (ص). ومضمون الرواية أن النبي (ص) قصد إيقاظ الإمام علي (ع) لصلاة الليل، لكنه واجهه بجواب ذي نزعة جبرية من الإمام (ع)، مما أدى في النهاية إلى إيذاء النبي (ص)؛ لذا، تبدو دراسة هذه الرواية وتقييمها أمراً ضرورياً. إن قضايا مثل: ‘تفرد ابن شهاب الزهري في نقلها’، و’إهانة إمام من قبل إمامين آخرين’، و’قلة الأدب والتجرؤ على النبي (ص)’، و’الجواب الجبري للإمام علي (ع)’، و’إيذاء النبي (ص) وإعراضه عن الإمام علي (ع)’، و’تعارض الرواية مع عصمة الإمام علي (ع) وسيرته العبادية’، و’تعارضها مع شأن نزول الآية’، بالإضافة إلى أدلة وشواهد أخرى متعددة، هي من بين العوامل التي تعزز احتمال كون هذه الرواية مجعولة ومختلقة.

1. طرح المسألة

إحدى الروايات التي وردت في كثير من المصادر الروائية والتفسيرية لأهل السنة، هي رواية عن ابن شهاب الزهري نقلاً عن الإمام السجاد (ع) أنه قال: «… حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَينَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ طَرَقَهُ وَ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ لَيْلَةً فَقَالَ أَلاَ تُصليان» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً»؛ روى الزهري عن الإمام السجاد (ع) وعن الإمام الحسين (ع) نقلاً عن الإمام علي (ع) أنهم قالوا: إن رسول الله (ص) أتاه وفاطمة بنت النبي ليلاً فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فلما قلت ذلك انصرف ولم يرد عليّ شيئاً (لم يعد إليّ بعدها)، ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه بيده اليمنى ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً».

نظراً لتعدد نقل هذه الرواية في مصادر أهل السنة المعتبرة، وكذلك تعارضها مع عصمة الإمام علي (ع)، سيتم في هذا البحث دراسة الرواية المذكورة من الناحية السندية والمحتوائية. وبالطبع، يتركز البحث على النقد المتني لهذه الرواية.

وفيما يتعلق بخلفية هذا البحث، تجدر الإشارة إلى أن مقالة ‘تقييم السند والمضمون لرواية جدل الإمام علي (ع) مع رسول الله (ص)’ قد تناولت نقد سند الرواية بشكل أكبر، وأشارت إلى النقد المتني بثلاثة أسباب فقط بشكل موجز ومختصر. لذا، يهدف هذا المقال، بالإضافة إلى نقد سند الرواية المذكورة، إلى دراسة نقدها المتني بشكل تخصصي ومفصل، مما يمثل تجديداً مقارنة بالعمل السابق.

2. أهم المصادر الحديثية للرواية المذكورة

في المصادر الروائية والتفسيرية المعتبرة لأهل السنة، وردت رواية عن طريق ابن شهاب الزهري عن الإمام السجاد (ع) وعن جده الأكبر (ع) على النحو التالي: «حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَينِ أَنَّ حُسَينَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ طَرَقَهُ وَ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ لَيْلَةً فَقَالَ « أَلاَ تُصليان» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً»؛ روى الزهري عن الإمام السجاد(ع) وعن الإمام الحسين (ع) نقلاً عن الإمام علي (ع) أنهم قالوا: إن رسول الله أتاه وفاطمة بنت النبي ليلاً فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فلما قلت ذلك انصرف ولم يرد عليّ شيئاً (لم يعد إليّ بعدها)، ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه بيده اليمنى ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً».

وقد نقل البخاري هذه الرواية في صحيحه في أبواب متعددة مثل «تَحْرِيضِ النَّبِيِّ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابِ» و«قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً» و«فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ» (البخاري، صحيح البخاري، 4: 394؛ نفسه، 24: 157، 323؛ مسلم، د.ت، 1: 537؛ ابن فتوح، 1423هـ، 1: 74؛ البيهقي، 1344هـ.ش، 2: 500؛ ابن حبان، 1414هـ، 6: 305؛ ابن خزيمة، 1390هـ.ش، 2: 178؛ أبو يعلى، 1404هـ، 1: 301؛ أحمد بن حنبل، 1420هـ، 2: 14؛ البزار، 1409هـ، 2: 142؛ الطبراني، 1405هـ، 4: 163).

3. تقييم الحديث

تقييم هذا الحديث منوط بدراسته سنداً ومحتوى، وهو ما سيتم تناوله في ما يلي من جوانب مختلفة:

1-3. الدراسة السندية

تُظهر الدراسة في أسانيد الرواية موضوع البحث في المصادر الروائية، أن هذه الرواية قد نُقلت بطرق مختلفة عن شعيب بن أبي حمزة، وعقيل، وصالح بن كيسان، وحكيم بن حكيم، وإسحاق، فقط عن ابن شهاب الزهري. وبناءً على ذلك، يتفرد ابن شهاب الزهري في نقلها.

1-1-3. دراسة حال الراوي عند أهل السنة

في المصنفات الروائية والرجالية لأهل السنة، يمكن استخلاص رؤيتين حول وضع ابن شهاب الزهري: أ- أثنى معظم علماء أهل السنة على ابن شهاب ووثقوه، ونقلوا روايات في مدحه (ابن حجر، 1404هـ، 9: 395-398؛ البلاذري، 1417هـ، 10: 48؛ ابن سعد، 1968م، 2: 388؛ الذهبي، 1419هـ، 1: 83). وينقل الذهبي رواية في توثيقه. قال عمرو: «جالست جابراً وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، فما رأيت أحداً أعلم بالحديث من الزهري» (الذهبي، د.ت، 9: 406). واعتبره ابن سعد وابن حجر من أعلم الناس وأفقههم (ابن حجر، 1404هـ، 9: 397؛ ابن سعد، 1968م، 2: 389). ب- يُعتبر ابن شهاب الزهري، بناءً على بعض الروايات، شخصية غير صالحة، وجندياً لبني أمية، وأداة بيد حكام الأمويين والمروانيين، وذلك بسبب خدمته في بلاط بني أمية وآل مروان، وقبوله الهدايا والمسؤوليات في بلاطهم. يقول مكحول: «ما كان أعلم بحديث رسول الله (ص) من الزهري، لو أنه لم يفسد نفسه بصحبة الملوك» (الذهبي، د.ت، 5: 339). ويقول خارجة بن مصعب: «قدمت على الزهري، وهو على قضاء بني أمية، فرأيته يركب وفي يده حربة، والناس بين يديه يحملون الأعمدة، فقلت: ما هذا العالم؟ قبّح الله هذا، فلا سمعت له حديثاً» (الذهبي، 1995م، 2: 404). وقال عمرو بن عبيد لعمر بن رديح الذي رآه مع الزهري: «كيف حالك مع آلة الحكام؟» (ابن عساكر، 1415هـ، 55: 370). وعدّه ابن أبي الحديد من المنحرفين عن حضرة علي (ع)، ونقل رواية تشير إلى انحرافه (ابن أبي الحديد، 1418هـ، 4: 102).

2-1-3. دراسة حال الراوي عند الشيعة

بين علماء الشيعة، اعتبره الخوئي من عمّال بني أمية و«عدوّاً» (الخوئي، 1413هـ، 17: 191). ووصفه الطوسي بأنه من الأعداء (الطوسي، 1373هـ.ش، 119)، كما صرّح ابن طاووس والحلي بعداوته (ابن طاووس، 1411هـ، 1: 299؛ الحلي، 1417هـ، 392).

3-1-3. بحث ودراسة

وُلد أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في المدينة وتوفي سنة 124هـ في ناحية شغب (على حدود الشام والحجاز). في زمن عبد الملك (خلافة 65-86هـ) سنة 82هـ، دخل بلاط المروانيين، ومنذ شبابه حتى نهاية عمره (45 عاماً) كان له علاقة وثيقة ببلاط بني مروان، ومنذ ذلك الحين لازم الحكام واستفاد من هدايا وعطايا بني أمية وبني مروان (الذهبي، د.ت، 5: 326). تعرض ابن شهاب للذم من العامة والخاصة بسبب ملازمته الدائمة لآل مروان؛ قال يحيى بن معين في مقارنة الأعمش بالزهري: «لو كان الأعمش مثل الزهري، لتبرأت منه. كان تابعاً وعاملاً لبني أمية، ولكن الأعمش كان فقيراً صبوراً، من أهل الورع والتقوى، عالماً بالقرآن» (الحاكم النيسابوري، 1397هـ.ش، 1: 99). ونقل عن أخته أنه كان يكتم الحقائق والمسلّمات تقرباً إلى بلاط المروانيين. قال جعفر بن إبراهيم الجعفري: «كنت عند الزهري فكلمتني أخته فقالت: يا جعفري لا تكتب عنه. فقلت: لمَ؟ قال: أختي رقية قد خرفت. فقالت: أنت خرفت، كتمت فضائل آل محمد» (ابن عساكر، 1415هـ، 42: 228).

تشير القرائن والشواهد إلى أن الزهري روى معظم الروايات بما يتوافق مع جهاز بني أمية. كما اعترف في رده على معمر الذي سأله: كيف صحبت الحكام؟ فقال: «إنهم أشركونا في لهوهم، فأشركناهم في أعمالهم» (ابن المغازلي، 1424هـ، 195). بالإضافة إلى ذلك، فإن رسالة الإمام السجاد (ع) إلى ابن شهاب الزهري تعبر عن تبعيته لجهاز الظلم والجور. خاطبه الإمام قائلاً: «إن الله قد أخذ في كتابه ميثاقاً على علماء الدين أن يبينوا حقائق القرآن للناس ولا يكتموها. واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخف ما احتملت، أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له سبيل الغي … أما استدعاؤهم إياك حين استدعوك ليتخذوك قطباً يديرون بك رحى مظالمهم … وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم… فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خربوا عليك» (ابن شعبة، 1404هـ، 275).

من الجدير بالذكر أنه على الرغم من التقارير المذكورة حول عداوة ابن شهاب الزهري، فقد نُقلت عنه روايات قليلة في مدح الإمام علي (ع) أيضاً (الحاكم النيسابوري، 1411هـ، 3: 138؛ الشوشتري، د.ت، 50).

2-3. النقد المتني

بما أن حجية الروايات منوطة بانسجامها مع الخطوط العامة لمعارف القرآن والسنة المعتبرة والبراهين العقلية؛ يتم التأكيد على البحث المتني لتقييم الرواية بشكل نهائي:

1-2-3. طعن الإمام (ع) بإمامين آخرين

تصل سلسلة سند الرواية في جميع المصادر الروائية إلى ثلاثة أئمة معصومين (ع): ابن شهاب الزهري عن الإمام السجاد (ع)، وعنه عن الإمام الحسين (ع)، وعنه عن الإمام علي (ع). يبدو أن هذه الرواية، على الرغم من أنها تُنسب ظاهرياً إلى ثلاثة أئمة، إلا أن التأمل في محتواها (الذي لا يليق بمقام وشخصية الإمام علي (ع) المشرقة) يُظهر أن واضعي الرواية، بإدخال أسماء الأئمة (ع) في سلسلة السند، بالإضافة إلى إضفاء الشرعية على نقلهم، قصدوا استخدامها كسلاح خاص لتوجيه ضربة قاصمة ومؤلمة للإمامة والشيعة، وذلك عبر إلقاء فكرة أن الأئمة أنفسهم قد تكلموا في طعن بعضهم البعض ولم يقبلوا فعل بعضهم. في حين أن هذا الادعاء ليس إلا ظناً باطلاً. سيرة الأئمة المعصومين (ع) على مر التاريخ تُظهر أنهم كانوا دائماً يصدق بعضهم بعضاً، ولم يتكلموا أبداً في طعن بعضهم. في الحقيقة، حياتهم من حيث وحدتهم هي بمثابة حياة إنسان واحد عاش 250 عاماً. بقول قائد الثورة المعظم: «حياة الأئمة، في الحقيقة، نعتبرها حياة إنسان واحد، كلهم نور واحد، كل واحد منهم قال قولاً فهو قول الآخرين، وكل واحد منهم قام بعمل فهو في الحقيقة عمل الآخرين، وجميع أعمالهم كانت لهدف واحد ونية واحدة» (خامنئي، 1318هـ.ش، 13-95).

من ناحية أخرى، كيف يمكن قبول أن يتحدث الإمام السجاد (ع) عن تساهل الإمام علي (ع) في العبادة، بينما عندما سُئل – وهو الذي كان في قمة العبادة – كيف تقارن عبادتك بعبادة جدك؟ قال: «عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (ص)» (المجلسي، 1403هـ، 41: 149؛ ابن أبي الحديد، 1418هـ، 1: 27). لذا، من هذا المنظور يمكن الاستدلال على كون هذه الرواية مجعولة.

2-2-3. قلة الأدب والتجرؤ على النبي (ص)

بالتأمل في محتوى الرواية، يتبادر إلى الذهن أنه في بداية الحوار بين النبي (ص) والإمام علي (ع) لا يوجد كلام عن السلام والتحية. عدم السلام والتحية يدل على اتهام الإمام علي (ع) بقلة الأدب والتجرؤ على النبي (ص)، وسكوت السيدة فاطمة (س) (الذي ورد في هذه الرواية) يعبر بطريقة ما عن موافقتها على هذا التصرف المصطنع (على الرغم من أن أصل وقوع هذا التجرؤ هو اتهام واهٍ). الرد من خلف الباب، وعدم فتحه، وطريقة إجابة الإمام للنبي (ص)، كلها تدل على اتهام آخر بقلة الأدب تجاه المقام المقدس لذلك الإمام الهمام. في حين أن هذا النوع من قلة الأدب كان يصدر من بعض أصحاب النبي (ص) تجاهه. مثل: حديث عمر مع النبي (ص) من خلف الباب مما تسبب في إيذاء خاطره (الطوسي، 1407هـ، 2: 28). في قصة صلاة النبي (ص) على جنازة عبد الله بن أبي، أمسك عمر بثوب النبي بجرأة، حتى إن عمر ظل يتعجب من جرأته على النبي (ص) لفترة طويلة (البخاري، صحيح البخاري، 15: 292). صراخ بعض الصحابة (أبو بكر وعمر) والنزاع في حضرة النبي (ص)، الذي نزلت بسببه الآيات الأولى من سورة الحجرات (البخاري، د.ت، 16: 148).

في حين أن الروايات التاريخية تشهد على أدب هذين المعصومين أمام النبي (ص): «كانت فاطمة (س) أشبه الناس كلاماً وحديثاً برسول الله (ص)، وكان إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي (ص) إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها» (الترمذي، د.ت، 5: 700).

بالنظر إلى الروايات التاريخية التي تشير إلى قلة أدب وجرأة الخلفاء تجاه النبي (ص)، يبدو أن أحد دوافع وضع الرواية موضوع البحث هو تقليل الفجوة في الشخصية بين الخلفاء الثلاثة والإمام علي (ع) والتستر على أخطاء الخلفاء، مما أدى إلى نسبة تهمة التجرؤ على النبي (ص) إلى الإمام علي (ع) أيضاً.

3-2-3. سيرة النبي (ص) في التشجيع على الصلاة

نُقلت الرواية المذكورة في صحيح البخاري في باب تحت عنوان «تَحْرِيضِ النَّبِيِّ عَلَى صَلَاةِ اللَّيلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابِ». وهذه النقطة تستحق التأمل، وهي أن البخاري من بين الروايات المتعددة التي تشجع على الصلاة عن النبي (ص)، اكتفى بنقل هذه الرواية فقط! مثل رفع صوت الأذان، حيث نُقل عن الإمام الصادق (ع) أنه عندما كان يدخل وقت الصلاة، كان النبي يقول لبلال: اصعد على الجدار وارفع صوتك بالأذان (الكليني، 1407هـ، 3: 307). بالإضافة إلى ذلك، بناءً على ما ورد من سيرة المعصومين (ع)، يتبين أنهم سعوا لتعليم الأحكام الدينية، وخاصة الصلاة، للمسلمين من خلال أسلوب القدوة والمشاهدة المباشرة، بدلاً من الأسلوب اللفظي. يقول الإمام الصادق (ع): «كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ» (المجلسي، 1403هـ، 5: 198؛ الحميري، 1413هـ، 77). كما تشير الشواهد التاريخية إلى أن فعل رسول الله (ص) كان له الأولوية والاهتمام بالصلاة دون استخدام الأسلوب الكلامي، مما ترك أكبر الأثر على المسلمين. يروي جبير بن مطعم عن أبيه: «قدمت المدينة في فداء أسارى بدر، فاضطجعت في المسجد بعد العصر، فسمعت رسول الله (ص) وهو يصلي المغرب، يقرأ بالطور، فلما سمعته يقوم فزعت، فقمت أستمع حتى خرجت من المسجد، فذلك حين وقع الإيمان في قلبي أول مرة» (الواقدي، 1409هـ، 1: 128).

نظراً للسيرة العملية للنبي (ص) في الدعوة إلى الصلاة، يمكن الاستدلال على كون هذه الرواية مجعولة ومختلقة.

4-2-3. الجواب الجبري للإمام علي (ع)

جواب الإمام علي (ع) على دعوة النبي (ص) للصلاة «أَنْفُسُنَا بِيدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا»، يعبر عن فكر الجبر في كلامه؛ وكأن الإنسان، حسب اعتقاد الإمام علي (ع)، لا يملك أي اختيار وأن الجبر الإلهي هو الحاكم.

كانت الجبرية من الخلافات الفكرية التي انتشرت بين المسلمين ودعمها حكام بني أمية. فقد دعم بنو أمية فكر الجبر كأداة للسيطرة على المجتمع، وبذلوا جهوداً كبيرة في ترويجه لإضفاء الشرعية على حكمهم. بدأت هذه الحركة منذ زمن معاوية واستمرت حتى الحكام اللاحقين؛ كما ورد في كتب التاريخ: «لما دفن الوليد أباه (عبد الملك) وخرج من القبر، دخل المسجد فصعد المنبر وقال: «… إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» على ما رزئنا به من مصيبة أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أورثنا من الخلافة. قوموا فبايعوا» (الطبري، 1407هـ، 3: 669). بهذه الطريقة، روّج الوليد بن عبد الملك منذ بداية أمره لفكرة جبرية وإلهية سلطته. وبما أن ابن شهاب الزهري (الراوي المتفرد للرواية) قضى عمره في بلاط الخلفاء المروانيين في مناصب حكومية مختلفة (الذهبي، د.ت، 5: 328-331) وكان يضع الأحاديث خدمة لمصالحهم (كما أشير في البحث السندي)، لذا فقد وضع هذا الحديث لكي ينسب فكر الجبر إلى الإمام (ع) أيضاً.

5-2-3. إيذاء النبي (ص)

يشير مضمون الرواية إلى أن الإمام علي (ع) تسبب في إيذاء النبي (ص). عندما سمع النبي (ص) الجواب الجبري المتملص من الإمام علي (ع)، أدبر ولم يرجع، وكان يضرب فخذه بيده اليمنى قائلاً: «فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ …».

مثل هذا الرد من النبي (ص) يدل على قمة المصيبة والفاجعة العظيمة من هذا الجواب، وكذلك إيذاءه من سماع مثل هذا الرد. ومن الواضح أن الرواية المذكورة تظهر صورة مظلمة جداً لذلك الإمام الهمام.

بناءً على الآية 57 من سورة الأحزاب: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا» (الأحزاب: 57)، فإن الأفراد الذين يسعون لإيذاء النبي (ص) قد وُعدوا بلعنة الله في الدنيا والآخرة (الطباطبائي، 1390هـ.ش، 16: 339). لذا، فإن أحد معايير اللعن هو أن يقوم الشخص بعمل يؤدي إلى إيذاء النبي (ص)؛ من ناحية أخرى، إذا لعن الله شخصاً، فإن لعنه واجب على الجميع. بناءً على ذلك، كان أحد المقاصد المشؤومة لواضعي الرواية المذكورة هو إظهار أن الإمام علي (ع) تسبب في إيذاء النبي (ص)، وبالتالي فإن سبه ولعنه ضروري. هذا الاستنتاج من الرواية يتماشى تماماً مع الروايات التي وُضعت لتوفير أساس لسب ولعن الإمام علي (ع). كما أن الفترة الزمنية لوضع هذه الرواية تتزامن مع الفترة التي كان فيها السب واللعن على ذلك الإمام الهمام منتشراً حكومياً (فترة ما بعد استشهاده حتى عام 99-101 هـ).

في مصادر أهل السنة الروائية، وردت تقارير عن مثل هذه الروايات – التي تتهم الإمام علي (ع) بإيذاء النبي (ص). مثل الرواية الموضوعة حول خطبة الإمام علي (ع) لابنة أبي جهل، والتي تشير بوضوح إلى عنصر إيذاء النبي (ص) (البخاري، صحيح البخاري، 11: 209؛ ابن حبان، 1414هـ، 15: 535).

والآن، كيف يمكن قبول أن الشخص الذي إيذاؤه هو في الحقيقة إيذاء للنبي (ص)، يكون هو نفسه سبباً في إيذاء النبي (ص). في مصادر أهل السنة القديمة، وردت رواية: يقول عمرو بن شاش: خرجت مع علي (ع) إلى اليمن، فجفوته في الطريق، فلما قدمت المدينة، شكوت منه في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله (ص). فدخلت المسجد ذات غداة ورسول الله (ص) في ناس من أصحابه، فلما رآني نظر إليّ نظراً حاداً، وقال: يا عمرو، والله لقد آذيتني. فقلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله. قال: بلى، من آذى علياً فقد آذاني (البخاري، التاريخ الكبير، 6: 306؛ الحاكم النيسابوري، 1411هـ، 3: 131؛ ابن حبان، 1414هـ، 15: 365؛ أحمد بن حنبل، 1420هـ، 25: 321).

في المقابل، كان هذا الإيذاء من قبل صحابة آخرين. وأسخف من كل شيء، قصة طلب النبي (ص) للقلم والورق في أيامه الأخيرة، حيث قوبل هذا الأمر بالرفض مع إهانة عمر له. كانت هذه الإهانة شديدة لدرجة أن ابن عباس ظل مستاءً منها لسنوات، قائلاً: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب» (البخاري، صحيح البخاري، 1: 206؛ نفسه، 14: 373؛ نفسه، 19: 73؛ مسلم، د.ت، 3: 1257؛ ابن تيمية، 1406هـ، 6: 316؛ ابن حبان، 1414هـ، 14: 562؛ ابن سعد، 1968م، 2: 244؛ ابن كثير، 1418هـ، 8: 36). يبدو أن اتهام الإمام علي (ع) بإيذاء النبي (ص) قد وُضع بهدف تمهيد الطريق للعن وسب الإمام (ع). بالإضافة إلى ذلك، فإن نسبة هذا الاتهام إلى الإمام تقلل من مقامه ومنزلته وتجعله في مصاف الخلفاء الآخرين.

6-2-3. إعراض النبي (ص) عن الإمام علي (ع)

وفقاً للرواية، كان رد فعل النبي (ص) بعد سماع جواب الإمام علي (ع) هو الإعراض الدائم عنه: «… فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا». هذه الحالة تظهر قمة الاستياء وحتى الاستياء الدائم من النبي (ص) تجاه الإمام علي (ع)، وعدم المحبة، وكذلك حالة النفور تجاهه. في حين أن رد الفعل هذا من النبي (ص) يتعارض بشكل جدي مع آية وجوب مودة ذي القربى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (الشورى: 23).

طبقاً للآية الشريفة، فإن مودة ذي القربى واجبة على جميع المسلمين، بينما في الرواية، لم يعد النبي (ص) نفسه يأتي إلى الإمام منذ ذلك الوقت حتى نهاية عمره وكان مستاءً منه! لقد نزلت الآية الشريفة في شأن أهل البيت بإذعان علماء أهل السنة. وقد جعل العلامة الحلي هذه الآية الرابعة الدالة على إمامة الإمام علي (ع) وقال: «أجمع الجمهور (أهل السنة) في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) وأحمد بن حنبل في مسنده والثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما، ووجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة» (الحلي، 1982م، 1: 175؛ فخر الرازي، 1420هـ، 27: 595؛ الثعلبي، 1422هـ، 10: 310).

كيف يمكن قبول أن يعرض النبي (ص) عن الإمام علي (ع) إلى الأبد، بينما قال مراراً: «النظر إلى وجه علي (ع) عبادة» (الطوسي، 1414هـ، 350؛ الطبراني، 1404هـ، 10: 76؛ الذهبي، 1407هـ، 18: 513؛ الحاكم النيسابوري، 1411هـ، 3: 152). من ناحية أخرى، في المصادر التاريخية، نُقل هذا الإعراض من النبي (ص) عن أشخاص آخرين، وليس عن الإمام علي (ع)، مثل إعراض النبي (ص) عن بعض الصحابة (عمر وأبو بكر) قبل بدء معركة بدر (مسلم، د.ت، 3: 1403؛ ابن طاووس، 1400هـ، 2: 447؛ الحلي، 1982م، 339؛ ابن فتوح، 1423هـ، 2: 488).

ما تم بيانه يشير إلى أن إعراض النبي (ص) عن الإمام علي (ع) يتعارض بشكل جدي مع الآيات والروايات. بالإضافة إلى ذلك، بالنظر إلى إعراض النبي (ص) عن صحابة آخرين، يمكن استنتاج أن الأمور غير المرغوبة التي صدرت عن بعض الصحابة، نُسبت في وقت لاحق بأغراض شريرة متعددة إلى الإمام علي (ع) وأهل البيت (ع).

7-2-3. التعارض مع شأن نزول آية «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»

ينقل البخاري الرواية في باب «قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً» (الكهف: 54) (البخاري، صحيح البخاري، 24: 157). في الحقيقة، تم اعتبار الإمام علي (ع) مصداقاً للآية المباركة. ولكن هذه القراءة للآية لم تستطع جذب انتباه مفسري أهل السنة. معظم مصادر التفسير لدى الفريقين، في ذيل الآية، ذكرت مصاديق أخرى: قال ابن عباس: المراد هو النضر بن الحارث. وقال الكلبي: المراد هو أبي بن خلف. وفي أغلب التفاسير أيضاً، بالاستناد إلى آية «وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» (الكهف: 56)، استنبطوا أن المراد بالإنسان في هذه الآية هو الكافر (الطبرسي، 1372هـ.ش، 6: 737؛ الواحدي، 1415هـ، 2: 665؛ البغوي، 1420هـ، 3: 200؛ ابن الجوزي، 1422هـ، 3: 92؛ الماتريدي، 1426هـ، 7: 185).

ذُكر الإنسان المجادل في آيات أخرى أيضاً بـ«النضر بن الحارث»: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيد» (الحج: 3). «وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» (الزخرف: 58) (ابن هشام، 1411هـ، 2: 204؛ الطبري، 1412هـ، 17: 89؛ ابن أبي حاتم، 1419هـ، 8: 2474؛ مقاتل بن سليمان، 1423هـ، 3: 115؛ مكارم الشيرازي، 1371هـ.ش، 14: 12).

إن عدم اهتمام المصادر التفسيرية بالرواية المذكورة، وبعبارة أخرى عدم ميل المفسرين إلى نقلها في ذيل الآية الشريفة، يحكي عن عدم اعتبار هذه الرواية وقيمتها لديهم.

من ناحية أخرى، بالنظر إلى الخلفية التاريخية لجدال بعض الخلفاء مع النبي (ص) (المجلسي، 1403هـ، 30: 561؛ الذهبي، 1407هـ، 2: 371؛ ابن أبي الحديد، 1418هـ، 12: 60)، يتبادر إلى الذهن احتمال أن يكون وضع هذه الرواية والجدال مع النبي (ص) منسوباً إليه بهدف خدش مكانة الإمامة والوصاية للإمام، وكذلك لتبرير انحرافات الخلفاء.

8-2-3. التعارض مع عصمة الإمام علي (ع)

الرواية موضوع البحث تقدم الإمام علي (ع) كإنسان مجادل، استدل بمنطق جبري لتبرير تقصيره في أداء العبادات، مما أدى إلى إيذاء النبي (ص) وقلة الأدب والتجرؤ عليه. في حين أن هذه الأمور تتعارض بشكل جدي مع الآيات والروايات المتواترة التي، بإذعان مصادر الفريقين، نزلت في شأن الإمام علي (ع) وتدل على عصمته.

9-2-3. التعارض مع السيرة العبادية للإمام علي (ع)

تُظهر الرواية موضوع البحث عدم ميل الإمام علي (ع) لصلاة الليل. كيف يصح أن يُتهم الإمام علي (ع) بالتساهل في الصلاة، وهو أول رجل صلى مع النبي (ص) وآمن بدينه (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 7: 394؛ ابن سعد، 1968م، 3: 21). كان إذا قام إلى الصلاة كأنه بناء ثابت أو عمود قائم لا يتحرك، أو كان الطير يقع على ظهره في الركوع أو السجود (من شدة هدوئه). وقد نُقل في المصادر الروائية أنه لم يطق أحد تقليد النبي (ص) إلا علي (ع) والإمام زين العابدين (ع) (المجلسي، 1403هـ، 81: 265؛ ابن حيون، 1385هـ.ش، 1: 159). كان اهتمامه بالصلاة لدرجة أنه حتى في خضم الحرب لم يغفل عنها، واعتبر هدفه من القتال هو إقامة الصلاة (المجلسي، 1403هـ، 80: 23؛ الديلمي، 1412هـ، 2: 217).

مع تجلي كل هذا الخوف والخشية الإلهية في محيا ذلك الإمام المعصوم المشرق، لا يليق به نسبة التساهل في الصلاة بأي وجه من الوجوه (المجلسي، 1403هـ، 41: 22؛ الديلمي، 1412هـ، 1: 20).

يبدو أن من الدوافع الأخرى لوضع هذه الرواية، هو تشويه السيرة العبادية للإمام علي (ع). وعلى هذا الأساس، فإن الرواية المذكورة تتوافق مع سائر روايات تشويه شخصية الإمام علي (ع) في مصادر أهل السنة، خاصة الصحيحين. من بينها: صلاة الإمام في ثوب غير نظيف (البخاري، صحيح البخاري، 2: 131)، إغضاب السيدة فاطمة (س) والنزاع والمشاجرة معها (البخاري، صحيح البخاري، 2: 262؛ البيهقي، 1344هـ.ش، 2: 446)، حرق الزنادقة من قبل الإمام (البخاري، صحيح البخاري، 20:23؛ البيهقي، 1344هـ.ش، 8: 195) و…

4. الاستنتاج

1. رواية جدل الإمام علي (ع) مع النبي (ص) في المصادر الروائية القديمة لأهل السنة ضعيفة جداً وغير مقبولة. من الناحية السندية، تفرد ابن شهاب الزهري في نقلها، خاصة مع ارتباطه بجهاز بني أمية، ونقله لروايات موضوعة تتوافق مع ميولهم، وقرائن أخرى تؤيد تكذيبه.

2. تصل سلسلة سند الرواية موضوع البحث في جميع المصادر الروائية إلى ثلاثة أئمة معصومين (ع). يبدو أن هذا الأمر يهدف إلى إلقاء فكرة أن الأئمة (ع) أنفسهم قد تكلموا في طعن بعضهم البعض. في حين أن هذا الأمر يتعارض مع عصمة أهل البيت (ع) ووحدتهم الكاملة.

3. كما يتضح من مضمون الرواية، فإن الإمام علي (ع) باستدلال جبري في مواجهة دعوة النبي (ص) إلى الصلاة، برر تقصيره في أداء العبادات. في سياق ترويج الفكر الجبري في زمن بني أمية بهدف إضفاء الشرعية على حكمهم، وُضعت مثل هذه الروايات لنسبة هذا الفكر بطريقة ما إلى ذلك الإمام الهمام (ع) أيضاً. للأسف، وجدت ثمار جهود بني أمية في وضع ونقل ونشر هذه الفئة من الروايات طريقها أحياناً إلى مصادر مثل الصحاح الستة، وخاصة الصحيحين، وسائر المسانيد والمصنفات لأهل السنة، مما يُظهر ضرورة تنقية هذه الكتب من مثل هذه التقارير.

4. طبقاً للآية 57 من سورة الأحزاب، يجب لعن الأفراد الذين يؤذون النبي (ص). ومن هذا المنظور، يمكن تتبع أحد دوافع وضع الرواية. بحيث أن هذه الرواية تسعى لإظهار إيذاء النبي (ص) من قبل الإمام علي (ع)، وبالتالي يصبح سبه ولعنه ضرورياً. كما أن وضع هذه الرواية يتزامن زمنياً مع فترة ما بعد استشهاد الإمام حتى عام 99-101 هـ، وهي الفترة التي كان فيها السب واللعن على ذلك الإمام الهمام شائعاً حكومياً. في الحقيقة، هذه الرواية تتماشى مع الروايات التي وُضعت لتوفير أساس للعن وسب الإمام علي (ع).

5. وُضعت هذه الرواية بأهداف مثل تقليل الفجوة في الشخصية بين الخلفاء الثلاثة والإمام علي (ع)، والتستر على أخطاء الخلفاء وفسادهم، والتشكيك في مكانة الإمامة والوصاية للإمام علي (ع)؛ مثل ما انعكس في الرواية؛ من بينها اتهام قلة الأدب والتجرؤ من الإمام علي (ع) تجاه النبي (ص)، وجداله مع النبي (ص)، وكذلك إيذاء النبي (ص) من قبل الإمام علي (ع)، وفي النهاية إعراض النبي (ص) الدائم بعد سماع جواب الإمام علي (ع). في حين أن التقارير التاريخية تشهد على قلة أدب بعض الصحابة تجاه الساحة المقدسة للنبي (ص)، وجدال الصحابة معه، وإيذاء النبي (ص) من قبل الصحابة (في قصة القلم والدواة)، وإعراضه عن أشخاص آخرين. يبدو أن الأعمال غير اللائقة لبعض الصحابة قد نُسبت في وقت لاحق بأغراض شريرة متعددة إلى الإمام علي (ع) وأهل البيت (ع).

6. النسب غير اللائقة في الرواية؛ من بينها تقصير الإمام علي (ع) في أداء العبادات، وقلة الأدب والتجرؤ على النبي (ص)، والجدال معه، تتعارض بشكل جدي مع الآيات التي، بإذعان مصادر أهل السنة، نزلت في شأن الإمام علي (ع) وتدل على عصمته. كما أن رد فعل النبي (ص) بالإعراض عن الإمام علي (ع) يتعارض بشكل جدي مع آية وجوب مودة ذي القربى.

7. تتعارض الرواية موضوع البحث بشكل جدي مع روايات أخرى في مصادر أهل السنة الروائية التي تدل على عبادة الإمام علي (ع) التي لا نظير لها، وأدبه هو والسيدة فاطمة (س) تجاه النبي (ص)، والسيرة العملية للنبي (ص) في الدعوة إلى الصلاة (وليس اللفظية). خاصة أن إيذاء النبي (ص) من قبل الإمام علي (ع) يتعارض مع رواية «مَنْ آذَى عَلِيًّا فَقَدْ آذَانِي» التي لم تنقلها مصادر شيعية فحسب، بل مصادر أهل السنة أيضاً.

8. في الرواية، يُعتبر الإمام علي (ع) الإنسان المجادل ومصداق آية «وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً». في حين أن مثل هذه التقارير لم تستطع جذب انتباه مفسري أهل السنة. معظم مصادر التفسير لدى الفريقين، في ذيل الآية، نقلت مصاديق أخرى. إن عدم ميل المفسرين إلى نقل هذه الرواية في ذيل الآية الشريفة يحكي عن عدم اعتبار وقيمة هذه الرواية لديهم.

الهوامش

1. أستاذ مساعد في كلية علوم القرآن بمشهد. mdeymekar@gmail.com

2. طالبة ماجستير في كلية علوم القرآن بمشهد (المؤلف المسؤول). zahra.khorasani@chmail.ir

Scroll to Top