دراسة تحليلية لقاعدة «التفصيل قاطعٌ للشركة»

الملخص

إذا فُصّل في لسان الدليل بين عدة موضوعات أو حالات، فإننا ندرك أن أحكامها ليست واحدة؛ إذ لو كان حكمها جميعاً واحداً، لما كان هناك وجه للتفصيل. لقد استُخدمت قاعدة «التفصيل قاطعٌ للشركة» في كلام كثير من الفقهاء. للوهلة الأولى، يمكن الادعاء بأن هذه القاعدة من المسلّمات، ولكن العلماء لم يوردوها في مباحثهم الفقهية والأصولية. ولما كانت هذه القاعدة تحظى بأهمية بالغة في مقام استظهار الروايات، فإن هذا البحث يسعى، عبر المنهج الوصفي التحليلي، إلى الإجابة عن هذا السؤال: هل هذه القاعدة حجة أم لا؟ ظاهر كلمات العلماء يفيد حجية هذه القاعدة. بالنظر إلى الموارد التي استُخدمت فيها هذه القاعدة في كلام المتكلم، ذُكرت لها ثلاثة مصاديق. بعض المصاديق لها عدة فروض، وبعد تحليل ودراسة كل مصداق وذكر مستنداته، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن سائر المصاديق حجة باستثناء المصداق الأخير؛ إلا أن دليل حجية كل واحد منها يختلف عن دليل حجية الآخر.

المقدمة

يجب على الفقيه في عملية الاستنباط أن يرجع إلى الأدلة الأربعة. ونظراً إلى أن القرآن الكريم لم يتناول الأحكام الشرعية دائماً على نحو تفصيلي، وكذلك لضيق دائرة إدراك العقل في الأحكام الفقهية ومحدودية الإجماع الكاشف، فلا شك أن الاستفادة من الروايات لها الدور الأهم في الاستنباط، وما هو مهم للفقيه في مواجهة الروايات هو الاستظهار والوصول إلى ظهور الكلام. من جملة القواعد التي تساعدنا في استظهار الآيات والروايات قاعدة «التفصيل قاطعٌ للشركة». تنص هذه القاعدة على أنه إذا قام المتكلم بفصل موضوعات أو حالات مختلفة لموضوع واحد عن بعضها لبيان مقصوده، فإن ذلك يكشف عن عدم اشتراك هذه الأقسام في حكم واحد، وأن لكل منها حكماً مستقلاً. على سبيل المثال، إذا قسم المتكلم الخمر إلى خمر أبيض وخمر أحمر، فإن فائدة هذا التقسيم هي عدم اشتراك القسمين في حكم واحد؛ لأنه لو كان لكليهما حكم واحد وقام المتكلم بالتقسيم مع ذلك، فإن العقلاء يلومون هذا الشخص. هذه القاعدة هي قاعدة عقلائية تستخدم في المحاورات، والتفصيل في الكلام عند العقلاء ظاهر في عدم اشتراك الأقسام مع بعضها البعض.

على الرغم من أن هذه القاعدة كانت معروفة وقد استفاد منها فقهاء الإمامية في بحوثهم الفقهية بشكل متكرر (ابن بابويه، 1415، ص 396؛ علم الهدى، 1417، ص 431)، إلا أنها لم تُعطَ عنواناً مستقلاً إلا في القرن السابع، ولكنها مع ذلك لم تُبحث بشكل معمق (المحقق الحلي، 1408، ج 4، ص 102؛ الآبي، 1408، ج 1، ص 74). وقد شاع استخدام قاعدة «التفصيل قاطع للشركة» بين سائر المتأخرين والمعاصرين، ولكن للأسف تخلو الكتب الأصولية من هذا البحث، وعادةً لم يتم التطرق إليه. مؤخراً، بُحثت هذه القاعدة بشكل مستقل في بضعة كتب وأُجريت دراسات في هذا المجال؛ لكن نقطة ضعف هذه الأبحاث هي أنها تناولت الموضوع باختصار ولم تبحث القاعدة من حيث تحديد المصاديق والمستندات بشكل جيد (الهاشمي الشاهرودي، 1382، ج 6، ص 169؛ منافي، 1399، ص 127؛ الإيرواني، 1439، ص 238).

وبما أن علم الأصول هو علم آلي يبحث في المبادئ والكليات التي تقع في طريق الاستنباط، يبدو أن بحث «التفصيل قاطع للشركة» بشكل منظم ومنسجم ومستقل في علم الأصول ضروري. على الرغم من أهمية هذه القاعدة وتطبيقها في مرحلة استظهار الآيات والروايات وتأثيرها في كيفية الاستنباط، فإننا نشهد أنها لم تُبحث بشكل مستقل ومنهجي لبيان جميع أقسامها وأدلتها. نتيجة عدم المنهجية هي الادعاء بجريانها في بعض الموارد وعدم جريانها في موارد مشابهة. من هنا، يهدف هذا المقال إلى دراسة وتحليل هذا الموضوع، وتبيين مصاديق ومستندات هذه القاعدة، لكي تُستخدم بشكل جيد في مسار الاستنباط والاستظهار من الروايات من خلال منحها ضابطاً خاصاً.

1. تحديد المفاهيم

«التفصيل» في اللغة، من مادة «ف ص ل» بمعنى الفصل بين شيئين (الفراهيدي، 1410، ج 7، ص 126؛ ابن منظور، 1414، ج 11، ص 521) وقطع شيئين (الفيومي، ج 2، ص 474). التفصيل، وهو على باب تفعيل من هذه المادة، يأتي بمعنى تمييز الأشياء وفصلها (نفس المصدر، ج 2، ص 474).

«الشركة» من مادة «ش ر ك» بمعنى كون الشيء لاثنين وعدم اختصاصه بأحدهما (الفراهيدي، 1410، ج 5، ص 293؛ ابن فارس، 1399، ج 3، ص 265). كما هو واضح، الشركة تقابل الانفراد. في الاصطلاح أيضاً، إذا تم التفصيل في لسان الدليل بين موضوعين مرتبطين ببعضهما أو موضوع واحد له حالات مختلفة، في حكمهما، فإن ذلك يؤدي إلى نفي مشاركة الموضوعين أو حالات الموضوع الواحد في الحكم (الهاشمي الشاهرودي، 1382، ج 6، ص 169). على سبيل المثال، يسأل الراوي الإمام الصادق (ع) عن بيع السلاح لمجموعتين من أهل الباطل تتقاتلان فيما بينهما. فيجيب الإمام (ع): «بِعْهُمْ مَا يَكُنُّهُمْ مِنَ الْحَدِيدِ، مِثْلَ الدِّرْعِ وَالْخُفَّيْنِ وَشِبْهِ ذَلِكَ» (الحر العاملي، 1416، ج 17، ص 102). عندما يبين الإمام (ع) حكم جواز بيع الفئة المقابلة، فإننا نستنبط بمقتضى القاعدة حرمة بيع الفئة الأخرى. بناءً على هذا، يكون بيع السلاح لأعداء الدين حراماً (الأنصاري، 1415، ج 1، ص 150 و 151). في بعض الروايات، تم التفصيل بين غسل الجنابة وسائر الأغسال، حيث إن غسل الجنابة يغني عن الوضوء، أما سائر الأغسال فلا تغني عن الوضوء. هذا التفصيل بين الحالات المختلفة لموضوع واحد يدل على نفي مشاركتها في الحكم (الآبي، 1408، ج 1، ص 74).

2. نقض العموم والإطلاق الزماني

بناءً على ما تقدم، اتضح أن القاعدة تنفي عموم الأفراد، ولكن هل يمكن لهذه القاعدة أن تنفي العموم والإطلاق الزماني أيضاً؟ الجواب على هذا السؤال بالإيجاب. كمثال، يمكن ذكر الآية الشريفة «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (المائدة، 1) التي لها إطلاق زماني؛ أي أن كل عقد لازم في كل زمان، ولكن هذا الإطلاق قد قُيِّد بروايات جعل الخيار في مدة زمنية محددة (الحر العاملي، 1416، ج 18، ص 5). بناءً على هذا؛ بتقسيم الزمان إلى مدة يوجد فيها خيار ومدة لا يوجد فيها خيار، نصل إلى أن هذين الزمانين ليسا واحدًا في الحكم؛ بل العقد في زمان لازم، وفي زمان آخر غير لازم.

1. في هذا المثال، تم التفصيل بين حكمين، ومن بيان الحكمين استكشفنا وجود التفصيل بين الموضوعين؛ لا أننا من الموضوعين استكشفنا التفصيل في الحكم. من هذه الجهة يمكن اعتبار المثال مصداقاً للقاعدة.

3. مصاديق قاعدة «التفصيل قاطعٌ للشركة»

بالتتبع في كلمات الفقهاء والموارد التي استخدموا فيها هذه القاعدة، يمكن ذكر أربعة مصاديق للقاعدة:

أولاً: الموارد التي لم تُستخدم فيها أدوات التقسيم في لسان الدليل، وأُشير إلى طرف واحد من التفصيل في كلام المتكلم، وهذا المورد له ثلاثة فروض:

أ) إذا سأل الراوي من الإمام (ع) عن حكم موضوع ما، وأجاب الإمام (ع) ببيان حكم جواز موضوع آخر، يُفهم منه حرمة الموضوع المسؤول عنه. على سبيل المثال، يُشار إلى رواية. يقول محمد بن قيس: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنِ الْفِئَتَيْنِ مِن أَهْلِ الْبَاطِلِ تَلْتَقِيَانِ، أَبِيعُهُمَا السِّلَاحَ؟ فَقَالَ: بِعْهُمْ مَا يَكُنُّهُمْ مِنَ الْحَدِيدِ، الدِّرْعَ وَالْخُفَّيْنِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ.» (الحر العاملي، 1416، ج 17، ص 102). عندما يبين الإمام (ع) حكم جواز بيع الفئة المقابلة، فإننا نستنبط بمقتضى قاعدة «التفصيل قاطع للشركة» حرمة بيع الفئة الأخرى. بناءً على هذا، يكون بيع السلاح لأعداء الدين حراماً (الأنصاري، 1415، ج 1، ص 150-151). والجدير بالذكر أنه إذا أثار أحدهم إشكالاً حول استنباط الحرمة من الرواية وقال إنه لا يُستفاد منها إلا المرجوحية، فإن ذلك لا يضر بما ذكرناه؛ لأنه بناءً على هذا البيان أيضاً، فإن القاعدة ستكون دالة على عدم المشاركة في حكم واحد. يجب الانتباه إلى أن هذه الرواية يمكن أن تكون مصداقاً لهذا الفرض فقط إذا لم نعتبر كلمة السلاح شاملة للأدوات الدفاعية كالدرع؛ أما إذا اعتبرناها شاملة، فستكون مصداقاً للفرض التالي. (منافي، 1399، ص 127).

ب) إذا سأل السائل عن شيء بشكل مطلق وأجاب الإمام (ع) عن بعض شقوقه؛ فهذا يعني أن الشقوق الأخرى ليس لها هذا الحكم. في مبحث الوصية بنكاح الصغيرة، استدل الفقهاء على عدم نفوذ هذه الوصية برواية سأل فيها الراوي الإمام (ع) عن صبيين لم يبلغا وقد زُوّجا، هل يتوارثان؟ فأجاب الإمام (ع): «إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا هُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ.» (الحر العاملي، 1416، ج 20، ص 292). هنا يسأل الراوي بشكل مطلق عن إرث الصبيين اللذين تزوجا، ويذكر الإمام (ع) فقط فرض تزويجهما من قبل الأب. بناءً على هذا، إذا زوجهما غير الأب، فلا يرثان؛ حتى لو كان وصياً. هذا الاستنباط من الرواية سببه أن الراوي يسأل بشكل مطلق، والإمام (ع) في مقام الإجابة يفصّل، والتفصيل مانع من اشتراك الأقسام في الحكم (الأنصاري، 1415، ص 142 و 143).

ج) عندما يبين الإمام (ع) حكماً لحصة ما، ويبين لحصة أخرى من جهة أخرى نفس الحكم، يتضح أن الحصة الثانية لا تملك حكم الحصة الأولى. كمثال، يمكن الإشارة إلى كلام بعض الفقهاء في بحث وجوب قراءة السورة في الصلاة، حيث ورد في رواية: «يُجْزِئُ الْمَرِيضَ أَنْ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَحْدَهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَيُجْزِئُ الصَّحِيحَ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّطَوُّعِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَحْدَهَا.» عندما يفصّل الإمام (ع) في الصلاة الواجبة بين الشخص المريض وغير المريض، وكذلك يفصّل بالنسبة للشخص السليم في صلاة النافلة وغير النافلة، فإن هذا يفيد أن حكم المريض والسليم في الصلاة الواجبة ليس مشتركاً (الأنصاري، 1415، ج 1، ص 563).

ثانياً: الموارد التي لم تُستخدم فيها أدوات التقسيم، ويقوم المتكلم ببيان طرفي التفصيل، ولها فرضان:

أ) يطرح الإمام (ع) في بعض الموارد موضوعين متباينين، ويبين لكل منهما حكماً، وفي هذه الحالة، يجب ألا تتداخل الأحكام. كمثال، ورد في الروايات: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.» (الحر العاملي، 1416، ج 27، ص 234). قال المشهور: في هذه الرواية، تم التفصيل بين موضوعين، والتفصيل قاطع للشركة؛ أي أن ظاهر الرواية هو أن المدعي ليس له وظيفة سوى إقامة البينة، وغير المدعي (المنكر) ليس له هذه الوظيفة (الكني الطهراني، 1398، ج 3، ص 66).

ب) أحياناً يصدر خطاب بشكل عام من المولى، وفي خطاب آخر يفصل المولى هذا الخطاب العام ويذكر لكل قسم حكماً خاصاً. على سبيل المثال، يُقال في الخطاب الأول: «أكرم العلماء»، وفي الخطاب الثاني يُقال: «لا تكرم العالم الفاسق وأكرم العالم العادل». الخطاب الثاني الذي يفصل الخطاب الأول، يدل على عدم اشتراك الأفراد في حكم واحد. في باب كفاية الغسل عن الوضوء، نواجه طائفتين من الروايات، حيث يدل كلام بعض الفقهاء تحتهما على وجود هذا المصداق للقاعدة في الروايات. الطائفة الأولى: روايات تدل على إجزاء كل غسل عن الوضوء: «الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنِ الْوُضُوءِ وَأَيُّ وُضُوءٍ أَطْهَرُ مِنَ الْغُسْلِ؟» (الحر العاملي، 1416، ج 2، ص 244) أو بهذه العبارة: «الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ بِدْعَةٌ» (الحر العاملي، 1416، ج 2، ص 245). الطائفة الثانية: روايات تعتبر فقط غسل الجنابة مجزئاً عن الوضوء: «يَتَوَضَّأُ لِمَا سِوَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ» (الحر العاملي، 1416، ج 2، ص 248) أو بهذه العبارة: «فِي كُلِّ غُسْلٍ وُضُوءٌ إِلَّا غُسْلَ الْجَنَابَةِ» (الحر العاملي، 1416، ج 2، ص 248). قال بعض الفقهاء للجمع بين دلالة الطائفتين: الطائفة الأولى من الروايات ليس لها بيان واضح للمسألة؛ أما في الطائفة الثانية، فقد تم التفصيل بين غسل الجنابة وغير غسل الجنابة. عندما تتعارض هاتان الطائفتان من الروايات، تُقدَّم الروايات الدالة على التفصيل؛ لأن التفصيل قاطع للشركة (الآبي، 1408، ج 1، ص 74).

ثالثاً: عندما يُبيَّن في لسان الدليل أقسام بواسطة أدوات التقسيم، فالظهور هو أن هذه الأقسام غير قابلة للجمع مع بعضها البعض. يمكن إيجاد عدة أمثلة لهذا القسم من القاعدة في كلام الفقهاء:

أ) عندما يأذن المولى لعبده بشراء زوجته، ونقول بأن العبد يمكن أن يملك. في هذه الحالة، تنقطع علاقة الزوجية بين العبد وزوجته، لأن الزوجية لا تجتمع مع الملكية؛ أي أن المرأة لا يمكن أن تكون مملوكة وزوجة في نفس الوقت؛ لأن الآية الشريفة تقول: «إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» (المؤمنون، 6). وكذلك ورد في الروايات: «النِّكَاحُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ نِكَاحٌ بِمِيرَاثٍ وَنِكَاحٌ بِلَا مِيرَاثٍ وَنِكَاحٌ بِمِلْكِ يَمِينٍ» (الكليني، 1363، ج 5، ص 364). التفصيل المذكور في لسان الأدلة مانع من اشتراك الأقسام وجمعها (الأنصاري، 1415، ص 104).

ب) إذا باع شخص حصة من زوجته التي يملكها شخص آخر، تبطل علاقة الزوجية ويحرم عليه وطؤها؛ حتى لو أذن له الشريك؛ لأن آية «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ» (المؤمنون، 5) عامة، وما خرج منها بشكل قطعي هو الزوجة المحضة (فقط زوجة) والمملوكة المحضة (فقط أمة). وخروج المملوكة المبعضة من تحت العموم ليس معلوماً؛ لأنه يُستفاد من ظاهر الآية الشريفة أنه قد حُكم بتعاند وتنافي طرفي القضية من حيث الاجتماع والارتفاع، وبعبارة أخرى، طرفا القضية يتنافيان ويتعارضان بحيث لا يُعقل اشتراكهما، وعندما يُذكر التفصيل بين قسمين، يعني أن هذين القسمين لا يمكن أن يشتركا معاً (الأنصاري، 1415، ص 198).

4. مستندات القاعدة

يمكن إقامة أدلة لقاعدة «التفصيل قاطعٌ للشركة»:

1-4. اللغوية

عندما يوجد تفصيل في كلام الشارع، فإن هذا التفصيل ينفي المشاركة في الحكم بحكم العقل، وإذا كان التفصيل في فرض الاتحاد في الحكم، فإن لازم ذلك هو أن الشارع قد قام بهذا التفصيل على نحو لغو. (الخوئي، 1418، ج 35، ص 299). الشارع الحكيم منزه عن اللغو. والآن من المناسب تطبيق هذا الدليل على المصاديق المذكورة سابقاً. بالنسبة للمصداق الأول في فروضه الثلاثة، يجري هذا الدليل. عندما يبين الإمام (ع) للموضوع المقابل حكماً مخالفاً لحكم الموضوع المسؤول عنه، أو يجيب بالنسبة لبعض شقوق المطلق، أو يبين لكل حصة حكماً من جهة معينة، ندرك أن الحكم ليس ثابتاً لكلا الموضوعين أو لجميع الشقوق أو لكلتا الحصتين، وإذا كان ثابتاً، فإن ذكر القيد سيكون لغواً. بعض العلماء، بناءً على هذه النقطة، يرون أن الوصف له مفهوم في الجملة (الخوئي، 1422، ج 4، ص 279)، وإن كان آخرون قد قبلوا المفهوم في الجملة لجميع القيود، مثل الوصف واللقب، هرباً من اللغوية (الشبيري، ج 4، ص 363). الآن، السؤال المطروح هو: اللغوية تثبت في النهاية المفهوم في الجملة، ولكن هل يمكن لنكتة اللغوية أن تؤدي إلى تحويل المفهوم في الجملة إلى مفهوم بالجملة؟ يبدو أن للتفصيل هذه الفائدة، وفي هذه الموارد يُستفاد المفهوم بالجملة. توضيح الأمر هو أنه عندما تكون ذهنية الراوي دائرة بين مصاديق محدودة، والإمام (ع) مع أنه في مقام البيان، يبين الحكم بالنسبة لبعض هذه المصاديق، ندرك أن سنخ الحكم منتفٍ بالنسبة لبقية المصاديق. على سبيل المثال، الراوي في ذهنه أن الوسائل المستخدمة في الحرب إما تستخدم للهجوم أو للدفاع، ويسأل فقط عن القسم الأول. والإمام (ع) مع أنه في مقام البيان، يبين حكم الجواز بالنسبة للقسم الثاني. هذا السياق الحواري يفيد بأن سنخ الحكم منتفٍ بالنسبة للقسم الأول؛ لأنه لو لم نعتبر سنخ الحكم منتفياً، لكان لازم ذلك بقاء مورد السؤال دون بيان حكمه؛ في حين أن ظاهر الكلام هو أن المتكلم في مقام بيان كامل مراده. في المصداق الثاني، الفرض الأول، تجري دعوى اللغوية. عندما يبين الشارع موضوعين متباينين في مقابل بعضهما البعض، فمن اللغو أن يكون لكليهما حكم واحد. هنا قد يُثار إشكال بأنه في بحث نكول المنكر، يرى بعض الفقهاء أن اليمين تُرد على المدعي، فلا يمكن قبول دعوى اللغوية؛ ولكن يُقال في الجواب: إن الرواية بحسب الطبع الأولي تبين هذا التفصيل، وهي ليست ناظرة إلى زمان ما بعد النكول. إذاً، يمكن بالنكول وضع اليمين على عاتق المدعي (الحسيني الحائري، 1423، ص 671). وإن كان في هذه المسألة نفسها قال البعض: لا تُرد اليمين على المدعي؛ لأنه في الرواية المذكورة بُيّنت وظيفة لكل من المدعي والمنكر، والتفصيل بينهما قاطع للشركة في الحكم، ولا يمكننا التخلي عن اقتضاء التفصيل، إلا إذا قال دليل خاص بوجوب التخلي عن هذا الاقتضاء، كما في حالة رد المنكر اليمين على المدعي، حيث يحلف المدعي (الشهيد الثاني، 1413، ج 13، ص 454). بالنسبة للفرض الثاني من المصداق الثاني، فإن نكتة اللغوية جارية أيضاً؛ لأنه لو لم يكن التفصيل مقصوداً للشارع، لكان عليه أن يكتفي بالخطاب العام، وإن كان في هذا المصداق بسبب جريان القواعد العامة والخاصة، لا حاجة لبيان اللغوية. ومثل الإشكال المذكور في الفرض الأول، يمكن أن يُقال هنا أيضاً إن الله تعالى بالنسبة لوظيفة الشخص الذي لا يجد الماء يقول: «وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» (المائدة، 6). بالنظر إلى تقسيم الأشخاص إلى من يجد الماء ومن لا يجده، سواء لعدم وجود الماء أو لوجوده مع عدم القدرة على استخدامه بسبب عارض كالمرض، ندرك أن أحكام هذين الفريقين مختلفة، ويجب على فريق أن يتوضأ وعلى الفريق الآخر أن يتيمم؛ لأن التفصيل قاطع للشركة (الخوئي، 1418، ج 5، ص 173). بناءً على مقتضى القاعدة، يجب على الشخص الذي يجد الماء أن يتوضأ، والشخص الذي لا يجده أن يتيمم؛ ولكن في بعض الموارد أفتى الفقهاء بالجمع بين التيمم والوضوء (السيد اليزدي، 1421، ج 1، ص 447). هذا في حين أن اشتراك الأقسام في حكم واحد خلاف الظاهر. في الجواب يجب القول بأن فتوى الفقيه بالجمع هي من جهة الحكم الظاهري؛ لأن الفقيه لا يجد في هذا المورد دليلاً اجتهادياً مقابلاً له، ولتحديد وظيفة المكلف يفتي بالجمع؛ ولكن في الواقع، المكلف له أحد الحكمين؛ بناءً على هذا، فإن مفاد القاعدة هو أن المكلف من جهة الواقع إما أن يتوضأ أو يتيمم؛ وإن كانت هذه الفائدة لا تتحقق من جهة الحكم الظاهري. بالنسبة للمصداق الثالث، لا يمكن قبول دعوى اللغوية؛ لأنه أحياناً يتم التقسيم؛ ولكن يُذكر حكم واحد للأقسام؛ مثل قول المولى: «إن رأيت عالماً أو هاشمياً أو قمياً فأكرمه». بالنظر إلى أن العلاقة بين الأقسام هي العموم والخصوص من وجه، فإن هذا يكفي للهروب من اللغوية؛ لأنه في الحكم الواحد، تُلحظ مادة الافتراق بينها، ولا ينافي أن تجتمع الأقسام في مورد واحد. كذلك إذا كان هناك عطف عام على خاص أو العكس، فلا يحدث لغو؛ لأنه قد يكون هذا العطف للتأكيد أو لرفع التوهم. على سبيل المثال، عندما يقول المولى: «أكرم العلماء أو النحويين»، لأنه قد يُتوهم أن النحويين ليسوا علماء، يذكر المولى النحويين بشكل خاص.

2-4. تسالم الفقهاء

يتسالم الفقهاء على أن التفصيل مفيد لنفي المشاركة في الحكم؛ بحيث لو وجدت شهرة فتوائية خلاف مفاد هذه القاعدة، فإنهم يوجهون الشهرة (الآقا ضياء، 1379، ص 196). هذه الدعوى موجودة بالنسبة للمصداق الثاني، ولكن بالنسبة لسائر المصاديق، لا يمكن ادعاء وجود مثل هذا التسالم بشكل قطعي.

3-4. أصالة الظهور

أصالة الظهور هي أحد الأصول العقلائية التي يُرجع إليها عند الشك في مراد المتكلم، بناءً على هذا، في محل بحثنا الذي هو بحث عن الظهور، فإننا لسنا في غنى عن الرجوع إلى هذا الأصل. الآن يجب دراسة أي من المصاديق يندرج تحت أي من صغريات أصالة الظهور:

المصداق الأول: هذا المصداق له عدة فروض. أ. هذا الفرض يندرج تحت مفهوم التحديد. مفهوم التحديد يعني أنه إذا اكتفى المتكلم، مع كونه في مقام البيان أو الإحصاء أو الإجابة على سؤال السائل أو بحسب اقتضاء المقام، بما له دخل في الحكم، سواء كان موضوعاً، متعلقاً، شروطاً، أجزاءً، أو موانع، فإن ذلك يدل على عدم ثبوت الحكم لغير المنطوق (السيفي المازندراني، 1429، ج 2، ص 240). يجب الانتباه إلى أن هذه الدلالة على عدم ثبوت الحكم ليست بواسطة الهيئات والأدوات المعهودة للمفاهيم مثل الوصف واللقب وغيرها؛ وإن كان الكلام قد يُصاغ في قالب هذه المفاهيم، إلا أن حجيته هي لكونه في مقام التحديد. كمثال، ذكر بعض الأعلام أن النزاع في ما إذا كان للوصف مفهوم أم لا، يتعلق بالمكان الذي لا يكون فيه الوصف في مقام التحديد، أما إذا كان الوصف في مقام التحديد، فبسبب شموليته ومانعيته، يدل على حصر الحكم في الوصف؛ بناءً على هذا، عندما يكون الوصف في مقام التحديد، فإنه يدل على انتفاء سنخ الحكم عن غير مورد الوصف؛ حتى لو لم نكن قائلين بحجية الوصف (النائيني، 1373، ج 1، ص 220؛ الخوانساري، 1355، ج 3، ص 86). في مثال آخر، يسأل الراوي الإمام الصادق (ع) عن سؤر الحمام هل يمكن شربه، فيجيب الإمام (ع): «كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَتَوَضَّأْ مِنْ سُؤْرِهِ وَاشْرَبْ.» (الحر العاملي، 1416، ج 1، ص 230). هذه الرواية تدل بمفهوم التحديد على أنه إذا كان الحيوان من الموارد التي لا يؤكل لحمها، فلا يمكن الوضوء من سؤره وشربه (الصدر، 1434، ج 10، ص 320). نفس هذا البيان نجريه على هذا الفرض، فمثلاً عندما يسأل الراوي الإمام (ع) عن حكم بيع السلاح لأعداء الدين، يقول الإمام (ع): «بِعْهُمْ مَا يَكُنُّهُمْ». مفهوم هذه الجملة هو أن ما ليس له جانب دفاعي، لا تبعه. المفهوم المذكور هو مفهوم وصف، وقد يُثار إشكال بأن الوصف ليس له مفهوم؛ ولكن بعض الكبار قالوا في مثل هذا المقام: هنا، لأن المقام هو مقام بيان، والراوي يريد من الإمام (ع) ضابطة كلية، لا ذكر مصداق واحد، يمكن القول إن الإمام (ع) في مقام تحديد حدود حكم الجواز، وما عدا ذلك، لن يكون له هذا الحكم (الشبيري، ج 24، ص 7504). وبهذا الترتيب، يجري مفهوم التحديد في الفرض (ب) أيضاً.

ج. هذا المصداق يندرج تحت مفهوم الوصف؛ ولكنه من الموارد التي لها مفهوم بالجملة. قراءة سورة الحمد وحدها جائزة للشخص المريض في الصلاة الواجبة. الآن، بصدور هذا الحكم، لا يُستنبط انتفاؤه في حق الشخص السليم؛ لأن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، ولكن بالنظر إلى وصف المريض، ندرك أن هذا الحكم ليس ثابتاً لطبيعة المصلي، وأن قيد المكلف له دخل في الحكم. الآن، عندما يُبيَّن نفس هذا الحكم للشخص السليم في الصلاة المستحبة، ندرك أن نفس الحكم الثابت للمريض في الصلاة الواجبة منتفٍ عن الشخص السليم في الصلاة الواجبة؛ وإلا لما كان هناك وجه للتفصيل. بناءً على هذا، بضميمة المفهوم في الجملة من القسم الأول إلى منطوق القسم الثاني، نستفيد المفهوم بالجملة.

المصداق الثاني، الفرض الأول: بالنظر إلى نفس البيان الذي مر في الفرض (أ) من المصداق الأول، يمكن القول هنا أيضاً إنه بما أن الإمام (ع) في مقام التحديد، فمن باب حجية مفهوم التحديد، نقول بحجية هذا المصداق.

في المصداق الأول والفرض الأول من المصداق الثاني، كان السعي هو إدخال التفصيل ضمن أحد المفاهيم وبالتالي القول بحجيته؛ ولكن ما يُستفاد من عبارة بعض الفقهاء هو أنهم يعتبرون التفصيل من حيث الدلالة أقوى وفي عرض المفهوم؛ لا أنه من صغريات المفاهيم (الأنصاري، 1415، ص 142؛ الحكيم، 1374، ج 14، ص 475). بناءً على هذا؛ سيكون البحث عن حجية المنطوق لا المفهوم، ولكن بالنظر إلى ما تقدم، يتضح أن هذا الكلام ليس تاماً.

المصداق الثاني، الفرض الثاني: حجية هذا القسم ستكون من باب حجية الإطلاق والتقييد، ولا حاجة لجريان قاعدة «التفصيل قاطع للشركة». هنا، يبدو من المناسب بحث العلاقة بين القاعدة وبحث الإطلاق والتقييد.

1-3-4. علاقة التفصيل بالتقييد والتخصيص

أحياناً يقول دليل بشكل مطلق: «أكرم العالم». ويقول دليل آخر بشكل منفصل: «أكرم العالم إن كان عادلاً ولا تكرم العالم إن كان فاسقاً». في هذه الحالة، يمكننا أن نقول إن الدليل الثاني مفصل للدليل الأول، ويمكننا أيضاً أن نقول إن القسم الثاني منه مقيد للدليل المطلق؛ بناءً على هذا، يجتمع التفصيل والتقييد في هذا المورد، ولا يمكن التفريق بينهما. الجدير بالذكر أنه في التفصيل والتقييد، ليس من الضروري أن يُبيَّن كلاهما بالمنطوق؛ بل في التفصيل، يمكن أن نستنبط حكماً بالمنطوق وحكماً آخر بالمفهوم، وكذلك التقييد والتخصيص يمكن أن يكونا بالمفهوم؛ ولكن في بعض الموارد، قد لا يوجد دليل مطلق ويُقال: «أكرم العالم العادل ولا تكرم العالم الفاسق». في هذه الحالة، من الواضح أن التفصيل فقط هو الجاري، وليس هناك محل للتقييد، وفي بعض الموارد قد يكون هناك تقييد، ولكن لا يجري التفصيل. على سبيل المثال، إذا قال المولى: «أكرم العالم»، وفي دليل آخر قال: «لا تكرم العالم الفاسق»، في هذه الحالة، الدليل الثاني مقيد للدليل الأول، وبفرض عدم وجود مفهوم له، لن يكون بياناً للتفصيل، والتفصيل خارج عن الجمع بين الدليلين. بالنظر إلى ما تقدم، فإن العلاقة بين التفصيل والتقييد (بما يشمل التخصيص) هي علاقة العموم والخصوص من وجه. توضيح الأمر هو أن المخصص أو المقيد يمكن أن يكون على نوعين: متصل ومنفصل. إذا كان المخصص أو المقيد متصلاً، فلا ينعقد للعام أو المطلق عموم ذاتي. هذا بخلاف المخصص أو المقيد المنفصل الذي لا يمنع من تشكل العموم أو الإطلاق؛ بل ينعقد العموم أو الإطلاق؛ ولكن العام أو المطلق لن يكون حجة بالنسبة للعموم (الصدر، 1400، ج 3، ص 287). بحثنا الحالي هو في مورد المقيد والمخصص المنفصل. على سبيل المثال، عندما يقول المولى: «أكرم الضيف»، فإن الكلام له إطلاق، وبيان «لا تكرم الضيف الفاسق» يقيد هذا الإطلاق. نتيجة لذلك، فإن حكم وجوب الإكرام للمطلق الضيف ليس ثابتاً بالنسبة للضيف الفاسق. بعبارة أخرى، تتحدد دائرة الكلام المطلق بواسطة التقييد، ويخرج الفرد المقيد من شمول الحكم المطلق. أما في التفصيل، فأحياناً لا يثبت الحكم بشكل مطلق حتى يأتي دليل مقيد ليحدده؛ بل من البداية نقسم العموم أو الإطلاق إلى عدة أقسام ونقول إن لبعض الأفراد هذا الحكم، ولبعض الأفراد الآخرين حكم آخر. بهذا الترتيب، يتضح أن آية «وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» (المائدة، 6) هي من قبيل المخصص المتصل؛ أي أن صدر الآية يبين حكم وجوب الوضوء بشكل عام، وهذا الجزء من الآية يخصص صدرها بأن هؤلاء الأشخاص لا يجب عليهم الوضوء. بناءً على هذا، تجري في الآية الشريفة قواعد باب العام والخاص، ولا حاجة لجريان قاعدة «التفصيل قاطع للشركة»، وإن كان بعض الفقهاء قد اعتبروا الآية مجرى للقاعدة (الخوئي، 1418، ج 5، ص 173).

المصداق الثالث: الأقسام المذكورة في القضايا التي تشتمل على تقسيم هي إما على نحو منفصلة حقيقية، أو على نحو مانعة الخلو، أو على نحو مانعة الجمع. إذا كانت القضية على نحو منفصلة حقيقية، يُستفاد عناد وتنافٍ غير قابل للجمع والارتفاع بين الأقسام، وكل قسم سيكون له حكمه الخاص. أو إذا كانت على نحو مانعة الجمع، يُستفاد فقط عدم إمكانية الجمع؛ ولكن ارتفاعهما ممكن. أما إذا كانت المنفصلة على نحو مانعة الخلو، يُستفاد فقط عدم إمكانية الارتفاع، فمن الممكن أن يجتمعا (المظفر، 1425، ص 182-184). في حالة الشك في أي صورة بُيّنت القضية، يمكن الإشارة إلى ثلاث نظريات. النظرية الأولى: نقل بعض المحققين عن المناطقة أن الأصل في القضايا المنفصلة هو كونها حقيقية، بناءً على هذا، فإن آية «إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» (المؤمنون، 6) تفيد أمرين: أولاً، أن سبب الحلية منحصر في الملكية والزوجية، وثانياً، أن هذين السببين لا يمكن أن يجتمعا (الحسيني المراغي، 1417، ج 1، ص 280). بعض الفقهاء، هنا بالنظر إلى كونها منفصلة حقيقية، قالوا إن السببين لا يمكن أن يجتمعا (الشهيد الثاني، 1410، ج 5، ص 138؛ الشيخ الأنصاري، 1415، ص 104). ظاهراً، بناءً على هذه النكتة، قال بعض العلماء: ما يمكن استفادته من العطف بـ«أو» هو تباين المعطوف والمعطوف عليه، على سبيل المثال، عندما تقول الرواية: «إِذَا نَشَّ الْعَصِيرُ أَوْ غَلَى حَرُمَ»، ندرك أن النشيش والغليان متباينان. النشيش يعني الغليان بغير النار، والغليان يعني الغليان بالنار (الحلي، 1338، ج 1، ص 495). النظرية الثانية: يرى فريق آخر أن كون القضية منفصلة حقيقية أو مانعة الجمع أو مانعة الخلو يجب استنباطه بالقرينة، ولا يمكن مجرد التقسيم بـ«أو» الوصول إلى هذا الاستظهار؛ لأن «أو» كما تُستخدم في المنفصلة مانعة الخلو، تُستخدم أيضاً في المنفصلة الحقيقية ومانعة الجمع (البهبهاني، 1405، ج 2، ص 308). بالنظر إلى هذا المطلب، في مثال المصداق الثاني (عدم اجتماع الملكية والزوجية)، يُستفاد من الآية الشريفة بقرينة الحصر، فقط كون القضية مانعة الخلو؛ أي أن سبب الحلية إما الملكية أو الزوجية. الآن، بالنظر إلى هذه النكتة، لا يوجد ما يمنع من اجتماع الأسباب. بناءً على هذا، تفصّل الآية الشريفة بين عنواني الملكية والزوجية الكليين، والآية ليست في مقام التطبيق على مصداق واحد. إذاً، يمكن للشخص أن يجمع بين سبب الملكية والزوجية (نفس المصدر، ج 2، ص 338). النظرية الثالثة: قبل بعض آخر التفصيل بأنه إذا أراد شيئان أن يكونا سبباً، فلا يوجد ما يمنع من اجتماعهما، ولكن في الموضع الذي ليس في مقام السببية، وفقط في مقام بيان أقسام كلي، لا يمكن أن يجتمعا. على سبيل المثال، في الآية المذكورة، ما يُستفاد من العطف بـ«أو» هو أن الشيئين لا يمكن أن يكونا مؤثرين، وهذا غير امتناع في الوجود؛ بينما نحن بصدد إثبات امتناع الاجتماع في الوجود، لكن في بعض الموارد، قد تدل الأداة المستخدمة في الجملة على امتناع اجتماع شيئين في الوجود. على سبيل المثال، ظاهر «الْمَرْأَةُ إِمَّا زَوْجَةٌ وَإِمَّا مِلْكُ يَمِينٍ» هو أن العنوانين لا يمكن أن يجتمعا في الوجود (الأراكي، 1377، ص 564). يبدو أن النظرية الثانية صحيحة، ولا يمكن الادعاء هنا بأن الأصل هو كون القضية منفصلة حقيقية أو غيرها؛ بل يجب استنباط ذلك بالنظر إلى القرائن، أي أن لسان الدليل ظاهر في أي قسم. على سبيل المثال، في آية «وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» (المائدة، 6)، الأقسام المذكورة بسبب وجود علاقة العموم والخصوص من وجه بينها، يمكن أن تجتمع معاً.

النتيجة

أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من المطالب السابقة هي كالتالي:

1. عندما يكون الدليل بياناً للتفصيل، في الموارد التي نقبل فيها حجية القاعدة، يزول عموم وإطلاق الحكم.

2. بالنظر إلى الروايات، يمكن ذكر أربعة مصاديق بارزة للقاعدة، حيث يمكن إثبات حجية ثلاثة مصاديق منها من باب اللغوية أو مفهوم التحديد والوصف أو جريان قواعد باب العام والخاص.

3. النظرية المختارة هي أن نعتبر القاعدة من المفاهيم ونبحث في أي مصداق يندرج تحت أي من المفاهيم؛ لا أن نعتبرها منطوقاً وأقوى من المفهوم. إذاً، حجية قاعدة «التفصيل قاطع للشركة» ستكون من باب حجية المفهوم.

4. علاقة هذه القاعدة ببحث العام والخاص هي العموم والخصوص من وجه، حيث لا حاجة في مادة الاجتماع لجريان القاعدة؛ بل تجري قواعد باب العام والخاص. في المخصص المنفصل، يتضح الفرق بين «القاعدة» و«المخصص المنفصل» جيداً، حيث إنه إذا كان المخصص منفصلاً، ينعقد للعام ظهور في العموم؛ بخلاف القاعدة التي تزيل العموم من البداية.

المصادر

1. ابن فارس، أبو الحسين (1399). معجم مقاييس اللغة. لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار صادر.

2. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414). لسان العرب. الطبعة الثالثة. لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار صادر.

3. ابن بابويه، محمد بن علي (1415). المقنع. إيران: پيام امام هادي (ع).

4. الأنصاري، مرتضى (1415 ب). كتاب الصلاة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

5. الأنصاري، مرتضى (1415 ألف). كتاب النكاح. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

6. الأنصاري، مرتضى (1415 ج). كتاب المكاسب. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

7. الإيرواني، باقر (1439). تجذير المسألة الأصولية. الطبعة الأولى. موقع اجتهاد (ijtihadnet.ir).

8. الآبي، حسن (1408). كشف الرموز في شرح المختصر النافع. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي.

9. البهبهاني، سيد علي (1405). القواعد الكلية مما يبتنى عليه كثير من معضلات مسائل الفقه والأصول. أهواز: مكتبة دار العلم.

10. الحر العاملي، محمد بن حسن (1416). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

11. حسن، عباس (1422). النحو الوافي. طهران.

12. الحسيني الحائري، كاظم (1423). القضاء في الفقه الإسلامي. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

13. الحسيني المراغي، عبد الفتاح (1417). العناوين الفقهية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

14. الحلي، حسين (1338). دليل العروة الوثقى. نجف أشرف: مطبعة النجف.

15. الخوئي، سيد أبو القاسم (1418). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

16. الخوئي، سيد أبو القاسم (1413). محاضرات في أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

17. السيفي المازندراني، علي أكبر (1425). بدائع البحوث في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

18. الشبيري الزنجاني، موسى (بلا تاريخ). دروس خارج نكاح. قم: مركز فقهي امام محمد باقر (ع) وابسته به دفتر آية الله العظمى شبيري زنجاني.

19. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (1410). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. قم: مكتبة الداوري.

20. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (1413). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.

21. الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن (1365). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلامية.

22. صاحب جواهر، محمد حسن بن باقر (بلا تاريخ). جواهر الكلام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

23. الصدر، محمد باقر (1417). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت.

24. الصدر، محمد باقر (1434). موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر. قم: پژوهشگاه علمی تخصصی شهيد صدر، دار الصدر.

25. العراقي، ضياء الدين (1379). كتاب القضاء. قم: مؤسسه معارف اسلامی امام رضا (ع).

26. علم الهدى، علي بن حسين (1417). مسائل الناصريات. طهران: مجمع جهانی تقریب مذاهب اسلامی.

27. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410). كتاب العين. الطبعة الثانية. قم: نشر هجرت.

28. الفيومي، أحمد بن محمد (بلا تاريخ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. قم: منشورات دار الرضى.

29. الكليني، محمد بن يعقوب (1363). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.

30. الكني الطهراني، علي (1396). كتاب القضاء من كتاب تحقيق الدلائل في شرح تلخيص المسائل. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.

31. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (1408). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. قم: اسماعيليان.

32. المظفر، محمد رضا (1425). المنطق. قم: واريان.

33. المنافي، سيد حسين (1399). مباني أصولي شيخ أعظم انصاري. الطبعة الثانية. قم: مركز فقهي ائمه اطهار.

34. الموسوي الخوانساري، أحمد (1355). جامع المدارك في شرح المختصر النافع. طهران: مكتبة الصدوق.

35. النائيني، محمد حسين (1373). منية الطالب. طهران: المكتبة المحمدي%D

Scroll to Top