دراسة الآية الشريفة «الاعتداء» في فقه المعاملات؛ تأمل في صلاحيتها للاستناد

الخلاصة

المشهور بين الفقهاء في بحث ضمان المال المثلي والقيمي هو أنّ ضمان المثلي يكون بالمثل وضمان القيمي بقيمته. ومن جملة الأدلّة التي استُند إليها لإثبات هذا الرأي، يمكن الإشارة إلى آية «الاعتداء»، والإجماع، وحديث «على اليد»، وقاعدة الاحترام. يتناول هذا البحث في البداية تبيين آراء الفقهاء حول الاستدلال بهذه الآية لإثبات رأي المشهور، ثم ينتقل إلى تقييم هذه الآراء. الرأي المختار في الآية الشريفة هو أن موضوعها لا يرتبط ببحث الضمان في المال المثلي والقيمي، بل هي في سياق الجهاد؛ كما تثبت ذلك الآيات التي سبقتها. ولو سلّمنا جدلاً ارتباط الآية ببحث المثلي والقيمي، فإنها لا تدل إلا على الحكم التكليفي، ولا علاقة لها بالحكم الوضعي المتمثل في الضمان.

المقدمة

من الآيات الشريفة التي يُستدل بها في بعض أبواب الفقه آية «الاعتداء». والاعتداء لغةً مأخوذ من جذر «عدو»، و«عدا عليه، عدوًا وعداءً وعدوانًا» بمعنى «ظلمه وتجاوز الحد» (الفيومي، د.ت، ج2، ص 398)، و«الاعتداء، والتعدي، والعدوان» كلها بمعنى «الظلم» (الفراهيدي، 1410، ج2، ص 213). وقد استُدل بهذه الآية في أبواب مثل القصاص، والغصب، وإثبات اليد، واليمين، والحج، والوصية وغيرها. ومن موارد الاستناد بهذه الآية، فقه المعاملات في بحث إثبات ضمان المال المثلي والقيمي، حيث إنه طبقًا للرأي المشهور، إذا كان المال مثليًا وتلف، وجب دفع مثله. ولأجل التحقق من صحة هذا الاستناد، سنقوم أولًا بدراسة وبيان كلمات الفقهاء، ثم نختم بالجمع بين الأقوال وعرض الرأي المختار في هذا البحث.

1. بيان الاستدلال بالآية

﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194). أي فمن اعتدى عليكم، فجازوه بمثل ما اعتدى به عليكم. يرى الشيخ الأنصاري أن الشيخ الطوسي هو أول فقيه استدل بهذه الآية لإثبات رأي المشهور، ولكن بمراجعة كتابي المبسوط والخلاف، نجد أن ما بيّنه الشيخ الطوسي يغاير ما استنبطه الشيخ الأنصاري من كلامه.1 فقد كتب الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف: المنافع تُضمن بالغصب كالأعيان؛ ومثال ذلك المنافع التي تُستوفى من الدار، والدابة، والعبيد، والثياب. وهذا الرأي هو ما اختاره الشافعي أيضًا؛ أما أبو حنيفة فيرى: «أن المنافع لا تُضمن بالغصب… دليلنا قول الله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»، والمثل على ضربين: مثل من حيث الصورة (المثل الصوري) ومثل من حيث القيمة (المثل القيمي)، فإذا لم يكن للمنافع مثل من حيث الصورة، وجب أن يُلزم بمثلها من حيث القيمة» (الشيخ الطوسي، 1407، ج3، صص 401 ـ 403). وقد استند الشيخ أيضًا إلى هذه الآية في بحث غصب العقار، وأجرى التقسيم نفسه لـ«المثل»، قائلًا: إذا لم يكن للعقار مثل من حيث الصورة، وجب أن يكون له مثل من حيث القيمة (نفس المصدر، صص 405-406). كما أنه في كتاب المبسوط، بعد أن قسّم الأموال إلى حيوان وغير حيوان، قسّم غير الحيوان إلى قسمين: 1) ما له مثل؛ 2) ما ليس له مثل. ثم قال: إذا غصب الغاصب شيئًا من غير الحيوان، فإن كان موجودًا ردّه بعينه، وإن كان تالفًا فعليه مثله؛ لقوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»، ولأن مثل ذلك المال يُعرف بالمشاهدة وقيمته بالاجتهاد والسعي، وما يُعلم ويُعرف به مقدَّم على ما يُتوصل إليه بالاجتهاد (وهو الظن والتخمين). فإذا ثبت أنه ضامن للمثل، فإن كان المثل موجودًا، طلبه المضمون له من الضامن واستوفاه، وإن لم يكن المثل موجودًا، طالبه بقيمته (الشيخ الطوسي، 1387، ج3، صص 59 ـ 60). بالتدقيق في هذه العبارات، يتضح أن الشيخ الطوسي يعتقد بأن الضمان في جميع الموارد يكون بالمثل، إلا في صورة عدم وجود المثل، فيجب حينئذٍ دفع القيمة. وبهذا البيان، يتضح أن الإشكال الذي أورده المرحوم المامقاني (المامقاني، 1316، ج2، ص 303) والمحقق الحكيم (الحكيم، 1418، ص 142) على الشيخ الأنصاري، من أن الشيخ الطوسي لم يبيّن إلا ضمان المثلي بالمثل ولم يذكر ضمان القيمي بالقيمة، هو إشكال غير وارد؛ لأنه مبني على فهم غير دقيق لكلام الشيخ الطوسي، ولهذا السبب أشكلوا على الشيخ الأنصاري.2 وقد يُناقش أيضًا بأن «الاعتداء» في الآية الشريفة بمعنى الظلم، يفيد معنى الإتلاف في حين أن مورد بحثنا هو التلف؛ وفي الجواب نقول: لا يوجد قول بالفصل في باب الضمان؛ أي أن كل رأي يُتخذ في الإتلاف، يُتخذ مثله في التلف، وليس هناك فقيه يفصّل بين التلف والإتلاف فيختار في باب الإتلاف رأيًا غير ما يختاره في باب التلف.

2. دراسة الإشكال على الاستدلال بالآية في هذا البحث

أشكل بعض الفقهاء على الاستدلال بالآية بأن المراد منها ليس المماثلة في (المعتدى به)، بل المماثلة في مقدار الاعتداء، والحال أنه لا يمكن الاستناد إلى الآية في هذا البحث إلا إذا أفادت المماثلة في (المعتدى به) (النائيني، 1373، ج1، ص 283). توضيح ذلك: يجب الالتفات إلى أنه في باب الاعتداء، تُطرح أربعة عناوين: «الاعتداء»، «المعتدى به»، «مقدار الاعتداء»، و«كيفية الاعتداء». وبناءً على هذه العناوين وكلمة «مثل» في الآية، تُطرح أربعة احتمالات في معنى المماثلة في الآية الشريفة (راجع: الإيرواني، 1406، ج1، ص 98؛ الأصفهاني، 1418، ج1، صص 362 – 364).
1. «المماثلة في الاعتداء والظلم»، ويتصور لها حالتان: الحالة الأولى: المماثلة في نوع الاعتداء؛ أي أن يقوم المعتدى عليه بنفس الفعل الظالم الذي قام به المعتدي؛ فمثلًا لو أتلف ماله أو شتمه، يقوم هو بإتلاف ماله أو شتمه. الحالة الثانية: المماثلة في جنس الاعتداء؛ أي أن المعتدي ارتكب ظلمًا، فيُجاز للمعتدى عليه أن يرتكب ظلمًا بحقه؛ وإن اختلف نوع الظلم؛ فمثلًا إذا أتلف المعتدي مالًا، يمكن للمعتدى عليه أن يرتكب ظلمًا آخر بحقه، كشتمه. (وهذا المعنى لا قائل به).
2. «المماثلة في المعتدى به (متعلَّق الاعتداء)»؛ أي المماثلة فيما تعلق به الاعتداء؛ فمثلًا المعتدي أتلف كيلوًا من الحنطة، فيجوز للمعتدى عليه أن يتلف كيلوًا من حنطته. وتجدر الإشارة إلى أن هناك حالتين متصورتين بالنسبة للاعتداء والمعتدى به: أ) لكل من الاعتداء والمعتدى به ما بإزاء مستقل في الخارج، وفي هذه الحالة لا تلازم بينهما؛ فمثلًا في إتلاف الحنطة، ما بإزاء الاعتداء في الخارج هو الإتلاف، وما بإزاء المعتدى به هو الحنطة. ب) ليس لكل من الاعتداء والمعتدى به ما بإزاء مستقل في الخارج، وفي هذه الحالة يتلازمان؛ ومثال ذلك في الضرب، فإن ما بإزاء الاعتداء والمعتدى به في الخارج هو نفس فعل الضرب.
3. «المماثلة في مقدار الاعتداء»؛ فمثلًا إذا ضرب المعتدي مرة واحدة، يحق للمعتدى عليه أن يضربه مرة واحدة.
4. «المماثلة في كيفية الاعتداء»؛ كما ورد في الرواية أن حكم من يرتكب قتلًا أو سرقة في الحرم هو أن يُقام عليه الحد أو القصاص في الحرم نفسه، مع تحقيره (راجع: الكليني، 1407، ج4، ص 228 والحر العاملي، 1409، ج13، ص 225)؛ وذلك لأنه ارتكب السرقة في الحرم مثلًا، فتكون العقوبة مماثلة في الكيفية وتُجرى في الحرم نفسه. قد يُتوهم وجود تلازم بين مقدار الاعتداء والمعتدى به، كما لو كان المعتدى به هو الضرب ومقداره خمس مرات، فيكون هناك تلازم واتحاد بينهما في الخارج. والجواب هو أنه إذا كان المعتدى به قابلًا للنقصان والزيادة (كأن يضرب مرة أو مرتين أو ثلاثًا)، فإن إمكانية التلازم موجودة، ولكن يجب الانتباه إلى عدم وجود تلازم بين مقدار الاعتداء وكيفيته. نقطة أخرى هي أنه بالنسبة لمعنى «ما» في عبارة «بمثل ما اعتدى عليه»، يوجد احتمالان: الأول: أن تكون «ما» مصدرية، فتؤول إلى المصدر: «بمثل اعتدائه». الثاني: أن تكون «ما» موصولة، فيمكن حينئذٍ وضع كلمة «شيء» مكانها: «بمثل شيء اعتدى عليه». والمراد من «الشيء» يمكن أن يكون «الحقيقة» (أي بمثل حقيقة فعل اعتدى عليه) أو «الكمية» (أي بمثل كمية فعل اعتدى عليه).

3. آراء الفقهاء حول الآية

يعتقد المحقق النائيني (النائيني، 1373، ج1، ص 283) والمرحوم الإيرواني (الإيرواني، 1406، ج1، ص 98) أن الآية الشريفة ظاهرة في مقدار الاعتداء؛ أي لا يُفهم منها إلا المماثلة في مقدار الاعتداء. وبهذا البيان، لا يمكن جعل الآية الشريفة مستندًا لرأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)؛ لأن هذه الآية لا يمكن أن تكون دليلًا على رأي المشهور إلا إذا كانت ظاهرة في (المعتدى به) أو شاملة له. وقد رد الشيخ الأنصاري هذا القول (أن الآية ظاهرة في مقدار الاعتداء) بعبارة «فيه نظر» (الشيخ الأنصاري، 1415، ج3، ص 218)، ويحتمل في عبارته أربعة احتمالات: 1. أن الآية ظاهرة في خصوص المعتدى به، وهو احتمال بعيد. 2. أن الآية ظاهرة في مقدار الاعتداء وفي المعتدى به معًا، ولا تختص بالمعتدى به. 3. أن الآية تفيد المماثلة في أصل الاعتداء فقط، وليس لها ظهور في المعتدى به ومقدار الاعتداء (راجع: الطباطبائي، 1418، ج14، ص 24). 4. يرى المرحوم الأصفهاني أن الآية أعم وتشمل أصل الاعتداء، والمعتدى به، ومقدار الاعتداء، وكيفية الاعتداء (الأصفهاني، 1418، ج1، صص 362 – 362)؛ لأن كلمة «مثل» مطلقة وتشمل جميع الجهات.

1-3. رأي المحقق الأصفهاني

قسّم المحقق الأصفهاني المماثلة إلى أربعة أنواع: 1. المماثلة المطلقة ومن جميع الجهات؛ أي المماثلة في الذات والصفات والمالية. فمثلًا، إذا تلف بساط، يُسلّم بساط مثله من حيث الخيط والنسيج والنقش الظاهري والقيمة المالية. 2. المماثلة من حيث الذات والصفات؛ فمثلًا يسلم الضامن بساطًا يماثل البساط التالف من حيث الخيط والنسيج والنقش الظاهري، وإن لم تكن له قيمة مالية في السوق. 3. المماثلة من حيث المالية؛ فمثلًا يسلم الضامن ثمن البساط. 4. مطلق المماثلة؛ أي يكفي أي نوع من الأنواع الثلاثة المذكورة. (الأصفهاني، 1418، ج1، ص 364). ويرى المرحوم الأصفهاني أن المماثلة العرفية هي المماثلة من حيث الذات والصفات، وإن كانت أغراض العقلاء (بقطع النظر عن الآية الشريفة) في باب الأموال تتعلق بالجهة والقيمة المالية، وتُراعى المماثلة من حيث المالية، لكن في مقام استظهار معنى الآية، المعتبر هو المماثلة العرفية. وبناءً على ذلك، يرى أن الأظهر في الآية الشريفة هو المماثلة من حيث الذات والصفات، على خلاف الشيخ الأنصاري الذي يرى أن المماثلة العرفية هي المماثلة من حيث الذات والصفات والقيمة (الشيخ الأنصاري، 1415، ج3، ص 218). ويضيف المرحوم الأصفهاني أن لازم فهم المماثلة في الذات والصفات من الآية الشريفة هو أن يعطي المعتدي مثل المال التالف، وإن كانت ماليته وقيمته قد زالت، ولكن بما أن الآية الشريفة في مقام التضمين والتغريم وتهدف إلى إيصال مال إلى المعتدى عليه بدلًا من المال التالف، فيجب على المعتدي، في حال كان مثل المال التالف قد فقد قيمته، أن يدفع بالإضافة إلى المثل، قيمة ذلك المال أيضًا؛ فمثلًا، إذا تلف بساط وبعد سنة تم دفع مثل ذلك البساط (من حيث الذات والصفات) في حين أنه لا قيمة مالية له، لا تبرأ ذمة الفاعل إلا إذا دفع قيمته أيضًا. النتيجة هي أنه طبقًا لرأي الشيخ الأنصاري الذي يرى المماثلة في الآية الشريفة مطلقة، فإن المماثلة في الذات والصفات والمماثلة في القيمة تُستفادان معًا من كلمة «مثل» في الآية الشريفة؛ أما طبقًا لرأي المرحوم الأصفهاني، فإن المماثلة في الذات والصفات تُستفاد من كلمة «مثل»، والمماثلة في القيمة تُستفاد من كون الآية الشريفة في مقام التضمين والتغريم.

2-3. رأي المرحوم الإيرواني وتقييمه

يعتقد المحقق الإيرواني أن آية الاعتداء لا تبيّن الضمان أصلًا حتى تكون مستندًا لرأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)، بل هي في مقام بيان حكم التقاص (الإيرواني، 1406، ج1، ص 98). ويرد الإمام الخميني على هذا القول بأن الشارع المقدس في هذه الآية قد حكم بأخذ مثل ما اعتدى عليه أو قيمته، وهذا الحكم كاشف في نظر العرف عن أن للآخذ حقًا قد اشتغلت به ذمة المأخوذ منه، وهذا هو معنى الضمان؛ بعبارة أخرى، الآية الشريفة تحكم بأن يأخذ المعتدى عليه المال لأن ذمة المعتدي مشغولة به؛ وبتعبير ثالث، الآية الشريفة لا تقول إن الاعتداء مجرد فعل حرام وفي مقابله يمكنكم أنتم أيضًا أن تعتدوا، بل تقول لأنه لكم حق على عهدة المعتدي، يمكنكم أخذ ذلك الحق. إذن، الآية الشريفة ظاهرة في أن ما يؤخذ من مال المعتدي يصبح ملكًا للشخص المظلوم، وهذا الأخذ هو حق ثابت على عهدة المعتدي (الإمام الخميني، 1421، ج1، صص 479 ـ 480). هذا في حين أن التقاص يُطرح في الموارد التي يأخذ فيها شخص مالًا من أموالكم لأي سبب كان ولا يعيده، فيجوز لكم في هذه الحالة أن تأخذوا من أمواله بمقدار المال الذي أخذه منكم، والمال الذي تتصرفون فيه لم يكن لكم قبل ذلك، ولا يصبح لكم بعد التصرف أيضًا، ولكن الأمر في باب الضمان ليس كذلك، فذمة الضامن مشغولة بكلي، والمضمون له مالك لذلك الكلي؛ بعبارة أخرى، قبل التقاص وبعده، لا يلزم ثبوت ملكية للمقتص، أما في الضمان، فالمضمون له مالك لما في ذمة الضامن.

3-3. رأي المحقق الخوئي

يرى المحقق الخوئي أن غاية ما يُستفاد من الآية الشريفة هو أن الشخص المظلوم يمكنه التصرف في أموال الغاصب، أما أن ذلك المال يصبح ملكًا للمتصرف بعد التصرف، فلا يُستفاد من الآية؛ إذ لا تلازم بين جواز التصرف في شيء وبين كونه ملكًا للمتصرف، كما هو الحال فيمن يرى أن المعاطاة تفيد الإباحة، فالتصرف في المال المأخوذ بهذه الطريقة جائز مع أن المتصرف ليس مالكًا لذلك المال (الخوئي، د.ت، ج3، ص 149). يبدو (الأصفهاني، 1418، ج1، ص 363) أن هناك نوعًا من الازدواجية في كلام المرحوم الأصفهاني؛ لأنه من جهة يعتبر الآية الشريفة شاملة لجميع أنواع المماثلة الأربعة، ومن جهة أخرى يقول: المماثلة في الاعتداء ليست مرادة ولا مقصودة، بل ليست جائزة أصلًا؛ أولًا لأنه لو كان أصل الاعتداء هو مقصود الآية، لما كانت هناك حاجة لكلمة «مثل» ولكانت عبارة ﴿فاعتدوا عليه﴾ (البقرة: 194) كافية. ثانيًا، لازم هذا الفهم أن يكون مماثل الإتلاف إتلافًا، ومماثل الشتم شتمًا، ومماثل الضرب ضربًا، وهو أمر غير جائز في الشرع، والشارع المقدس لم يرد ذلك قطعًا. يبدو أنه حتى لو فُهم من الآية الشريفة المماثلة في المعتدى به، فلا يمكن أن تكون مستندًا لرأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)؛ لأنها في هذه الحالة تدل على أنه إذا تلف شيء، يجب دفع مثله، أي ما يماثل التالف في الظاهر، سواء كان ذلك التالف مثليًا أم قيميًا. بعبارة أخرى، الآية الشريفة لها ظهور عرفي في أنه إذا تلف مال، سواء كان مثليًا (كالحنطة) أو قيميًا (كالبساط)، يجب دفع مثله. إذن، الآية الشريفة لها ظهور عرفي في المماثلة في مقدار الاعتداء، وليس لها أي ظهور في المماثلة في المعتدى به، خاصة إذا اعتبرنا «ما» موصولة بمعنى «الشيء» وفسرنا «الشيء» بـ«الكمية» بدلًا من «الحقيقة»؛ لأنه لو كان «الشيء» بمعنى «الحقيقة»، لكان للآية ظهور في المماثلة في أصل الاعتداء (وقد بيّنا إشكاله). الشاهد على هذا القول هو الآية الشريفة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126) التي ورد في شأن نزولها أنه بعد غزوة أحد وشهادة حمزة عم النبي ﷺ والتمثيل به، قال المسلمون: لو ظفرنا بالكفار لمثلنا بأحيائهم؛ أي كانوا ينوون القيام بمرتبة أعلى (التمثيل بأحياء الكفار) مما فعله الكفار، فنزلت الآية وطلبت منهم ألا يفعلوا أكثر مما فعل بهم. وقد بيّن المرحوم الطبرسي معنى الآية كالتالي: فإن أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة والمكافاة فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به ولا تزيدوا عليه (الطبرسي، 1414، ج6، ص 188). بالنظر إلى كلمة «بقدر» وعبارة «ولا تزيدوا عليه» في كلام المرحوم الطبرسي، يتضح أنه فهم المماثلة في المقدار. إذن، لا شك في أن آية الاعتداء ظاهرة في المماثلة في مقدار الاعتداء، ومع الأخذ بالرواية الواردة ذيلها والتي بيّنت أن عقوبة السرقة أو القتل في الحرم يجب أن تُنفذ في الحرم نفسه، يجب ضم المماثلة في كيفية الاعتداء إلى المماثلة في مقداره. حتى الآن، توصلنا إلى نتيجة مفادها أولًا أن آية الاعتداء ليس لها ظهور في المماثلة في أصل الاعتداء والمعتدى به، بقرينة آية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126)، التي هي أيضًا بناءً على شأن نزولها وتصريح بعض المفسرين (كالمرحوم الطبرسي) ظاهرة في مقدار العقوبة. ثانيًا، لو كان لها ظهور في المعتدى به، فإن مدعى المشهور، وهو ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة، لا يثبت، بل يُستفاد من الآية الشريفة أنه أي شيء تلف، يجب دفع مثله، سواء كان المال التالف مثليًا أم قيميًا.

4-3. رأي الإمام الخميني

بيّن المرحوم الإمام ثلاثة مطالب حول آية الاعتداء (الإمام الخميني، 1421، ج1، صص 479 – 482).

1-4-3. المطلب الأول وتقييمه

آية الاعتداء لها ظهور بدوي في التقاص، ولكن يمكن تقديم تقريب للآية يُستفاد منه حكم الضمان الوضعي. توضيح ذلك أن المحقق الإيرواني والمرحوم الخوئي يعتقدان أن الآية الشريفة تدل على حكم تكليفي، وهو جواز الاعتداء في مقابل الاعتداء؛ أي إذا ظلمكم أحد، يمكنكم أن تظلموه في المقابل. إذن، لا يُستفاد حكم الضمان الوضعي من الآية (الإيرواني، 1406، ج1، ص 98 والخوئي، د.ت، ج3، ص 149)؛ ولكن المرحوم الإمام يرى أنه وإن كان للآية الشريفة ظهور ابتدائي في الحكم التكليفي، إلا أنه يمكن استخراج حكم الضمان الوضعي من داخل هذا الحكم التكليفي، ببيان أن عبارة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194) في الآية، تعني أن لكم حق الاعتداء بالمثل، وهذا الحق لا يثبت عرفًا إلا إذا كان قد ثبت مسبقًا في ذمة المعتدي، وأصبحت ذمته مشغولة بهذا الحق، وهذا هو معنى الضمان. الإنصاف أنه لا يمكن استفادة اشتغال ذمة المعتدي من الحكم التكليفي بجواز الاعتداء، وإذا كانت الآية الشريفة تحكم بجواز الاعتداء في مقابل الاعتداء، فهذا لا يدل على أن ذمة المعتدي كانت مشغولة. وهذا المطلب نفسه يخدش الاستدلال بالآية الشريفة لإثبات رأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)؛ لأنه يجب أولًا إثبات دلالة الآية على حكم الضمان الوضعي واشتغال ذمة المعتدي، حتى تأتي النوبة للجواب على هذا السؤال: هل اشتغلت الذمة بالمثل أم بالقيمة؟ وبناءً على ذلك، فإن الأعلام كالمرحوم الإيرواني والمحقق الخوئي الذين لم يستفيدوا حكم الضمان الوضعي من آية الاعتداء، لا يعتبرون هذه الآية مستندًا لرأي المشهور، وهو ما نختاره نحن أيضًا.

2-4-3. المطلب الثاني وتقييمه

المرحوم الإمام، حتى بعد أن استنبط حكم الضمان الوضعي من آية الاعتداء، يعتقد أن هذه الآية لا يمكن أن تكون مستندًا لرأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)؛ لأن هذه الآية واقعة في سياق آيات الجهاد (البقرة: 191 – 194) وتقول: إذا اعتدوا عليكم في الحرب، فاعتدوا عليهم أنتم أيضًا، وبالتالي فإن الاستدلال بها في باب التعدي في الأموال والغصب لا يجري. في الإشكال على هذا القول نقول: أولًا، لا نقبل بأن السياق في القرآن بشكل عام يصلح قرينة، كما أن الآيات قبل وبعد آية التطهير (الأحزاب: 33 – 34) تتعلق بزوجات النبي ﷺ، ولكن آية التطهير لا علاقة لها بهن. ثانيًا، لا يمكن اعتبار آية الاعتداء من الموارد التي يكون فيها السياق قرينة؛ لأنه وإن كانت «الفاء» في ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194) للتفريع، إلا أن هذا المقطع من الآية في مقام بيان ضابطة كلية؛ أي بعد أن بيّن موارد من الاعتداء والمقابلة به (مثل: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (البقرة: 191) و ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (البقرة: 194))، في عبارة ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194)، تطرق إلى بيان ضابطة كلية؛ أي حيثما ظلموكم، يُسمح لكم بالمقابلة بالمثل. إذن، يمكن الاستفادة من هذه الضابطة الكلية في المسائل الفقهية ومنها مسألة تلف وإتلاف المال. كما في آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126)، يقول المرحوم الطبرسي قيل إن هذه الآية تشمل كل أنواع الظلم مثل الغصب و… (الطبرسي، 1414، ج6، ص 605)، أو في آية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) المتعلقة بالصوم، لم يقل أي فقيه باختصاص الآية بالصوم أو بباب العبادات، بل يُستفاد منها في جميع الأبواب، وكذلك آية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).

3-4-3. المطلب الثالث وتقييمه

يقول المرحوم الإمام: على فرض أننا نقبل بأن آية الاعتداء تختص بالحرب بشكل عام، أو أن الحرب هي أحد مصاديق الآية، فلا يمكن قبول أنها تفيد المماثلة في المعتدى به أو مقدار الاعتداء؛ لأن قبول هذا المطلب يستلزم أن تحكم الآية الشريفة بأنه مثلًا إذا أطلق العدو سهمًا واحدًا، فعليكم أن تطلقوا سهمًا واحدًا، أو إذا وجه ضربة إلى يدكم، فعليكم أن توجهوا ضربة إلى يده، ومن الواضح أن مثل هذه المماثلة لا معنى لها في الحرب، وعندما لا يكون للمماثلة في المعتدى به أو مقدار الاعتداء معنى في خصوص الحرب (وهي مورد الآية)، فلا يكون لها معنى في الموارد الأخرى ومنها ضمان المال. إذن، هذه الآية الشريفة تبيّن المماثلة في أصل الاعتداء وتقول: إذا اعتدوا، فمن الجائز أن تعتدوا أنتم أيضًا. وهذا المطلب أيضًا يرد عليه إشكالان: الإشكال الأول هو أن الآية الشريفة لا تفيد المماثلة في أصل الاعتداء؛ لأنها أولًا لو قصدت ذلك، لما كان ذكر كلمة «بمثل» لازمًا، ولكانت عبارة «فاعتدوا عليه» كافية لإيصال المقصود. ثانيًا، لازم هذا الفهم أن يكون مماثل الإتلاف إتلافًا، ومماثل الشتم شتمًا، ومماثل الضرب ضربًا، وهو أمر غير جائز في الشرع، والشارع المقدس لم يرد ذلك قطعًا. الإشكال الثاني هو أن المماثلة في مقدار الاعتداء بالبيان الذي ذكره المرحوم الإمام (سهم مقابل سهم أو ضربة مقابل ضربة) غير مقبولة، بل المعنى الذي بيّنه المرحوم الطبرسي للمماثلة في مقدار الاعتداء في آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126) (الطبرسي، 1414، ج6، ص 606) هو المقبول، ببيان أن الآية الشريفة تقول: لا تعتدوا أكثر مما اعتدوا به، والعرف هو ملاك تشخيص الزيادة والنقصان.

4. خلاصة وبيان الرأي المختار

طُرحت أدلة ومستندات لرأي مشهور الفقهاء القائل بأن ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة. الدليل الأول هو آية الاعتداء، وقد مرّ توضيحها وبيّنا أنه في نظرنا، هذه الآية الشريفة لا علاقة لها ببحث الضمان المثلي والقيمي، وأنها مرتبطة بآيات الجهاد. وعلى فرض أننا نقبل ارتباطها ببحث الضمان المثلي والقيمي، فإننا نرى (كما يعتقد أعلام كالمرحوم الإيرواني والمحقق الخوئي) أن آية الاعتداء لا تفيد حكم الضمان الوضعي؛ لأن الضمان يُطرح حيث يوجد اشتغال للذمة، ومن آية الاعتداء لا يُستفاد اشتغال ذمة المعتدي، والتقريب الذي ذكره المرحوم الإمام لاستنباط حكم الضمان من الآية الشريفة غير تام. إذن، عندما لا تبيّن آية الاعتداء أصل حكم الضمان، فلا يمكن أن تكون مستندًا لرأي المشهور القائل بأن ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة. فهذه الآية (وإن لم نحصرها في الحرب ومسألة التقاص، واعتبرناها جارية في سائر الأبواب والمسائل الفقهية كالأموال ومسألة الغصب) لا تفيد إلا الحكم التكليفي، وليس لها دلالة على حكم الضمان الوضعي.

الهوامش

1. «وقد استدل في المبسوط والخلاف على ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة بقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) بتقريب: أنّ مماثل «ما اعتدى» هو المثل في المثلي، والقيمة في غيره، واختصاص الحكم بالمتلف عدواناً لا يقدح بعد عدم القول بالفصل.» (الأنصاري، 1415، ج3، ص 217).

2. ملاحظة: على الرغم من أن رأي الشيخ الطوسي قد يكون مطابقًا لرأي المشهور (ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة)، إلا أنه يبدو لنا أنه لم يستخدم هذه الآية الشريفة لإثبات رأي المشهور.

قائمة المصادر

– القرآن الكريم.

– الأصفهاني، محمدحسين (1418ق). حاشية كتاب المكاسب، عباس محمد آل سباع قطيفي، (محقق ومصحح) قم: أنوار الهدى.

– الأنصاري، مرتضى (1415ق)، كتاب المكاسب، قم: کنگره جهانی بزرگداشت شیخ اعظم انصاری.

– الحائري، سيد علي (1418ق)، رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل، محمد بهره‌مند، محسن قدیری، کریم انصاری، علی مروارید (محقق و مصحح) قم: مؤسسه آل البيت (ع).

– الطباطبائي الحكيم، سيد محسن (1418ق)، نهج الفقاهة، قم: انتشارات 22 بهمن.

– الطبرسي، فضل بن حسن (1414ق)، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار الفكر.

– الطوسي، محمد بن حسن (1407ق)، الخلاف، علي خراساني، سيد جواد شهرستاني، مهدي طه نجف، مجتبى عراقي (محقق و مصحح) قم: دفتر انتشارات اسلامي.

– _________ (1387ق)، المبسوط في فقه الإمامية، سيد محمدتقي كشفي (محقق ومصحح) تهران: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

– العاملي، محمد بن حسن (1409ق)، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم: مؤسسه آل البيت (ع).

– الغروي النائيني، محمد حسن (1373ق)، منية الطالب في حاشية المكاسب، موسى بن محمد نجفي خوانساري (تقرير) تهران: المكتبة المحمدية.

– الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410ق)، كتاب العين، مهدي مخزومي و ابراهيم سامرائي (محقق ومصحح) قم: هجرت.

– الفيومي، أحمد بن محمد (بي تا)، المصباح المنير، قم: منشورات دار الرضي.

– الكليني، محمد بن يعقوب (1407ق)، الكافي، تهران: دار الكتب الإسلامية.

– المامقاني، محمدحسن (1316ق)، غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب، قم: مجمع الذخائر الإسلامية.

– الموسوي الخميني، سيد روح الله (1421ق)، كتاب البيع، تهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی.

– الموسوي الخوئي، سيد ابوالقاسم (1382ق)، مصباح الفقاهة (المكاسب)، محمدعلي توحيدي (مقرر) نجف: بينا.

– النجفي الإيرواني، علي بن عبد الحسين (1406ق)، حاشية المكاسب، تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي.

Scroll to Top