الملخص
كان همّ فقهاء الإمامية على مرّ القرون الماضية وحتى يومنا هذا هو استنباط الأحكام من خلال الطرق الشرعية المختلفة، حيث يعتمدون تارة على الأدلة الخاصة، وتارة أخرى على الأدلة العامة. ولم يكتفوا بهذين النوعين من الأدلة، بل استخلصوا من خصائص الشارع وأساليبه وسلوكه في التشريع أصولاً تتجاوز القوانين، ورغم أنهم لم يجدوا دليلاً على حكم معين في الفئتين السابقتين، فقد توصلوا إلى اليقين بإثباته أو نفيه.
هذه الأصول لم يستنبطوها من نصوص جزئية؛ بل من مجموع الأحكام، وأطلقوا عليها اسم “مذاق الشريعة”. في فقه أهل السنة، طُرح الاستحسان كأحد طرق الكشف عن الأحكام الشرعية، وهو ما لم يلقَ قبولاً إيجابياً في الفقه الشيعي، حيث نفى فقهاؤه حجيته.
لقد عارض الشيعة الاستحسان؛ ولكنهم وافقوا أهل السنة في بعض المصاديق، ومع أنهم لم يسموها استحساناً، إلا أن ما اعتبروه استثناءً من الحكم الكلي أو تخصيصاً له، يمكن أن يُعدّ مظهراً آخر لبعض تعريفات الاستحسان عند السنة. توصل هذا البحث من خلال المقارنة بين مصطلحي الاستحسان ومذاق الشريعة إلى أنه على الرغم من وجود مشتركات بينهما، إلا أن هناك اختلافات متنوعة تجعل مذاق الشريعة حجة لدى فقهاء الإمامية البارزين ويُستخدم في استدلالاتهم الفقهية.
مقدمة
من المباحث المطروحة منذ القرون الأولى، فهم النصوص والأدلة في عملية الاستنباط، وهو ما أولاه الفقهاء اهتماماً بالغاً؛ إلا أنه كان هناك خلاف دائم بين الفقهاء حول ما إذا كان ينبغي في استنباط الأحكام الاقتصار على النصوص الشرعية بنظرة جزئية، أم أنه بالإضافة إلى ذلك، يجب أحياناً اعتماد نظرة كلية، وفي ضوء الأدلة، التوصل إلى رؤية أوسع، ومن ثم الشروع في استنباط الأحكام.
بعبارة أخرى، هل يجب الاكتفاء بظاهر الأدلة، أم يجب تبيين هذا الظاهر مع الأخذ بعين الاعتبار منهج الشارع ونظرته في المسائل المختلفة، وتقييم مدى توافقه أو عدم توافقه مع الشرع. وقد انقسم الفقهاء في هذا الباب إلى فئتين:
الأولى – الفقهاء الذين جعلوا النصوص الشرعية الجزئية معيار عملهم، ولا يعنيهم توافقها مع المعايير الكلية المستخلصة من منهج الشارع في تشريع الأحكام؛ مثل الرأي الذي ينقله صاحب الجواهر: «إذا سُجن شخص في مكان مغصوب، يجب عليه أن يصلي بنفس الحالة التي سُجن عليها، وإذا فعل غير ذلك، فصلاته باطلة؛ لأن الحركة تصرف في مال الغير وهي حرام» (النجفي، 1365هـ ش، 8: 300)، أو الفتوى التي تفضي إلى أنه إذا اشترى الغابن (المخدوع) سلعة وأجّرها لآخر لمدة طويلة، فعلى الشخص المخدوع عند اختيار الفسخ أن ينتظر حتى انتهاء مدة الإجارة (الأنصاري، 1420هـ، 6: 155).
الثانية – الفقهاء الذين لم يحصروا الملاك والمبنى في ظاهر النصوص فقط، بل تطرقوا إلى آليات أخرى استنبطوها من كلية النصوص والأدلة. هؤلاء اهتموا بمنهج الشارع وطريقته في التشريع، ومن خلال ذلك توصلوا إلى استنباط الأحكام، بل واعتبروه دليلاً أرجح مقارنة ببقية الأدلة. ويمكننا أن نذكر من بين هؤلاء الفقهاء صاحب الجواهر الذي اختار لهذا الدليل الأرجح اسم «مذاق الشريعة».
من ناحية أخرى، من المصادر المعتبرة لدى أكثرية أهل السنة، الاستحسان الذي قبله الحنفية والمالكية والحنابلة؛ حتى نُسب إلى مالك أن الاستحسان يشمل تسعة أعشار العلم؛ ورغم أن بعض فقهاء المالكية خالفوا الاستحسان ولم يقبلوه وأرجعوه إلى أدلة أخرى أو اعتبروه كلاماً لا أساس له ولا دليل عليه (الشاطبي، بلا تا، 1: 105؛ الدسوقي، بلا تا، 3: 479). بالطبع، هناك خلاف حول مالك أيضاً، فالبعض يعتقد أنه لا يوجد أثر في كتب مالك وأتباعه لحجية الاستحسان، وأن من نسبوا إليه القول بالاستحسان كانوا على خطأ (الشوكاني، 1412هـ، 1: 401 – 403).
الشافعية والظاهرية (ابن حزم، بلا تا، 9: 363) يخالفون الاستحسان، وقد انتقد الشافعي أيضاً الاستحسان بشدة في كلامه. ويُنقل عنه قوله: «من استحسن فقد شرّع» (الغزالي، 1417هـ: 171). طبعاً، هناك من يعتقد أن الشافعي قد عمل بالاستحسان خلافاً لما قاله (ابن مفلح الحنبلي، 1400هـ، 6: 151).1
يسعى هذا البحث للإجابة عن هذه الأسئلة: ما هو مقصود فقهاء الإمامية من مذاق الشريعة وما هي أدلة حجيته؟ ما هو مقصود فقهاء أهل السنة من الاستحسان؟ كيف هي نظرة فقهاء الإمامية إلى الاستحسان؟ وفي النهاية، ما هي أوجه الاشتراك والارتباط بين مذاق الشريعة والاستحسان، وما هي أوجه التمايز بينهما؟
دراسة مفهوم الاستحسان في اللغة والاصطلاح
الاستحسان من «الحُسن»، بمعنى اعتقاد حسن الشيء، أو عدّ الشيء حسناً وجميلاً (السمعاني، 1418هـ، 2: 268؛ مجددي البركتي، 1407هـ: 171؛ صدر الشريعة الثاني، 1416هـ، 2: 171)، ورؤيته حسناً (الكاساني، 1982م، 5: 118)، وطلب الأحسن لاتباعه (شمس الأئمة السرخسي، بلا تا، 2: 200). بالنظر إلى أن الآراء حول الاستحسان المصطلح عليه متنوعة جداً، فقد نقل بعض المحققين التعاريف المطروحة من أهل السنة والتي تشمل تعريفات كثيرة (الصابري، 1381هـ ش: 278 – 280).
يعرّف الكرخي الاستحسان بأنه عدول الفقيه في مسألة عن حكمه في نظائرها إلى حكم آخر مخالف له؛ لوجه في الدليل أقوى من الدليل الأول (الآمدي، 1404هـ، 4: 164). لا يمكن اعتبار هذا التعريف تعريفاً صحيحاً للاستحسان؛ إذ يمكن اعتبار الدليل الأول عاماً أو مطلقاً أو منسوخاً، والدليل الثاني مخصصاً لذلك العام، أو مقيداً لذلك المطلق، أو ناسخاً لذلك المنسوخ. وقد أشار الآمدي من أهل السنة إلى هذه النقطة نفسها (نفس المصدر).
هذا التعريف يتوافق مع ما هو موجود في الفقه الشيعي بعنوان التخصيص أو التقييد من باب الظهور الأقوى؛ لأن هنا دليلين أحدهما مقدم على الآخر. قد يكون تقديم دليل على دليل آخر إما لوجود جامع موضوعي بينهما، أو لأن أحدهما نص والآخر ظاهر، أو الأول ظاهر والثاني أظهر، وهو ما يسمى بالجمع الحكمي، أو أن الدليلين متعارضان في مقام التعارض وأحدهما من حيث السند أو الدلالة أقوى من الآخر (جناتي، 1370: 311).
المالكية، يعتبرون الاستحسان ترك دليل لدليل آخر، وهذا الدليل الآخر يمكن أن يكون مصلحة، أو عرفاً، أو إجماع أهل المدينة، أو تيسيراً لرفع الحرج وتوسعة على العباد (ابن عربي، 1420هـ، 1: 131). هنا، يجب أن يكون ما يُترك أضعف دلالة من الدليل الذي يُختار؛ وإلا فلا مبرر لترك الدليل الأول. وبالتالي، يمكن اعتبار الدليل الثاني أظهر من الدليل الأول.
البعض فسر الاستحسان بمعنى ترك القياس، وهذا الترك للقياس يمكن أن يكون له أسباب. قد يكون هذا الترك للقياس بسبب أمر يجلب تيسيراً أكبر للناس (مجددي البركتي، 1407هـ: 171)، أو لوجود قياس أقوى في مقابله (الشوكاني، 1412هـ، 1: 401)، أو لوجود نص صريح أو قول صحابي في مقابله لا يمكن العمل بالقياس معه (آل تيمية، بلا تا، 1: 402)، أو أن القياس المتروك جلي وواضح؛ ولكن القياس الذي يقابله خفي ومستتر يُتوصل إليه بالتدقيق والبحث (صدر الشريعة الثاني، 1416هـ، 2: 174).2
وقد أورد البعض في تعريف الاستحسان: دليل ينقدح في نفس المجتهد ولا يقدر على إظهاره؛ لأنه لا يجد عبارة تعبر عنه (الغزالي، 1417هـ: 173). بالطبع، لا أحد يقبل أن يكون اختيار هذا الدليل مبنياً على الهوى. فإذا كان الانقداح الوارد في تعريف الاستحسان بمعنى الثبوت، فلا يبقى مجال للتشكيك؛ لأنه يجب على المجتهد أن يعمل بهذا الدليل الذي حصل له وتيقن به، وكونه غير قادر على بيانه لا يضر بقطعه ويقينه. أما إذا كان المقصود أنه حصل له شك، ففي هذه الحالة شكه غير مفيد ولا مجال للعمل به (راجع: صدر الشريعة الثاني، 1416هـ، 2: 171).
ما هو مشترك في التعريفات المذكورة، باستثناء التعريف الرابع، هو أنه في جميعها ورد نوع من العدول والانصراف عن دليل ما. لذا، يجب أن يتضمن التعريف هذا العدول أو ما يؤدي إليه. الدليل الأول الذي عُدل عنه يمكن أن يكون أشياء مختلفة مثل القياس، أو النص العام، أو الحكم الكلي؛ وبالتالي يمكن اعتبار الدليل الثاني استثناءً من الدليل الأول.
النقطة الثانية هي أن هذا العدول يجب أن يكون له مرجِّح. بعبارة أخرى، الدليل الثاني الذي يُعدل إليه يجب أن يكون له وجه للترجيح. وهذا الوجه للترجيح قد يكون متنوعاً. النقطة المشتركة الثالثة هي أنه في جميعها ذُكر دليل آخر يقابل الدليل الأول؛ وكأن بين هذين الدليلين تعارضاً ابتدائياً.
الأمثلة التي ذكرها فقهاء أهل السنة للاستحسان يمكن أن تُظهر هذه العناصر الثلاثة المذكورة. مثال أول: يقتضي القياس أن يكون بيع السلم غير صحيح؛ لأن ما يُعقد عليه العقد غير موجود وقت العقد؛ أي أن العقد ينعقد على شيء لا محل له ولا موضع له، وكل بيع بهذه الصورة غير صحيح. لذا، فإن ترك هذا القياس يرجع إلى وجود نص في بيع السلم، حيث قال النبي ﷺ: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (ابن أمير الحاج، 1417هـ، 3: 295).
مثال ثانٍ: اعتبر البعض وقف الشخص السفيه على نفسه صحيحاً من باب الاستحسان. يقتضي القياس عدم صحة مثل هذا الوقف؛ لأن الوقف يُعد من التبرعات، والشخص السفيه ليس له أهلية للتبرع؛ ولكنه يستطيع فعل ذلك عن طريق الاستحسان. وسبب منع السفيه من التصرف في أمواله هو ألا يضيع ماله وألا يصرفه فيما لا يرضى به الشارع، حتى لا يصبح في النهاية عالة على الآخرين. ولكن إذا وقف هذا المال على نفسه، فإنه يحفظ ماله، وفي هذه الحالة لن يكون عالة على الآخرين. إذن، فإن مقصود الحجر عليه يتحقق. فبنظرة استحسانية، يكون مثل هذا الوقف صحيحاً (درار بشير، بلا تا: 406).
نقل أبو إسحاق الشيرازي عن الكرخي كلاماً أسماه استحساناً، فيقول في هذا الصدد: الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة يرون أن القياس على أصل يخالف القياس ليس صحيحاً؛ إلا إذا ثبتت علته بنص، أو إجماع، أو أصل آخر موافق لذلك القياس، ويسمون مثل هذا القياس استحساناً (أبو إسحاق الشيرازي، 1406هـ: 294). على الرغم من أن التفسيرات التي نقلها عن أصحاب أبي حنيفة في بحث الاستحسان لا تشير صراحة إلى هذا الكلام المتقدم (نفس المصدر: 324-329).
هنا الحديث عن أصل يخالف القياس، فهل يمكن القياس على هذا الأصل المخالف للقياس أم لا؟ في هذه الحالة، يمكن تسمية العدول عن القياس الأول والتوجه إلى القياس الثاني لوجود مرجِّح فيه استحساناً. بهذا التعريف، يفصل هذا الرأي الاستحسان عن الأدلة الأخرى ويجعله أصلاً مستقلاً.
بالطبع، هذا الاعتقاد صحيح بأن فقهاء المذاهب وسعوا هذا الرأي من الاستحسان واستخدموه في مواضع أخرى أيضاً. بالنظر إلى اتساع بحث الاستحسان وتطبيقاته المتنوعة، إذا عدلنا عن التعريف المذكور الذي يمكن اعتباره من أولى استخدامات الاستحسان، واخترنا تعريفاً أوسع للاستحسان، يمكننا أن نميل إلى الرأي الذي توصل إليه الصابري من مجموع آراء أهل السنة حول الاستحسان.
في توضيح ذلك، يمكن القول: إنه بعد بيان الآراء حول الاستحسان، يكتب: إذا عرضت مسألة يقتضي فيها عموم النص أو القياس الاصطلاحي أو تطبيق الحكم الكلي الشرعي حكماً خاصاً، ولكن من وجهة نظر المجتهد، هذه المسألة أو الحالة الجديدة لها ظروف وقرائن تجعل تطبيق الحكم أو عموم النص أو مقتضى القياس المصطلح والقاعدة الأولى أو تطبيق الحكم الكلي الشرعي يؤدي إلى تفويت مصلحة أو جلب مفسدة، فإن المجتهد يعدل عن الحكم الذي يقتضيه عموم النص والقياس المصطلح والحكم الكلي الشرعي إلى حكم آخر مستند إلى دليل أيضاً. هذا الحكم قد يكون تخصيصاً لعموم النص، أو استثناءً من الحكم الكلي الشرعي، أو قياساً خفياً غير متبادر في مقابل قياس جلي. في كل من هذه الحالات، يُسمى هذا العدول استحساناً (الصابري، 1381هـ ق: 293).
تأييداً لهذا الرأي، يمكن نقل كلام الفقهاء. يكتب ابن عربي في تعريف الاستحسان: «الاستحسان هو ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والرخصة لمعارضة ما يعارضه في بعض مقتضياته» (ابن عربي، 1420هـ، ج1، ص 132). بوضوح، يمكن بيان هذا الرأي بأنه في المذهب المالكي، الاستحسان هو بمعنى الاستثناء من القواعد الكلية. ويمكن ضم كلام الشاطبي في هذا الصدد، حيث يرى أن الأجير المشترك يُضمَّن لمصلحة، ويشير إلى الاستحسان، ولا يعتبره من مصاديق المصالح المرسلة. ويكتب: «المالكية يعتبرون الاستحسان استثناءً من القواعد، بخلاف المصالح التي ليست كذلك» (الشاطبي، بلا تا، 2: 141).
تاريخ الاستحسان ونظرة المذاهب إليه
هناك خلاف بين المحققين حول من استخدم الاستحسان لأول مرة. يعتقد البعض أن أول شخص هو أبو حنيفة، ومنذ زمنه فصاعداً، أخذ الاستحسان مكانه تدريجياً كدليل إلى جانب الأدلة الأخرى.3 وينقل الصابري رأياً يرى أن الاستخدام الرسمي للاستحسان كان لأول مرة على يد أبي يوسف (الصابري، 1381: 277).
بالرجوع إلى كتاب محمد بن الحسن الشيباني، يُفهم أنه استخدم لفظ الاستحسان بكثرة في كتابه. على سبيل المثال، استخدم في مواضع من كتبه لفظ «أستحسن» (الشيباني، بلا تا، 1: 71 و3: 383 و389 و5: 73)، وفي بعض المواضع يكتب بوضوح أكثر: «أستحسن وأدع القياس فيه» (نفس المصدر، 4: 256 و5: 73، 117 و202).
في هذا الصدد، قد لا يمكن الحكم بدقة بأن أبا يوسف سبق الشيباني؛ لأن أبا يوسف القاضي والشيباني متقاربان ولم يفارقا الحياة إلا بفارق بضع سنوات. ويُظهر التحقيق أن قبل هذين الاثنين، استخدم إياس بن معاوية القاضي لفظ الاستحسان (وكيع، بلا تا، 1: 341). وتوجد آراء أخرى في هذا الشأن؛ تفيد بأن عبد الله بن عمر كان أول من استخدم الاستحسان (جناتي، 1370: 314).
المهم أنه يمكن إرجاع الاستحسان وزمن استخدامه إلى عصر الصحابة؛ وإن لم يصرحوا بالاستحسان بوضوح؛ حيث نُقلت فتاوى عن صحابة النبي ﷺ وحُملت على الاستحسان (ابن قدامة، 1405هـ، 6: 172 و173).
الحنابلة أيضاً يؤمنون بالاستحسان. ورغم اختلافهم في بعض معاني الاستحسان مع المذاهب الأخرى، إلا أنهم يقبلون معنى العدول عن دليل إلى دليل آخر. يرى ابن قدامة أن الاستحسان بمعنى العدول في حكم مسألة عن نظائرها، لدليل خاص من الكتاب والسنة، حجة، ويرى أن مذهب أحمد بن حنبل على هذا النحو. إذن، في الاستحسان، يُعدل عن حكم إلى حكم آخر له أولوية بالنسبة للحكم الأول (ابن قدامة، 1399هـ، 1: 167).
على الرغم من أنه ذُكر سابقاً أن الشافعي من أشد المعارضين للاستحسان، إلا أنه بقليل من الدقة يتضح أنه أيضاً كان مصاحباً للاستحسان بطريقة ما. بالطبع، يمكن اعتبار معارضته لبعض معاني الاستحسان محرزة، وذلك عندما يُفسر الاستحسان بمعنى اتباع دليل على أساس هوى النفس أو رغبات القلب. في هذه الحالة، حتى الحنفية أنفسهم ينكرون هذا المعنى. إذن، بالنظر إلى بعض أقوال الشافعي، يثبت إيمانه بالاستحسان (الزركشي، 1421هـ، 4: 394).
وأتباعه، باستخدامهم للقواعد، قبلوا الاستحسان الذي يعني الاستثناء من القواعد؛ وإن لم يعترفوا بذلك. على سبيل المثال، يعتقد الجويني أن وضع الدية على عاتق العاقلة هو من الاستثناءات التي وضعها الشارع على القاعدة الكلية «كل متلف أو متجاوز أو ضامن فهو ضامن» (الجويني، 1418هـ، 2: 642). ويذكر العز بن عبد السلام أيضاً في مواضع من كتابه مستثنيات من قواعد الشرع، ويعتبر أشياء مثل الحاجة الشديدة ورفع المشقة والمداراة مع الناس من أسباب هذا الاستثناء (ابن عبد السلام، بلا تا، 2: 108 و138).
إذن، يتضح أنه على الرغم من وجود اختلاف في تسمية الاستحسان بين المذاهب، إلا أنهم في أصل البحث والمفهوم يشتركون. يمكن أن يُعزى سبب إعراض بعض الفقهاء إلى فهمهم للاستحسان. فكما شوهد سابقاً، عارض الشافعي أبا حنيفة واعتبر الاستحسان تلذذاً أو ما شابه، أو ما ينقله الزركشي في هذا الصدد أنه إذا اتضح المقصود من الاستحسان، لانتهت الدعاوى (الزركشي، 1421هـ: 387)، يبدو صحيحاً.
وفي نهاية هذا البحث، يمكن الإشارة إلى كلام الشاطبي الذي يكتب: من يستحسن لا يرجع إلى ذوقه وهواه، بل يرجع إلى ما فهمه من مقصود الشارع. يريد الفقيه امتثالها؛ مثل المسائل التي يقتضي فيها القياس أمراً يؤدي من جهة إلى فوات مصلحة أو حدوث مفسدة (الشاطبي، بلا تا، 4: 206).
دراسة مسائل من الفقه الإمامي بنظرة إلى استحسان أهل السنة
من المشهور بين الشيعة أن الاستحسان ليس بحجة ولا يمكن الاعتماد عليه؛ لأنه من الأمور الظنية ولم يرد دليل على حجيته، وفي معظم المواضع أشاروا ضمنياً إلى فساد الاستحسان (الطوسي، 1387هـ، 8: 101؛ ابن إدريس الحلي، 1411هـ، 3: 544؛ العلامة الحلي، 1413هـ، 7: 55).
إذا ألقينا نظرة مرة أخرى على بعض المصاديق التي طُرحت في كتب الأصول، نصل إلى نتيجة أن بعض المصاديق المطروحة في كتب الشيعة يمكن أن تتطابق مع بعض مصاديق الاستحسان؛ على الرغم من أن فقهاء الشيعة لم يذكروها بعنوان الاستحسان.
تطرق السيد المرتضى في كتابه إلى مباحث التخصيص وطرح عناوين مثل «التخصيص بأخبار الآحاد» (علم الهدى، 1346، 1: 280)، «تخصيص العموم بالقياس» (نفس المصدر: 283)، «تخصيص العموم بأقوال الصحابة» (نفس المصدر: 288)، «تخصيص العموم بالعادات» (نفس المصدر: 306) و«تخصيص العموم بمذهب الراوي» (نفس المصدر: 312)، وبحث في كل عنوان. ويشير في هذا الصدد إلى ملاك كلي ويكتب: «كل ما هو حجة في ذاته، لا مفر من تخصيص العموم به، والاختلاف فقط في التسمية أو في وقوعه» (نفس المصدر: 279).
وبعده، تطرق فقهاء آخرون مثل الشيخ الطوسي (الطوسي، 1417هـ، 1: 339 – 365)، والمحقق الحلي (المحقق الحلي، 1403هـ: 95 و96) والعلامة الحلي (العلامة الحلي، 1404هـ: 140 – 148) إلى هذه المباحث بتصرفات. وتناول فقهاء أيضاً مباحث مثل تخصيص العام بالمفهوم (العراقي، 1405هـ، 1-2: 546).
إذن، بشكل عام، ذكر فقهاء الشيعة التخصيص الذي يُسمى في ثقافة مذاهب أهل السنة بعض أنواعه استحساناً. بالطبع، من الواضح في الفقه الشيعي، كما ذكر السيد المرتضى، أن دليل المخصص يجب أن يكون دليلاً معتبراً؛ وإلا فلن يتحقق هذا التخصيص.
أول من يدخل في بحث الاستحسان ويتناوله هو الميرزا القمي. يتناول الميرزا القمي أولاً رأي الشيعة حول الاستحسان ويكتب: الاستحسان هو أن يستحسن المجتهد بطبعه أو عادته شيئاً وما شابهه مع عدم وجود أمارة شرعية، وهذا الاستحسان باطل؛ لأنه لا دليل عليه، ولأنه لا يفيد الظن بالحكم الشرعي. وقد ثبت هذا بالإجماع والأخبار الإمامية (الميرزا القمي، 1303هـ، 2: 85). هذا الفهم للاستحسان كان من التعريفات التي لم يقبلها أهل السنة أنفسهم وكانوا يعتقدون أنه لا يجوز اختيار شيء بدون دليل.
ثم يتجه إلى تعريف آخر للاستحسان ويكتب: المناسب لطريقة العامة هو أن يكون المقصود من هذا التعريف، العدول عن حكم دليل شرعي إلى عادة لم يعتبرها الشرع؛ وإلا فإن الحكم استناداً إلى عادة معتبرة من وجهة نظر الشرع لا يُعد استحساناً مردوداً. ومن هذا النوع عدول عن مقتضى قاعدة الإجارة في الذهاب إلى الحمام دون تحديد مدة البقاء فيه، أو كمية الماء المستهلك (نفس المصدر: 85 و86).
إذا تم البحث في كتب الفقه، تُشاهد حالات عدل فيها فقهاء الشيعة عن دليل إلى دليل آخر؛ وإن لم يسموا هذا العدول استحساناً. يوضح الفاضل الآبي في حد القذف هذه الفتوى للمحقق: إذا قال شخص لمسلم: يا ابن الزانية، بينما كانت أمه كافرة، فإن الأشبه بالأصول هو أن يُعزّر. ويكتب: «بما أنه يجب في القذف الكفاءة (التماثل في الدين) أو أن تكون درجة ورتبة المقذوف أعلى من القاذف، يلزم أن يُرفع الحد ويُعدل إلى التعزير؛ لأنه يُعد إيذاءً لشخص مسلم» (الآبي، 1417هـ، 2: 564). إنه يتحدث عن العدول ويحول العقوبة من الحد إلى التعزير، ودليل هذه النقطة، أي التحول إلى التعزير وعدم إسقاط التعزير أيضاً، هو إيذاء المسلم الذي تحقق ضمن القذف.
يستحب المحقق الحلي أن يضع الغاسل يده على الميت عند الغسل، وإذا سبب هذا العمل مشاكل، لكون الميت محترقاً وما شابه، يكتفي بصب الماء (المحقق الحلي، 1364هـ ش، 1: 268). ويقول في تتمة كلامه: «إمرار الماء باليد مستحب وفصل جلد الميت ممنوع. إذن، يُعدل إلى عمل يؤمن به سلامة الجسد من التناثر» (نفس المصدر).
يقول العلامة الحلي، فيمن يبدأ صلاته بالتيمم ثم يجد الماء في أثناء الصلاة، يفتي بأن يكمل صلاته وصلاته صحيحة (العلامة الحلي، 1414هـ، ج2، ص211). ويذكر في تتمة كلامه فروعاً وفي أحدها يكتب: الأقرب عندي أنه إذا كان الوقت واسعاً، فإن العدول إلى النافلة مستحب، ويمكن العثور على هذا الرأي في آراء الشافعية؛ لأننا نجوّز للشخص العدول إلى النافلة لتدارك فضيلة الأذان وصلاة الجماعة، وهنا العدول إلى النافلة أولى (نفس المصدر). هل هذا العدول سوى استحسان يعتقده أهل السنة؟
يوجه العلامة الحلي في موضع آخر الكلام نحو هذا المطلب: شخص غير قادر على تعلم الفاتحة ويبدأ صلاته بالأذكار، فإذا تمكن بعد الركوع من تعلمها، يكتب: الأقرب عندي هو احتمال استحباب العدول إلى صلاة النافلة؛ لأنه ثبت أنه لتدارك سورة الجمعة يمكن تحويل الصلاة إلى نافلة؛ مع أن سورة الجمعة واجبة. إذن، تدارك الواجب [القراءة] أولى (نفس المصدر، 3: 139).
بشكل أوضح، يمكن رؤية مصداق من استحسان أهل السنة في نقل يرويه صاحب الجواهر عن الشهيد الأول. يقول: من القواعد التي يعتقدها الفقهاء أنه لا مسؤولية بوضع اليد على الحر؛ لأن وضع اليد على ما لا يُعد مالاً لا أثر له في المسؤولية، وأنا أستثني من هذه القاعدة ثلاثة أشياء: مسألة الداية، ومسألة من يدعو آخر ليلاً إلى خارج البيت، ومسألة هلاك طفل غصبه شخص ما؛ كأن يلدغه ثعبان أو ما شابه (النجفي، 1365، 43: 84).
كذلك البحراني من الفقهاء الأخباريين، في تبرير بحث أنه إذا استأجر شخص نائباً وقال له أن يذهب من طريق معين، ولكن النائب خالف وذهب من طريق آخر للحج، فإذا أدى الأعمال بشكل صحيح، برئت ذمته، يكتب: «يمكننا القول إن هذا الحكم مستثنى من قواعد الإجارة» (البحراني، بلا تا، 14: 271). بالطبع، بناءً على قواعد الإجارة، إذا شُرط في الإجارة شرط وخالفه الأجير، فإنه لا يستحق الأجرة. وهنا ينقل صاحب الحدائق رواية حكم فيها بصحة الإجارة.
لقد تقارب الشيعة وأهل السنة في مواضع في مبحث الاستحسان، ومن الضروري الإشارة إليها:
أولاً – كما ذُكر، من المعاني التي أوردها أهل السنة للاستحسان، العمل بالدليل الأقوى. وقد تناول الشيعة هذا الأمر في بحثي التعارض والتزاحم. وقد قام الحكيم بتقسيم في هذا الشأن، حيث يرى الفقيه أحياناً الاختلاف بين دليلين من حيث اللفظ. في هذه الحالة، يمكن أن يكون لهذا الاختلاف منشأ متنوع. المنشأ الأول هو التزاحم في مقام الامتثال، حيث لا يمكن الجمع بين دليلين مقدورين أو لدينا دليل خارجي يمنع الجمع بين الدليلين.
هنا يجب العمل بالمرجحات مثل تقديم المضيق على الموسع، وتقديم ما لا بدل له على ما له بدل، وتقديم المعين على المخير، وتقديم ما هو مشروط بالقدرة العقلية على ما هو مشروط بالقدرة الشرعية، وتقديم الأهم على المهم، وتقديم الأسبق زماناً وما شابه (الحكيم، 1979م: 64 – 66). وفي مواضع أخرى، يبدو في البداية تعارض بين دليلين يزول بالتدقيق؛ مثل العام والخاص حيث يقيم العرف بينهما التوافق والجمع. وتقديم الدليل الحاكم على المحكوم، والناسخ على المنسوخ من الأمور المقبولة، وأحياناً يكون خبر له مرجِّح على الآخر، حيث يمكن اعتبار الموافقة مع الكتاب والمخالفة مع العامة من المرجحات (نفس المصدر: 367 – 369).
ثانياً – أحياناً يعتبر الشيعة العرف والمصلحة معتبرين؛ وإن كان يجب أن تكون لهما شروط خاصة مثل الاتصال بزمن المعصوم ﷺ وما شابه.
ثالثاً – الضرورة أيضاً من المسائل الأخرى التي يمكن أن يكون لها تطبيقات في الفقه الشيعي، وهذه الضرورة قد تكون شرعية وأحياناً عرفية، وفي أمثلة استُندت الأحكام إليها؛ مثل أن المعتكف يحرم عليه الخروج من المسجد؛ ولكن لصلاة الجمعة، لأنها من ضروريات الشرع، قيل إنه يمكنه الخروج (الصدر، بلا تا: 538؛ الفياض، بلا تا، 5: 258).
النتيجة هي أنه على الرغم من معارضة الشيعة للاستحسان، إلا أنهم في بعض المصاديق يتوافقون مع أهل السنة؛ وإن لم يسموها استحساناً. ولكن ما قبله أهل السنة بعنوان استثناء من الحكم الكلي أو تخصيص لأدلته، يمكن اعتباره مظهراً آخر لبعض تعريفات الاستحسان السني. إذن، يمكن استنتاج أن الشيعة يشتركون مع أهل السنة في بعض مواضع الاستحسان؛ وإن كان الشيعة في معظم المواضع التي ادعى فيها أهل السنة الاستحسان قد عارضوه.
مذاق الشريعة في اللغة والاصطلاح
المذاق، مصدر ميمي أو اسم يعني المزة، والطعم، والتذوق. وهو مصدر للفعل «ذاق – يذوق»، وله مصدران آخران هما «ذوق» و«ذواق» (الفراهيدي، 1410هـ، 5: 201)، وقد جاء أيضاً بمعنى «الإدراك» (الجوهري، 1407هـ، 4: 1479 – 1480). ويكتب أحمد بن فارس في هذا الصدد: «الذوق، بمعنى المعرفة الكاملة بالشيء وإدراك حقيقته من حيث المزة والطعم» (ابن فارس، 1404هـ، 2: 364).
ويعتبر الطريحي الذوق قوة إدراكية قادرة على فهم الدقائق والجماليات الخفية في الكلام (الطريحي، 1408هـ، 2: 111). ومن اللغويين الآخرين من يعتبر هذه الكلمة بمعنى إدراك أصل ومزة الشيء بمقدار قليل، وفي المواضع التي تكون فيها التجربة كثيرة، يُستفاد من لفظ «الأكل» (مرتضى الزبيدي، 1414هـ، 13: 157).
ويقدم صاحب المعجم الوسيط توضيحاً أكثر من الطريحي، فيكتب: المقصود بالذوق، هو الحس الذي يُنظم بواسطة جهاز في الفم ومركزه اللسان ويميز خصائص الأجسام التي لها طعم. وفي الأدب الفني، المقصود بالذوق هو الحس المعنوي الذي يسبب انشراح الروح أو انقباضها، عند التدقيق في أثر من الآثار العاطفية أو الفكرية. وعندما يُقال: فلان له ذوق جيد في الشعر، فالمقصود أنه على دراية بفنون الشعر ونقده (مجمع اللغة العربية، 1410هـ، 1: 318).
مذاق الشريعة في الاصطلاح، يعني إدراك أسلوب ونهج وطريقة الشارع في تشريع الأحكام في موضع لا يوجد فيه دليل ظاهر وقطعي للاستناد إلى الحكم؛ ولكن بما أن الحكم يتناسب مع طريقة الشارع في تلك الأحكام، يتضح حكم المسألة (عليشاهي قلعه جوقي وناصري مقدم، 1390: 162).
سيرة مذاق الشريعة في الفقه الإمامي
يعتقد البعض أن صاحب الجواهر هو أول من استخدم هذا المصطلح (حكمت نيا، 1385: 12)؛ ولكن هذا لا يبدو صحيحاً؛ لأنه قبله، استخدم صاحب مفتاح الكرامة، السيد جواد العاملي، هذا المصطلح، وبعده، استخدمه النجفي بكثرة. وبعد النجفي أيضاً، استخدم الفقهاء هذا المصطلح على نطاق واسع، وستُذكر أمثلة منها.
يروي العاملي في بحث «اللقطة» مسألة عن العلامة: إذا تنازع شخصان (ملتقطان) في أخذ طفل لقيط، يُقدَّم من أخذه أسرع؛ ولكن إذا وصلا معاً، ففي هذه الحالة، في تقديم الحضري على القروي، والقروي على الصحراوي، والشخص القادر على العاجز، ومن ظهرت عدالته على من لم تظهر عدالته، نظر (الحسيني العاملي، 1375هـ، 6: 90). وهنا ينقل آراء الفقهاء وفي النهاية يوضح رأيه هكذا: في روايات باب اللقطة، ما هو موجود هو أن اللقيط لا يُشترى ولا يُباع (الحر العاملي، 1414هـ، 17: 300) ولا شيء عن أن من وصل أسرع أو أن المسلم يُقدَّم على الكافر؛ بل أكثر من ذلك، لا توجد رواية عن وجوب الالتقاط أو استحبابه.
وقد استنبط الفقهاء الوجوب من قواعد وقوانين أخرى. يقول الفقهاء: الالتقاط لحماية الطفل، والعقل والعرف ومذاق الشريعة يقتضون أن من هو أقدر على حفظ النسب والحرية وإيصال الطفل إلى أهله ورعايته وأكثر عطفاً عليه، هو الأجدر. في الحقيقة، يشير إلى أن مذاق الشريعة، شأنه شأن الأدلة اللبية الأخرى، يمكن أن يكون مستنداً للحكم؛ ولكن يبدو أن هناك إشكالاً في رأيه.4
يرى أن هذا الأمر من مذاق الشريعة. وقد استنبط الفقهاء الوجوب من القواعد والأدلة اللفظية. ويقولون إن الالتقاط لحفظ الطفل. والعقل والعرف ومذاق الشريعة يريدون أن يكون الشخص الأقدر على حفظ النسب والحرية وإيصال الطفل إلى أهله ورعايته، هو الأجدر بذلك (الحسيني العاملي، 1375هـ، 6: 91).
هنا، يمكن القول إن مذاق الشريعة ينبع من اهتمام الشارع بالطفل؛ لأن الشخص القادر يمكنه توفير راحة أفضل لهذا الطفل، والشارع لم يتجاهل هذه النقطة. إذن، يمكن اعتبار منشأ هذه الرغبة من الشارع هو اهتمام الشارع نفسه بهذه المسألة. والنقاط التي يرشدنا إليها العاملي هنا يمكن طرحها على النحو التالي:
أولاً – في هذا الخلاف بين الفقهاء، لا يوجد دليل من الروايات يمكن الاستدلال به وجعله أساساً للفتوى.
ثانياً – هو يتحدث عن قواعد وضوابط تتضح إلى حد ما من كلامه التالي؛ لأنه يشير إلى هدف تشريع الالتقاط وهو حفظ ورعاية الطفل. إذن، الهدف هو رعاية الطفل.
ثالثاً – هو يستخدم الترجيح في صفات الملتقط من مذاق الشريعة والعرف والعقل؛ وكأنه يريد أن يفهم أن مذاق الشريعة استراتيجية للوصول إلى الهدف، وهو رعاية الطفل. ويمكن القول: إن مذاق الشريعة يتماشى مع أهداف الشريعة وهو طريق لتنفيذ وتحقيق أهداف الشارع.
إذن، يمكن من وجهة نظر العاملي تعريف المذاق هكذا: المذاق، هو عبارة عن القواعد والضوابط والآليات التي وُضعت لتأمين أهداف الشريعة وتنفيذها على أفضل وجه. ورغم أنه يبدو أن هذا الرأي للعاملي فيه إشكال؛ لأن هذه القواعد والضوابط التي يتحدث عنها هي من العوامل المكونة لمذاق الشريعة وليست هي نفسها.
ظهور الملاك لحجية مذاق الشريعة
منذ القدم، كان ظهور الكلام حجة للفقهاء والأصوليين، وحجية الظواهر هذه من الأمور التي اتفق عليها العقلاء في محاوراتهم وبنوا عليها أمرهم، وبما أن الشارع لم يختر طريقاً ومنهجاً خاصاً، فهذا يدل على أنه أيضاً اتبع هذا المنهج العقلائي. وهذه المسألة كانت واضحة لدرجة أن بعض الفقهاء أخرجوها من قائمة المسائل الأصولية واعتبروها من الأصول المسلم بها (الخوئي، 1417هـ، 2: 117 و118).
نماذج من الظهورات في مذاق الشريعة
يمكن اعتبار مذاق الشريعة دليلاً على الظهورات؛ لأن كثيراً من الحالات تحدث يمكن فيها بمساعدة مذاق الشريعة الوصول إلى ظاهر الرواية واعتبار تلك الرواية حجة. إذن، يمكن القول إن مذاق الشريعة له دور كبير في صناعة ظهور الروايات، وفي هذه الحالة، من باب الظهورات، يكون مذاق الشريعة حجة.
على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى رأي السبزواري بأنه إذا ارتد شخص ثم وجب عليه قضاء بعض أعماله، ففي حالة التوبة، يجب عليه قضاء هذه الأعمال (الفاضل اللنكراني، 1418هـ، 48: 694). وفي رده على من يعتبرون قضاء أعمال هذا الشخص عبثاً، لأن توبة المرتد الفطري لا تُقبل، يرى أن هذا بعيد عن مذاق الشريعة، أن يُقال إن قضاء أعماله قد سقط عنه، ومن ظهور الروايات يُستنتج أن توبته لا تُقبل فقط من حيث رفع القتل؛ ولكن من جهات أخرى، يمكن اعتبار وجوب قضاء الأعمال من بينها. أن يقال إنه يجب عليه أداؤها. من ظهور الروايات، لا يُستنتج أن التوبة في قضاء هذه الأعمال أيضاً لا أثر لها وأنه لن يكون عليه أي تكليف (نفس المصدر: 694 و695).
ما استخلصه من مذاق الشريعة ليس إلا تلك الظهورات التي استنبطها من الروايات. وفي هذا الصدد، يمكن ذكر مثال آخر أشير إليه سابقاً، وهو في رواية يُحتمل فيها كراهة الاحتكار. قيل إن معظم فقهاء الشيعة يعتبرون الاحتكار حراماً، وقد وردت روايات كثيرة أيضاً عن حرمة الاحتكار.
هناك رواية عن الحلبي في هذا الشأن يسأل فيها الإمام عن حكم الاحتكار، فيقول الإمام عليه السلام: «إذا كان ذلك الطعام كثيراً بين الناس والناس في سعة منه، فلا بأس؛ ولكن إذا قلّ، بحيث يقع الناس بسببه في ضيق وعسر، ففي هذه الحالة يكره أن يحتكر شخص هذا الطعام ويترك الناس في حالة جوع» (الحر العاملي، 1414هـ، 17: 424).
يقترح الإمام الخميني رحمه الله أن نكف عن الأخذ بظهور لفظ «يكره» في الكراهة؛ لأنه لا يتوافق مع مذاق الشريعة أن نعتبر الاحتكار الذي يسبب ترك الناس بدون طعام جائزاً ومكروهاً. وبالتالي، فإن مذاق الشريعة هذا يوجد للرواية ظهوراً هو الحرمة، ويُعدل عن الظهور الأولي (الخميني، 1421هـ، 3: 608).
من وجهة نظر الكاتب، أحياناً يمكن لمذاق الشريعة أن يوجد ظهوراً.5 وبما أن الظهور حجة في حد ذاته ولا يحتاج إلى إثبات حجيته، يمكن اعتبار هذا النوع من المذاق حجة، والنظر إليه كدليل يمنح الحجية لدليل آخر. إذن، جزء من المذاقات المستند إليها من قبل الفقهاء سيكون لها هذا التطبيق.
مذاق الشريعة والاستحسان
ما يبدو هو أن بعض تعريفات الاستحسان يمكن أن ترتبط بمذاق الشريعة؛ بحيث يكون ما ذكره أهل السنة بناءً على تعريف ما، هو نفسه الاستحسان الذي نسبه الشيعة إلى الحنفية. في أحد التعريفات التي قُدمت للاستحسان، ورد هكذا: «دليل ينقدح في نفس المجتهد ولا يقدر على إظهاره؛ لأنه لا يجد عبارة تعبر عنه» (الغزالي، 1417هـ: 173).
على الرغم من أن النزاع حول هذا التعريف قد اشتد بين أهل السنة؛ حيث اعتبره البعض وهماً وشكاً وهوى نفس (نفس المصدر)، ويعتقد فريق آخر في اعتراضهم على هذا الدليل أن الدليل يجب أن يظهر ويبرز حتى يمكن تمييز الصحيح من الخطأ (السبكي، 1404هـ، 3: 188)؛ ولكن فريقاً آخر يعتقد أن الدليل أحياناً يثبت في نفس المجتهد، وبثبوت الدليل في النفس، يصبح العمل به واجباً؛ وإن لم يُبيَّن ذلك الدليل (الشوكاني، 1412هـ، 1: 402).
وينقل الزركشي عن القرطبي كلاماً يمكن أن يوضح البحث ويربطه بمذاق الشريعة الذي يؤمن به الشيعة. يعتقد القرطبي أن ذلك الشيء الذي يظهر في النفس ناتج عن استدلال (السبزواري، 1413هـ، 12: 80). وفي بعض المصاديق، استُند أيضاً إلى ظهور الإجماع (المقدس الأردبيلي، 1409هـ، 3: 385؛ البحراني، بلا تا، 22: 327). وبما أن مذاق الشريعة يكشف عن أساليب وطرق الشارع، يمكن اعتبار مذاق الشريعة ظاهراً في شيء ما أو أنه يمنع ظهوراً ويوجد ظهوراً آخر.
بجمع القرائن التي تُستنبط من مجموع الروايات، يمكن أن يحصل للمجتهد علم أو ظن؛ ولكنه لا يملك القدرة على إيجاد عبارة تطابق ذلك تماماً في الأدلة. إذن، لا يمكن القول إن عدم القدرة على بيان الدليل يدل على أن ذلك الدليل ضعيف ولا أساس له؛ لأنه تصحيح المعاني يكون بالعلم اليقيني، لا بأن يكون النطق اللفظي واللساني ضرورياً (الزركشي، 1421هـ، 4: 392). إذن، من وجهة نظر القرطبي، ليس من الضروري أن يكون الدليل لفظياً دائماً؛ بل قد يكون دليلاً وجدانياً، وأن هذا الدليل يتشكل من مجموعة من القرائن التي توصل إليها المجتهد بمعرفته بالأدلة.
من بين الذين تناولوا مبحث الاستحسان، المشكيني من الشيعة الذي يمكن أن يكون كلامه مفيداً. إذن، يُنقل كلامه بالكامل. يكتب في هذا الصدد: الاستحسان هو الرجحان والأفضلية التي تحدث في نفس الفقيه بالنسبة لحكم خاص لموضوع خاص، وسببه كثرة الملاحظات والتأملات التي كانت لديه في الأحكام الشرعية في موارد مناسبة لهذا الموضوع، دون أن يرد دليل خاص لهذا الموضوع؛ مثل رجحان حرمة التحدث مع امرأة أجنبية أو حرمة التصور الخيالي لها في الذهن من خلال النظر إليها، أو لمسها، أو تقبيلها، وما شابه ذلك من المحرمات (المشكيني الأردبيلي، 1371: 32).
ويضيف في تتمة كلامه: هنا ينشأ قياس يُقال فيه: حرمة التحدث والتخيل بصورتها راجحة؛ بسبب مناسبة هذين الأمرين مع موارد حكم فيها الشرع، وكل شيء في نظر الإنسان له رجحان بسبب هذه المناسبة، يُعد حكم الله. إذن، حرمة التحدث مع الأجنبية والتخيل بصورتها في الذهن، يُعد حكم الله (نفس المصدر). في النهاية، يعتبر الاستحسان من وجهة نظر الشيعة باطلاً ويعده كالقياس الذي استُنبطت علته (نفس المصدر).
هذا الكلام للمشكيني وتوضيحه حول الاستحسان يذكرنا بأمور يلزم بحثها: أولاً – هو يعتبر الاستحسان رجحاناً وأفضلية نابعة من المناسبة. إذن، من هذا المنظور، يمكن اعتبار الاستحسان نوعاً من القياس الذي يصل إلى نتيجة عن طريق المناسبة؛ أي قياس يستفيد من مسلك المناسبة. ثانياً – أشار إلى أن ما يتعلق به الرجحان هو الحكم؛ وإن لم يكن لهذا الحكم دليل يمكن الاستناد إليه. هذا الكلام ليس صحيحاً؛ لأن ما هو موجود في كلام أهل السنة عن هذا الرجحان، هو في موضع يكون مستقى من دليل معتبر عند أهل السنة؛ مثل المصلحة أو الضرورة.
أقصى ما يحصل عليه المجتهد هو أنه مع كل هذا الاحتياط من جانب الشارع في مراعاة حريم الأجنبي، لا يمكنه أن يفتي بالحلية. إذن، يستند حكم الرجحان إلى الاحتياط؛ وبالتالي لن يكون هذا الحكم بدون دليل.
النقطة التي من الضروري ذكرها ويمكن أن تقرب مذاق الشريعة في بعض الموارد من الاستحسان، هي دراسة مصاديق استند فيها فقهاء الشيعة إلى مذاق الشريعة. أبرز مصداق يمكن أن يتوافق مع ما ذكره المشكيني بعنوان استحسان، هو كلام للخوئي ذُكر سابقاً في مصاديق مذاق الشريعة.
كان يرى من الشروط الأساسية للمرجعية أن يكون رجلاً؛ لأنه استنبط من مذاق الشارع أن الوظيفة المطلوبة من النساء هي مراعاة الحجاب الشرعي وعدم الظهور في الملأ العام والاهتمام بأمور البيت، ومن الواضح أن من يتولى المرجعية يجب أن يضع نفسه في موضع مراجعة الأشخاص والإجابة عليهم، والشارع لا يرضى أبداً بأن تضع المرأة نفسها في مثل هذا الموضع. الشارع الذي لا يرضى بإمامة المرأة للرجال في صلاة الجماعة، كيف يرضى بتولي المرأة أمور الرجال والاهتمام بمسائل المجتمع والإشراف على المسلمين (الخوئي، 1410هـ: 226).
بهذا المذاق الشرعي الذي يعتبره نتاج أذهان المتشرعة، يخصص السيرة العقلائية التي تقبل رجوع كل جاهل إلى كل عالم (نفس المصدر). يبدو أن ما استخلصه بعنوان مذاق الشريعة ليس نتاج سيرة المتشرعة؛ بل هو عبارة عن شيء استخلصه من سعة الروايات؛ كما أشار هو نفسه إلى الروايات في باب صلاة الجماعة وما شابه. ثم بسبب المناسبة التي للاجتهاد مع الجماعة، توصل إلى هذا الحكم، وحكم بشرط الذكورة في المرجعية من هذا الطريق. بالطبع، هناك طريق آخر وهو قياس الأولوية.
ما هو مهم هنا هو التشابه بين هذا الكلام للخوئي والمثال الذي ذكره المشكيني بعنوان استحسان. إذن، في مثال المشكيني أيضاً، ما أعطى هذه الحرمة أفضلية لدى المجتهد هو أنسه بالروايات التي اقترحت احتياطات خاصة بشأن المرأة الأجنبية؛ وإن كان قد توصل إليه عن طريق المناسبة.
نماذج تطبيقية بين مذاق الشريعة والاستحسان
نموذج أول – الأدلة المتعلقة بالسفيه تنظر فقط إلى معاملات السفيه ولا علاقة لها بأعماله الأخرى. يعتقد الحكيم أنه لا فرق بين بيوع وإجارة وزواج السفيه؛ لأن فلسفة الولاية على السفيه هي حماية أمواله التي تُستنبط من مذاق الشرع. إذن، حيثما تقتضي هذه المصلحة، تثبت الولاية على السفيه أيضاً (الحكيم، 1404هـ، 11: 9 – 13).
يرى بعض أهل السنة أن وقف الشخص السفيه على نفسه صحيح؛ لأن الاستحسان يقتضي هذا المطلب. منع السفيه من أمواله هو لحماية أمواله ومنعه من إتلافها. وبما أن وقف مال السفيه على نفسه يعتبر مؤمناً لهذه المصلحة من قبل المولى، فإن مثل هذا الوقف صحيح (درار بشير، بلا تا: 406).
بتقييم هاتين المسألتين معاً، يتضح أنه في كلتا الفتويين نُظر إلى مصلحة السفيه؛ ولكن كل منهما نظر إلى هذا المطلب من زاوية مختلفة؛ فقيه نظر إليه من زاوية مذاق الشريعة، وفقيه آخر درسه من زاوية الاستحسان؛ ولكن المهم هو أن كلتا الفتويين صدرتا في موضع لا يوجد فيه دليل.
نموذج ثانٍ – قيل إن هناك صلة أساسية بين طريقة ومنهج الشارع ومذاق الشريعة. إذن، ما عبر عنه الفقهاء السابقون بعنوان طريق ومنهج الشرع، ينبع مع مذاق الشريعة من منبع واحد. سابقاً، نُقل عن الشيخ الطوسي أنه في فتوى يعتقد أنه إذا كان من المقرر قطع اليد اليمنى للسارق، ولكنه أخرج يده اليسرى وقطعوا يده اليسرى، فإن يده اليمنى لا تُقطع بعد ذلك؛ لأن طريقة ومنهج الشارع في حقوق الله مبنية على التيسير (الطوسي، 1387هـ، 7: 101).
ويرى الشافعي أيضاً في هذا الشأن أن مقتضى القياس هو أن تُقطع اليد اليمنى للسارق؛ ولكن الاستحسان هو ألا تُقطع يده اليمنى (الآمدي، 1404هـ، 4: 163). ما هو المقصود بهذا الاستحسان الذي يذكره الشافعي هنا؟ ألا يمكن أن يكون هو نفسه ما أشار إليه الشيخ الطوسي وأفتى على أساسه؟
هناك كلام كثير في هذا الشأن؛ حيث يُرى في أحد تعريفات الاستحسان أن الاستحسان يعني ترك العسر لليسر، وهذا أصل في الدين، حيث قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة، آية 185) وقال النبي ﷺ: «خير دينكم اليسر» (الهيثمي، 1407هـ، 9: 359).6 بالطبع، ما ورد في مصادر أهل السنة كرواية هو بهذا التعبير: «خير دينكم أيسره» (شمس الأئمة السرخسي، بلا تا، 10: 145).
بناءً على هذا التعريف، يمكن استنتاج أن من تعريفات الاستحسان ترك المشقة من أجل السهولة، وهذا يعني أن السهولة واليسر يمكن أن تكونا منشأ لتقديم دليل على دليل آخر، وهذا هو الشيء نفسه الذي ادُعي في بعض المصاديق من قبل فقهاء الشيعة وأُقر به.
وما طرحه الفقهاء بعنوان مصلحة التسهيل وفي بعض المواضع ذكروه بعنوان مذاق الشريعة، يمكن اعتباره نموذجاً من استحسان أهل السنة. وفي بعض المواضع، شوهد أن الضرورة أيضاً يمكن أن تكون مستنداً للاستحسان؛ كما نواجه هذا الأمر في بعض المذاقات المقدمة للشريعة، ونرى الضرورات الشرعية أو العقلية التي تشكل على أساسها مذاق الشريعة (النجفي، 1365، 15: 196).
يمكن أن تكون المصلحة من المستندات الأخرى للاستحسان التي مرت في الآراء ولها القدرة على استناد الحكم. وبين المذاقات التي استُند إليها، قيل إن مستند هذا المذاق في بعض المواضع يمكن أن يكون المصلحة؛ كما يعتقد النجفي في طلاق المرأة المجنونة، أنه إذا طلقها وليها الذي فسد عقله، فهذا صحيح، والرأي الذي لا يثبت مثل هذا الحق للولي مخالف لمذاق الشريعة؛ لأن هذا الرأي يتنافى مع مذاق الشريعة الذي بُني هنا على مصلحة الزوج والزوجة، بأن يُتركا دون وقت يُنتظر فيه (نفس المصدر، 6: 32). كما يُلاحظ هنا، فإن مذاق الشريعة ليس سوى مراعاة مصلحة الزوج والزوجة.
الاستنتاج
في بعض الموارد، يتوافق مذاق الشريعة الذي استند إليه الشيعة مع الاستحسان في بعض معانيه لدى أهل السنة؛ بحيث لا يمكن التفريق بينهما؛ خاصة بالنظر إلى التعريف الذي قدمه المشكيني لمذاق الشريعة، فإن مذاق الشريعة والاستحسان يلتقيان في بعض الموارد. ومع ذلك، يمكن ذكر اختلافات بينهما على النحو التالي:
أولاً – في المواضع التي يُعتبر فيها الاستحسان عدولاً عن دليل، يمكن أن يختلف عن مذاق الشريعة؛ لأنه في كثير من المذاقات المصورة من الشريعة، لا يوجد دليل أولي حتى يُعدل عنه بسبب دليل آخر ويُقدَّم الدليل الثاني؛ بل يواجه الفقيه دليلاً واحداً فقط هو مذاق الشريعة.
ثانياً – في تمييز آخر، في الاستحسان لا يصل الفقيه إلى القطع ويكتفي بأفضلية دليل على آخر؛ ولكن مذاق الشريعة يكون مصحوباً بالقطع.
ثالثاً – العدول عن الدليل الأول في الاستحسان واللجوء إلى دليل آخر يكون بسبب فوات مصلحة تحدث عند العمل بالدليل الأول أو تحقيق مصلحة تتحقق عند العمل بالدليل الثاني، وهذا يمكن أن يُعد وجهاً ترجيحياً للدليل الثاني؛ ولكن في مذاق الشريعة، كشف المصلحة ليس ضرورياً وأساساً لا يوجد ترجيح لدليل على دليل آخر.
رابعاً – مذاق الشريعة لا يُعد استثناءً من القواعد.
خامساً – أهم تمييز بين مذاق الشريعة والاستحسان هو أنه في مذاق الشريعة، يسعى الفقيه للوصول إلى طريقة ومنهج وأسلوب الشارع في التشريع ليتمكن من خلال ذلك في موارد مشابهة من الاستفادة من هذا الأسلوب في الوصول إلى القانون؛ بينما في الاستحسان، لا علاقة للفقيه بأسلوب وطريقة الشارع في تشريع القوانين.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
1. ابن إدريس، محمد بن أحمد (1411هـ)، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
2. ابن أمير الحاج، محمد بن محمد (1417هـ)، التقرير والتحبير في علم الأصول، بيروت: دار الفكر.
3. ابن حزم، علي بن أحمد (بلا تا)، المحلّى، تحقيق: أحمد محمد شاكر، [بيروت]: دار الفكر.
4. ابن عبد السلام، عبد العزيز (بلا تا)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، بيروت: دار الكتب العلمية.
5. ابن عربي، محمد بن عبد الله (1420هـ)، المحصول في أصول الفقه، تحقيق: حسين علي يدري – سعيد فودة، عمان: دار البيارق.
6. ابن فارس، أحمد بن فارس (1404هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
7. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد (1399هـ)، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: عبد العزيز عبد الرحمن سعيد، رياض: جامعة الإمام محمد بن سعود.
8. _____ (1405هـ)، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، بيروت: دار الفكر.
9. ابن مفلح حنبلي، إبراهيم بن محمد (1400هـ)، المبدع في شرح المقنع، بيروت: المكتب الإسلامي.
10. أبو إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي (1406هـ)، اللمع في أصول الفقه، تخريج أحاديث: عبد الله بن محمد صديقي غماري، بيروت: عالم الكتب.
11. أصفهاني، محمد حسين (1418هـ)، حاشية كتاب المكاسب، تحقيق: عباس محمد آل سباع قطيفي، قم: المحقق.
12. أنصاري، مرتضى (1420هـ)، كتاب المكاسب، تحقيق: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
13. آبي، حسن بن أبي طالب (1417هـ)، كشف الرموز في شرح مختصر النافع، تصحيح: علي پناه اشتهاردي، حسين يزدي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
14. آل تيمية، عبد السلام – عبد الحليم – أحمد بن عبد الحليم (بلا تا)، المسودة في أصول الفقه، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة: المدني – القاهرة.
15. آمدي، علي بن محمد (1404هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: سيد جميلي، بيروت: دار الكتاب العربي.
16. بحراني، يوسف بن أحمد (بلا تا)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
17. جناتي، محمد إبراهيم (1370هـ ش)، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب إسلامي، طهران: انتشارات كيهان.
18. جوهري، إسماعيل بن حمّاد (1407هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين.
19. حر عاملي، محمد بن حسن (1414هـ)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم: مؤسسة آل البيت.
20. حسيني عاملي، جواد بن محمد (1375هـ ش)، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، [بلا مكان]: چاپ قديم (أحمد بن محمد صادق قمي).
21. حكمت نيا، محمود (1385هـ ش)، «مذاق شريعت»، فصلنامه تخصصي فقه وحقوق، السنة الثالثة، العدد التاسع، ص11 – 28.
22. حكيم، محسن (1404هـ)، مستمسك العروة الوثقى، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.
23. حكيم، محمد تقي (1979م)، الأصول العامة للفقه المقارن: مدخل إلى دراسة الفقه المقارن، [بلا مكان]: مؤسسة آل البيت للطباعة والنشر.
24. خميني، روح الله (1421هـ)، البيع، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
25. خوئي، أبو القاسم (1410هـ)، التنقيح في شرح العروة الوثقى: الاجتهاد والتقليد، تقرير: علي غروي تبريزي، قم: دار الهادي.
26. _____ (1417هـ)، مصباح الأصول، تقرير: محمد سرور واعظ حسيني بهسودي، قم: مكتبة الداوري.
27. درار بشير، إدريس جمعة (بلا تا)، الرأي وأثره في الفقه الإسلامي في عصور ما قبل قيام المذاهب الفقهية، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.
28. دسوقي، محمد بن أحمد (بلا تا)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، [بلا مكان]: دار إحياء الكتب العربية.
29. زركشي، محمد بن بهادر (1421هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق: محمد محمد تامر، لبنان: دار الكتب العلمية.
30. ساكت، محمد حسين (1375هـ ش)، «استحسان در نگاه ابن تيميه»، نشرية دانشكده الهيات ومعارف إسلامي مشهد، العدد 33 و34، ص43 – 80.
31. سبحاني، جعفر (1419هـ)، مصادر الفقه الإسلامي وأدلته، بيروت: دار الأضواء.
32. سبزواري، عبد الأعلى (1413هـ)، مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، تحقيق: مؤسسة المنار، قم: مكتبة آية الله سيد السبزواري.
33. سبكي، علي بن عبد الكافي (1404هـ)، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، تحقيق: جماعة من العلماء، بيروت: دار الكتب العلمية.
34. سمعاني، أبو مظفر (1418هـ)، قواطع الأدلة في الأصول، تحقيق: محمد حسن إسماعيل شافعي، بيروت: دار الكتب العلمية.
35. شاطبي، إبراهيم بن موسى (بلا تا)، الاعتصام، مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
36. _____ (بلا تا)، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز، بيروت: دار المعرفة.
37. شمس الأئمة سرخسي، محمد بن أحمد (بلا تا)، أصول السرخسي، بيروت: دار المعرفة.
38. شوكاني، محمد بن علي (1412هـ)، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، تحقيق: محمد سعيد بدري أبو مصعب، بيروت: دار الفكر.
39. شيباني، محمد بن حسن (بلا تا)، المبسوط (الأصل)، تحقيق: أبو الوفا أفغاني، كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية.
40. صابري، حسين (1381هـ ش)، عقل واستنباط فقهي، مشهد: بنياد پژوهشهاي إسلامي.
41. صدر الشريعة ثاني، عبيد الله بن مسعود (1416هـ)، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت: دار الكتب العلمية.
42. صدر، محمد باقر (بلا تا)، الفتاوى الواضحة، نجف: مطبعة الآداب.
43. طريحي، فخر الدين بن محمد (1408هـ)، مجمع البحرين، تحقيق: سيد أحمد حسيني، طهران: مكتبة النشر الثقافة الإسلامية.
44. طوسي، محمد بن حسن (1387هـ ش)، المبسوط في فقه الإمامية، تصحيح: محمد تقي كشفي، طهران: مكتبة الرضوية.
45. طوسي، محمد بن حسن (1417هـ)، العدة في أصول الفقه، تحقيق: محمد رضا أنصاري قمي، قم: مطبعة ستارة.
46. عراقي، ضياء الدين (1405هـ)، نهاية الأفكار، تقرير: محمد تقي بروجردي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
47. علامة حلي، حسن بن يوسف (1414هـ)، تذكرة الفقهاء، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
48. _____ (1404هـ)، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
49. _____ (1413هـ)، مختلف الشيعة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
50. علم الهدى، علي بن حسين (1346هـ ش)، الذريعة إلى أصول الشريعة، تصحيح: أبو القاسم گرجي، طهران: انتشارات دانشگاه طهران.
51. عليشاهي قلعه جوقي، أبو الفضل وناصري مقدم، حسين (1390هـ ش)، «چيستي وكاركردهای مذاق شريعت»، فقه وأصول، العدد 86/1، ص157 – 193.
52. غزالي، محمد بن محمد (1417هـ)، المستصفى في علم الأصول، تصحيح: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية.
53. فاضل لنكراني، محمد (1418هـ)، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
54. فراهيدي، خليل بن أحمد (1410هـ)، العين، تحقيق: مهدي مخزومي وإبراهيم سامرائي، قم: مؤسسة دار الهجرة.
55. فياض، محمد إسحاق (بلا تا)، تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى، [بلا مكان]: انتشارات محلاتي.
56. كاساني، أبو بكر بن مسعود (1982م)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت: دار الكتاب العربي.
57. مجددي بركتي، محمد عميم الإحسان (1407هـ)، قواعد الفقه، كراتشي: دار الصدف ببلشرز.
58. مجمع اللغة العربية (1410هـ)، المعجم الوسيط، إخراج: إبراهيم مصطفى، أحمد حسن زيات، حامد عبد القادر، محمد علي نجار، إسطنبول: دار الدعوة.
59. محقق حلي، محمد بن حسن (1364هـ ش)، المعتبر في شرح المختصر، إشراف: ناصر مكارم شيرازي، قم: مؤسسة سيد الشهداء.
60. _____ (1403هـ)، معارج الأصول، تحقيق: محمد حسين رضوي، قم: مؤسسة آل البيت.
61. مرتضى زبيدي، محمد بن محمد (1414هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، بيروت: دار الفكر.
62. مشكيني أردبيلي، علي (1371هـ ش)، اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها، قم: دفتر نشر الهادي.
63. مقدس أردبيلي، أحمد بن محمد (1409هـ)، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تحقيق: مجتبى عراقي، علي پناه اشتهاردي، حسين يزدي أصفهاني، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
64. ميرزاي قمي، أبو القاسم بن محمد حسن (1303هـ)، قوانين الأصول، چاپ سنگي، [بلا مكان].
65. نجفي، محمد حسن بن باقر (1365هـ ش)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق: عباس قوچاني، طهران: دار الكتب الإسلامية.
66. هيثمي، علي بن أبي بكر (1407هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، القاهرة – بيروت: دار الريان للتراث – دار الكتاب العربي.
الهوامش
1. أستاذ مشارك بقسم الإلهيات، جامعة فرهنگيان، طهران، إيران. Alishahi88@gmail.com
2. وُجّهت انتقادات لهذا الرأي. على سبيل المثال، راجع: الأصفهاني، 1418هـ، 4: 297.
3. ينسب بعض المحققين مثل السبحاني هذا التعريف إلى الدكتور وهبة الزحيلي ويعتبرونه من ابتكاراته، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا التعريف كان موجودًا في القرن الثامن (راجع: السبحاني، 1419هـ: 255).
4. نسب البعض هذا الرأي إلى جولد تسيهر، راجع: ساكت، 1375: 45.
5. بما أنه يمكن اعتبار مذاق الشريعة كالأدلة اللبية، فلن يُطرح هذا السؤال بعد الآن، وهو أن الظهورات مبنية على النص وليس لها فعالية في مثل مذاق الشريعة؛ لأن المحققين لا يحصرون الظهور في الأدلة اللفظية فقط، بل يقبلون الظهور للأدلة اللبية أيضًا. لإثبات هذا القول، يمكن الرجوع إلى استدلالات الفقهاء في هذا الشأن؛ لأنهم في كثير من المواضع في بناء العقلاء الذي يُعد من الأدلة اللبية، قبلوا الظهور (الحكيم، 1404هـ، 1: 36) أو بظهور طريقة الشارع في التيسير مقابل القواعد الأخرى.
6. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.