الملخص: إن الله تعالى هو أول معلم للقرآن استناداً إلى آيات القرآن الكريم. وقد أقدم النبي (ص) على تعليم القرآن باستخدام أساليب متنوعة، وأوصى بتعليمه للآخرين، لا سيما الأبناء. إن مسألة جواز أخذ الأجرة أو عدمها في مقابل تعليم القرآن قد أثارت خلافات بين علماء المسلمين، حيث سعى كل فريق إلى إثبات وجهة نظره بالاستناد إلى بعض آيات القرآن. في هذا المقال، تم عرض الآيات الدالة على النهي عن أخذ الأجرة، وكذلك الآيات الدالة على جوازها، مع نقد ودراسة تفاسير كلا الفريقين لهذه الآيات. وفي الختام، تطرقنا إلى الروايات والجمع بينها في هذا المجال. وقد ذهبت بعض المذاهب الفقهية إلى جواز أخذ الأجرة في مقابل تعليم القرآن، مشيرة إلى أن المسلمين في العصر الحاضر لا يمتلكون الإيمان القوي الذي كان عليه المسلمون في القرون الأولى، وأن القول بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والأمور الدينية سيؤدي إلى تعطيل الأحكام. وقد كان لهذا التوجه أثره أيضاً في نشر القرآن وتعليمه.
طرح المسألة
يحظى تعليم القرآن بأهمية بالغة في النصوص الإسلامية، لدرجة أن بعض العلماء المسلمين قد ذهبوا إلى وجوبه الكفائي، وصرحوا بأن من يعلّم غيره شيئاً من القرآن فقد أقدم على أداء واجب. من جهة أخرى، عُدّ ذلك أعظم نعم الله، واستناداً إلى آية ﴿وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: ١١)، طُلب من النبي (ص) أن يذكر تعليم القرآن باعتباره أحد مصاديق نعمة الله. وكما سنرى، استناداً إلى آية ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: ٢)، فإن الله هو أول معلم للقرآن ومُعلِّمه.
كان النبي (ص) بصفته أول معلم للقرآن بعد الله تعالى يتلو آيات الله على الناس، وكان المؤمنون ينصتون لتلاوته بقلوب واعية. لقد كان (ص) أسوة حسنة في جميع الجوانب، بما في ذلك جانب تعليم القرآن، وكان له منهج حكيم في تعليم الكتاب والحكمة. وبعد النبي (ص)، كان الأئمة المعصومون (ع) يعلمون بشكل عام كيفية العيش مع القرآن، ويطرحونه كجزء من حياة أهله أو متن حياتهم، بحيث كان له حضور دائم في حياتهم، سواء في السر أو العلن.
في آية ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢)، تحتل التلاوة المرتبة الأولى بين وظائف النبي (ص) الثلاث التي ذُكرت لهداية الأمة. وفي الروايات أيضاً، ورد الحديث بكثرة عن أهمية تعليم القرآن وتعلّمه، كما قال رسول الله (ص): “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.
نظراً لأهمية تعليم القرآن استناداً إلى الروايات المذكورة وأمثالها، والإيمان بذلك لدى المسلمين، من المشهور أن أبا عبد الرحمن السلمي قد انشغل بتعليم القرآن لمدة أربعين سنة، من فترة خلافة عثمان إلى إمارة الحجاج، وكان دافعه لهذه المدة الطويلة من تعليم القرآن هو حديث النبي (ص): “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”، ولهذا السبب كان يقول: “هذا الذي أجلسني مجلسي هذا”.
تحدث علماء الإسلام بأشكال مختلفة عن أهمية تعليم القرآن للأطفال، كما أن ابن خلدون في كتابه، ضمن تخصيص باب لتعليم القرآن للأطفال، عبر عنه بأنه شعار الدين واعتبره أساس التعليم، وصرح بأنه كان موضع اهتمام دائم في جميع مدن الإسلام.
وقد استُدل ببعض آيات القرآن على جواز تعليم القرآن للكفار رجاء هدايتهم، ومن ذلك آية ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٧٩)، فالمراد من المس هو الاعتقاد، والمراد من المطهرين هم المعتقدون بالتوحيد والمؤمنون. وقد استُدل ببعض آيات القرآن على عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والتي يمكن تقسيمها إلى خمس فئات.
فيما يتعلق بخلفية البحث، يجب القول إنه لم يتم العثور على بحث مستقل حول تعليم القرآن من منظور القرآن نفسه، ولكن تظهر إشارات ونقاط في هذا الصدد في مصادر التفسير والفقه. لذلك، تم تخصيص هذا البحث لهذا الأمر، وأجاب على أسئلة مثل: “هل تحدث القرآن عن تعليم نفسه؟”، وإذا كان الجواب إيجاباً، “فما هو حكم القرآن بشأن تعليمه؟”، “ما هي الصور المختلفة لتعليم القرآن في القرآن؟”، “كيف يجب أن يكون تعليم القرآن؟”، و”هل يجوز أخذ أجرة في مقابل تعليم القرآن أم لا؟”.
١. الأنحاء المختلفة لتعليم القرآن
في القرآن، بالإضافة إلى الحديث عن القرآن وأهميته بأشكال مختلفة من خلال الإشارة إلى أسمائه وصفاته وغيرها، تم الحديث أيضاً عن تعليم القرآن والتوصية به بصور شتى. ويمكن تقسيم الآيات المتعلقة بتعليم القرآن إلى عدة فئات:
أ. الآيات التي تعتبر الله أول معلم للقرآن
الآية الأولى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: ١-٢). في هذه الآيات، تم الحديث أولاً عن تعليم القرآن من قبل الله، وفي الآيات التالية ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ٣-٤)، تم الحديث عن خلق الإنسان وتعليمه البيان. إن تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان وتعليمه البيان يدل على أهمية تعليم القرآن؛ لأن القرآن، لاشتماله على الصراط المستقيم وبيان سبل السعادة، يُعد أعظم نعمة. في آية ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، حُذف المفعول الأول، أي أن الأصل هو “علم الإنسان القرآن” أو “علم الإنس والجن القرآن”، ومع الأخذ في الاعتبار تكرار مخاطبة الجن والإنس في هذه السورة، فإن الاحتمال الثاني هو الأكثر قبولاً. كما اعتبر بعض المفسرين أن المفعول الأول هو رسول الله (ص) أو جبريل. وبناءً على ذلك، يكون معنى الآية أن الله علّم القرآن لمحمد أو لجبريل. وقد ذكر بعض المفسرين احتمالاً ضعيفاً وغير مقبول، مفاده أن “علّم” بمعنى “جعل علامة”. وبناءً على هذا الاحتمال، الذي يبعد الآية عن موضوع هذا البحث، يكون معنى الآية أن الله جعل القرآن علامةً ودليلاً على النبوة. في هذا الاحتمال، يجب أن نعتقد بحذف المفعول الثاني لا الأول. وهناك احتمال آخر يرى أن “علّم” بمعنى “يسّر”، أي سهّل. وبناءً على هذا الاحتمال، يكون المراد من الجملة المذكورة أن الله يسّر القرآن للتعلم والحفظ. وعلى فرض قبول هذا الاحتمال، يكون الفعل “علّم” ذا مفعول واحد. وقد تحدث العرفاء أيضاً عن احتمال مفاده أن المراد بجملة “علّم القرآن” هو تعليم الاستعداد الإنساني الكامل المسمى بـ “العقل القرآني”، الذي يجمع كل الأشياء والأوصاف والحقائق وأوصافها وأحكامها وغير ذلك.
الآية الثانية: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦). إن تعلم النبي (ص) للقرآن قد بدأ مع نزوله، لذا فإن الوحي الإلهي ونزول القرآن، الذي هو عامل في انتقال القرآن من اللوح المحفوظ إلى قلب النبي، يُعد نوعاً من التعليم. من هنا، فإن الآيات القرآنية التي تناولت مسألة نزول القرآن الكريم، تقدم صورة لتعليم القرآن، ولكي تجعل ظاهرة الوحي ملموسة، تم تقديم هذا المشهد التعليمي بشكل يشبه إلى حد كبير المشاهد التعليمية البشرية. هذه الآيات التي تناولت مسألة نزول القرآن، بيّنت كيفية تعليم كلام الله من قبل أول معلم له وهو الله تعالى، على أول متعلم له. من بين الآيات المعنية، والتي يُعتبر فيها الله معلماً بنحو ما، آية ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. والشاهد على هذا الادعاء هو أن بعض المفسرين قد فسروا كلمة “سنقرئك” بمعنى “سنعلمك”، أي “سوف نعلمك”. من جهة أخرى، فإن قول النبي (ص): “خيركم من قرأ القرآن وأقرأه” يؤيد بنحو ما استفادة مفهوم التعليم من الآية محل البحث؛ لأن “الإقراء” يحمل أيضاً معنى التعليم. كما أشار بعض علماء علوم القرآن إلى أن النبي (ص) كان يرسل أشخاصاً لإقراء القرآن لأولئك الذين كانوا بعيدين عن المجتمع المسلم، ويعلمونهم القرآن بالوسيلة السمعية، كما أرسل مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة قبل الهجرة، ومعاذ بن جبل إلى مكة بعد الهجرة لإقراء الآيات.
الآية الثالثة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ١٦٤). في هذه الآية، نُسب تعليم القرآن إلى الله، ومن جهة أخرى، فإن تعليم القرآن يختلف عن تلاوته ويشمل تفسيره وتأويله والعلم ببطونه. التعليم بهذا المفهوم الواسع هو من شأن أهل البيت (ع). وبتعبير آخر، التعليم بمعنى التفهيم وحصول العلم للمتعلم وإلقاء أسباب العلم. من هنا، فإن البشر، ومنهم النبي (ص)، هم سبب التعليم، والمعلم الحقيقي هو الله تعالى.
ب. كيفية التعليم في القرآن
في القرآن، بالإضافة إلى التشجيع على تعليم القرآن واعتباره نعمة، والإشارة إلى أن الله هو أول معلم للقرآن، تمت الإشارة أيضاً إلى كيفية تعليمه. ومن ذلك يمكن الإشارة إلى آية ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦)؛ إذ استناداً إلى الآية المذكورة، فإن جبريل (ع) قد قرأ القرآن على النبي (ص) مراراً حتى حفظه. وفي المرحلة التالية، تهيأ النبي (ص) لقبول وحفظ القرآن كله. وفي المرحلة الثالثة، أُوصي النبي (ص) بالمداومة والمواظبة على قراءة القرآن. ومن البديهي، استناداً إلى الآية المذكورة، أن للاستماع المتكرر لآيات القرآن وحفظ آياته ومفاهيمه وتكرار تلاوتها أهمية بالغة في تعليم القرآن.
الآية المشار إليها تشجع أيضاً على بذل الجهد والإنفاق من أجل تعليم القرآن. كما قال الزمخشري، إن الآية المذكورة تشبه قول أحدهم: “علمت فلاناً الأدب”، أي ألزمته بالأدب وأنفقت مالي من أجل ذلك.
بالإضافة إلى التشجيع على تعليم القرآن وقراءته، تم التشجيع والتوصية بنوع خاص من قراءة القرآن، وهو قراءة الترتيل، حيث قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ١-٤)؛ لأن المقصود بالترتيل هو قراءة القرآن بتأنٍ وهدوء، مع مراعاة قواعد التجويد، وبصوت حزين وجميل. من جهة أخرى، تدل التوصية بقيام الليل وقراءة القرآن فيه على لزوم تركيز الحواس عند قراءة القرآن.
علاوة على ذلك، يجب على معلم القرآن وقارئه، بالإضافة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة، كحسن الخلق والصبر والحلم والابتعاد عن الرياء وغيرها، أن يتمتع بخصائص معينة. فقد كان النبي (ص) في قراءة القرآن وتعليمه للناس يتمتع بالأوصاف والميزات التالية:
- حسن الصوت: كما قال الإمام الباقر (ع): “إن رسول الله (ص) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن”.
- وضوح القراءة: كانت قراءة النبي (ص) تجمع بين حسن الصوت والوضوح التام والتفكيك الكامل للحروف والآيات. كما نُقل عن عقبة بن عامر أنه قال: “كنت أمشي مع رسول الله (ص)، فقال: يا عقبة، قل. قلت: ما أقول؟ فسكت عني، ثم قال: قل. قلت: ما أقول يا رسول الله؟ (قال عقبة): ردها عليّ. قال: يا عقبة، قل. قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فقرأتها حتى أتيت على آخرها. ثم قال: قل. قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾… فقرأتها حتى أتيت على آخرها”. إن تكرار فعل الأمر “قل” وأجوبة عقبة بـ “ما أقول؟” يجعله كله أذناً صاغية، لكي يتلقى الكلمات بمجرد جريانها على شفتي النبي (ص) المباركتين وينقلها إلى قلبه.
- رعاية الوقوف: كان تعريف مواضع الوقف والتأكيد على رعايتها ركناً آخر من أركان تعليم النبي (ص). كما قال بعضهم: “كنا نتعلم الوقوف كما نتعلم القرآن”. وقال الطبرسي في ذيل تفسير سورة التوحيد: “روي أن رسول الله (ص) كان يقف على رأس كل آية منها”.
- الإقراء الكوثري: المقصود بهذا الإقراء هو الإقراء الذي يجلب الخير الكثير، لا المظهر الخادع. هذا الإقراء يقابل الإقراء التكاثري غير المقبول. كما نُقل أن رجلاً جاء إلى النبي (ص) وطلب منه أن يعلمه القرآن. فبدأ النبي (ص) يقرأ عليه القرآن حتى بلغ قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧-٨). فقال الرجل: “حسبي هذا”، ثم قام وانصرف. فقال النبي (ص): “انصرف الرجل وهو فقيه”.
ج. الآيات الدالة على جواز تعليم القرآن للكفار رجاء هدايتهم
من الآيات التي يُستدل بها لهذا الغرض، يمكن الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٧٧-٧٩). هناك آراء ونظريات مختلفة في مفهوم كلمتي “لا يمسه” و”المطهرون”: فقد ذهب البعض إلى أن المراد بالمس في الكلمة الأولى هو المس الحقيقي بأعضاء البدن، وقال البعض إن معنى “لا يمسه” هو أنهم لا يذوقون طعم نفع القرآن وفائدته إلا المطهرون. وفيما يخص كلمة “المطهرين”، يعتقد البعض أنها تشير إلى الملائكة والأنبياء الذين هم بعيدون عن الشرك والذنب، وأحياناً يُراد بها البشر الطاهرون من الحدث، ولذلك حُكم بوجوب الوضوء أو الغسل لمس كتابة القرآن. ورأى البعض أن المراد بالمس هو الاعتقاد، وقالوا إن المقصود بـ “المطهرين” هم المعتقدون بالتوحيد، ولهذا السبب حكموا بعدم جواز قراءة القرآن من قبل الكفار وغير الموحدين. ولهذا السبب أيضاً نُهي عن تعليم القرآن للكافر، إلا إذا كان يُرجى هدايته إلى الإسلام بتعليمه القرآن.
عدم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
يمكن تقسيم هذه الآيات إلى فئتين: آيات دالة على جواز أخذ الأجرة، وآيات دالة على عدم جوازها في مقابل تعليم القرآن، وتحليلهما.
أ. الآيات الدالة على عدم جواز أخذ الأجرة
نظراً لأهمية وقداسة القرآن، ومع الأخذ في الاعتبار اعتقاد بعض العلماء بوجوب تعليمه الكفائي، والتصريح في بعض الروايات بعدم استحباب أخذ الأجرة لتعليم القرآن، فقد ذهب كثير من العلماء، سواء من الشيعة أو أهل السنة، إلى كراهة أو حرمة أخذ الأجرة على تعليم القرآن. كما قال العلامة الحلي: “الأقرب تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأنه من أعظم المعجزات التي يجب تداولها ونقلها بالتواتر، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، ولكن يجوز أخذ الهدية لتعليم القرآن”. وقد حكم العلامة الحلي في مواضع أخرى من كتبه بكراهة أخذ الأجرة على تعليم القرآن. وكثير من فقهاء الشيعة، كابن إدريس الحلي، والفاضل الآبي، وغيرهم، حكموا بكراهة أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن. وفي الوقت نفسه، أجمع فقهاء الشيعة تقريباً على جواز جعل تعليم القرآن مهراً. ولدى فقهاء أهل السنة أيضاً حكم متشدد في هذا الخصوص، حيث حكم البعض مثل أبي حنيفة والزهري بكراهته لكون تعليم القرآن عبادة بدنية. ولهذا السبب، استدلوا، بالإضافة إلى بعض الروايات، بآيات قرآنية على عدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن.
إن الاعتقاد بعدم استحباب أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، وكذلك سنة جعل تعليم القرآن مهراً، والتي كانت أكثر شيوعاً في القرون الإسلامية الأولى، كانت من أسباب ترويج القرآن بين المسلمين. وكما أن فقهاء الحنفية المتأخرين، استناداً إلى أن المسلمين في العصر الحاضر لا يملكون الاعتقاد الراسخ والإيمان القوي الذي كان عليه المسلمون الأوائل، وأن الاعتقاد بوجوب مجانية التعليم الديني يؤدي إلى إضعاف أسس الإسلام والقرآن، قد أذعنوا بجواز أخذ الأجرة مقابل التعليم الديني، وبهذه الصورة اعتبروا القول بجواز أخذ الأجرة مقابل التعليم الديني، ومنه القرآن، سبباً في ترويج القرآن.
الآيات التي استدل بها المخالفون لجواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن هي كالتالي:
١. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (الشورى: ٢٠). وفي موضع آخر جاء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإسراء: ١٨).
وقد حكم بعض العلماء المسلمين بعدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن استناداً إلى هذه الآية. كما قال الجصاص: “ولهذا قال أصحابنا: إنه لا يجوز الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن وسائر القرب التي شرطها وقوعها على وجه القربة؛ لأن دلالة هذه الآيات ونظائرها تمنع جواز أخذ الأجرة عليها إذ كانت تخرجها من أن تكون قربة”.
٢. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩).
يرى بعض العلماء المسلمين أنه بناءً على هذه الآية، المشهورة بآية الكتمان، يجب أن يكون تعليم العلوم الدينية، بما في ذلك القرآن، مجانياً، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأن الآية تتحدث عن وجوب إظهار العلوم، بما في ذلك العلم المتعلق بالقرآن، وترك كتمانه، وأن الذين لا يظهرون العلوم، ومنها علم القرآن، يتعرضون للعن. ظاهر الآية، في نظر هذه المجموعة من العلماء، يتحدث عن عدم جواز أخذ الأجرة مقابل إظهار العلم، وكذلك عن كتمانه. ولهذا السبب، حكموا ببطلان الإجارة في تعليم القرآن وسائر العلوم.
الآية المذكورة ليست الوحيدة التي تنهى عن كتمان العلم، بل هناك آيات أخرى في هذا المجال يمكن الاستدلال بها بنفس البيان السابق، منها آيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦)؛ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٤)؛ و﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (المائدة: ٦١).
٣. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة: ٤١). ومثل هذا المفهوم ورد في آية أخرى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤).
وقد اعتبر بعض المفسرين، بالاستفادة من هذا النوع من الآيات وروايات تحمل نفس المضمون، أن تعليم القرآن والعلوم مقابل أجر هو مصداق لبيع الآيات بثمن بخس، ولهذا السبب حكموا بعدم جوازه. وقد استدل بعض العلماء المسلمين بالآيات محل البحث قائلين إنه ورد في التوراة: “علّم مجاناً كما عُلّمت مجاناً”، وحفظ القرآن كله كذلك. وقد حكم الحنفية بمنع الإجارة في خصوص تعليم القرآن استناداً إلى هذه الآيات. وفي المقابل، حكم أكثر علماء أهل السنة، ومنهم مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو ثور، بجوازها، واستدلوا في هذا المجال بأحاديث، منها أن بعضهم قال لرسول الله (ص): “إنا نأخذ على تعليم القرآن أجراً”، فقال (ص): “إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله”.
٤. ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢). نُقل عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة أن المقصود هو أجر المعلمين الذين يشترطون (الأجر) في تعليم القرآن. وبناءً على تفسير الآية المذكورة، فإن اشتراط أخذ الأجر مقابل تعليم القرآن يُعد من مصاديق السحت، وقد نُهي عنه. “السحت” في اللغة بمعنى الهلاك والشدة، وتُطلق على المكاسب الدنيئة والخبيثة والمال الحرام. وقد ذُكرت عدة أقوال في معنى السحت: ١. المقصود بالسحت هو الحرام؛ لأنه يتبعه عذاب شديد واستئصال وهلاك وبوار. ٢. يُسمى الحرام سحتاً لعدم وجود البركة فيه، ولأنه يصيب آخذه بالهلاك والاستئصال. ٣. يُسمى الحرام سحتاً لأنه قبيح وفيه عار، كثمن الكلب غير الصائد وثمن الخمر، الذي يخالف أخذه المروءة والرجولة. ٤. ويُقال أيضاً: فلان مسحوت المعدة، إذا كان شرهاً لا يشبع. وكذلك يأتي بمعنى الفساد، و”أسحت ماله” أي أفسده وأذهبه. في الروايات، نُقلت مصاديق كثيرة للسحت مثل الخمر والرشوة وهدية الكاهن والعمل في المعصية وما شابه ذلك، والسحت بمعناه العام يشمل جميع هذه الموارد.
٥. ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٠٩، ١٢٧). توجد آيات عدة بهذا المضمون في القرآن، وفي جميعها يذكّر الأنبياء أقوامهم بأنهم لا يطلبون أجراً مقابل رسالتهم، وأن أجرهم على الله. وقد حكم بعض العلماء المسلمين بعدم جواز أخذ الأجرة مقابل التعليم الديني، بما في ذلك القرآن، استناداً إلى هذا النوع من الآيات.
في المذهب الشيعي، كما في المذهب السني، توجد حساسية وتشدد خاص تجاه العلوم الدينية، بما في ذلك تعليم القرآن، لدرجة أنه وفقاً لتصريح بعض فقهاء الشيعة، لا يصح الاستئجار لعمل يجب شرعاً على الفرد أداؤه، ولا يجوز أخذ الأجرة على أدائه. ومن فروع هذا المذهب الفقهي أنه لا يجوز أخذ الأجرة على أداء العبادات والأعمال الدينية الواجبة مثل الإمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم، بل يجب أداؤها مجاناً في حال القدرة عليها، لأن الأمور المذكورة واجبات دينية.
ب. الآيات الدالة على جواز أخذ الأجرة
هذا النوع من الآيات قليل ولا يشغل حيزاً كبيراً، ولهذا السبب قلما استدل به الموافقون على جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن. ومنها:
١. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩). كيفية استنتاج جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن من الآية المذكورة هي أن بعض القائلين بشرعية حقوق الملكية الفكرية، استناداً إلى الآية المذكورة، قالوا إن “ما” في هذه الآية موصولة وتفيد العموم. ومن جهة أخرى، فإن كلمة “سعى” عامة، ووفقاً لتصريح علماء اللغة، تعني مطلق الجهد. من هنا، تُظهر الآية المذكورة أن جميع المنتجات الفكرية والعلمية والفنية، وظهور جميع المواهب الإنسانية، هي من المصاديق البارزة للآية المذكورة. ومن البديهي، بناءً على الآية المذكورة، أن جهد معلم القرآن لا ينبغي أن يكون بدون أجر، أي مجانياً.
٢. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨). بناءً على الآية المذكورة، فإن كل فرد يملك في الدنيا والآخرة مكتسباته المادية والمعنوية. ومن البديهي، بناءً على الاستدلال المذكور، أن كلمتي “ما” و “سعى” تتمتعان بعموم وشمول واسعين، وتشملان جميع الأعمال الدنيوية والأخروية، بما في ذلك تعليم القرآن، وسيكون معلم القرآن مالكاً لأجر تعليمه.
نقد ودراسة
أ. نقد الاستدلال بالآيات الدالة على عدم جواز أخذ الأجرة
لا تؤدي أي من الآيات التي استدل بها المخالفون لجواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن إلى نتيجة حرمة وعدم جواز أخذ الأجرة، وذلك لأن الآية الأولى (الشورى: ٢٠) من جهة، تتعارض مع الروايات التي تتحدث عن جواز ذلك، ومن جهة أخرى، لا تتوافق مع التفاسير الأخرى للآية الأكثر ملاءمة. فوفقاً لأحد التفاسير، تتحدث الآية عن المشاركة في الجهاد، بحيث أن من يكون قصده من المشاركة في الجهاد الغنائم والمنافع الدنيوية، فله نصيبه من غنيمة الحرب في الدنيا. وقال الحسن البصري إن معنى الآية هو أن من يعمل للآخرة فسينال الدنيا والآخرة كلتيهما، ومن يعمل للدنيا فلا نصيب له في الآخرة، لأن المرتبة الأعلى لا تتبع المرتبة الأدنى أبداً. ووفقاً لتفسير آخر، فإن مفهوم الآية هو أن من يبتغي بعمله نفع الدنيا، فإننا نعطيه قسماً مما أراد، لا كله، بل نعطيه بعض ما يطلبه بمقتضى الحكمة. والقول الآخر في تفسير الآية هو أن المقصود بالآية هم المرائين الذين لا ثواب لهم ولا أجر في الآخرة.
يرى العلامة الطباطبائي أنه بناءً على الآية المشار إليها، إذا كان الهدف من أداء العمل هو تحقيق النتائج الدنيوية، ودافع الفاعل هو أن يرى نتيجة عمله في الدنيا لا في الآخرة، فسيصل في الدنيا إلى النتيجة المرجوة، لكنه لن يكون له نصيب في الآخرة. أما إذا كان هدف الفاعل من أداء العمل هو أن يصل في الآخرة إلى ما زرعه في الدنيا، فإنه بناءً على آية ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠)، سيُعطى أجراً كبيراً ومضاعفاً.
إن فهم العلامة الطباطبائي أكثر شمولاً، ويشمل المعاني الأخرى، بما في ذلك الجهاد بقصد الوصول إلى الغنائم، وأداء الأعمال رياءً، وغيرها. من جهة أخرى، وبناءً على جميع الفهوم التي مرت حول الآية، فإن الآية تتحدث عن أداء الأعمال بدافعين مختلفين، دنيوي وأخروي، مما يؤدي إلى نتيجتين مختلفتين. من هنا، فإن الآية لا علاقة لها بالادعاء المذكور، لأن أياً من تلك المعاني لا يرتبط بأجرة تعليم القرآن.
الآية الثانية (آية الكتمان) لا تدل أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن؛ لأن استنتاج الحكم المذكور مردود بالنظر إلى أسباب النزول المذكورة للآية والأدلة الأخرى. فوفقاً لبعض أسباب النزول، نزلت هذه الآية في علماء أهل الكتاب الذين كانوا يكتمون آية الرجم وأمر النبي (ص). ووفقاً لسبب نزول آخر، نزلت الآية المذكورة في رؤساء اليهود وعلمائهم الذين كانوا يتلقون هدايا من عوام اليهود، وكانوا يأملون أن يكون النبي المبعوث منهم، ولكن عندما بُعث النبي من غيرهم، خافوا أن تذهب مآكلهم ورئاستهم، ولهذا السبب غيروا صفات النبي وعرضوها على الناس، وقالوا: هذه صفة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، وهي لا تشبه صفة وخصائص النبي الذي في مكة. وكذلك، وفقاً لسبب نزول آخر، قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأغلب العلماء إن المراد بالآية اليهود والنصارى، مثل كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وابن صوريا وزيد بن تابوه وغيرهم من علماء النصارى الذين كتموا أمر النبي ونبوته مع أنها وردت في التوراة والإنجيل.
القدر المشترك بين جميع أسباب النزول المذكورة وغيرها هو أن علماء اليهود أو النصارى كانوا يكتمون حقيقة النبي (ص) ونبوته، وقد ذُموا في هذه الآية، ولذا لا علاقة لها بأجرة تعليم القرآن.
على فرض قبول عمومية مفهوم الآية ١٥٩ من سورة البقرة (آية الكتمان) وعدم اقتصارها على الموارد المذكورة في سبب نزول الآية محل البحث والآيات الأخرى، وكذلك الروايات التي تحدثت عن عدم صحة الكتمان ونهت عنه، فإنها لا تدل على حرمة كتمان العلم وعدم جواز أخذ الأجرة مقابل التعليم؛ لأن سبب حرمة كتمان العلم هو أحد الموارد التالية: ١. حرمة الكتمان في آية الكتمان تتعلق بمقام الإفتاء والإجابة على استفتاء مسألة شرعية؛ لأن إجابة العالم والمفتي على سؤال السائل واجبة، خاصة إذا كان السائل مقلداً للمسؤول. ٢. حُرّم كتمان العلم لأنه يستلزم إخفاء الحقائق العلمية ويؤدي إلى الجهل وعدم الصحة، أو لأنه يؤدي إلى ضياع الحقائق بسبب مراعاة مسائل سياسية، أو لأنه يُكتم خوفاً من الظلمة. بالنظر إلى النقاط المذكورة، لا تدل الآية على الادعاء المشار إليه، خاصة وأن العلماء الملتزمين يتحملون مسؤولية أخلاقية وشرعية توجب عليهم، بموجب النصوص الإسلامية، ألا يخشوا في إظهار الحق إلا الله. كما أن قول كلمة الحق عند الحاكم الجائر يُعد أعظم الجهاد في الروايات، وقد قال علي (ع) في هذا الصدد: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”. وكذلك حُكم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٣. حرمة كتمان العلم من حيث إن من يحتكر علماً ويمتنع عن نشره، حتى لا يعرف الناس عالماً غيره، أو يحصر العلم في فئة خاصة، فإنه مشمول بالآية. ومن جهة أخرى، مع كون حرمة الاحتكار مسلمة، لم يفت أحد بوجوب إجبار المحتكر على وضع سلعته تحت تصرف الآخرين بلا عوض ومجاناً؛ لأن قوام الأبدان بالسلع، وقوام الأرواح والعقول والحضارات والمجتمعات بالأفكار والآراء. ولهذا السبب، حكم الفقهاء بوجوب عرض السلعة المحتكرة للبيع بسعر عادل، حتى لا يتضرر أي من الطرفين، المنتج والمستهلك. بالنظر إلى هذا الأمر، لا علاقة للآية بالمورد المدعى.
الآيات من الفئة الثالثة، أي الآيات التي تنهى عن بيع آيات القرآن بثمن بخس، لا تدل أيضاً على المدعى؛ لأنه بناءً على تصريح مفسرين مثل الطبرسي، فإن المقصود بالآيات المذكورة هو ألا تستبدلوا آيات الله وأحكامه بثمن بخس، والمقصود به الرشوة وطلب الرئاسة، كما فعل علماء اليهود. ومن جهة أخرى، فإن جملة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أي من استخف بحكم الله وحكم بغيره فهو كافر ظالم وفاسق، في نهاية آية ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (المائدة: ٤٤)، هي في حق علماء من اليهود أنكروا آيات الله واستخفوا بها بسبب إفراطهم في الكفر والظلم، وحكموا بغير حكم الله بسبب فسقهم المفرط. وهذه الجملة في نهاية الآية المذكورة تؤيد أيضاً أن الآية المشار إليها لا تدل على المدعى ولا علاقة لها بأجرة تعليم القرآن.
تحدث بعض المفسرين في مجال مفهوم الآيات التي تنهى عن بيع آيات الله بثمن بخس عن احتمال آخر، والذي بناءً عليه أيضاً لن تدل الآيات المشار إليها على المدعى؛ لأنه في هذا الاحتمال قيل إن المقصود بالآيات المذكورة هو ألا تبيعوا أوامر الله ونواهيه مقابل ثمن قليل، أي الدنيا. وبتعبير آخر، هذا النوع من الآيات ينهى عن تحريف وتبديل أوامر الله ونواهيه. من جهة أخرى، ذم القرآن نوعين من التجارة وحذر الناس منهما: أحدهما التجارة بآيات الله وكلماته، والآخر التجارة بعهود الله. وهذا النوع من الآيات دليل على عدم صحة الاستدلال بالآيات محل البحث على المدعى، أي عدم جواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن؛ لأن الله قال عن النوع الأول: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (المائدة: ٤٤)، وقال عن النوع الثاني: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (النحل: ٩٥). وهناك تجارات باطلة أخرى تؤيد بنحو ما عدم ارتباط الآيات المذكورة بأخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، وهذه التجارات هي: ١. بيع الآخرة بالدنيا، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ (البقرة: ٨٦). ٢. بيع الهدى بالضلالة، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (البقرة: ١٦). ٣. بيع الإيمان بالكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ١٧٧).
وفي مقابل التجارات الخاسرة المذكورة، أُشير في القرآن إلى تجارات رابحة، تقوي عدم ارتباط الآيات المشار إليها بالمورد المدعى، ومن تلك التجارات: ١. بيع النفس مقابل مرضاة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٠٧). ٢. بيع النفس والمال مقابل الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ١١١).
آية السحت (المائدة: ٤٢) لا تدل أيضاً على المدعى، أي عدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن؛ لأن “الحرام” ليس المعنى الوحيد لـ “السحت”، وقد استُخدم في بعض الروايات بمعنى “المكروه”، ومنها الرواية المنقولة عن ابن عباس في كون أجرة معلمي القرآن الذين يشترطون الأجر سحتاً. ومن جهة أخرى، صرح بعض اللغويين مثل ابن منظور بأن “السحت”، بالإضافة إلى معنى الحرام، قد استُعمل في المكروه أيضاً. وكذلك يقول الفضل بن أبي قرة: “قلت لأبي عبد الله (ع): إن هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا أعداء الله، إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن، ولو أن المعلم أعطي دية ولده لكان للمعلم مباحاً”.
هذا النوع من الآيات يوضح أن الأنبياء لم يكن لديهم هدف مادي؛ كان هدفهم من عملهم هو نيل رضا الله. والإنسان العاقل يجب أن يكون له دافع لكل عمل، وعندما يثبت لكم كمال عقلي وترون أنني ليس لدي دافع مادي، يجب أن تعلموا أن دافعاً إلهياً ومعنوياً هو الذي دفعني لهذا العمل. وبتعبير آخر، مفهوم هذه الآيات هو أنني دعوتكم إلى التفكر، فالآن تفكروا واسألوا وجدانكم، ما الذي دفعني لأنذركم عذاب الله الشديد؟ وما الفائدة التي تعود عليّ من هذا العمل؟ وما النفع المادي الذي لي فيه؟ وعلاوة على ذلك، إذا كانت حجتكم في هذا الإعراض عن الحق هي أنه يجب عليكم دفع ثمن باهظ له، فأنا أصلاً لم أطلب منكم أجراً.
الآيات من الفئة الخامسة، أي الآيات التي تدل على عدم طلب الأجر مقابل الرسالة من قبل النبي (ص)، ومنها الآيتان ١٠٩ و ١٢٧ من سورة الشعراء، وذلك لأن هذا النوع من الآيات من جهة يتعارض مع الروايات الدالة على جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، مثل: “إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله”، ومن جهة أخرى، يمكن تصور تعليم القرآن بعدة صور: في نوع منه، يقدم معلم القرآن على تعليمه مجاناً، وهذا هو عمل الأنبياء. وفي نوع آخر، يتلقى المعلم هدية لا أجراً، ولا شك في صحة هذا النوع من التعليم. والنوع الثالث من تعليم القرآن هو أن يقوم المعلم بتعليمه مقابل أجر. وهذا النوع من التعليم، الذي عُبر عنه في بعض الروايات بالتعليم بشرط أخذ الأجر، هو محل خلاف. بالإضافة إلى هذه الموارد، يمكن الإشارة إلى تعليم رابع، وهو التعليم مقابل الارتزاق من بيت المال والحكومة الإسلامية. ولا شك في جواز هذا النوع من التعليم، لأن الارتزاق من بيت المال وأخذ الأجر مقولتان مختلفتان.
وقد ذهب أكثرية العلماء المسلمين إلى جواز النوع الثالث من التعليم (التعليم مقابل الأجر)، بينما ذهبت جماعة من العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى عدم جوازه. وقد أجاز بعض الفقهاء الحنفية المتأخرين، خلافاً لفتوى أسلافهم، أخذ الأجرة على أداء بعض الطاعات مثل إمامة الجماعة والأذان وتعليم القرآن استحساناً، استدلالاً بأن همم المسلمين في عصرنا تختلف عن همم المسلمين في صدر الإسلام، بحيث لو لم تُعط اليوم أجور لأئمة الجمعة والجماعات والمؤذنين ومعلمي القرآن والأحكام الشرعية وغير ذلك من الطاعات الدينية، لاختلت حياتهم العادية، ولتعطل تعليم القرآن وبيان الأحكام، ولتعطلت الشعائر الإسلامية. وقد استندوا في هذا المجال أيضاً إلى القاعدة الشرعية: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”. ومع ذلك، لم يجيزوا أخذ الأجرة على تلاوة القرآن استدلالاً بعدم ضرورتها، لأنهم فصلوا بين تعليم الأمور الضرورية كالقرآن وغيره، والأمور غير الضرورية مثل تلاوة القرآن. ومن جهة أخرى، قال البعض إنه لما انقطعت الآن الجوائز والعطايا – التي كانت شائعة في صدر الإسلام في حق المعلمين – من قبل الأثرياء وبيت المال، فقد حُكم بجواز الأجرة في الموارد المذكورة لدفع الحرج والمشقة عن المعلمين؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على إدارة حياتهم عن طريق الزراعة أو التجارة أو الصناعة، ومن جهة أخرى، لم يتول أحد هذه الأعمال، وكان عدم جواز أخذ الأجرة يؤدي إلى ضياع القرآن والشرع.
ب. نقد الاستدلال بالآيات الدالة على جواز أخذ الأجرة
الآيات التي استُدل بها على جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن ليست دليلاً على المدعى المذكور أيضاً، ولا يمكن استنتاج جواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن منها؛ لأنه في آية السعي ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩)، على الرغم من أن عموم السعي يشمل تعليم القرآن، إلا أنه لا يمكن استنتاج جواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن منها؛ لأن الآية المذكورة تشير إلى أن جهد الإنسان وسعيه لا يكون بلا جزاء، ومن البديهي أن هذا المعنى، كما في آية ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (طه: ١٥)، يدل على الثواب والعقاب الأخروي. ومما يؤيد المدعى المذكور أنه جاء في تتمة الآية: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. ولهذا السبب، قال بعض الفقهاء، استناداً إلى هذه الآية، إن قضاء عبادات الميت مثل الصلاة والصوم عنه لا يصح. وكذلك قال البعض، استناداً إلى هذه الآية، إنه لا يجوز للشخص الحي أن يستنيب غيره في حياته لأداء عباداته البدنية مثل الوضوء والغسل والصلاة.
على فرض أن مفهوم الآية محل البحث يشمل جميع أعماله الدنيوية والأخروية والمادية والمعنوية، فلا يمكن استنتاج جواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن منها أيضاً؛ لأنه لا توجد ملازمة بين الآية محل البحث وجواز أخذ الأجرة، لأنه في هذه الحالة يكون مفهوم الآية أن الإنسان ليس له حاصل إلا نتيجة سعيه وعمله، وكل سعي له في الدنيا يقابله أثر دنيوي وأخروي. في هذه الحالة، إذا أقدم شخص مثلاً على عمل جيد مثل تعليم القرآن وما شابهه، فسيرى نتيجته الحسنة من الرضا والاحترام والسكينة وغيرها من الفوائد الدنيوية في الدنيا، وفي الآخرة سينال الثواب أيضاً. إذن، لا يُستفاد من الآية المذكورة بالضرورة جواز أخذ الأجرة مقابل سعي مثل تعليم القرآن.
الآية الثانية، أي ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨)، لا تدل أيضاً على جواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن، بنفس البيان الذي تقدم في الآية السابقة.
٤. الروايات المستدل بها في باب أخذ الأجرة أو عدمه إزاء تعليم القرآن
بالإضافة إلى الآيات المشار إليها، استُدل في فقه الشيعة وأهل السنة بروايات أيضاً على جواز أو عدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، والتي سيتم تقييمها في قسمي القائلين بالجواز والمخالفين له.
أ. الروايات الدالة على عدم جواز أخذ الأجرة
١. حكم بعض فقهاء أهل السنة، ومنهم أبو حنيفة، بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، استناداً إلى أن أبي بن كعب علّم شخصاً القرآن، فأهدى له ذلك الشخص قوساً، وعندما علم النبي (ص) بالأمر قال: “إن أخذتها أخذت قوساً من نار”، فلهذا السبب رد أبي بن كعب القوس.
٢. قول النبي (ص): “اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به”. استنتج أبو حنيفة والزهري وبعض فقهاء أهل السنة الآخرين من هذا الحديث عدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن.
٣. استنتج بعض فقهاء الشيعة من الحديث المشار إليه كراهة أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
٤. رواية النبي (ص) التي جاء فيها: “إن ما يأخذه المعلمون سحت”.
٥. في المصادر الشيعية أيضاً، نُقلت روايات عن الأئمة (ع)، استناداً إليها حكم بعض فقهاء الشيعة بحرمة أو كراهة أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، منها: * رواية الإمام الصادق (ع) أنه قال لحسان المعلم: “لا تؤاجر نفسك واقبل الهدية”. * قال رجل لعلي (ع): “إني أحبك”. فقال له (ع): “ولكني أبغضك”. قال: “ولم؟”. قال (ع): “لأنك تأخذ على الأذان أجراً، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً”. وسمعت رسول الله (ص) يقول: “من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيامة”.
ب. الروايات الدالة على جواز أخذ الأجرة
في مقابل الفئة الأولى من الروايات التي نهت عن أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، توجد روايات تبين جواز أخذ الأجرة، منها: ١. قول النبي (ص): “إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله”. ٢. رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: “بعثنا رسول الله (ص) ثلاثين راكباً في سرية، فنزلنا على قوم فسألناهم أن يضيفونا فأبوا، فَلُدِغَ سيد ذلك الحي، فأتونا فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟ قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنماً. قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا. فقرأت عليه الحمد سبع مرات فبرأ… فأتينا النبي (ص) فذكرنا ذلك له، فقال: اقسموها بينكم”. قال الترمذي إنه بناءً على الحديث المذكور، يجوز للمعلم أن يشترط الأجر على تعليم القرآن. وقد أجازه الشافعي أيضاً.
٣. في المصادر الشيعية أيضاً، بالإضافة إلى الرواية الأولى، نُقلت روايات لجواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، استند إليها الفقهاء، منها: * رواية الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “قلت لأبي عبد الله (ع): هؤلاء يقولون إن كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا أعداء الله، إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن، ولو أن المعلم أعطي دية ولده لكان للمعلم مباحاً”.
٥. نقد ودراسة الروايات
أ. دراسة الروايات الدالة على جواز أخذ الأجرة
من بين الروايات المستدل بها في هذه الفئة، لا تبدو الرواية الثانية منطقية ومقبولة لأنها تتحدث عن الرقية بالقرآن. ومع ذلك، بالنظر إلى الأدلة الأخرى، لا يمكن إنكار جواز أخذ الأجرة. وبما أن هناك روايات أخرى تنهى عن أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، فيجب الجمع بين هذين النوعين من الروايات كما سنرى.
ب. دراسة روايات النهي عن أخذ الأجرة
الروايات التي اعتبرت أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستلزماً لأخذ طوق من نار جهنم، وردت لأن النبي (ص) كان يعلم بإخلاص هؤلاء المعلمين، وكان يعلم أنهم يقومون بهذا العمل لرضا الله، فقال لهم ذلك وأبدى كراهته لأخذ الأجرة. ولكن إذا قام شخص بالتعليم لرضا الله وبهذا الدافع – دون أن يطلب شيئاً من المتعلم – ودفع له المتعلم شيئاً مقابل تعليمه، فلا إشكال في أخذ الأجرة.
أما الرواية التي ورد فيها إعلان علي (ع) عن استيائه من أخذ الأجر على الأذان وتعليم القرآن، فيجب القول إن استياء علي (ع) من الرجل المذكور في الرواية كان بسبب أخذه الأجرة على الأذان، ولم يكن استياؤه بسبب أخذ ذلك الرجل أجرة مقابل تعليم القرآن. ولهذا السبب، حرم فقهاء الشيعة أخذ الأجرة على الأذان لكونه عبادة.
أما الروايات الأخرى في هذه الفئة، فيجب القول إنه بما أن الروايات المذكورة في فقه الشيعة وأهل السنة تقدم حكمين مختلفين حول أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، فيجب الجمع بينها؛ لأنه ما دام الجمع ممكناً، يجب تجنب طرح الروايات المتعارضة.
الجمع بين الروايات
نظراً لأنه، كما بينا سابقاً، لا يمكن الاستدلال بالآيات المشار إليها لأي من وجهتي النظر (الجواز وعدم الجواز)، فيجب الرجوع إلى الروايات التي تحدثت صراحة عن أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن. ومن جهة أخرى، ونظراً لتعارض هذه الروايات، يجب الجمع بينها بإحدى الطرق التالية:
أ. الجمع بالاستناد إلى نوع وجوب تعليم القرآن
بناءً على هذا الجمع، يجب التفصيل بين ما يلزم من القرآن في قراءة الصلاة (الحمد والسورة وغيرهما)؛ لأن تعلم الحمد والسورة واجب عيني، فلا يجوز أخذ الأجرة على تعليمه ويُعد حراماً. أما أخذ الأجرة على تعليم سائر أقسام القرآن فليس ممنوعاً.
ب. الجمع على أساس اشتراط أخذ الأجرة وعدم اشتراطها
بناءً على هذا الجمع، في حال عدم اشتراط الأجرة، لا إشكال في أخذها لتعليم القرآن. أما في حال اشتراطها، فيعتقد بعض الفقهاء مثل الشيخ الطوسي بحرمتها. وتوقف العلامة الحلي في هذا المجال يدل على ضعف هذا الجمع. ولهذا السبب، يميل كثير من الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة مطلقاً.
ج. الجمع بالتقية وعدمها
بناءً على هذا الجمع، تُحمل روايات أئمة الشيعة (ع) حول منع أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن على التقية. وقد رجح هذا الجمع البحراني، وهو من العلماء الأخباريين، مما لا ينسجم بنحو ما مع توجه الأخباريين الذين لا يرون حاجة لعلمي الرجال والدراية. وهذا الأمر يؤكد اعتداله في التوجه الأخباري.
د. الجمع على أساس الدور في تقدم القرآن وعدمه
بناءً على هذا الجمع، وهو منطقي وتؤيده بنحو ما الروايات وآراء بعض الفقهاء، يجب حمل الروايات الناهية عن أخذ الأجرة على تأثير ذلك في تقليل تقدم القرآن وأهميته؛ لأن بساطة حاجات المسلمين الأوائل وعدم وجود التعقيدات التي ظهرت في العصور اللاحقة بسبب المسائل المستحدثة والاتصال بالحضارات الجديدة كإيران والروم وغيرها، أدت إلى أن يسعى المسلمون بكل وجودهم لتعليم القرآن إلى جانب أعمالهم اليومية المدرة للدخل. أما في العصور اللاحقة، حيث حُرم المسلمون من الاتصال بالمعصومين وواجهوا مسائل مستحدثة ومعقدة، فقد كان لا بد من وجود أفراد يتفرغون لتعليم القرآن وتعاليمه، وإلا فإن لزوم مجانيته كان سيؤدي إلى إلحاق الضرر بالقرآن وتعاليمه وتعطيلها.
من الأدلة التي تقوي وتؤيد هذا الجمع هو أن العلامة الحلي قال في سبب عدم جواز أخذ الأجرة: “لأنه من أعظم المعجزات التي يجب تداولها ونقلها بالتواتر، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه”. وبناءً على العبارة المذكورة، فقد اعتبر إعجاز القرآن ووجوب انتشاره دليلاً على لزوم مجانية تعليمه، وهذا من جهة لا يتنافى أخذ الأجرة مع انتشار القرآن وإعجازه ويمكن الجمع بينهما، ومن جهة أخرى، بالنظر إلى الأدلة السابقة، إذا كان انتشار القرآن يستلزم دفع أجر لتعليمه وجواز أخذ هذا الأجر، فإن عدم جوازه بل وكراهته لا معنى له.
النتيجة
مما تقدم، نستنتج ما يلي: ١. نظراً لأن الله هو أول معلم للقرآن، وبخلاف السياق الطبيعي، تم الحديث في آيات القرآن أولاً عن تعليم القرآن من قبل الله، ثم عن خلق الإنسان، وفي النهاية تم الاهتمام والإشارة إلى تعليم الإنسان البيان، يُستنتج أهمية تعليم القرآن؛ لأنه من جهة عمل إلهي، ومن جهة أخرى يُعد أعظم نعمة تستلزم سعادة الدنيا والآخرة. ٢. النبي (ص) بصفته أول متعلم للقرآن بين الجن والإنس، كان يتمتع من جهة بخصائص فيما يتعلق بالقرآن مثل حسن الصوت ومراعاة الوقوف وغيرها، ومن جهة أخرى، أقدم على تعليم القرآن بأساليب شيقة. وقد اهتم الصحابة أيضاً، تأسياً بالنبي (ص) وبوصيته، بتعليم القرآن لأبنائهم، لا سيما الأطفال. ٣. استدل الموافقون والمخالفون لأخذ الأجرة مقابل التعليم الديني، وخاصة القرآن، بآيات وروايات، مما يدل بنحو ما على اهتمام كلا الفريقين بتعليم القرآن. ورأي الحنفية المتقدمين الذين كانوا يعتقدون بعدم جواز أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، وكذلك رأي متأخريهم الذين، بمقارنة مسلمي العصر الحاضر بمسلمي صدر الإسلام واستناداً إلى الاستحسان، حكموا بجواز أخذ الأجرة مقابل التعليم القرآني والديني، يؤيد هذا الادعاء جيداً. من هنا، فإن كلا الفريقين قد ساهما بنحو ما في ترويج التعليم الديني، لا سيما تعليم القرآن. ٤. كانت حساسية المسلمين تجاه القرآن وأخذ الأجرة على تعليمه أكثر بروزاً من غيره من التعليم الديني، بسبب قداسته وإعجازه واحترامه، ثم سرت هذه الحساسية إلى أنواع التعليم الأخرى، مثل العلوم الدينية. ٥. أظهر كلا الفريقين، الشيعة وأهل السنة، حساسية تجاه أخذ الأجرة مقابل تعليم القرآن، ولكن استدلال علماء أهل السنة بالآيات للحكم بعدم جواز أخذ الأجرة كان على نطاق أوسع. ٦. نظراً لأن الدليل المناسب الوحيد لجواز أخذ الأجرة لتعليم القرآن هو الروايات، وبما أن الروايات في هذا المجال تحدثت بشكلين مختلفين، فإن الجمع بينها ضروري.
المصادر
- القرآن الكريم.
- الآبي، الفاضل، زين الدين أبو علي الحسن بن أبي طالب (١٤٠٨ق)، كشف الرموز في شرح مختصر النافع، ج ٦، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
- ابن أبي شيبة الكوفي (١٤٠٩ق)، المصنف، ج ٥، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى.
- ابن خلدون، عبد الرحمن (بلا تا)، تاريخ ابن خلدون، ج ١، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الرابعة.
- ابن عابدين، محمد أمين (١٤١٥ق)، حاشية رد المختار، ج ٢، بيروت، دار الفكر.
- ابن العربي، محيي الدين (بلا تا)، أحكام القرآن، ج ٤، بلا مكان.
- (١٤٢٢ق)، تفسير ابن العربي، ج ٢، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى.
- ابن عقيل العماني، حسن بن علي (بلا تا)، مجموعة من فتاوى ابن عقيل، قم.
- ابن منظور المصري، أبو الفضل جمال الدين (١٤٠٥ق)، لسان العرب، ج ٢ و ١٤، قم، نشر أدب الحوزة.
- الأسترابادي، محمد بن علي (بلا تا)، آيات الأحكام، ج ١، طهران، مكتبة المعراجي.
- الأمين الأصفهاني، السيدة نصرت (١٣٦١ش)، مخزن العرفان، ج ٩، طهران، نهضت زنان مسلمان.
- الأندلسي، أبو حيان محمد بن يوسف (١٤٢٠ق)، البحر المحيط في التفسير، ج ١، بيروت، دار الفكر.
- البحراني، السيد هاشم (١٤١٦ق)، البرهان في تفسير القرآن، ج ٥، طهران، مؤسسة البعثة.
- البحراني، آل عصفور، يوسف بن أحمد (١٤٠٥ق)، الحدائق الناضرة، ج ١٨، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
- البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٠١ق)، صحيح البخاري، ج ٦ و ٧، بيروت، دار الفكر.
- الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى (١٤٠٣ق)، سنن الترمذي، ج ٤، بيروت، دار الفكر.
- الجصاص، أحمد بن علي (١٤٠٥ق)، أحكام القرآن، ج ١، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
- الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (١٤٢٢ق)، زاد المسير في علم التفسير، ج ٤، بيروت، دار الفكر.
- جعفري، يعقوب (بلا تا)، كوثر، ج ١، بلا مكان، بلا ناشر.
- الحسيني الشيرازي، السيد محمد (١٤٢٣ق)، تبيين القرآن، بيروت، دار العلوم، الطبعة الثانية.
- حقي البرسوي، إسماعيل (بلا تا)، تفسير روح البيان، ج ٩، بيروت، دار الفكر.
- الحلي (العلامة)، الحسن بن يوسف (١٤١٠ق)، نهاية الأحكام، ج ٢، قم، مؤسسة إسماعيليان.
- (١٤١٤ق)، تذكرة الفقهاء، ج ١٣، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى.
- (١٤١٢ق)، منتهى المطلب، ج ١٥، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، الطبعة الأولى.
- الحلي، ابن إدريس، أبو جعفر محمد بن منصور (١٤١٠ق)، السرائر، قم، جامعة المدرسين.
- الحلي السيوري، الفاضل مقداد بن عبد الله (بلا تا)، كنز العرفان في فقه القرآن، ج ١، قم، الطبعة الأولى.
- خسرواني، السيد علي رضا (١٣٩٠ق)، تفسير خسروي، ج ٢، طهران، انتشارات إسلاميه، الطبعة الأولى.
- الخميني، مصطفى (١٤١٨ق)، تفسير القرآن الكريم، ج ٥، بلا مكان، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.
- الخوئي، أبو القاسم (١٤١٠ق)، كتاب الطهارة، قم، دار الهادي، الطبعة الثالثة.
- الدريني، فتحي (١٣٧٦ش)، حقوق المؤلفين والمترجمين والناشرين في الفقه المعاصر الإسلامي، ترجمة محمد رضا افتخار زاده، طهران، نشر هزاران، الطبعة الأولى.
- الريشهري، محمد (١٣٧٥ش)، ميزان الحكمة، ج ٢ و ٤، قم، دار الحديث، الطبعة الأولى.
- رهنما، زين العابدين (١٣٤٦ق)، ترجمة وتفسير رهنما، ج ٤، طهران، انتشارات كيهان.
- الزرقاني، محمد عبد العظيم (١٤١٦ق)، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج ١، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى.
- الزركشي، أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله (١٣٩١ق)، البرهان في علوم القرآن، ج ١، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار المعرفة.
- السبحاني، جعفر (١٤١٩ق)، مصادر الفقه الإسلامي وأدلته ومنابعه، بيروت، دار الأضواء، الطبعة الأولى.
- السبزواري النجفي، محمد بن حبيب الله (١٤١٩ق)، إرشاد الأذهان في تفسير القرآن، بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
- السخاوي، علي بن محمد (١٤١٩ق)، جمال القراء وكمال الإقراء، ج ١، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى.
- الشريف المرتضى، علم الهدى علي بن الحسين (١٤١٥ق)، الانتصار في انفرادات الإمامية، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
- الشنقيطي الجنكي، محمد الأمين بن محمد المختار (١٤١٥ق)، أضواء البيان، ج ٢، بيروت، مكتب البحوث والدراسات.
- السيد سابق (بلا تا)، فقه السنة، ج ٣، بيروت، دار الكتاب العربي.
- الشهيد الثاني العاملي، محمد بن زين الدين (بلا تا)، رسائل الشهيد، ج ٢، قم، مكتبة بصيرتي.
- الطباطبائي، محمد حسين (١٤١٧ق)، الميزان في تفسير القرآن، ج ١٩ و ١٨، قم، دفتر انتشارات إسلامي جامعه مدرسين، الطبعة الخامسة.
- الطبري، الكيا الهراسي، أبو الحسن علي بن محمد (١٤٠٥ق)، أحكام القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية.
- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (١٤١٢ق)، جامع البيان، ج ١، دار المعرفة.
- الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن (١٣٧٧ش)، تفسير جوامع الجامع، ج ٢، (مترجمون)، مشهد، بنیاد پژوهشهای اسلامی، الطبعة الثانية.
- (١٤١٥ق)، تفسير مجمع البيان، ج ١ و ٩، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
- الطيب، السيد عبد الحسين (١٣٧٨ش)، أطيب البيان في تفسير القرآن، ج ٢ و ٩ و ١٠، طهران، انتشارات إسلام، الطبعة الثانية.
- الطوسي (الشيخ)، أبو جعفر محمد بن الحسن (١٣٦٥ش)، تهذيب الأحكام، ج ٦، بلا مكان، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة.
- طهماز، عبد الحميد (١٣٧٦ش)، حق التأليف والتوزيع والنشر والترجمة، ترجمة محمد افتخار زاده، بلا مكان، نشر هزاران.
- العاملي، إبراهيم (١٣٦٠ش)، تفسير عاملي، ج ٨، طهران، انتشارات صدوق، الطبعة الأولى.
- الغرناطي الكلبي، محمد بن أحمد بن محمد (١٤٠٣ق)، التسهيل لعلوم التنزيل، ج ١، لبنان، الطبعة الرابعة.
- فخر الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر (١٤٢٠ق)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج ٢٩، بلا مكان، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة.
- الفيض الكاشاني، محسن (١٤١٥ق)، تفسير الصافي، ج ٥، طهران، انتشارات صدر، الطبعة الثانية.
- القرطبي الأنصاري، أبو عبد الله محمد بن أحمد (بلا تا)، تفسير القرطبي، ج ١، القاهرة، دار الشعب.
- القنوجي، محمد صديق (بلا تا)، نيل المرام، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.
- الكركي، المحقق، علي بن الحسين (١٤١٤ق)، جامع المقاصد، ج ٩، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى.
- المتقي الهندي، علاء الدين علي (١٤٠٩ق)، كنز العمال، بيروت.
- المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣ق)، بحار الأنوار، ج ٩٧، بيروت، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثالثة.
- المفيد البغدادي، محمد بن محمد (١٤١٣ق)، المقنعة، قم، كنگره جهانى شيخ مفيد، الطبعة الأولى.
- مكارم الشيرازي، ناصر (١٣٧٤ش)، تفسير نمونه، ج ١٨، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الأولى.
- النجفي كاشف الغطاء، محمد حسين العاملي (١٣٥٩ق)، تحرير المجلة، ج ١، النجف الأشرف، المكتبة المرتضوية.
- النسائي، أحمد بن شعيب (١٣٤٨ق)، سنن النسائي، ج ١٠، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى.
- النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد (بلا تا)، تفسير النسفي، ج ٢، بلا مكان.
- النوري، الميرزا حسين (١٤٠٨ق)، مستدرك الوسائل، ج ٢ و ٤ و ١٣، بلا مكان، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى.
- النووي، محيي الدين بن شرف (بلا تا)، المجموع في شرح المهذب، ج ١٥، بلا مكان، دار الفكر.
- النويري، أبو القاسم محمد بن محمد (١٤٢٤ق)، شرح طيبة النشر في القراءات، ج ١، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.
- الواحدي، علي بن أحمد (١٤١١ق)، أسباب النزول، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.