الملخص: من أهم المباحث الأصولية وأكثرها ثمرة هو اعتبار وحجية خبر الثقة. لقد كان تحديد مستند حجية خبر الثقة موضع بحث ودراسة الأصوليين منذ القدم. فالبعض تمسك بالآيات القرآنية، والبعض الآخر بالروايات، وفريق ثالث بسيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة لإثبات هذا الأمر المهم. إن التمسك بكل واحد من هذه الأدلة له نتائج وثمرات محددة ذات أهمية في استنباط الأحكام الفقهية وغيرها. كُتب هذا البحث بهدف تبيين ودراسة ثمرات مدركية سيرة العقلاء بالنسبة لسيرة المتشرعة في كلمات آية الله الشهيدي. ترتبط معظم المطالب في تبيين الثمرات ودراستها بالكشف الصغروي لسيرة المتشرعة وسيرة العقلاء. يطرح سماحته أربع ثمرات، وهي: التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام، التفصيل في حجية خبر الثقة الشيعي وغير الشيعي، التفصيل في جواز وعدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الثقة، والتفصيل بين اعتبار خبر الثقة في الأمور المهمة وغير المهمة. الكاتب في هذا البحث، بعد تبيين ودراسة الثمرات الأربع، يقبل بالثمرة الأولى والثمرة الثالثة وفقًا لرأي الأستاذ الشهيدي، ولكنه يخالف رأي الأستاذ الشهيدي في الثمرتين الأخريين.
مقدمة
من أهم المباحث وأكثرها ثمرة في علم الأصول، بحث ودراسة حجية واعتبار خبر الثقة، والذي كان موضع بحث ودراسة تفصيلية في الكتب الأصولية منذ القدم. ومنذ القرون الثالثة والرابعة الهجرية وحتى الآن، واجهت هذه المسألة مؤيدين ومعارضين في أصل الاعتبار وميزانه. البعض لإثبات اعتبار خبر الثقة تمسك بالآيات القرآنية، والبعض بالروايات، والبعض الآخر بسيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة. في العصر الحاضر، معظم الأدلة هي الروايات أو السيرة، سواء كانت سيرة عقلائية أو متشرعية. الكاتب في هذا البحث، ونظرًا لأن ثمرات ونتائج التمسك بسيرتي العقلاء والمتشرعة لم تُبحث وتُدرس تفصيليًا، يتناول تبيين ودراسة هذه الثمرات بنظرة مقارنة بين مدركية سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة. للأسف، على الرغم من أهمية وثمرات هذا المبحث الأساسية في هذه النظرة المقارنة، ووفقًا لفحص الكاتب في الكتب الأصولية المشهورة، لم يتم بحث ودراسة هذا الموضوع، واكتُفي فقط بأصل مدركية سيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة. على سبيل المثال، يمكن ذكر بعض كتب الأصوليين مثل “فرائد الأصول”، و”نهاية الأفكار”، و”فوائد الأصول”، و”بحوث في علم الأصول”، و”أنوار الهداية”. لأول مرة، طرح الأستاذ الشهيدي في كتاب “أبحاث أصولية” ثمرات هذا البحث في كلماته وبحثها ودرسها. الكاتب، نظرًا لأهمية البحث المذكور، يتناول تبيين ودراسة الثمرات والنتائج المذكورة من وجهة نظر الأستاذ الشهيدي. في كتاب “أبحاث أصولية”، يمكن الوصول إلى أربع ثمرات، وهي: ۱. التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الموضوعات والأحكام. ۲. التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة. ۳. التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في تخصيص الكتاب. ٤. التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في الأمور المهمة وغير المهمة. الكاتب بعد تبيين الثمرات، يوافق على الثمرة الأولى والثالثة وفقًا لرأي الأستاذ الشهيدي، ولكنه في الثمرتين الأخريين، ينتقد ويدرس كلماته.
تبيين المفردات
يُطلق على السلوك الخارجي للعقلاء بفعل أو ترك شيء ناشئ عن عادتهم أو سليقتهم، سيرة العقلاء، والفرق بينها وبين ارتكاز العقلاء هو أن الارتكاز يكون في أذهان العقلاء ولم يصل إلى مرحلة السلوك الخارجي والتصرف. (مجموعة من المؤلفين، ۱۳۹۷، ص ۸ و ۹) في حال التزام أصحاب الإمامية أو المسلمين بعمل وسلوك ناشئ عن تشرعهم وتدينهم، يُطلق عليه سيرة المتشرعة بالمعنى الأخص، وفي حال لم يكن منشأ التدين والتشرع معتبرًا فيه، بل كان أعم من التشرع والتدين والطبع العقلاني، فهو سيرة المتشرعة بالمعنى الأعم. (نفس المصدر)
ثمرات التمسك بسيرة العقلاء بالنسبة لسيرة المتشرعة في حجية خبر الثقة
في كتاب “أبحاث أصولية”، طُرحت أربع ثمرات بعنوان نتائج التمسك بسيرة العقلاء بالنسبة لسيرة المتشرعة. في البداية، تُعرض الثمرات الأربع، وبعد تبيينها وشرحها، يُنتقد وتُدرس النتائج المذكورة:
الثمرة الأولى: التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الموضوعات والأحكام
يكتب الأستاذ الشهيدي في التفصيل بين خبر الثقة في الموضوعات والأحكام: “سيرة المتشرعة في الموضوعات غير محرزة، خلافًا لسيرة العقلاء التي يكون فيها خبر الواحد حجة أيضًا. ذلك لأن العقلاء في العمل بخبر الثقة لا يفرقون بين الموضوع والحكم؛ أما في سيرة المتشرعة، فإن السيرة في الموضوعات لم تتحقق.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۶۷) من بين القائلين بأن مستند خبر الثقة هو سيرة العقلاء، وبالتالي يعتبرون خبر الثقة في الموضوعات معتبرًا، يمكن الإشارة إلى المحقق الخوئي (الخوئي، ۱۳۷۵، ج ۲۳، ص ۱۹۶)، والمحقق التبريزي (التبريزي، ۱٤۳۱، ج ۲، ص ۲۷۷)، والشهيد الصدر (الصدر، ۱٤۳٤، ج ۲، ص ۸۶). يبدو أن ذكر عدة نقاط في ذيل كلامه ضروري لإثبات المدعى:
النقطة الأولى: نكتة العمل في سيرة العقلاء وأهميتها
نكتة عمل العقلاء بمطلق خبر الثقة هي أهمية ومحورية صدور الخبر. ولهذا السبب، لا يوجد فرق في السيرة العقلائية بين الخبر في الموضوعات والخبر في الأحكام.
النقطة الثانية: الإمضاء أو عدم إمضاء نكتة سيرة المتشرعة
قد يُشكل بأن ما له أهمية في السيرة هو تلك النكتة والارتكاز الذي يمثل سند السيرة والسلوك الخارجي. ولهذا السبب، فإن عدم تحقق السلوك الخارجي لا يدل على عدم وجود السيرة، ومع الأخذ في الاعتبار أن الارتكاز ونكتة السيرة موجودان في ما نحن فيه ومحل النزاع؛ فإن عدم التحقق الخارجي لسيرة المتشرعة ليس مضرًا. يبدو أن هذا الإشكال ليس صحيحًا؛ لأنه أولاً، كشف ارتكاز المتشرعة في العمل بمطلق خبر الثقة في الموضوعات والأحكام ليس ثابتًا. ثانيًا، في حال إحراز ارتكاز المتشرعة في العمل بمطلق خبر الثقة، يبدو أن هذا الارتكاز ليس له اعتبار؛ توضيح عدم اعتبار ارتكاز المتشرعة في حال الإحراز على النحو التالي: إثبات اعتبار ارتكاز المتشرعة ممكن من طريقين: أ) ارتكاز المتشرعة يكشف كشفًا إنيًا عن الحكم الشرعي؛ نظير العلة والمعلول، فارتكاز المتشرعة معلول للحكم الشرعي، وفي حال إثبات ارتكاز المتشرعة، يُثبت الحكم الشرعي بالبرهان الإني. يبدو أن هذا المبنى ليس صحيحًا؛ ذلك لأن مجرد إثبات ارتكاز المتشرعة لا يكشف عن الحكم الشرعي؛ بل لإثبات الحكم الشرعي هناك حاجة إلى أدلة أخرى. نعم، قد تكون السيرة والسلوك الخارجي للمتشرعة كاشفًا إنيًا عن الحكم الشرعي، وعدم تحققه مفروض. ب) في حال عدم ردع الشارع عن ارتكاز المتشرعة، يُثبت إمضاء وتأييد الشارع للارتكاز؛ وفي هذه الحالة، يُثبت بوضوح اعتبار خبر الثقة في الفرض المذكور في الموضوعات. يبدو أن هذا المبنى أيضًا ليس صحيحًا؛ ذلك لأن الكاتب لا يرى ردع ارتكاز المتشرعة وظيفة للإمام (ع)؛ ولهذا السبب، في حال مخالفة رأيه لارتكاز المتشرعة، لا لزوم لردع الإمام. لذا، إذا لم يكن لزوم الردع صحيحًا؛ فإنه لا يكشف عن إمضاء الإمام. نعم، في حال السلوك الخارجي والسيرة العملية للمتشرعة، ليس بعيدًا أن تكون أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إرشاد الجاهل دليلاً محكمًا لإثبات وظيفة الإمام في مقام ردع السيرة. ولكن فرض المسألة هو في حال عدم تحقق السلوك الخارجي. نتيجة لذلك، وفقًا لكلا المبنيين، لا يمكن بمجرد وجود ارتكاز المتشرعة إثبات اعتبار خبر الواحد في الموضوعات.
الثمرة الثانية: التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة
يطرح الأستاذ الشهيدي بشأن التفصيل بين روايات الرواة الشيعة وغير الشيعة، مع الأخذ في الاعتبار سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء، ادعاءين رئيسيين، يُعرض كل منهما في البداية، ثم يُبين ويُدرس في ذيل كل منهما: الادعاء الأول: التفصيل في سيرة المتشرعة بين روايات الرواة الشيعة وغير الشيعة، خلافًا لسيرة العقلاء. يكتب سماحته بشأن الادعاء الأول: القدر المتيقن من سيرة المتشرعة في اعتبار خبر الواحد هو العمل بالروايات المنقولة بواسطة الرواة الشيعة؛ أي العمل بروايات العدول؛ خلافًا لسيرة العقلاء التي لا تفرق في العمل بخبر الثقة بين أخبار وروايات الرواة الشيعة وغير الشيعة؛ ذلك لأن نكتة عمل العقلاء بالأخبار والروايات هي الكشف عن صدور الرواية، وفي هذه النكتة، لا دخل للتشيع أو عدمه. (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۶۷) من بين شواهد التشكيك في إطلاق سيرة المتشرعة بالنسبة للعمل بأخبار الرواة غير الشيعة، يمكن الإشارة إلى أقوال الفقهاء والمجتهدين الذين قالوا فقط باعتبار خبر الراوي الثقة الشيعي. من بين هؤلاء القائلين، يمكن الإشارة إلى الشهيد الثاني، والمقدس الأردبيلي، وصاحب المدارك، وصاحب المعالم. (ابن الشهيد الثاني، ۱۳۵۰، ص ۲۰۰). وإن كان إطلاق هذه الأدلة يحتاج أيضًا إلى بحث ودراسة تفصيلية؛ وهذا البحث لا يمكنه أن يتناول تفصيل أدلة هذا البحث؛ نعم، قد تكون وظيفة الإمام في الردع مقتصرة على فرض السؤال من الإمام. ادعاء الإجماع في كلمات الشيخ الطوسي في “عدة الأصول” بالنسبة للعمل بخبر الواحد (الشيخ الطوسي، ۱۳۶۵، ج ۱، ص ۱۳۳) لا يمنع من استظهار التفصيل في كلماته؛ ذلك لأن ادعاء الإجماع في أصل عمل الأصحاب بخبر الواحد غير العلمي لا علاقة له بشروط العمل بخبر الواحد. تُطرح شواهد في هذا الصدد من عباراته في كتاب “عدة الأصول”، وهي كالتالي: ۱. التصريح بوجود شروط للعمل بخبر الواحد في كلمات الشيخ الطوسي، مما يدل على أن ادعاء الإجماع على خبر الواحد إنما هو في مقام بيان أصل العمل بالخبر غير العلمي؛ وليس ناظرًا إلى العمل بروايات غير الشيعة. يُلاحظ عبارته: “إنا لا نقول أن جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط نحن نذكرها فيما بعد، ونشير هاهنا إلى جملة من القول فيه” (نفس المصدر، ص ۱۳۵). لقد صرح في هذه العبارة بأن العمل بخبر الواحد له شروط، لذا لا يمكن الاعتماد على ادعاء الإجماع على خبر الواحد بشكل مطلق. ۲. التصريح باعتبار أخبار غير الشيعة في الروايات غير المنفردة. يعتقد الشيخ الطوسي أنه يُعمل بروايات غير الشيعة إذا وافقتها روايات من الشيعة. ولهذا السبب، إذا انفردت رواية غير الشيعة، فلا اعتبار لها. عبارته كالتالي: “أن جميع ما يرويه هؤلاء، إذا اختصوا بروايته لا يعمل به، وإنما يعمل به إذا أضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به، فأما إذا انفرد فلا يجوز ذلك فيه على حال.” (نفس المصدر، ص ۱۳۶)
الادعاء الثاني: التمسك بصحيحة الحميري وإثبات اعتبار خبر الثقة أعم من كون الرواة شيعة أم لا. يكتب سماحته في تتمة بحث الثمرة الثانية حول التمسك بسيرة المتشرعة في الموضوعات والأحكام ما يلي: “نظرًا لأن صحيحة الحميري من مصاديق القدر المتيقن لعمل المتشرعة بخبر الثقة؛ يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات اعتبار خبر الثقة في الموضوعات.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۶۷) إثبات الادعاء الثاني يحتاج إلى تبيين ودراسة صغرى سيرة المتشرعة؛ الكاتب، بناءً على كلمات أخرى للأستاذ الشهيدي، يتناول تقريبها، وبعد ذلك سينقد ويدرس مطالبه. يُدرس تبيين الصغرى ضمن عدة مقدمات:
متن الرواية: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالشَّيْحُ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ … قَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ وَ قَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ فَقَالَ لَهُ الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَ مَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَ أَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ وَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (ع) عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْعَمْرِيُّ وَ ابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَ مَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ فَاسْمَعْ لَهُمَا وَ أَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ قَالَ فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو سَاجِداً وَ بَكَى ثُمَّ قَالَ سَلْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ لَهُ أَنْتَ رَأَيْتَ الْخَلَفَ مِنْ بَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ رَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ …. (الكليني، ۱٤۰۷، ج ۱، ص ۳۲۹)
المقدمة الأولى: سند صحيحة الحميري يشتمل على أجلاء رواة الإمامية؛ ولهذا السبب، فهو القدر المتيقن من عمل سيرة المتشرعة. وصف النجاشي كل الرواة الثلاثة في هذه الرواية بعبارة عالية، وهي كالتالي:
- محمد بن عبد الله الحميري: “كان ثقة، وجها، كاتب صاحب الأمر (عج)، وسأله مسائل في أبواب الشريعة…” (النجاشي، ۱۳۶۵، ص ۳۵٤)
- محمد بن يحيى: “شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، كثير الحديث…” (نفس المصدر، ص ۳۵۳)
- عبد الله بن جعفر الحميري: “شيخ القميين ووجههم، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين وسمع أهلها منه، فأكثروا…” (نفس المصدر، ص ۲۱۹)
المقدمة الثانية: في حال كانت دلالة صحيحة الحميري على اعتبار مطلق خبر الثقة معتبرة، يمكن التمسك بها في محل النزاع؛ ولكن هناك إشكالات طرحها بعض الأعلام على دلالة الرواية، والتي يجب بحثها ودراستها لإثبات المدعى:
الإشكال الأول: صحيحة الحميري تتعلق بنصب النائب والوكيل
يعتقد بعض الأصوليين مثل المحقق السيستاني (السيستاني، ۱٤۳۰، ج ۱، ص ۲٤۵) والمحقق الشاهرودي (الصدر، ۱٤۱۷، ج ٤، ص ۳۹٤) أن الرواية تتعلق بنصب النائب ولا علاقة لها باعتبار خبر الثقة؛ في هذه الحالة، لا يمكن أن تكون الرواية المذكورة مستندًا لاعتبار رواية غير الشيعي. سيتم طرح مجموع القرائن المذكورة من قبل هذين المحققين تحت عنوانين، وهما:
تبيين المحقق السيستاني
كان عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان كلاهما منصوبين للوكالة من قبل الإمام (ع)، لذا فإن طاعتهما وسماع قولهما بعد التنصيب لازم على الجميع، وهذا الأمر لا يلازم قبول قول مطلق الثقة. الشاهد على هذا الادعاء هو تعبير الإمام بـ “ثقتي”، حيث نُسب الثقة إلى الإمام (ع)، مما يدل على مكانة ومنصب خاص لدى الإمام (ع)؛ يشبه هذا التعبير في بعض الروايات في رجال الكشي عبارة “جعلته ثقتي” في مقام جعل منصب الوكالة من قبل الإمام (ع). (السيستاني، ۱٤۳۰، ج ۱، ص ۲٤۵)
إشكال الأستاذ الشهيدي
يكتب الأستاذ الشهيدي في الرد على هذه القرينة: “لو ذُكر في الرواية فقط تعبير “ثقتي”، لكان من المحتمل أن تكون الرواية في محل النزاع مرتبطة أيضًا بتنصيب الوكالة؛ ولكن ظاهر تعلق الأمر بالقبول في الرواية والتعليل في ذيل الرواية وهو “الثقتان المأمونان”، يدل على قبول رواية مطلق الثقة عن الإمام (ع) ولا يختص بشخصين أو منصب خاص؛ بالإضافة إلى أن ذيل رواية الإمام (ع) حيث يقول: “العمري وابنه ثقتان” شاهد آخر على المدعى، لأنه لا ينسب الثقة بودن إلى نفسه.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳٤۱)
تبيين المحقق الشاهرودي
المراد من مفردة “ثقة” في بعض الاستعمالات هو مرتبة من المقامات، من جملتها الوكالة والنيابة؛ وليس مجرد دلالتها على الوثاقة بالمعنى الأصولي، أي الوثاقة الخبرية؛ يمكن ذكر شواهد على هذا الادعاء من متن الرواية، وهي كالتالي: ۱. سياق المبالغة والاهتمام في الفقرات محل الاستشهاد: عبارة “الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَمَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ” والعبارة المشابهة في الذيل تدل على أن لهذين الراويين مقامًا شامخًا وعاليًا، وليس مجرد وثاقة خبرية، خاصة وأن الحميري يهتم ببيان المقدمة حتى يسمع جوابًا من العمري، وبعد بيان المقدمة، يخر العمري ساجدًا باكيًا من باب الشكر والشوق. ۲. بالنظر إلى أنه في هذا الزمان، يوجد فقهاء مطلعون على الأصول في أصحاب الأئمة (ع) مثل أحمد بن إسحاق، فمن المستبعد أن يعلن الإمام (ع) قول شخص بائع زيت مثل العمري حجة شرعية؛ ولهذا السبب، فإن مراد الإمام (ع) هو الطاعة في الأوامر الشخصية والوظائف السياسية والاجتماعية التي لم يكن بالإمكان بيانها مباشرة في ذلك الوقت، وتحتاج إلى أفراد خاصين بخصائص معينة، بخلاف حجية الرواية التي يتوافر فيها أفراد ثقات بكثرة في مجتمع المسلمين. (الشهيد الصدر، ۱٤۱۷، ج ٤، ص ۳۹٤)
إشكالات الأستاذ الشهيدي
لا يرى الأستاذ الشهيدي صحة القرائن المذكورة في كلام المحقق الشاهرودي، لأنه أولاً، فقه أحمد بن إسحاق ومعرفته بروايات أهل البيت (ع) السابقين لا ينافي حاجته إلى روايات الإمامين العسكريين (ع)؛ بل هو بحاجة إلى سماع آراء الإمامين الحاضرين. لذا، بالنظر إلى أن العمري أقرب إلى الإمام (ع) من أحمد بن إسحاق من جهات مثل محل السكن، فإن اعتبار قوله لأحمد بن إسحاق أمر عرفي وعقلاني. ثانيًا، توثيق الإمام (ع) لشخص، خاصة بعبارة “ثقتي” و “ما أدى عني فعني يؤدي”، يختلف عن توثيق إنسان عادي؛ وربما هذا الأمر هو سبب شوق وبكاء العمري وسجوده. (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳٤۲)
نقد الكاتب لكلمات الأستاذ الشهيدي
يبدو أولاً أن احتمال جعل النيابة والوكالة في كلام الإمام (ع) عرفي تمامًا، ولا توجد قرينة لدفعه؛ بالإضافة إلى أن تعليل الإمام (ع) أو تفريعه على الصدر لا ينافي هذا الادعاء بأي شكل من الأشكال. ثانيًا، بالنظر إلى كون معنى “ثقة” مشككًا وضميمته إلى “مأمون بودن”، يمنع من التمسك بإطلاق الرواية المذكورة لإثبات حجية مطلق خبر الثقة.
الإشكال الثاني: عدم شمولية مفردة “ثقة” في الروايات لغير الشيعة
يعتقد آية الله الشبيري الزنجاني أن المراد من “ثقة” في الروايات هو الراوي الإمامي العدل؛ ولهذا السبب، فإن التمسك بالروايات لإثبات حجية خبر الثقة غير الإمامي ليس صحيحًا لديه. (الشبيري الزنجاني، ۱٤۳۵، ج ۱، ص ۱۵۹) رد الأستاذ الشهيدي يكتب سماحته في هذا الصدد: “الظاهر العرفي من مفردة “ثقة” في الروايات هو المتحرز عن الكذب، ولا توجد قرينة تدل على مطلوب آية الله الزنجاني.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۶۸) في تبيين كلام الأستاذ الشهيدي ومنشأ الظهور في كلامه، يمكن الاستدلال بأن “ثقة” معنى ذو إضافة، والإطلاق في “ثقة” ليس عرفيًا، لذا بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، إذا استُعملت في الروايات، فهي بمعنى المتحرز عن الكذب.
الثمرة الثالثة: التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في تخصيص الكتاب
يكتب الأستاذ الشهيدي في هذا الصدد: “إذا كان مستند حجية خبر الثقة هو سيرة المتشرعة، وهذه الحجية واسطة لإثبات حجية صحيحة الحميري، وفي طولها اعتبار مطلق خبر الثقة (كما هو المختار)، فلا مانع من تخصيص الكتاب بخبر الثقة. أما في غير هذه الصورة، فإن سيرة المتشرعة بالنسبة لتخصيص الكتاب بخبر الثقة غير محرزة؛ خلافًا للتمسك بسيرة العقلاء في حجية خبر الثقة، ففي هذه الصورة لا فرق بين الكتاب وغيره.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۶۹). يمكن طرح شواهد من كلمات الأعلام للشك في إطلاق سيرة المتشرعة بالنسبة لتخصيص الكتاب، منها: السيد المرتضى (السيد المرتضى، ۱۳۷۶، ج ۱، ص ۲۸۰)، والشيخ الطوسي (الشيخ الطوسي، ۱۳۶۵، ج ۱، ص ۲٤۳)، والمحقق الحلي (المحقق الحلي، ۱٤۲۳، ص ۱٤۱)، وغيرهم، قالوا بعدم تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛ وفي هذه الحالة، يكون إحراز سيرة المتشرعة محل تأمل. يبدو أن رأي الأستاذ الشهيدي صحيح؛ لأنه أساسًا بعد التشكيك في الإجماع بالنسبة للعمل بخبر الواحد والاختلاف في تخصيص الكتاب بخبر الواحد بين الأعلام، سواء القدماء أو المعاصرين، سيكون إحراز سيرة المتشرعة مشكلاً.
الثمرة الرابعة: التفصيل بين سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء في الأمور المهمة وغير المهمة
يكتب الأستاذ الشهيدي بخصوص العمل بخبر الواحد الثقة في الأمور المهمة ما يلي: “إحراز صغرى سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في العمل بخبر الثقة في الأمور المهمة غير محرز؛ نعم، في حال قبول الاستدلال بصحيحة الحميري في إثبات حجية خبر الثقة، يمكن إثبات خبر الثقة في الأمور المهمة بواسطة سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة.” (نفس المصدر، ص ۳۷۰) يمكن الإشارة إلى المحقق الحلي (المحقق الحلي، ۱٤۱۲، ج ۳، ص ۳۲٤) والمحقق الخوانساري (الخوانساري، ۱۳۵۵، ج ۵، ص ۳۵) من بين الذين شككوا في العمل بخبر الواحد الثقة في الأمور المهمة. ويستطرد سماحته، في سياق قبول كون سيرة المتشرعة واسطة لإثبات حجية خبر الواحد في الأمور المهمة، بأن قطعية صدور صحيحة الحميري لها دخل في ذلك، وإلا فاعتبارها مشكل؛ لأن السيرة بالنسبة لحجية خبر العدل الذي نتيجته حجية خبر الثقة أو العدل في الأمور المهمة غير محرزة؛ في حال عدم إحراز قطعية سند صحيحة الحميري، يثبت التفصيل بين سيرة العقلاء والمتشرعة في الأمور المهمة. يُلاحظ عبارته بخصوص دخل قطعية السند في إثبات المدعى: “نعم لو فرض عدم قطعية سند الصحيحة فإثبات حجية خبر الثقة في الأمور المهمة بها بدعوى اعتبار سندها بسيرة المتشرعة لا يخلو عن إشكال فإن حجية خبر الثقة أو العدل في الأمور المهمة مما لم يحرز قيام السيرة عليها.” (شهيدي پور، ۱۳۸۵، ج ۶، ص ۳۷۱)
نقد للثمرة الرابعة في كلمات الأستاذ الشهيدي
يبدو أن رأي الأستاذ الشهيدي في هذا الصدد ليس صحيحًا؛ لأنه أولاً، كما أن الوثوق شرط في حجية خبر الواحد بواسطة سيرة العقلاء، كذلك الوثوق شرط في حجية خبر الواحد بواسطة سيرة المتشرعة، والوثوق بصدور صحيحة الحميري حاصل، لذا فإن تفصيله واشتراطه قطعية السند فقط بالنسبة لسيرة المتشرعة ليس صحيحًا. ثانيًا، كما مرّ، فإن دلالة صحيحة الحميري على حجية مطلق خبر الثقة ليست ثابتة.
النتيجة
ذُكرت في كلمات الأستاذ الشهيدي في كتاب “أبحاث أصولية” أربع ثمرات لمدركية سيرة العقلاء بالنسبة لسيرة المتشرعة في اعتبار خبر الثقة، وهي: التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام، التفصيل في حجية خبر الثقة الشيعي وغير الشيعي، التفصيل في جواز وعدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الثقة، والتفصيل بين اعتبار خبر الثقة في الأمور المهمة وغير المهمة. يبدو أن التفصيل في حجية خبر الثقة في الموضوعات والأحكام، والتفصيل في جواز أو عدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الثقة صحيحان، ولكن آراءه ضمن الثمرتين الأخريين ليست صحيحة، وإن كان التفصيل بين خبر الثقة الشيعي وغير الشيعي صحيحًا، والتفصيل بين الأمور المهمة وغير المهمة غير صحيح.
المصادر
- ابن الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين (۱۳۵۰ ش). معالم الدين وملاذ المجتهدين. الطبعة التاسعة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- التبريزي، جواد (۱٤۳۱ق). تنقيح مباني العروة (الصلاة). الطبعة الأولى، قم: دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها.
- الخوئي، السيد أبو القاسم (۱۳۷۰ ش). موسوعة الإمام الخوئي. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
- الزنجاني، السيد موسى (۱٤۳۵ق). مباحث خارج الأصول. الطبعة الأولى، قم: انتشارات مؤسسه امام باقر (ع).
- السيستاني، السيد علي (۱٤۳۰). تعارض الأدلة واختلاف الحديث. بي جا، بينا.
- الشهيد الثاني، زين الدين بن علي (۱٤۰۳ق). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة المعارف الإسلامي.
- شهيدي پور، محمد تقي (۱۳۸۵ش). أبحاث أصولية. بي جا، بينا.
- الصدر، محمد باقر (۱٤۱۷ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.
- الصدر، محمد باقر (۱٤۳٤ق). موسوعة الشهيد سيد محمد باقر الصدر. الطبعة الأولى، قم: پژوهشگاه علمی تخصصی شهید صدر، دار الصدر.
- الطوسي، محمد بن الحسن (۱۳۶۵ش). العدة في أصول الفقه. الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- علم الهدى، السيد المرتضى (۱۳۷۶ ش). الذريعة إلى أصول الشريعة. الطبعة الأولى، طهران: انتشارات دانشگاه تهران.
- الكشي، محمد بن عمر (۱۳۶۳ش). اختيار معرفة الرجال. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
- الكليني، محمد بن يعقوب (۱٤۰۷ق). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- المحقق الحلي، جعفر بن حسن (۱٤۱۲ق). النهاية ونكتها. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- المحقق الحلي، جعفر بن حسن (۱٤۲۳ق). معارج الأصول. الطبعة الأولى، لندن: مؤسسة الإمام علي (ع).
- الموسوي الخوانساري، أحمد (۱۳۵۵ش). جامع المدارك في شرح المختصر النافع. الطبعة الأولى، طهران: مكتبة الصدوق.
- النجاشي، أحمد بن علي (۱۳۶۵ش). رجال النجاشي. الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.