تحليل تعارض الروايات الشيعية حول وقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع)؛ نقدٌ لادّعاء «فواز بن أحمد بن علي رضوان»

ملخص

في المصادر الحديثية الشيعية، نواجه طائفتين من الروايات حول زمن ظهور الإمام الثاني عشر (ع)؛ إحداهما تحدد وقتاً للظهور، والأخرى تعدّ تحديد الوقت للظهور كذباً. بالاستناد إلى هذه الروايات، زعم مقال باللغة العربية بعنوان «تعارض دلالات المرويات عند الرافضة؛ الإمامة أنموذجاً» بقلم فواز بن أحمد بن علي رضوان، أن الروايات الشيعية في باب الإمامة متعارضة وغير قابلة للجمع، وبالتالي فإن أصل الإمامة محل شك وتشكيك. يهدف هذا البحث إلى الرد على الشبهات المثارة في المقال المذكور بخصوص وقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع)، وذلك باستخدام المنهج الوصفي التحليلي. في البداية، تم تصنيف الادعاءات المطروحة ضمن فئتين رئيسيتين: الروايات الدالة على تعيين وقت الظهور (وتشمل أربع روايات)، والروايات الدالة على كذب تعيين وقت الظهور (وتشمل ثلاث روايات)، وعرضها. ثم، من خلال دراسة سند ومتن كل رواية، توصل البحث إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من وجود روايتين صحيحتين إلى جانب روايتين ضعيفتين في الفئة الأولى، إلا أن مضمونهما المقبول لا يدل على تحديد وقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع) بعد الغيبة الكبرى. في المقابل، روايات الفئة الثانية موثوقة ومعتبرة من حيث السند، وصريحة من حيث الدلالة في تكذيب من يعيّن وقت الظهور. وعليه، يُرفع التعارض المزعوم بالجمع العرفي بين الطائفتين من الروايات.

١. طرح المسألة

«الإمامة» هي أحد الأصول الاعتقادية الخمسة للمذهب الشيعي، والتي تُعرّف في سياق التوحيد والنبوة. فقد اعتبر الإمام الحسين (ع)، في رده على شخص سأله عن حقيقة معرفة الله، أنها تشمل تصديق الله، وتصديق النبي (ص)، والاعتقاد بولاية الإمام علي (ع) وسائر الأئمة (ع)، وكذلك البراءة من أعدائهم (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ١٨٠).

على هذا الأساس، فإن السمة المميزة والخاصة للمذهب الشيعي، والتي تفصله عن سائر الفرق الإسلامية، هي موضوع «الإمامة». من هنا، فإن جزءاً كبيراً من جهود مخالفي المذهب الشيعي، والتي تتجلى في بعض المؤلفات والأبحاث الأكاديمية، مخصص للتشكيك في موضوع «الإمامة». ومن هذه الأبحاث مقال بعنوان «تعارض دلالات المرويات عند الرافضة؛ الإمامة أنموذجاً» بقلم فواز بن أحمد بن علي رضوان[1]، والذي نُشر في العدد ٣٦ من مجلة «كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية» التابعة لـ«جامعة الأزهر» عام ٢٠٢٠م. سعى الكاتب في هذا المقال إلى إظهار الروايات الشيعية في موضوع «الإمامة» كمتعارضة. وهو، من خلال عرض روايات شيعية تبدو متعارضة، يسعى إلى التشكيك في أصل مسألة «الإمامة» في خمس مسائل تالية:

١. تعارض الروايات الناهية عن ذكر اسم الأئمة مع الروايات التي ورد فيها اسمهم.

٢. تعارض الروايات الدالة على إمامة الأئمة المنصوص عليها مع الروايات التي تشير إلى قبولهم للشورى.

٣. تعارض الروايات التي تحدد وقت الظهور مع الروايات الدالة على عدم التوقيت.

٤. تعارض الروايات حول عدد الأئمة.

٥. تعارض الروايات الدالة على عصمة الأئمة مع الروايات التي تشير إلى استغفارهم وإقرارهم بالذنب.

من بين هذه المسائل الخمس، يتناول المقال الحالي بشكل خاص المسألة الثالثة، أي ادعاء «تعارض الروايات التي تحدد وقت الظهور مع الروايات الدالة على عدم التوقيت»، ويقوم بدراستها ونقدها، ويجعل من الأسئلة التالية محور عمله:

١. على أي الروايات استند ادعاء التعارض في الروايات المتعلقة بوقت ظهور الإمام الثاني عشر؟

٢. ما هو الحل لرفع التعارض بين هذه الروايات؟

لهذا الغرض، يقوم هذا المقال أولاً بتصنيف وعرض جميع الروايات التي استند إليها فواز بن رضوان في ادعائه التعارض، ثم يقوم بدراسة سند ومتن الروايات المعنية، وإلقاء نظرة على آراء شراح الحديث، واستخدام قواعد باب التعارض، لرفع التعارض.

قبل هذا المقال، تناولت أبحاث مختلفة بدراسة روايات المجال المهدوي بمناهج رجالية وفقه حديثية (انظر: ماهري قمي وبيرچراغ، ١٤٠١هـ ش، ٤٩-٧١؛ براتي وزملاؤه، ١٤٠٢هـ ش، ٥٣-٧٩). كما كتب بعض الباحثين في باب التوقيت مواضيع، أكثرها ارتباطاً بالبحث الحالي تُعرَض فيما يلي:

محمد جواد ولي زاده في مقال «تأمل في تحديد الزمن المحتمل للظهور»، يرى أن دلالة الروايات الناهية عن التوقيت تشمل كلاً من التحديد التفصيلي لزمن الظهور والتحديد الإجمالي له، وينتقد كلام بعض الأفراد في تحديد زمن الظهور بشكل إجمالي (ولي زاده، ١٣٩١هـ ش، ٦٧-٩٠). وعليه، فإن هدفه يقتصر على إثبات إطلاق الروايات الناهية عن التوقيت، وليس لديه قصد أساسي لرفع التعارض بين روايات تحديد وقت الظهور وروايات النهي عنه. محمد سبحاني نيا في مقال «تحليل حديثي لتحديد وقت الظهور» يتصدى لنقد روايات تحديد وقت الظهور. لكن أولاً، دراساته تركز على دلالة الروايات وتقلل من الاهتمام بالأسانيد، وثانياً، لم يتناول جميع الروايات التي دُرست في هذا المقال (سبحاني نيا، ١٣٩٥هـ ش، ٩٩-١٢٤).

كذلك، سيد مسعود بورسيدآقايي وعلي أكبر معراجي راد في مقال «دراسة تحليلية لروايات الموقتين في العصر المعاصر» قد درسا فقط أنواع الروايات الناهية عن التوقيت (بورسيدآقايي ومعراجي راد، ١٣٩٩هـ ش، ٤٩-٧٤) ولم يتطرقا إلى روايات تحديد وقت الظهور. وعليه، لم يقم أي من الأبحاث السابقة بدراسة ونقد ادعاء مخالفي مذهب التشيع حول التعارض بين روايات تحديد وقت الظهور وروايات النهي عنه سندياً ودلالياً، وهذا المقال سيتناول هذا الأمر المهم.

٢. ادعاء التعارض في الروايات المرتبطة بـ«وقت ظهور الإمام الثاني عشر»

يدعي كاتب مقال «تعارض دلالات المرويات عند الرافضة؛ الإمامة أنموذجاً» أن الروايات الشيعية حول وقت ظهور الإمام الثاني عشر متعارضة فيما بينها؛ ففي بعضها حُدّد وقت الظهور، وفي البعض الآخر، عُدّ تحديد وقت الظهور كذباً. ولإثبات ادعائه، يستشهد بروايات يمكن عرضها ضمن قسمين: روايات دالة على تحديد وقت الظهور، وروايات دالة على كذب تحديد وقت الظهور.

١-٢. الروايات الدالة على تعيين وقت الظهور

استظهر المدعي من مضمون بعض الروايات تحديد وقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع)، ولكن الزمن المحدد فيها يختلف أيضاً بعضه عن بعض.

١-١-٢. ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين بعد بدء الغيبة

إحدى الروايات التي طرحها كاتب المقال المذكور حول تحديد وقت الظهور هي رواية ينقلها الكليني بسنده عن الأصبغ بن نباتة عن الإمام علي (ع)، وفيها يعلن الإمام علي (ع) في رده على سؤال الأصبغ عن مدة الغيبة أنها ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات: «عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَابُوسَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ السِّنْدِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مَالِكِ الْجُهَنِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْأَصْبَعِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَوَجَدْتُهُ مُتَفَكِّراً يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لِي أَرَاكَ مُتَفَكِّراً تَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ أَرَغْبَةً مِنْكَ فِيهَا فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا رَغِبْتُ فِيهَا وَلَا فِي الدُّنْيَا يَوْماً قَطُّ وَلَكِنِّي فَكَرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَ يَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَمْ تَكُونُ الْحَيْرَةُ وَالْغَيْبَةُ قَالَ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّ سِنِينَ فَقُلْتُ وَ إِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ فَقَالَ نَعَمْ كَمَا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ – وَ أَنَّى لَكَ بِهَذَا الْأَمْرِ يَا أَصْبَعُ أُولَئِكَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ خِيَارِ أَبْرَارِ هَذِهِ الْعِتْرَةِ فَقُلْتُ ثُمَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ ثُمَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فَإِنَّ لَهُ بَدَاءَاتٍ وَ إِرَادَاتٍ وَ غَايَاتٍ وَ نِهَايَاتٍ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٣٨). قال الأصبغ بن نباتة: دخلت على أمير المؤمنين (ع)، فوجدته متفكراً ينكت بإصبعه في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك غارقاً في التفكير وتنكت بإصبعك في الأرض؟ هل رغبت في الأرض والخلافة والحكم؟ فقال: لا؛ والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود من نسلي وهو ولدي الحادي عشر، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. قلت: يا أمير المؤمنين، كم تدوم تلك الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين. قلت: هل هذا الأمر سيقع يقيناً؟ قال: نعم؛ كما أنه مخلوق. يا أصبغ، وأنى لك بهذا الأمر؟! أولئك الذين يدركونه هم خيار هذه الأمة مع خيار أبرار هذه العترة. قلت: ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ قال: ثم يفعل الله ما يشاء؛ فإن لله بداءات وإرادات وغايات ونهايات (الكليني، ١٣٩٩هـ ش، ج ٢: ٣٣٣-٣٣٤). يقول المدعي بعد نقل هذه الرواية: «على الرغم من انقضاء المدة المحددة في الرواية، إلا أن الإمام الثاني عشر لم يظهر بعد» (رضوان، ٢٠٢٠م، ١٦٢).

٢-١-٢. سنة سبعين

الرواية الثانية التي طرحها كاتب المقال المذكور هي رواية ينقلها الكليني بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر (ع) قال: «عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثَّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ يَا ثَابِتُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ كَانَ وَقَتَ هَذَا الْأَمْرَ فِي السَّبْعِينَ فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَ مِائَةٍ فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الْحَدِيثَ فَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السَّتْرِ وَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتًا عِنْدَنَا وَ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ قَدْ كَانَ كَذَلِكَ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٦٨). يقول أبو حمزة الثمالي: سمعت الإمام الباقر (ع) يقول: يا ثابت، إن الله تبارك وتعالى قد وقّت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين (ع) اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى مائة وأربعين. حدثناكم بذلك، فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا؛ «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ». قال أبو حمزة: فحدثت بذلك أبا عبد الله (ع)، فقال: قد كان كذلك.

٣-١-٢. خمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية

في رواية أخرى ينقلها الشيخ المفيد عن صالح بن ميثم عن الإمام الباقر (ع)، يُعتبر أن زمن الظهور يكون بعد خمس عشرة ليلة من قتل النفس الزكية: «الْفَضْلُ بْنُ شَاذَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ شُعَيْبِ الْحَدَّادِ عَنْ صَالِحِ بْنِ مِيثَمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ لَيْسَ بَيْنَ قِيَامِ الْقَائِمِ (ع) وَ قَتْلِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً» (المفيد، ١٤١٣هـ، ج ٢: ٣٧٤).

٤-١-٢. أقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة

وفقاً لرواية أخرى ذكرها الشيخ الطوسي في «الغيبة»، لن تكون فترة الغيبة أطول من فترة تيه بني إسرائيل: «أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ وَرَدَ الرَّيَّ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ الْأَسَدِيٌّ فَرَوَى لَهُ حَدِيثَيْنِ فِي صَاحِبِ الزَّمَانِ (ع) وَ سَمِعْتُهُمَا مِنْهُ كَمَا سَمِعَ وَ أَظُنُّ ذَلِكَ قَبْلَ سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ قَرِيباً مِنْهَا قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَدَكِيُّ قَالَ قَالَ الْأَودِيُّ بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ قَدْ طُفْتُ سِتَةً وَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ السَّابِعَةَ فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَ شَابٌ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ هَيُوبٌ وَ مَعَ هَيْبَتِهِ مُتَقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ فَتَكَلَّمَ فَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ وَ لَا أَعْذَبَ مِنْ مَنْطِقِهِ فِي حُسْنِ جُلُوسِهِ فَذَهَبْتُ أُكَلِّمُهُ فَزَبَرَنِي النَّاسُ فَسَأَلْتُ بَعْضَهُمْ مَنْ هَذَا فَقَالَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْماً لِخَوَاصٌهِ فَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ فَقُلْتُ مُسْتَرْشِدٌ أَتَاكَ فَأَرْشِدْنِي هَدَاكَ اللَّهُ قَالَ فَنَا وَلَنِي حَصَاةً فَحَوَّلْتُ وَجْهِي فَقَالَ لِي بَعْضُ جُلَسَائِهِ مَا الَّذِي دَفَعَ إِلَيْكَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقُلْتُ حَصَاةً فَكَشَفْتُ عَنْ يَدِي فَإِذَا أَنَا بِسَبِيكَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَذَهَبْتُ وَ إِذَا أَنَا بِهِ قَدْ لَحِقَنِي فَقَالَ ثَبَتَتْ عَلَيْكَ الْحُجَّةُ وَ ظَهَرَ لَكَ الْحَقُّ وَ ذَهَبَ عَنْكُ الْعَمَى أَتَعْرِفُنِي فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا فَقَالَ أَنَا الْمَهْدِي أَنَا قَائِمُ الزَّمَانِ أَنَا الَّذِي أَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ وَلاَ يَبْقَى النَّاسُ فِي فَتْرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ ظَهَرَ أَيَّامُ خُرُوجِي فَهَذِهِ أَمَانَةٌ فِي رَقَبَتِكَ فَحَدِّثْ بِهَا إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ» (الطوسي، ١٤١١هـ، ٢٥٣). قال أحمد بن علي الرازي: دخل شيخٌ مدينة الري على أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي فروى له حديثين عن صاحب الزمان (ع)، وسمعتهما أنا أيضاً كما سمعهما أبو الحسين، وأظن أن ذلك كان قبل سنة ثلاثمائة أو قريباً منها. قال الشيخ: حدثني علي بن إبراهيم الفدكي عن الأودي قال: كنت أطوف ببيت الله الحرام وقد أتممت الشوط السادس وأردت أن أبدأ السابع، وإذا بحلقة عن يمين الكعبة، وفي وسطهم شاب جميل الطلعة، طيب الرائحة، مهيب، ومع هيبته كان قريباً من الناس، فتكلم بكلام لم أسمع أحسن منه، ولا أعذب من منطقه، وكان حسن الجلوس. ذهبت لأكلمه فزجرني الناس. سألت أحدهم: من هذا الشاب؟ فقال: هو ابن رسول الله (ص) يظهر لخواصه يوماً في كل سنة فيحدثهم ويحدثونه. فقلت له: جئتك مسترشداً فأرشدني هداك الله. فناولني حصاة. وليت وجهي، فقال لي أحد جلسائه: ما الذي أعطاك ابن رسول الله (ص)؟ قلت: حصاة. فكشفت عن يدي فإذا هي سبيكة من ذهب خالص. مضيت، فإذا به قد لحقني، فقال: ثبتت عليك الحجة، وظهر لك الحق، وزال عنك العمى، أتعرفني؟ قلت: اللهم لا. فقال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهرت أيام خروجي، فهذه أمانة في عنقك، فحدث بها إخوانك من أهل الحق (الطوسي، ١٣٨٧هـ ش، ٤٤٩-٤٥١). يقول المدعي بعد ذكر هذه الروايات، مع الأخذ في الاعتبار انقضاء كل الأوقات المذكورة فيها، متسائلاً: لماذا لم يقع الظهور بعد مرور أكثر من ألف عام؟ (رضوان، ٢٠٢٠م، ١٦٨) وبهذا يشكك في أصل وجود الإمام الثاني عشر وظهوره.

٢-٢. الروايات الدالة على كذب تعيين وقت الظهور

يذكر الكاتب المدعي، في مقابل الروايات التي حددت زمناً لظهور الإمام المهدي (ع)، ثلاث روايات أخرى محتواها النهي عن التوقيت. في الرواية الأولى، ينقل الكليني بسنده عن أبي بصير عن الإمام الصادق (ع) ما يلي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقَائِمِ (ع) فَقَالَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٦٨، ٣٦٩): يقول أبو بصير: سألت الإمام الصادق (ع) عن القائم (ع)، فقال: كذب الوقاتون؛ إنا أهل بيت لا نوقت (الكليني، ١٣٩٩هـ ش، ج ٢: ٤٣٦).

في الرواية الثانية، بنفس السند السابق عن الإمام الصادق (ع)، نُقل قوله: «أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قَالَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ وَقْتَ الْمُوَقِّتِينَ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٦٨): أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين (الكليني، ١٣٩٩هـ ش، ج ٢: ٤٣٦). وبتعبير آخر، فإن تحديد زمن الظهور مختص بالله وحده.

وفي الرواية الثالثة، ينقل الكليني بسنده عن الفضيل بن يسار عن الإمام الباقر (ع) ما يلي: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّارِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو الْخَثْعَمِي عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قُلْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ وَقْتٌ فَقَالَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ إِنَّ مُوسَى (ع) لَمَّا خَرَجَ وَافِداً إِلَى رَبِّهِ وَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ يَوْماً فَلَمَّا زَادَهُ اللَّهُ عَلَى الثَّلَاثِينَ عَشْراً قَالَ قَوْمُهُ قَدْ أَخْلَفَنَا مُوسَى فَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا فَإِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الْحَدِيثَ فَجَاءَ عَلَى مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ فَقُولُوا صَدَقَ اللَّهُ وَ إِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الْحَدِيثَ فَجَاءَ عَلَى خِلَافِ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ فَقُولُوا صَدَقَ اللَّهُ تُؤْجَرُوا مَرَّتَيْنِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٦٩). يقول الفضيل بن يسار: قلت للإمام الباقر (ع): هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون. إن موسى (ع) لما خرج وافداً إلى ربه، واعدهم ثلاثين يوماً، فلما زاده الله على الثلاثين عشراً، قال قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا (أي عبدوا العجل)؛ فإذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله؛ وإذا حدثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به، فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين (الكليني، ١٣٩٩هـ ش، ج ٢: ٤٣٧).

٣. الرد على ادعاء التعارض في الروايات المرتبطة بوقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع)

في هذا القسم، سيتم عرض الروايات المتعلقة بوقت ظهور الإمام الثاني عشر، والتي قُسمت إلى قسمين: الروايات الدالة على تحديد وقت الظهور (ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات بعد بدء الغيبة، سنة سبعين هجرية، خمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية، أقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة) والروايات الدالة على كذب تحديد وقت الظهور، وسيتم دراستها سندياً ودلالياً لتحديد درجة اعتبارها وحدود دلالتها، وإيجاد سبيل لرفع التعارض بينها.

١-٣. الدراسة السندية والدلالية لرواية ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين بعد بدء الغيبة

حول الرواية التي تذكر أن زمن الظهور يكون بعد ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات من بدء الغيبة، ينبغي قول:

أولاً: من بين الرواة الموجودين في سند الرواية، لا توجد أي معلومات في كتب الرجال عن «منصور بن السندي»، ويُطلق على مثل هذا الراوي في الاصطلاح «مهمل» (انظر: الأسترآبادي، ١٣٨٨هـ ش، ٨٩)، وهو من أقسام الحديث الضعيف. وعليه، فإن الرواية المذكورة ضعيفة من حيث السند.

ثانياً: على فرض قبول سند الرواية، يمكن توجيه دلالتها بثلاث طرق؛ التوجيه الأول والأظهر هو أن الزمن المحدد في الرواية يشير إلى مدة الغيبة الصغرى، وهو ما تؤيده رواية الإمام السجاد (ع): «… وَ أَنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى أَمَّا الْأُولَى فَسِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ سِتُّ سِنِينَ وَ أَمَّا الْأُخْرَى فَيَطُولُ أَمَدُهَا حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرُ مَنْ يَقُولُ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ قَوِيَ يَقِينُهُ وَ صَحَّتْ مَعْرِفَتُهُ وَ لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْنَا وَ سَلَّمَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» (الصدوق، ١٣٩٥هـ، ج ١: ٣٢٤): «… وللقائم منا غيبتان، إحداهما أطول من الأخرى. أما الغيبة الأولى فتستمر ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات، وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، ولا يثبت عليه إلا من قوي يقينه وصحت معرفته ولم يجد في نفسه حرجاً مما قضينا وسلم لنا أهل البيت».

يذكر العلامة المجلسي أيضاً في شرح هذه الرواية ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول هو أنه حتى ستة أيام من ولادة الإمام، لم يعلم بولادته أحد سوى خواص عائلته. وبعد ستة أشهر، علم بوجوده خواص آخرون، وبعد ست سنوات، في وقت وفاة والده، أصبح وجوده واضحاً لكثير من الناس. الاحتمال الثاني هو أنه حتى ستة أيام بعد بداية إمامته، لم يكن أحد على علم بهذه المسألة. وبعد ستة أشهر، علم آخرون أيضاً، وبعد ست سنوات، ظهر سفراء الإمام. الاحتمال الثالث هو أن الستة أيام أو الستة أشهر أو الست سنوات تشير إلى بعض الأزمنة المقدرة لغيبته الصغرى وهي قابلة للبداء، وهذا الاحتمال هو الأظهر (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٥١: ١٣٤، ١٣٥). وينقل الحر العاملي رواية مشابهة لهذه الرواية عن الإمام الباقر (ع) يضاف فيها تعبير «سِتُّونَ سَنَةً» إلى جانب تعابير «سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ سِتُّ سِنِينَ»، ويكتب: قد يكون تحديد طول الغيبة بستين سنة ناظراً إلى الغيبة الصغرى، لأن ستين سنة قريبة من مدة الغيبة الصغرى (الحر العاملي، ١٤٢٥هـ، ج ٥: ٢٠٤).

التوجيه الثاني هو أن الزمن المحدد في الرواية يدل على إبهام وإخفاء زمن الظهور أكثر من دلالته على تحديده. ويكتب والد الشيخ الصدوق في هذا الصدد: لا شك أن أمراً يمكن أن يمتد وقته من ستة أيام إلى ستة أشهر، ومن ستة أشهر إلى ست سنوات، يمكن أن يستمر لسنوات عديدة أيضاً. هل هذا هو المفهوم؟ لو كان الإمام قاصداً بيان الوقت، لكان من الواضح أنه لم يحدد وقتاً، وإن كان في صدد التعتيم على تحديد الوقت، فليس غريباً أن يعتم عليه بأشد وجه ممكن، لأن من يثق بعلمه، عندما يخبر بأمر بين ستة أيام وست سنوات، فليس له إرادة إلا التعتيم والإخفاء (ابن بابويه، ١٤٠٤هـ، ١٢).

ما يؤيد هذا الفهم لوالد الشيخ الصدوق للرواية المذكورة هو تعبير «سَبْتٌ مِنَ الدَّهْرِ» بدلاً من «سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّ سِنِينَ» في نقل النعماني (توفي ٣٦٠هـ) لرواية الكليني عن الأصبغ عن الإمام علي (ع) (ابن أبي زينب، ١٣٩٧هـ، ٦١). هذا الاختلاف في التعبير دفع صاحب «معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)» إلى طرح احتمال تصحيف «سبت» أي مدة زمنية غير معينة إلى «ست» (الكوراني، ١٤٢٨هـ، ج ٤: ١٨٦). كذلك، لو قبلنا أصالة نقل النعماني، لتقوى احتمال الإدراج في الرواية المتقدمة. بهذا الشكل، أن كلمة «سبت» قد تحولت في البداية إلى «ستة»، ولأن «ستة من الدهر» مبهمة، قصد الراوي بالشرح إزالة الإبهام، فأضاف عبارة «أَيَّامٍ أَوْ أَشْهُرٍ أَوْ سِنِينَ» إلى المتن، وفي النقولات اللاحقة اعتُبرت جزءاً من متن الرواية الأصلي ونُقلت بالمعنى.

والتوجيه الثالث هو وقوع البداء في مدة غيبة الإمام المهدي (ع). يكتب المجلسي في هذا الصدد: «سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّ سِنِينَ» قد يكون مبنياً على وقوع البداء في زمن الغيبة. ولهذا، يذكر الإمام علي (ع) أزمنة مختلفة ثم يشير إلى احتمال التغيير بقوله: «ثُمَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فَإِنَّ لَهُ بَدَاءَات» (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٤: ٤٣).

٢-٣. الدراسة السندية والدلالية لرواية سنة سبعين

حول الرواية التي استظهر منها الكاتب المدعي ظهور الإمام في سنة سبعين، يجب القول:

أولاً: على الرغم من وجود «سهل بن زياد» في سندها، والذي ضعّفه معظم علماء الرجال (انظر: الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢: ٨٣٧؛ ابن الغضائري، ١٤٢٢هـ، ٦٥ و٦٦؛ النجاشي، ١٣٦٥هـ ش، ١٨٥؛ الطوسي، ١٤٢٠هـ، ٢٢٨)، ووثقه الطوسي فقط في آخر أثر رجالي له (الطوسي، ١٣٧٣هـ ش، ٣٨٧)، ولكن بما أن هذه التضعيفات مبنية على الغلو، ومعيار الغلو يختلف بين الأفراد، فلا يمكن قبولها. يكتب الشبيري الزنجاني في هذا الصدد: «إن تضعيف البعض لسهل بن زياد كان بسبب نقله لروايات غلو، بينما أولاً نقل الروايات لا يعني الاعتقاد بها، وثانياً هناك خلاف في ماهية الغلو، فالتضعيفات المبنية على مشاهدة الغلو في روايات الراوي محل خدش» (الشبيري الزنجاني، ١٤١٩هـ، ج ٢١، ٦٨٣٥). وتصحيح المجلسي للرواية المعنية (انظر: المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٤: ١٧٠)، على الرغم من تضعيف «سهل بن زياد» من قبل علماء الرجال، قد يكون لنفس هذا السبب. وعليه، فإن الرواية المذكورة صحيحة من الناحية السندية.

ثانياً: على الرغم من صحة سند الرواية، إلا أن دلالتها لا ترتبط بزمن ظهور الإمام الثاني عشر (ع)، وحمل تعبير «هذا الأمر» على ظهور الإمام الثاني عشر (ع) وتعبير «السبعين» على سنة سبعين بعد بدء غيبته، يخالف سياق الرواية وظاهر معناها؛ لأنه لو أضفنا عبارة «فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَ مِائَةٍ» إلى سنة إحدى وستين هجرية، وهي التاريخ القطعي لشهادة الإمام الحسين (ع)، لفهمنا أن المراد بـ «السبعين» هو سبعون سنة بعد بعثة النبي (ص) أو هجرته.

فهم مفهوم «هذا الأمر» يعتمد أيضاً على الانتباه لمضمون الروايات المشابهة لهذه الرواية؛ ينقل الطوسي في رواية مشابهة بسنده عن أبي حمزة الثمالي قوله: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) إِنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ إِلَى السَّبْعِينَ بَلَاءٌ وَ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ الْبَلَاءِ رَخَاءٌ وَ قَدْ مَضَتِ السَّبْعُونَ وَ لَمْ نَرَ رَخَاءً فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) يَا ثَابِتُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَقَّتَ هَذَا الْأَمْرَ فِي السَّبْعِينَ فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ (ع) اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَ مِائَةِ سَنَةٍ …» (الطوسي، ١٤١١هـ، ٤٢٨). على هذا الأساس، المراد بـ«هذا الأمر» هو الرخاء بعد البلاء. والمجلسي أيضاً في شرح رواية الكافي يرى أن معنى «هذا الأمر» هو ظهور وغلبة الحق على الباطل على يد إمام من الأئمة (ع)، وليس الإمام الثاني عشر (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٤: ١٧٠).

٣-٣. الدراسة السندية والدلالية لرواية خمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية

حول الرواية التي تذكر أن زمن الظهور يكون بعد خمس عشرة ليلة من قتل النفس الزكية، يجب القول:

أولاً: سلسلة سند هذه الرواية، سواء في نقل المفيد الذي ذُكر سابقاً، أو في نقل الصدوق الذي رواها قبل المفيد بسند مختلف قليلاً عن الإمام الصادق (ع) بالشكل التالي: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ شُعَيْبِ الْحَذَّاءِ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى بَنِي الْعَذْرَاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ (ع) يَقُولُ لَيْسَ بَيْنَ قِيَامِ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ وَ بَيْنَ قَتْلِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ إِلَّا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً» (الصدوق، ١٣٩٥هـ، ج ٢: ٦٤٩)، جميع رواتها إماميون ثقات (انظر: النجاشي، ١٣٦٥هـ ش، ١١٨، ١٩٥، ٢٥٤، ٢٨١، ٣٠٦، ٣٥٤، ٣٨٣؛ الطوسي، ١٣٧٣هـ ش، ٣٥١، ٣٦٠؛ الحلي، ١٤٠٢هـ، ٨٨). وعليه، فإن الرواية صحيحة من الناحية السندية.

ثانياً: على الرغم من صحة سند الرواية، إلا أن دلالتها لا ترتبط بتحديد زمن ظهور الإمام الثاني عشر (ع)، لأن زمن الظهور لم يُعلن في هذه الرواية، بل أشير إلى إحدى علامات الظهور وهي قتل النفس الزكية، والتي سيقع بعدها قيام الإمام المهدي (ع) بخمس عشرة ليلة. وبتعبير آخر، فإن زمن قتل النفس الزكية، التي هي علامة الظهور، غير محدد حتى نتمكن من تحديد زمن الظهور بناءً عليه.

٤-٣. الدراسة السندية والدلالية لرواية أقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة

حول هذه الرواية، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:

أولاً: سند هذه الرواية مرسل ومهمل. التعابير المبهمة مثل «جماعة»، «شيخ»، و«الأودي» تدل على إرسال السند (لمزيد من المعلومات حول الحديث المرسل، انظر: المامقاني، ١٤٢٨هـ، ج ١: ٢٥٤، ٢٥٥). وحول «علي بن إبراهيم الفدكي» لا توجد أي معلومات في كتب الرجال، مما يجعله في الاصطلاح «مُهملاً» (انظر: الأسترآبادي، ١٣٨٨هـ ش، ٨٩). ونتيجة لذلك، فإن الرواية المذكورة ضعيفة جداً من الناحية السندية.

ثانياً: بالإضافة إلى ضعف السند، فإن مضمونها مردود بسبب تفرده وتعارضه مع روايات أخرى. فهي تشير إلى حضور الإمام المهدي (ع) في الملأ العام وإمكانية معرفته للحاضرين حول الكعبة، وهذا المضمون يخالف الروايات التي تتحدث عن حضور الإمام بشكل غير معروف في الحج؛ فقد نقل الكليني روايتين والصدوق رواية واحدة بهذا المضمون، والتي تُعرض تالياً:

الرواية الأولى: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ يَشْهَدُ فِي إِحْدَاهُمَا الْمَوَاسِمَ يَرَى النَّاسَ وَ لَا يَرَوْنَهُ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٣٩): للقائم غيبتان، يحضر في إحداهما مواسم الحج، يرى الناس ولا يرونه.

الرواية الثانية: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ يَشْهَدُ الْمَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ وَ لَا يَرَوْنَهُ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٣٧): يفقد الناس إمامهم، يحضر الموسم فيراهم ولا يرونه.

الرواية الثالثة: «وَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَمْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَيَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ يَرَى النَّاسَ وَ يَعْرِفُهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ» (الصدوق، ١٤١٣هـ، ج ٢: ٥٢٠): والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه.

الصدوق في مشيخته يعرّف طريقه إلى محمد بن عثمان العمري هكذا: «وما كان فيه عن محمد بن عثمان العمري – قدس الله روحه – فقد رويته عن أبي؛ ومحمد بن الحسن؛ ومحمد بن موسى بن المتوكل – رضي الله عنهم – عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن عثمان العمري» (الصدوق، ١٤١٣هـ، ج ٤: ٥١٠)، وجميعهم إماميون ثقات.

على الرغم من أن روايتي الكليني مهملتان بسبب وجود «يحيى بن المثنى» الذي لم يُذكر في كتب الرجال (انظر: الأسترآبادي، ١٣٨٨هـ ش، ٨٩)، وكذلك رواية الصدوق موقوفة بسبب نقلها عن مصاحب للمعصوم (لمزيد من المعلومات حول الحديث الموقوف، انظر: المامقاني، ١٤٢٨هـ، ج ١: ٣١٩-٣٣٠)، إلا أن مضمونهما تؤيده روايات صحيحة أخرى تنفي إمكانية معرفة الإمام لعامة الناس.

على سبيل المثال، ينقل الكليني بسند جميع رواته إماميون ثقات (انظر: النجاشي، ١٣٦٥هـ ش، ٧١، ٣٣٤، ٣٥٣؛ الطوسي، ١٣٧٣هـ ش، ٣٣٤) عن الإمام الصادق (ع): «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةً وَ الْأُخْرَى طَوِيلَةُ الْغَيْبَةُ الْأُولَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ وَ الْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٤٠). ويكتب الفيض الكاشاني في شرح هذه الرواية: «المراد بـ«خَاصَّةُ المَوَالِي» هم خدم الإمام في الغيبة الكبرى، إذ لا سبيل لسائر الشيعة إلى الإمام» (الفيض الكاشاني، ١٤٠٦هـ، ج ٢: ٤١٤).

٥-٣. الدراسة السندية والدلالية للروايات الدالة على كذب تعيين وقت الظهور

حول الروايات الثلاث التي تدل على كذب تحديد وقت الظهور، يجب القول:

أولاً: سند كل من الروايات الثلاث موثق. وعليه، من منظور علم الرجال، كل الروايات الثلاث معتبرة؛ وجود القاسم بن محمد وعلي بن أبي حمزة في سند الرواية الأولى والثانية، ووجود عبد الكريم بن عمرو الخثعمي في سند الرواية الثالثة، وجميعهم من الواقفية (انظر: الطوسي، ١٣٧٣هـ ش، ٣٤٢ و٣٣٩)، يوجب الحكم على هذه الروايات بأنها موثقة. وبالطبع، وجود روايات كثيرة بمضمون النهي عن التوقيت في التراث الحديثي الشيعي (على سبيل المثال، انظر: الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١: ٣٦٨، ٣٦٩؛ ابن أبي زينب، ١٣٩٧هـ، ٢٨٨ – ٢٩٦؛ الطوسي، ١٤١١هـ، ٤٢٥ – ٤٢٩)، يزيد من الثقة بصدور هذا المضمون عن المعصومين (ع) ويقلل من الحاجة إلى البحث الرجالي.

ثانياً: دلالة هذا النوع من الروايات على كذب الموقتين لظهور واضحة، ولم يُذكر لها معنى مخالف. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن تحديد وقت وزمان ظهور الإمام (عج) يمكن تصوره بعدة أشكال، وبعض هذه الأشكال يتوافق مع الروايات ولا مانع منه. على سبيل المثال، إذا لم يحدد شخص تاريخ ووقت ظهور الإمام بدقة وتفصيل، بل حدده بشكل إجمالي، فلا مانع من ذلك. كأن يقول: «سيتحقق الظهور متى ما أراد الله»، «سيظهر الإمام متى ما كان الوجدان العام للمجتمع مستعداً لقبول الولاية الإلهية»، و…. حتى في بعض الروايات توجد إشارات إجمالية إلى زمن ظهور الإمام. على سبيل المثال: سيقع الظهور في سنة فردية (وتر): «لَا يَخْرُجُ الْقَائِمُ إِلَّا فِي وَتْرٍ مِنَ السِّنِينَ سَنَةِ إِحْدَى أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعِ أَوْ تِسْعِ» (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٢٩١). أو أن الظهور سيكون في يوم عاشوراء: «يُنَادَى بِاسْمِ الْقَائِمِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ وَ يَقُومُ فِي يَوْمٍ عَاشُورَاءَ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٌّ (ع)» (المفيد، ١٤١٣هـ، ج ٢: ٤٤٢).

٤. الاستنتاج

١- يدعي «فواز بن أحمد بن علي رضوان» أن الروايات المتعلقة بوقت ظهور الإمام الثاني عشر (ع) متعارضة فيما بينها ولا يمكن رفع التعارض بينها؛ فبعضها يحدد زمناً للظهور مثل ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات بعد بدء الغيبة، وسنة سبعين، وخمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية، وأقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة؛ والبعض الآخر يكذب الموقتين للظهور.

٢- من الناحية السندية، رواية ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات بعد بدء الغيبة ضعيفة؛ ورواية سنة سبعين صحيحة؛ ورواية خمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية صحيحة؛ ورواية أقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة ضعيفة.

٣- من الناحية الدلالية، رواية ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنوات بعد بدء الغيبة ناظرة إلى طول الغيبة الصغرى؛ ورواية سنة سبعين ناظرة إلى الرخاء بعد البلاء؛ ورواية خمس عشرة ليلة بعد قتل النفس الزكية ناظرة إلى إحدى علامات الظهور دون تحديد وقت لها. ورواية أقل من أربعين سنة بعد بدء الغيبة لا يُعتد بها بسبب تفردها وتعارضها مع الروايات المعتبرة.

٤- الروايات التي تكذب الموقتين للظهور، هي من الناحية السندية موثقة ومعتبرة، ومن الناحية الدلالية صريحة في النهي عن تحديد وقت الظهور. وعليه، بصرف النظر عن سند الطائفتين من الروايات، يمكن الجمع بين مضمون الصحيح منها، وبالجمع العرفي، يُرفع التعارض البدوي المزعوم.

شكر وتقدير

أُنجز هذا البحث بدعم مالي من جامعة تربيت دبير شهيد رجائي بموجب المنحة رقم ٤٩٢٥ بتاريخ ١٤٠٢/٠٣/٠٦.

الهوامش

1. أستاذ مساعد في قسم “الدراسات الإسلامية”، كلية “العلوم والآداب”، جامعة “الملك خالد”، محافظة محايل عسير، المملكة العربية السعودية. البريد الإلكتروني: faardwan@gmail.com.

Scroll to Top