تأمل في معنى “السُنّة”؛ دراسة لإشكال منكري حجية السنة النبوية من الاكتفائيين بالقرآن

الملخص: تعدّ حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأسس الهامة في علم أصول الفقه، والتي سعت في القرون الأخيرة فرقة الاكتفائيين بالقرآن (القرآنيون) إلى التشكيك فيها. ومن بين الأدلة الهامة لإثبات حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي اتفق عليها الفريقان، هو التأكيد في القرآن الكريم على وجوب اتباع أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن جهة أخرى، نجد ضمن أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الأمر باتباع سنته دون أي تفصيل. إن ضم هذين الدليلين يثبت حجية سنته صلى الله عليه وآله وسلم بشكل مطلق. أما الإشكال الذي طُرح في هذا الصدد، فهو التشكيك في عمومية معنى لفظة “السنة” في هذه الأحاديث. أي أن معنى هذه اللفظة، في نظر المشككين، قد ورد في المصادر اللغوية بشكل لا يمكن معه إثبات حجية السنة النبوية كدليل مستقل إلى جانب القرآن الكريم. تتناول هذه المقالة، مع صرف النظر عن دليل عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التركيز على آراء اللغويين ومقارنتها وتحليلها، وقد أثبتت أن الحق في هذا الخلاف بين اللغويين مع القائلين بعمومية معنى لفظة “السُنَّة”، وبالتالي فإن هذا الإشكال في حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير صحيح تمامًا.

مقدمة

منذ القدم، عُدّت حجية السنة النبوية في علم أصول الفقه، وبشكل عام في جميع العلوم الإسلامية، أحد المصادر الأساسية لاستنباط رأي الدين إلى جانب القرآن الكريم. ولكن في القرون الأخيرة، ظهر تيار بين مجموعة من المسلمين أنكر حجية السنة النبوية من الأساس، واعتبر القرآن الكريم المصدر الوحيد لتعاليم الدين الإسلامي. هذه المجموعة التي اشتهرت باسم القرآنيين أو أهل القرآن أو المكتفين بالقرآن ؛ ذكرت أدلة لأفكارها، وطرحت إشكالات على المؤمنين بحجية السنة النبوية (أي عموم المسلمين). أحد إشكالاتهم هو ما يلي بيانه: توجد في القرآن الكريم آيات متعددة تأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. من ناحية أخرى، نشهد في الأحاديث النبوية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر في مواضع متعددة باتباع سنته (للاطلاع على نماذج فقط، انظر: الترمذي، ١٣٩٥ق، ج٤، ص٤٥٧؛ الحاكم النيسابوري، ١٤١١ق، ج١، ص٩٦؛ الكليني، ١٤٢٩ق، ج٣، ص٧١٧). وعليه، فحتى القرآنيون ليس لديهم خيار سوى قبول سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعها ؛ لأن هذا الأمر من النبي الإلهي يُعد أيضًا مصداقًا لطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أكد عليها القرآن الكريم بوضوح. ولكن يمكن للقرآنيين هنا أن يطرحوا إشكالات، من بينها التشكيك في مدى دلالة لفظ “السنة” ؛ وذلك بأن يقولوا إن عددًا من اللغويين والمفسرين قد فسروا هذه اللفظة بمعنى “الطريقة الحسنة” أي المنهج والطريقة الجيدة فقط، وليس أي طريقة كانت. ورغم أن معظم العلماء قد فسروا هذه اللفظة بذلك المعنى المطلق للطريقة، سواء كانت جيدة أم سيئة ؛ إلا أن القرآنيين يمكنهم أن يشكلوا بأنه بالنظر إلى الخلاف القائم بين المتخصصين في هذا الأمر، يجب الاقتصار على القدر المتيقن في معنى هذه اللفظة، وبالتالي اعتبارها عمليًا بمعنى “المنهج الجيد” فقط. وفي هذه الحالة، لا يمكن للأحاديث النبوية المذكورة آنفًا أن تدل على حجية السنة النبوية ؛ إذ ينشأ احتمال أن يكون المراد بـ “السنة” الواردة في هذه الأحاديث، ليس كل طريقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ بل تشير فقط إلى طريقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤيدها دليل من القرآن الكريم. وفي هذه الحالة أيضًا، لا تكون السنة النبوية حجة بذاتها، ويكون القرآن الكريم وحده مصدر الشريعة (انظر: حب الله، ٢٠١١م، ص ١٤٢).

ينبغي القول إنه على الرغم من أن الاستدلال المتقدم لا يبدو ذا أهمية كبيرة في نظر الشيعة، نظرًا لإيمانهم بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إلا أن كاتب هذه المقالة يهدف إلى معرفة ما إذا كان بالإمكان، مع غض النظر عن دليل العصمة، ومن منظور يتجاوز المذاهب، أي منظور مقبول لجميع المذاهب الإسلامية، وبالاعتماد على الخطاب الذي يلتزم به الطرف المقابل (القرآنيون) ؛ تقييم ونقد وجهة نظرهم أم لا؟. وفي هذا السياق، تتناول هذه المقالة دراسة عمومية معنى كلمة “السنة” ليتضح ما إذا كان كلام القرآنيين في هذا المجال يمكن أن يكون صحيحًا أم لا. وتجدر الإشارة إلى أنه تم في هذا المسعى الرجوع إلى مختلف مصادر اللغة والتفسير، لا سيما المصادر القديمة في القرون الهجرية الأولى، لإجراء بحث شامل قدر الإمكان، ومن ثم تحليل هذه الآراء ومناقشتها بالتفصيل.

خلفية البحث

ظهر فكر المكتفين بالقرآن (القرآنيون) كتيار فكري منظم في القرون الأخيرة في الهند، ثم انتقل إلى مصر وبعض المناطق الأخرى في العالم الإسلامي ؛ على الرغم من أنه قيل بوجود جذور لمثل هذا الفكر في القرون الهجرية الأولى نفسها (للمثال، انظر: ناصح ونصر الله، ص ١٩٤-١٩٥). وفي القرن الماضي، كُتبت العديد من الانتقادات من قبل الباحثين المسلمين تجاه هذا التيار. وعلى الرغم من تناولها لنقد مبادئ مختلفة من الأسس الفكرية للقرآنيين، إلا أنها لم تتطرق إلى الشبهة المذكورة آنفًا. مثل مصطفى السباعي (عالم سوري) في كتابه “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي” الذي يتناول أربع شبهات معاصرة حول حجية السنة، ليس من بينها أي إشارة إلى هذه المسألة (السباعي، ١٤٠٢ق، ص ١٥٣-١٦٧). وكذلك عبد الغني عبد الخالق (عالم مصري) في كتابه “حجية السنة” ذكر أربع شبهات وأجاب عنها ؛ ولكنه أيضًا لم يتناول هذه الشبهة. بعض الكتب الأخرى التي كتبت في هذا المجال هي كذلك أيضًا ؛ منها: “دفاع عن السنة” لمحمد أبو شهبة (الأستاذ المعروف بجامعة الأزهر)، “شبهات القرآنيين حول السنة النبوية” لمحمود محمد مزروعة (من أساتذة الأزهر)، و”القرآنيون (نشأتهم، عقائدهم، أدلتهم)” لعلي محمد زينو (الباحث في جامعتي دمشق والأردن). وفي بعض البحوث داخل إيران أيضًا لم يُلاحظ تناول لهذه الشبهة (للمثال، انظر: طيبي ومهدوي راد، ١٣٩٦ ش، ٤٧-٢٨). وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عددًا من الكتب التي كتبت دفاعًا عن حجية السنة وردًا على المخالفين، كانت موجهة بشكل أكبر لنقد آراء شخصيات معينة في التوجه القرآني، مثل محمود أبو رية (المفكر المصري المختلف)، وبما أنه لم يُشر في آرائهم إلى هذه الشبهة ، فمن الطبيعي أن المجيبين عليهم لم يتطرقوا إليها أيضًا ؛ مثل “الأنوار الكاشفة” لعبد الرحمن المعلمي (عالم يمني) الذي كُتب خصيصًا لرد ادعاءات أبي رية.

لذلك، همّ كاتب هذه السطور بتدارك هذا النقص، فقام في مقالتين بدراسة استعمالات لفظ “السُنّة” في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (عافي خراساني، ٢٠٢٠م، ٤٩-٧٢)، وكذلك في عصر ما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي في عصر الصحابة وأهل البيت والأشعار العربية القديمة (عافي خراساني، ٢٠٢١م، ٢٢١-٢٤٠). وفي الخطوة التالية، أي في هذه المقالة، يتناول دراسة اختلاف الآراء بين اللغويين حول معنى هذه اللفظة، ليتضح مدى اعتبار هذا الاختلاف، وهل يمكن أن يثير شكًا في معنى هذه اللفظة أم لا؟. كما أنه من الضروري التنبيه قبل البدء في البحث إلى أنه فيما سيأتي، سيُحاول أولًا توضيح ما إذا كان كل لغوي أو مفسر قد تبنى بالفعل وجهة نظر معينة حول الدلالة اللفظية لكلمة “السُنّة” أم لا، ثم في حال ثبوت تبنيه لوجهة نظر معينة، سيتم فحص وتحليل ما إذا كانت وجهة نظره تتمتع بالخصائص اللازمة للاعتبار والاعتداد بها أم لا.

اختلاف نظر المتخصصين في معنى “السُنّة

ذُكر أن اللغويين والمفسرين ينقسمون في معنى هذه اللفظة إلى مجموعتين. طبعًا مع صرف النظر عن مجموعة أخرى، أي أولئك الذين لا يمكن تصنيفهم ضمن أي من هاتين المجموعتين ؛ إذ لم يُعثر في كلامهم على قرينة تدل على ميلهم إلى إحدى هاتين النظريتين. للمثال، انظر: الفارابي، ١٤٢٤ق، ج٣، ص١٣٤؛ البطليوسي، ١٩٨١م، ج٢، ص٤٢٦. في البداية، سيتم تبيين آراء المجموعتين ؛ لأنه بحسب ما اطلع عليه كاتب هذه السطور، لم يُعالج هذا الموضوع بالجدية التي يُعالج بها في هذه المقالة في موضع آخر، أي كيفية استنباط الإشارة إلى المعنى العام أو المقيد لهذه اللفظة من كلام اللغويين. كما تجدر الإشارة إلى أنه سيتم في سياق المقالة مقارنة هذه الآراء وتحليلها بالتفصيل. ويجب التنبيه أيضًا إلى أنه تم تجنب إيراد النصوص الأصلية للعلماء، واقتصر الأمر على الحالات التي تضمنت نكتة في كلامهم ؛ فلم يكن هناك بد من إيراد عين كلامهم، وسيشار في قسم مقارنة وتحليل آراء الطرفين لاحقًا إلى النكات المستفادة من العبارات المنقولة عنهم.

١١. أنصار معنى الطريقة الحسنة

يرى النحاس (ت ٣٣٨ هـ) أن لفظ “السنة” يعني “الطريق المستقيم”. (النحاس، ١٤٢١هـ، ج ١، ص ١٨١). ونقل الأزهري (ت ٣٧٠ هـ) عن اللحياني (ت أوائل القرن الثالث الهجري) قوله: “السنة الطريقة المستقيمة المحمودة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، وسننت لكم سنة فاتبعوها. وفي الحديث: من سَنَّ سُنَّة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سُنَّة سَيِّئة” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٠). ليس من الواضح ما إذا كانت الفقرة الأخيرة هي تتمة لكلام اللحياني أم أنها رأي الأزهري نفسه؛ لأن الأزهري ذكر هذا الكلام مباشرة بعد كلام اللحياني دون أي إشارة إلى موضع انتهاء كلام اللحياني. بالطبع، نسب الزبيدي ذلك إلى الأزهري نفسه (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٨، ص ٣٠٠). ولكن ربما قصد الزبيدي أن هذا الرأي أورده الأزهري في كتاب التهذيب، وليس بالضرورة أنه اعتبره رأيًا للأزهري نفسه.

كما نقل الأزهري عن شمر بن حمدويه (ت ٢٥٥ هـ) قوله: “سن فلان طريقًا من الخير يسته: إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه، فاستنوا به وسلكوه” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٠). ونقل عن أبي بكر الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) قوله: “قولهم فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٢). وقال الأزهري نفسه أيضًا: “السنة: الطريقة المستقيمة … سَنَ اللهُ سُنَّة، أي: بين طريقًا قويماً” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٤؛ الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٨، ص ٢٩٨).

نقل الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ) عن الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) قوله: “أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: من سن سنة سيئة”. (الشوكاني، ١٤٢١هـ، ج ١، ص ١٨٥). ولكن يجب القول بأن هذا الكلام لم يُعثر عليه لا في كتاب “غريب الحديث” للخطابي ولا في المصادر القريبة من عصره، وليس من الواضح من أين استقى الشوكاني هذا الكلام ونسبه إلى الخطابي.

وذكر عدد آخر لفظ “السُنّة” بمعنى “الطريقة المستقيمة”، مثل: الراغب الأصفهاني (ت أوائل القرن الخامس) في موضع من تفسيره (الراغب، ١٤٢١هـ، ج ٢، ص ١١٩٢)، ومكي بن حموش (ت ٤٣٧هـ) (مكي بن حموش، ١٤٢٩هـ، ج ١٢، ص ٨٣٨١)، والشوكاني في تفسيره (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٤٣٩). والفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ) قال تعبيرًا مشابهًا مع إضافة مهمة: “الطريقة المستقيمة والمثال المتبع” (فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ٢، ص ٣٦٩).

قال الأَزدي (ت ٤٦٦هـ): “السنة الطريقة المحمودة” (الأزدي، ١٣٨٧ش، ج ٢، ص ٦٧٣). والجواليقي (ت ٥٣٩ هـ) الذي فسرها بمعنى “الطريقة المستقيمة المحمودة” (الجواليقي، ١٣٥٠هـ، ص ٤٤) استدل بقولهم “فلان من أهل السنة”، كما مرّ نقلاً عن التهذيب عن اللحياني وابن الأنباري.

١٢. أنصار المعنى العام للكلمة: مطلق الطريقة

اختار معظم اللغويين والمفسرين هذا الرأي. يُفهم هذا الأمر من خلال قرائن متنوعة في كلامهم، مثل تصريحهم، وسياق كلامهم، والاكتفاء بذكر “الطريقة” أو ما شابهها لبيان معنى “السنة”؛ كما سيأتي توضيحه.

١٢١. التصريح باستعمال هذه اللفظة في الطريقة الحسنة والسيئة

صرح بعض اللغويين والأدباء بأن هذه اللفظة تطلق على “الطريقة الحسنة” و”الطريقة السيئة” معًا. للمثال، انظر: الشيباني، ١٤٢٢هـ، ص ١٤٥؛ ابن دريد، ١٩٨٨م، ج ١، ص ١٣٥؛ ابن سيده، ١٤٢١هـ، ج ٨، ص ٤١٧؛ البغوي، ١٤٢٠هـ، ج ١، ص ٥١٣؛ الفيومي، ١٤١٤هـ، ج ٢، ص ٢٩٢؛ الشريف الجرجاني، ١٣٧٠ش، ص ٥٣؛ عبد القادر البغدادي، ١٤١٨هـ، ج ١٠، ص ٦٣. ومن بين المفسرين أيضًا من صرحوا باستعمال هذه اللفظة في الطرق الحسنة والسيئة. للمثال، يقول الطبري (ت ٣١٠هـ): “السنة هي المثال المتبع، والإمام المؤتم به، يقال منه: سن فلان فينا سنة حسنة، وسن سنة سيئة: إذا عمل عملاً اتبع عليه من خير وشر” (الطبري، ١٤١٢هـ، ج ٤، ص ٦٥). ويقول الحدادي (ت ٤٠٠هـ) أيضًا: “قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سنن، يعني: ذوي سنن، منهم من سن سنة حسنة، ومنهم من سن سنة سيئة” (الحدادي، ١٤٠٨هـ، ص ٣١٤). وأشار الثعلبي (ت ٤٢٧هـ) والماوردي (ت ٤٥٠هـ) أيضًا بكلام آخر إلى هذا المضمون (الثعلبي، ١٤٢٢هـ، ج ٣، ص ١٧١؛ الماوردي، د.ت، ج ١، ص ٤٢٥). ويستفاد من كلام الزجاج وابن الأنباري تصريح بهذا المعنى أيضًا بشكل ما. ونظرًا لوجود نقاط دقيقة في عبارتهما، لا بد من إيراد النص الأصلي. يقول الزجاج (ت ٣١١هـ): “السنة الطريقة، وقول الناس: فلان على السنة، معناه على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة، لأن في الكلام دليلاً على ذلك وهذا كقولنا «مؤمن» معناه مصدق، وفي الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله عز وجل التي أمر بالإيمان بها” (الزجاج، ١٤٠٨هـ، ج ١، ص ٤٧٠). ويقول ابن الأنباري أيضًا: “قولهم: فلان من أهل السنة… معناه من أهل الطريقة المحمودة، فحذف نعت السنة، لانكشاف معناه والسنة معناها في اللغة الطريقة، وهي مأخوذة من السنن وهو: الطريق” (ابن الأنباري، ١٤٢٤هـ، ص ٦٥٣). إن اعتباره “المحمودة” صفة لـ “السنة” يبين بوضوح أنه لا يعتبر صفة الحسن والخير جزءًا من معنى لفظ “السنة” نفسها. وفي نظر الكاتب، يحمل رأي هذين الأديبين أهمية بالغة؛ إذ يمكن بمساعدتهما اكتشاف منشأ خطأ أنصار الرأي الأول (أي معنى الطريقة الحسنة)، كما سيأتي توضيحه.

١٢٢. الاكتفاء بكلمات عامة في بيان معنى “السُنّة

هناك آخرون، وإن لم يصرحوا كما سبق بأن هذه الكلمة تطلق على الطريقة الحسنة والسيئة كلتيهما؛ إلا أنهم اكتفوا في بيان معنى اللفظة بتعابير مثل “الطريقة” ولم يشيروا إلى أي دلالة إيجابية لها، مع أنهم كانوا بصدد الكشف الكامل عن معنى اللفظة. هذه القرينة وحدها كافية لاعتبارهم من أنصار المعنى العام للفظة.

وفي هذا السياق، اكتفى البعض بذكر “السيرة” في معنى اللفظة (انظر: الجوهري، ١٣٧٦هـ، ج ٥، ص ٢١٣٩؛ اليماني، ١٤٢٥هـ، ص ٣١؛ الفيروزآبادي، ١٤١٥هـ، ج ٤، ص ٢٣١). كما اكتفى كثيرون بذكر “العادة” (الصاحب بن عباد، ١٤١٤هـ، ج ٨، ص ٢٤٨) أو “الطريقة والعادة” (الثعالبي، ١٤١٨هـ، ج ٤، ص ٣٩٤) أو “الطريقة” (المطرزي، ١٩٧٩م، ج ١، ص ٤١٧) أو “السيرة” و “الطريقة” معًا (الحميري، ١٤٢٠هـ، ج ٥، ص ٢٩٠٢؛ ابن الأثير، ١٣٦٧ش، ج ٢، ص ٤٠٩؛ الطريحي، ١٣٧٥ش، ج ٣، ص ٢٦٨ ومن المفسرين السجستاني، ١٤١٠هـ، ص ٢٧٦؛ القرطبي، ١٣٦٤ش، ج ١٦، ص ٢٨٠) أو “الطريقة المعتادة” (الماوردي، د.ت، ج ٥، ص ٤٠٨) في بيان معنى اللفظة.

ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) أيضًا من هذه الفئة؛ لأنه بعد أن اعتبر معنى أصل المادة (سنن) “جريان الشيء واطراده في سهولة”، أضاف: “ومما اشتق منه السنة، وهي السيرة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرته” (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٣، ص ٦٠). وفي كتابه الآخر أيضًا اكتفى بـ “السيرة” في بيان معنى اللفظة (ابن فارس، ١٤٠٦هـ، ص ٤٥٥).

كذلك يجب أن يُذكر في هذه المجموعة أبو هلال العسكري (ت ٣٩٥هـ). فهو في بيان الفرق بين “السنة” و”العادة” يقول: “العادة ما يديم الإنسان فعله من قبل نفسه، والسنة تكون على مثال سبق” (أبو هلال العسكري، ١٤٠٠هـ، ص ٢٢٠) ، ولم يذكر أي فرق آخر. توضيح ذلك أن أبا هلال العسكري اكتفى بهذا الفرق الدقيق بين هاتين اللفظتين، وهو أن “العادة” هي الشيء الذي يداوم الإنسان على فعله من تلقاء نفسه؛ أما “السنة” فهي الشيء الذي يفعله الإنسان بناءً على نموذج سابق (مثال سبق). ولكننا نعلم من خارج هذا السياق أن “العادة” تشمل صراحةً العادة الحسنة والسيئة؛ بناءً على ذلك، من الواضح أنه لو كان أبو هلال العسكري يرى أن لفظة “السنة” تحمل دلالة إيجابية، لكان من المؤكد أنه سيصرح في بيان الاختلاف بين “السنة” و”العادة” بمثل هذا الاختلاف، وهو أن “السنة” تكون للفعل الحسن فقط، أما “العادة” فتكون للفعل الحسن والسيئ ؛ لأن هذا الاختلاف المعنوي أوضح بكثير من الفرق الدقيق الذي ذكره.

أبو حاتم الرازي (ت ٣٢٢هـ) يندرج أيضًا ضمن هذه المجموعة. يقول بتفصيل أكبر: “السنة في كلام العرب السيرة والرسم الذي يرسمه الإنسان فيقتدى به من بعده، وعلامة وطريقة ومثال يمثله لمن يقتدي به” (أبو حاتم الرازي، ٢٠١٥م، ص ٧٠٨). واكتفى البعض بذكر “المثال المتبع والإمام المؤتم به” في بيان معنى اللفظة، كالواحدي النيسابوري (ت ٤٦٨هـ) (الواحدي، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ١٠٣). يتضح من هذا الكلام أن مجموعة من العلماء يعتبرون الاتباع جزءًا من معنى لفظة “السنة”، وسيشار إليه لاحقًا.

١٢٣. الاستدلال بشواهد خاصة لبيان معنى لفظ “السنة

يجب القول إن بعض اللغويين أو المفسرين استدلوا في تبيين معنى “السنة” بشواهد توضح تمامًا المعنى العام لهذه اللفظة ؛ وعليه، يجب اعتبار هؤلاء اللغويين أو المفسرين من القائلين بعمومية معنى هذه اللفظة. على سبيل المثال، يجب القول إن من أهم الاستعمالات التي تدل على المعنى العام للفظ “السنة” هو بيت شعر لخالد الهذلي. فهو في رده على شخص اتهمه بالخيانة، بينما كان ذلك المتهم قد ارتكب نفس الخيانة بالضبط، يقول: “فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها” فلا تحزن من سنة أنت بدأتها بنفسك؛ لأن أول من يرضى بسنة هو الذي يقوم بها. وقد أوضح الكاتب بالتفصيل في مقالة بحث فيها استعمالات لفظ “السنة” في النصوص الأدبية، هذا البيت ومصادره (عافي خراساني، ٢٠٢١، ص ٢٢٠-٢٢٢). ويشير إليه هنا فقط ليوضح أن جميع العلماء الذين استدلوا بهذا البيت لبيان معنى “السنة” هم من القائلين بعمومية معنى هذه اللفظة، مثل الجوهري، وابن فارس، والحميري، والقرطبي، كما ذُكروا سابقًا ؛ لأن المعنى العام للفظة في سياق هذا البيت، مع التوضيح الذي ورد في المقالة المذكورة، واضح تمامًا ، بحيث لا يمكن للعلماء القائلين بمعنى “الطريقة المحمودة” أن يستدلوا بهذا البيت.

وفي رواية أخرى أيضًا ورد أن جماعة من قبيلة همدان وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أحدهم: “نصية من همدان… عهدهم لا ينقض عن سنة ماحل ولا سوداء عنقفير”. هذه الرواية شاهد آخر في الاستعمالات الحديثية للمعنى العام للكلمة، وقد ورد تفصيلها في مقالة أخرى (عافي خراساني، ٢٠٢١م، ص ٦٤). ويقول الزجاجي (ت ٣٤٠هـ) في ذيل هذه الرواية: “السنة: الطريقة” (الزجاجي، ١٤٠٧هـ، ص ١٥٣). وكذلك المديني (ت ٥٨١هـ) وابن الأثير (ت ٦٠٦هـ) يقولان في ذيل هذه الرواية: “أي لا ينقض عهدهم بسعي ساع بالنميمة والإفساد…” (المديني، ١٤٠٦هـ، ج ٢، ص ١٣٩؛ وكذلك، انظر: ابن الأثير، ١٣٦٧ش، ج ٢، ص ٤١٠). وبما أن “سنة” في هذه الرواية نُسبت إلى النمام والجاسوس، فإن المعنى العام للفظة واضح في الرواية نفسها. فهذه قرينة تدل على أنه لو كان هؤلاء العلماء يؤمنون بالدلالة الإيجابية لهذه اللفظة، لكانوا بعد إيراد هذه الرواية قد برروا استعمال هذه اللفظة فيها.

١٢٤. استنباط المعنى العام من سياق كلام العلماء

أحيانًا يذكر اللغويون والمفسرون كلامًا في ذيل آية أو حديث، يمكن من خلال التأمل فيه إدراك أنهم كانوا يعتقدون بالمعنى العام للفظ “السنة”. ومن بين هؤلاء يجب ذكر ابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ) الذي يقول في ذيل الآية “وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ” (الحجر/١٣): “أي تقدمت سيرة الأولين في تكذيب الأنبياء” (ابن قتيبة، ١٤١١هـ، ص ٢٠١). فيتضح أنه يعتبر اللفظة ذات معنى عام؛ لأنه فسر “السنة” هنا بمعنى طريقة مكذبي الأنبياء، وهو ما يُعد بوضوح مصداقًا للطرق السيئة.

وقال أبو عبيد الهروي (ت ٤٠١ هـ) أيضًا: “(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) (آل عمران/١٣٧) قال الأزهري: أي أهل سنن، أي أهل طرائق، والسنة الطريق” (الهروي، ١٤١٩هـ، ص ٩٤٠). هذا النقل عن الأزهري يبدو أنه يعني اعتقاده بالمعنى العام، مع التوضيح الذي سبق حول هذا النوع من الآيات. بالطبع، لم يُعثر على هذا الكلام للأزهري في كتابه (التهذيب). وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الهروي بعد بضعة أسطر، ودون أن ينقل عن الأزهري، يقول: “السنة معناها في كلامهم الطريقة”، وهو ما يمكن أن يدل على المعنى العام في رأي الهروي نفسه.

كذلك الراغب الأصفهاني في موضع آخر من تفسيره -غير ما تقدم- في ذيل الآية ١٣٧ من سورة آل عمران يقول: “السنة: الطريقة المجعولة للاقتداء بها، محسوسة كانت أو معقولة. وعني بالسنة هاهنا ما كان من القرون الأولى أخيارهم وأشرارهم….” (الراغب الأصفهاني، ١٤٢١هـ، ج ٢، ص ٨٦٩). من كونه طبق “السنة” على الأخيار والأشرار، يتضح أنه قائل بالمعنى العام. وله في “المفردات” أيضًا بيان حول معنى “السنة” (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٤٢٩) ، وإن لم يكن بصراحة كلامه السابق في المعنى العام؛ إلا أنه لا يوجد فيه أي إشارة إلى معنى “الطريقة الحسنة”.

كذلك الزبيدي (ت ١٢٠٥هـ) يقول أولاً عن لفظ “السنة”: “السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحةً”؛ ثم يذكر مباشرة في ذيلها نقلاً عن الأزهري: “السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة” (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٨، ص ٣٠٠). وبعد بضعة أسطر يقول: “سن الله سنة أي: بين طريقًا قويماً” (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ١٨، ص ٢٩٩). بناءً على ذلك، لا يتضح رأي الزبيدي تمامًا. بالطبع، هناك قرائن أخرى في كلامه تدل على اعتقاده بالمعنى العام، وسيأتي ذكرها لاحقًا. على الرغم من أن رأيه وآراء معاصريه المتأخرين جدًا، أقل قيمة بكثير من آراء المتقدمين، لا سيما من القرون الهجرية الأولى.

بغض النظر عن اللغويين، يجب الإشارة إلى كلام المفسرين، ومنهم مجاهد (ت ١٠٣هـ). يقول: “قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ يعني في المؤمنين والكافرين في الخير والشر” (مجاهد، ١٤١٠هـ، ج ١، ص ٢٦٠؛ وكذلك انظر: ابن أبي حاتم، ١٤١٩هـ، ج ٣، ص ٧٦٨) ؛ لأنه طبق “سنن” على المؤمنين والكافرين والخير والشر. بالطبع، نُقل كلامه في بعض المصادر بدون “الخير والشر” أيضًا (الطبري، ١٤١٢هـ، ج ٤، ص ٦٥) ؛ ولكن حتى بدونها، وبمجرد تطبيق “السنة” على الكافرين والمؤمنين، يمكن استنتاج أن مجاهدًا كان يعتقد بالمعنى العام. على الرغم من أن استخدامه لتعبير “في”، قد يشير إلى أن معنى الآية عنده هو سنن الله في المؤمنين والكافرين، وفي هذه الحالة لا يمكن الاستدلال بهذا الكلام على اعتقاده بالمعنى العام ؛ لأنه من الواضح أن سنن الله حسنة.

في التفسير المنسوب إلى زيد (ت ١٢٢هـ)، تحت الآية (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) (فاطر/٤٣)، ورد: “معناه: إلا دأب الأولين وصنيعهم” (زيد بن علي، ١٤١٢هـ، ص ٢٦١). يتضح من هذا الكلام أن كاتب التفسير قائل بالمعنى العام. مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠هـ) يقول أيضًا: “(وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (الحجر/١٣) بالتكذيب لرسلهم بالعذاب” (مقاتل بن سليمان، ١٤٢٣هـ، ج ٢، ص ٤٢٥). معنى كلامه أن “سنة الأولين” هي نفسها تكذيبهم لأنبيائهم. في هذه الحالة، يجب أن يكون قائلاً بالمعنى العام. يبدو أنه اعتبر “بالتكذيب” متعلقة بـ “سنة الأولين”، و”بالعذاب” متعلقة بـ “خلت” ؛ أي أن سنة الأوائل في تكذيب الأنبياء قد مضت مع العذاب الإلهي. ولكن على أي حال، يجب التسليم بأن كلامه ليس صريحًا تمامًا في المعنى العام.

كذلك يقول معمر بن المثنى (ت ٢٠٩هـ): “(سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (النساء/٢٦) أي سبل الذين من قبلكم” (معمر بن المثنى، ١٣٨١ق، ج ١، ص ١٢٤). لقد فسر “سنن” بمعنى “سبل”، وهو ما يمكن أن يدل على المعنى العام في رأيه. ولكن يجب القول إن هذا الأمر ليس واضحًا تمامًا؛ فربما كان يعتبر المراد بـ “الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم” الأمم السابقة التي كانت لها شرائع. وفي هذه الحالة، لا يمكن القول إن “سنن” هنا مصداق للطرق السيئة، وبالتالي لا يمكن إثبات المعنى العام في رأيه بوضوح. على الرغم من أنه بالنظر إلى عدم تقديمه مزيدًا من التوضيح واكتفائه بلفظ “سبل”، فإن الاحتمال الأكبر هو أنه كان يعتقد بالمعنى العام.

يقول الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ): “السنة: الطريقة المجعولة ليقتدى بها، فمن ذلك سنة رسول الله ﷺ” (الطوسي، د.ت، ج ٢، ص ٥٩٧). لا توجد أي إشارة إلى دلالة إيجابية في كلامه. ربما يُظن أن تعبير “المجعولة ليقتدى بها” تصريح بالدلالة الإيجابية. ولكن يجب القول إن هذا التعبير يشير فقط إلى أن السنة هي طريقة أُنشئت منذ البداية ليتبعها الآخرون، وهذا يشمل الطريقة الحسنة والسيئة. وكون الشيخ الطوسي قد مثّل بـ “سنة رسول الله” لاحقًا، هو مجرد مثال ، ولا يدل على أن جميع السنن تحمل دلالة إيجابية. وقد تبع الطبرسي (ت ٥٤٨هـ) الشيخ الطوسي في تبيين معنى “السنة” (الطبرسي، ١٣٧٢، ج ٢، ص ٨٤١).

يجب القول إن ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) يقول أيضًا: “وقد خلت من قبلكم سنن أي قد مضى من قبلكم أهل سنن. فانظروا ما صنعنا بالمكذبين منهم” (ابن الجوزي، ١٤٢٥هـ، ص ٥٠). يتضح من سياق كلامه أنه قائل بالمعنى العام ؛ لأنه اعتبر أهل السنن هم أنفسهم المكذبين، مما يدل صراحة على أنه كان يجيز استعمال “سنن” في المصاديق السلبية أيضًا.

١٢٥. استخدام لفظ “السنّة” في بيان معنى ألفاظ عامة

من ناحية أخرى، استخدم عدد من اللغويين والأدباء البارزين لفظ “السنّة” في بيان معنى “السيرة”. للمثال، انظر: المبرد، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ٣٠٧؛ الصاحب بن عباد، ١٤١٤هـ، ج ٨، ص ٣٧٦؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٣، ص ١٢٠؛ ابن سيده، د.ت، ج ١٤، ص ٢٤١؛ الفيروزآبادي، ١٤١٥هـ، ج ٢، ص ١٢٠. وبما أن عمومية معنى “السيرة” واضحة، فهذا مؤيد لكونهم قائلين بالمعنى العام للفظ “السنّة” الذي استخدموه لبيان معنى “السيرة”. وكذلك، استعان البعض بـ “السنّة” لبيان معنى “الدأب” في آية (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) (آل عمران/١١) (انظر: معمر بن المثنى، ١٣٨١هـ، ج ١، ص ٨٧؛ الطبري، ١٤١٢هـ، ج ١٠، ص ١٧).

ولكن ربما يُطرح هنا إشكال وهو أن استخدام هؤلاء اللغويين والأدباء للفظ “السنة” لمعنى هذه الألفاظ ليس استعمالاً عربيًا أصيلاً حتى يمكن الاستدلال به؛ بل يُعد استعمالاً في كلام اللغويين والمفسرين أنفسهم ؛ إذ من الممكن أنهم استخدموا في بيان معنى تلك الألفاظ كلامًا يتوافق مع عربية عصرهم، أو على الأقل لم يحمل تمامًا تلك الدلالة العربية الأصيلة. ولهذا السبب، يجب اعتباره مؤيدًا فقط.

في الختام، من المناسب أيضًا ذكر عدد من العلماء المعاصرين الذين اعتقدوا بالمعنى العام لهذه اللفظة، انظر: رشيد رضا، ١٤١٤هـ، ج ٤، ص ١٤٠؛ المراغي، د.ت، ج ٤، ص ٧٤؛ ابن عاشور، ١٤٢٠هـ، ج ٣، ص ٢٢٦؛ ج ٢٦، ص ١٥٤؛ السبزواري، ١٤٠٩هـ، ج ٨، ص ٧٥؛ الطنطاوي، ١٩٩٧م، ج ٢، ص ٢٧٠؛ مغنية، ١٤٢٤هـ، ج ٢، ص ١٥٩؛ وهبة الزحيلي، ١٤١١هـ، ج ٤، ص ٩٦.

مقارنة وتحليل آراء الطرفين

بعد طرح آراء المتخصصين المختلفة، حان وقت تقييم هذه الآراء.

٢١. عدم ثبوت معنى “الطريقة الحسنة” في كلام بعض العلماء

مما سبق يتضح أنه لا يمكن إثبات أن عددًا ممن قد يُظن أنهم من أنصار معنى “الطريقة المحمودة” كانوا بالفعل قائلين بمثل هذا المعنى.

٢١١. غياب الدلالة الإيجابية في “الطريقة المستقيمة

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى اللغويين والمفسرين الذين استخدموا تعبير “الطريقة المستقيمة” لبيان معنى “السنة” ؛ لأن “المستقيمة” في كلامهم قد تكون من “القوام” بمعنى الثابت والمستمر، وبالتالي لا تشير إلى أي دلالة إيجابية في معنى لفظ “السنة”. وما قاله أبو هلال العسكري في الفرق بين “الصواب” و”المستقيم” يؤيد هذا الأمر أيضًا ؛ إذ قال إن لفظ “الصواب” يستخدم فقط في المصاديق الحسنة ؛ أما لفظ “المستقيم” فيستخدم في كل شيء يسير على منوال واحد، حتى لو كان سيئًا (أبو هلال العسكري، ١٤٠٠هـ، ص ٤٥). ويزداد هذا الاحتمال قوة مع كلام فخر الرازي الذي مر ذكره ؛ إذ يبدو أنه أورد “المثال المتبع” كعطف تفسيري وتوضيح منفصل إلى جانب “الطريقة المستقيمة” في كلامه ؛ وعليه، فإن عمومية معنى “المثال المتبع” تؤيد أن مراده من “المستقيمة” هو أيضًا المنهج المستمر، وليس بالضرورة المنهج الحسن. من ناحية أخرى، فإن الراغب الأصفهاني – مع كونه ممن استخدموا “المستقيمة” لمعنى “السنة” – يصرح بأن “السنة” تستخدم أيضًا لطريقة الأشرار كما مر، ويكتفي في بيان معنى “السنة” بقول “الطريقة المجعولة للاقتداء بها”. وهو في “المفردات” أيضًا – وإن لم يصرح بشيء – إلا أنه لا توجد أي إشارة إلى دلالة إيجابية للفظة.

من القرائن الأخرى التي يمكن عدها لهذا الاحتمال (أي أن “المستقيمة” في كلام هؤلاء العلماء تعني فقط المستمر والثابت، ولا تشير إلى أي دلالة إيجابية) هو أنه يبدو أن الفرق بين “السنة” و”الطريقة” هو هذا “الاستمرار الكثير” ؛ لأن “الطريقة” تستخدم أحيانًا لمنهج لا يتبعه الآخرون ؛ وبالتالي فإن الاستمرار والدوام بهذا الشكل ليس قيدًا ملازمًا لمعنى لفظ “الطريقة” ؛ بخلاف “السنة” التي تكون كذلك في كثير من الحالات على الأقل. هذه المسألة تستفاد أيضًا من كلام عدد من العلماء مثل الطبري والثعلبي والواحدي الذين فسروا “السنة” بمعنى “مثال متبع” أو ما شابه ذلك. وكذلك كلام لشمر بن حمدويه نقله الأزهري يشير إلى هذه النقطة نفسها: “كل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٥). بل إن بعض العلماء لم يعتبروا “السنة” طريقة مستمرة ومتواصلة فحسب ؛ بل اعتبروها طريقة تؤسس منذ البداية ليتبعها الآخرون. كما أن كلام أبي حاتم الرازي والراغب الأصفهاني في موضع من تفسيره، والشيخ الطوسي والطبرسي يشير إلى هذا الأمر نفسه. وكلام الفارابي والبطليوسي الذي مر في بداية المقالة كان يشير أيضًا إلى هذه النقطة. لذلك، ربما كان السبب وراء عدم اكتفاء الذين استخدموا تعبير “المستقيمة” إلى جانب “الطريقة” في بيان معنى “السنة” هو الإشارة إلى أن السنة تعني طريقة مستمرة ومتواصلة، وليست أي طريقة كانت. وعبارة الشيخ الطوسي توضح هذه النقطة جيدًا: “من عمل الشيء مرةً أو مرتين لا يقال: إن ذلك سنة، لأن السنة الطريقة الجارية” (الطوسي، د.ت، ج ٨، ص ٣٦٣).

ولكن هذا الاحتمال – وإن كان احتمالاً جيدًا – لا يتناسب مع كلام الزجاج الذي مرّ ذكره ؛ لأنه يقول إن “أهل السنة” بمعنى “أهل السنة المحمودة” ؛ ثم يقول: “ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلاً على ذلك”. من الواضح في كلامه أن لفظ “المستقيمة” يحمل دلالة إيجابية. وكذلك، قد لا يتناسب هذا الاحتمال مع استعمال لفظ “المستقيمة” في كلام الراغب ومكي بن حموش والفخر الرازي أنفسهم ؛ لأن استعمال “المستقيمة” بدلالة إيجابية موجود في كلامهم (للمثال، انظر: الراغب، ١٤١٢هـ، ص ٢٦٠، ص ٥٠٩؛ مكي بن حموش، ١٤٢٩هـ، ج ١٢، ص ٨٣٨١؛ فخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ج ٢٦، ص ٢٥٦؛ ج ٢٨، ص ١٨١). ولكن يجب القول بأنه ليس من المستبعد أن يكون استعمال “المستقيمة” بدلالة إيجابية بسبب وجود قرينة في سياق كلامهم ؛ وبالتالي لا يمكن إثبات أنه عندما ذكروا “المستقيمة” في معنى “السنة”، كان مرادهم بيان صفة حسنة. كما أن الشوكاني أيضًا فسر “السنة” بمعنى “الطريقة المستقيمة”، ولكنه ذكر مباشرة شعر الهذلي (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ج ١، ص ٤٣٩). بينما، كما مر، لا يمكن لمن يقول بمعنى الطريقة الحسنة أن يستدل بهذا الشعر ؛ وبالتالي فإن كلامه لا معنى له إلا إذا كان مراده من “المستقيمة” فقط الاستمرار والتواصل. ومن ناحية أخرى، صرح الراغب نفسه بأن أصل “الاستقامة” هو المداومة والاستمرار (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٦٩٢)، وهذا أيضًا مؤيد لهذا الاحتمال.

نعم، لا يزال احتمال الطرف المقابل قائمًا، وهو أن “المستقيمة” في كلامهم تحمل دلالة إيجابية، ولا يريد الكاتب رفضه بشكل قاطع؛ بل يريد فقط توضيح أنه بالنظر إلى القرائن التي مرت، يوجد احتمال آخر في المقابل. ومع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن إثبات أن “المستقيمة” في كلام هذه الفئة من العلماء تعني الحسن والجيد؛ وبالتالي، لا يمكن إثبات أن الذين استخدموا “المستقيمة” لبيان معنى “السنة” كانوا قائلين بمعنى الطريقة الحسنة.

٢١٢. احتمالات أخرى في رأي شمر بن حمدويه وابن الأنباري واللحياني

كذلك كلام شمر بن حمدويه، الذي ذُكر ضمن القائلين بمعنى الطريقة الحسنة، ليس واضحًا أيضًا ؛ إذ لا يُفهم من كلامه أنه اعتبر الدلالة الإيجابية في لفظ “السنة” نفسها ؛ بل ربما كانت ألفاظ “البر” و”الخير” التي استخدمها في توضيح معنى “السنة” مجرد أمثلة لتبيين معناها، دون أن يعتبر معنى الحسن والخير جزءًا من معنى “السنة” نفسها. ومن ناحية أخرى، فإن الأزهري نفسه الذي نقل هذا الكلام عن ابن حمدويه، ينقل عنه بعد بضع صفحات شيئًا يُفهم منه أن ابن حمدويه قائل بالمعنى العام: “كل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنه” (الأزهري، ١٤٢١هـ، ج ١٢، ص ٢١٥). في هذا الكلام، بالنظر إلى عدم وجود أي إشارة إلى دلالة إيجابية، يُفهم أن قائله لا يعتقد بدلالة إيجابية في لفظ “السنة”. نقل الأزهري عن ابن الأنباري أيضًا له نفس الوضع ؛ لأن نقل الأزهري لا يتوافق مع ما ورد في كتاب ابن الأنباري نفسه “الزاهر في معاني كلمات الناس”. لأن “السنة” في كتابه الخاص وردت بمعنى مطلق السيرة؛ كما مر توضيحه. ربما سقطت بضع جمل في نقل الأزهري، مما أدى إلى هذا التوهم بأن ابن الأنباري قائل بمعنى الطريقة الحسنة. نعم، الاحتمال العكسي وارد أيضًا؛ أي أن وجود هذه الجمل في كتاب ابن الأنباري وعدم وجودها في نقل الأزهري عنه يجعلنا نشك في نسبة هذه الإضافات إلى ابن الأنباري ؛ لأن نقل الأزهري له قيمة على الأقل كنسخة من كتاب ابن الأنباري ، حيث كان الأزهري مطلعًا على كتابه. وعندما يكون هناك كلام في نسخة من كتاب ولا يكون في نسخة أخرى، فإن ذلك يثير شكنا حول نسبة تلك الإضافات إلى المؤلف. يجب القول، كما في الحالات السابقة، إن كاتب هذه السطور ليس بصدد نفي هذا الاحتمال بشكل قاطع، وإنما يريد فقط أن يقول إنه حتى لو لم نتمكن من القول بأن ابن الأنباري كان قائلًا بالمعنى العام، فإنه على الأقل مع وجود الاحتمال في كلا الطرفين، لا يثبت أيضًا أنه من القائلين بمعنى الطريقة الحسنة.

وكذلك ما نقله الأزهري عن اللحياني لا يتسق داخليًا ؛ لأنه بعد أن فسر “السنة” بمعنى “الطريقة المحمودة”، ذكر حديث “من سن سنة…” (للاطلاع التفصيلي على هذا الحديث ودلالته على عمومية معنى “السنة”، انظر: عافي خراساني، ٢٠٢٠م، ص ٥٨-٥٩) ، ولم يكتف بالفقرة الأولى من هذا الحديث (أي “سنة حسنة”)؛ بل ذكر صراحة الفقرة الثانية منه أيضًا، والتي ورد فيها “سنة سيئة” أو “سنة ضلال” أو ما شابه ذلك. في هذه الحالة، يجب القول إنه من المثير للاهتمام جدًا كيف تمكن من ادعاء دلالة إيجابية لهذه اللفظة، وفي الوقت نفسه يستدل بمثل هذا الحديث؟ بينما هذا الحديث يذكر صراحة صفة ذات دلالة سلبية لـ “السنة”، مما يوضح تمامًا عمومية معناها.

٢١٣. عدم وضوح رأي الأزهري والزبيدي

كذلك لم يتضح رأي الأزهري نفسه للكاتب؛ لأنه لا يتوافق مع ما نقله عنه جليسه أبو عبيد الهروي ؛ إذ إن نقل الهروي ظاهر في المعنى العام؛ لأنه في توضيح معنى “أهل سنن” في الآية (آل عمران: ١٣٧) يقول فقط: “أي أهل سُنن أي أهل طرائق” ويكتفي بذكر “طرائق” ولا يشير إلى أي دلالة إيجابية في “سنن”. خاصة عندما نرى أن الآية تدعو إلى الاعتبار من المكذبين ، وقد صرح الأزهري نفسه بأن “سنن” في هذه الآية تعني “أهل سنن” ؛ أي أصحاب السنن، وهذا يعني أن الأزهري لا يرى “سنن” هنا بمعنى السنن الإلهية حتى يمكن القول إنه عندما تكون سنة إلهية فهي ليست سنة سيئة، وبالتالي لا يمكن استخدام هذا الشاهد للمعنى العام. بل إنه يرى “سنن” بمعنى طريقة الناس السيئين، أي سنة أهل العذاب والمكذبين بالأنبياء (ع). بناءً على ذلك، استُخدمت “السنة” في هذه الآية، وفقًا لرأي الأزهري، في مصداق سيء للمنهج والطريقة، وهذا يدل على أن الأزهري كان قائلًا بالمعنى العام للفظ “السنة”. وكذلك في الموضع الذي فسر فيه الأزهري “سن الله سنة” بـ “الطريق القويم”. فمن الممكن أنه في مثل هذا السياق الذي تُنسب فيه “السنة” إلى الله تعالى، قد بيّن معنى “السنة” بمصداقها، وليس أنه بيّن المعنى اللغوي لـ “السنة”.

لم يتضح رأي الزبيدي أيضًا ؛ لأنه بعد أن ذكر كلامًا يصرح بعمومية معنى اللفظة، ذكر في ذيله كلامًا للأزهري يدل على دلالة إيجابية ، دون أن يقول شيئًا في نقد أحد هذين الرأيين. ربما كان هذا العمل منه دليلاً على تردده، أو أنه أراد فقط نقل رأي الأزهري دون الدخول في النقاش، وربما ذكر كلام الأزهري كنقد للكلام السابق. ولكن على أي حال، فقد استخدم في موضع آخر لفظ “السنّة” لبيان معنى “السيرة” واستشهد بشعر الهذلي (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ٦، ص ٥٥٩). وفي موضع آخر أيضًا قال: “يقال: استار بسيرته، إذا استن بسنته وطريقته” (الزبيدي، ١٤١٤هـ، ج ٧، ص ٥٦٢). بناءً على ذلك، إذا لم يمكن القول إنه قائل بالمعنى العام، فعلى الأقل لا يثبت أنه قائل بمعنى “الطريقة الحسنة”.

٢٢. إشكالات جدية في رأي القائلين بمعنى “الطريقة الحسنة

مع التوضيحات التي مضت، يبقى عدد قليل فقط من اللغويين الذين لا يزال كلامهم يصرح بمعنى “الطريقة الحسنة”، مثل النحاس والخطابي والأزدي، وسيتم تقييم آرائهم فيما يلي.

٢٢١. عدم صحة كلام الخطابي

في هذا السياق، يُعد كلام الخطابي هو الأهم على الإطلاق ؛ لأنه لم يكتفِ بتفسيرها بمعنى “الطريقة المحمودة”، بل قدم أيضًا تبريرًا لاستعمالات “السنة” المقيدة بصفة ذات دلالة سلبية، وقال إنه كلما استُعملت “السنة” بدون صفات ذات دلالة سلبية، فإنها تعني “الطريقة المحمودة”. وهذا الكلام منه يمثل تحديًا هامًا جدًا يوقعنا في مشكلة في فهم معنى الأحاديث النبوية المتقدمة. ولكن يمكن القول في الرد إننا نرى في الاستعمالات العربية أن “السنة” تُستعمل أحيانًا في مصداق سيء مع أنه لم تُذكر لها أي صفة سيئة ؛ مثل شعر خالد الهذلي الذي أُشير إليه سابقًا. وكذلك في كثير من الشواهد الأخرى نرى أن لفظ “السنة” استُعمل للمعنى الأصلي للطريقة، بحيث يكون المراد منه مطلق الطريقة، سواء كانت حسنة أم سيئة، كما فصّل الكاتب في مقالتين أخريين الشواهد المختلفة لذلك. وكذلك كلام الخطابي الذي اعتبر معنى “الطريقة الحسنة” هو “أصل معنى الكلمة”، لم يتضح أيضًا ؛ لأنه إذا كان مراده أن المعنى الحقيقي لهذه اللفظة هو “الطريقة الحسنة”، وعندما تُستعمل مع صفة في غير هذا المعنى تكون مجازية، ففي هذه الحالة يجب القول إن هذا مخالف لوجدان من يعيشون باللغة العربية ؛ لأنه عند استعمال “السنة” في المصاديق السيئة لا ينشأ أي شعور بالمجازية لدى العارفين بهذه اللغة، ولا يُلاحظ فيها علامة المجازية أي صحة السلب. ولكن يبدو أن مراد الخطابي من “الأصل” هنا ليس الحقيقة والمجاز؛ بل الانصراف. وفي هذه الحالة أيضًا، يجب القول إنه من المحتمل جدًا أن يكون مثل هذا الانصراف في ذهن الخطابي ناتجًا عن الاستعمال الواسع لهذه اللفظة في البيئة الإسلامية في المعاني ذات الدلالة الإيجابية، وهو ما لا علاقة له بمعناها اللغوي، وسيتم توضيحه لاحقًا.

٢٢٢. عدم صحة هذا الرأي بشكل عام

بشكل عام، يمكن القول إن رأي هذا العدد القليل من العلماء الذين يؤيدون معنى “الطريقة الحسنة” غير جدير بالاعتماد، حتى لو شهد كلامهم بوضوح على هذا المعنى ؛ لأنه من المحتمل جدًا أن يكون هذا الرأي حول معنى هذه اللفظة متأثرًا بملاحظة بعض الاستعمالات التي وردت فيها “السنة” مصحوبة بصفة حسنة، ولكن هذه الصفة حُذفت لقرينة ما، كما صرح الزجاج وابن الأنباري في كتاب “الزاهر” بدقة بهذا الحذف، ولكن هؤلاء أصحاب الرأي لم ينتبهوا إلى هذا الحذف، وظنوا أن هذه اللفظة تحمل دلالة إيجابية بذاتها. ربما لا يكون هذا هو المنشأ الوحيد لخطأ هذه المجموعة ؛ ولكنه واضح في كلام بعضهم مثل النحاس واللحياني ونقل عن ابن الأنباري في “التهذيب” ؛ لأنهم استدلوا على المعنى الإيجابي لهذه اللفظة بتعبيرات مثل “فلان على السنة” و”فلان من أهل السنة” ؛ وبالتالي، فإن الشواهد من هذا القبيل لا علاقة لها بالمعنى اللغوي للفظة حتى يمكن الاستدلال بها لإثبات المعنى اللغوي.

وعليه، فإن هذا الاحتمال قوي جدًا بأن الدلالة الإيجابية في ذهن هذه المجموعة ناتجة عن الثقافة الإسلامية التي تُستخدم فيها “السنة” في كثير من الحالات بمعنى السنة النبوية، وإلى جانب القرآن الكريم، وفي مقابل البدعة. بل من المحتمل أن يكون استدلالهم بـ “أهل السنة” ناتجًا أيضًا عن هذه الثقافة في مجتمع أهل السنة، حيث تشير “السنة” فيه إلى مذهب أهل السنة الذي كان يرى نفسه، في مقابل المذاهب الأخرى، نصيرًا للسنة النبوية وفي مقابل البدعة، علمًا بأن القائلين بالمعنى الإيجابي هم من أهل هذا المذهب. وهذه الثقافة أوجدت في ذهن هذه المجموعة مثل هذا الأنس، لدرجة أنهم ظنوا أن المعنى اللغوي لهذه اللفظة هو أيضًا “الطريقة الحسنة”، ولكنهم لم ينتبهوا إلى هذا الاختلاف بين المعنى الإسلامي للفظة ومعنى “الطريقة الحسنة”، وهو أن المعنى الإسلامي يكون في مقابل البدعة ولا يشمل أي طريقة حسنة كانت.

ربما يُشكل بأنه مع هذا التوضيح، نعتبر منشأ خطأ هذه المجموعة هو الثقافة الإسلامية التي كانت تستخدم “السنة” في كثير من الحالات في مقابل البدعة ؛ ولكن في هذه الحالة، إذا استُخدمت “السنة” في عبارة في مقابل “البدعة”، فإنها ستحمل دلالة إيجابية. وفي مثل هذه الحالة، نواجه مشكلة في بعض الأحاديث النبوية الآمرة باتباع السنة النبوية ؛ لأنه في بعض هذه الأحاديث أيضًا يُلاحظ استعمال “السنة” في مقابل “البدعة”. وفي هذه الحالة، يعود إشكال القرآنيين مرة أخرى، وهو أنه ليس من المعلوم أن هذه الروايات تدل على شيء غير سنة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت حسنها بدليل آخر كالقرآن، وهذا يعني أن السنة النبوية ليست حجة بذاتها!. ولكن هذا الإشكال غير وارد؛ لأن هذه الأحاديث نوعان:

  • إما أن تكون “البدعة” فيها بالمعنى اللغوي ؛ أي إحداث شيء جديد بدون أي دلالة سلبية. ومؤيد ذلك أننا نرى أن “البدعة” في كثير من هذه الأحاديث لم ترد بدون قيد ؛ بل وردت بقيود مثل “الضلالة” أو “لا يرضاها الله ورسوله” (ابن ماجه، د.ت، ج ١، ص ١٣٨؛ الترمذي، ١٣٩٥ق، ج ٥، ص ٤٥؛ الحاكم النيسابوري، ١٤١١ق، ج ١، ص ٩٦). وبالتالي، بقرينة المقابلة، ستكون “السنة” أيضًا بمعناها اللغوي؛ أي معناها العام. وهذا يعني حجية جميع السنن النبوية.
  • أو أن تكون “البدعة” فيها بمعناها الإسلامي. في هذه الحالة، ستكون “السنة” أيضًا في المقابل بمعناها الإسلامي الذي ألفه المسلمون واستُخدم في الأحاديث؛ أي جميع طرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فقط الطرق التي ثبت حسنها بدليل آخر. بل إن لفظ “السنة” في الاستعمالات التي استُخدم فيها بمعناه الإسلامي، يحمل معنى أوسع من طرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويشمل قوله أو فعله أيضًا، وهو ما لا يتسع المجال لتوضيحه في هذه المقالة.

النتيجة

من خلال الدراسة الدقيقة لآثار اللغويين والمفسرين الذين يُظن أنهم يرون لفظ “السنة” بمعنى “الطريقة الحسنة” وليس أعم من الطريقة الحسنة أو السيئة، اتضح أنه بالنسبة للكثيرين منهم، ليس من المعلوم أنهم كانوا يحملون هذا الرأي بالفعل. يبقى عدد قليل جدًا فقط يتضح من كلامهم هذا المعنى حقًا. ولكن بالنسبة لهذا العدد القليل أيضًا، يجب القول إنهم يستدلون بشواهد لا تصلح لإثبات المعنى اللغوي لهذه اللفظة ؛ إذ إن القرائن الخارجية تكون أحيانًا كامنة في هذه الشواهد، مما جعلهم يستنبطون منها معنى “الطريقة الحسنة”. وفي بعض آخر من هذا النوع من الشواهد، استُخدمت لفظ “السنة” بمعناها الإسلامي وليس بمعناها اللغوي. ومن ناحية أخرى، من المحتمل جدًا أنهم كانوا في تصورهم لمعنى لفظ “السنة” متأثرين بالثقافة الإسلامية التي استُخدمت فيها هذه اللفظة عادة بدلالة إيجابية، مما جعلهم يظنون هذه الدلالة الإيجابية في أصل معناها اللغوي ؛ بينما يبدو أن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر باتباع سنته تقصد السنة اللغوية.

بغض النظر عن هذا، يجب أن نعلم أن هذا العدد القليل من أصحاب الرأي لم ينتبهوا إلى الاستعمالات المتنوعة الموجودة في العربية الأصيلة والعصور اللاحقة، والتي تثبت المعنى العام لهذه اللفظة ؛ بينما بالنظر إلى تلك الاستعمالات الكثيرة، لا يبقى أي شك في عمومية معنى هذه اللفظة وإطلاقها على الطريقة الحسنة والسيئة. ومع الرجوع المباشر إلى الشواهد وإثبات المعنى العام لهذه اللفظة باستخدامها، لا يبقى مجال للرجوع وتقليد آراء اللغويين. وبناءً على مجموع هذه القرائن، يتضح أن معنى الكلمة عام، وأن الرأي غير الصحيح لهذا العدد القليل من العلماء غير جدير بالاعتبار ؛ وبالتالي فإن إشكال القرآنيين هذا في حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير صحيح تمامًا.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • ابن أبي حاتم (١٤١٩ق). تفسير القرآن العظيم. الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز.
  • ابن الأثير، مبارك بن محمد (١٣٦٧ش). النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق محمود الطناحي، قم.
  • ابن الأنباري، محمد بن قاسم (١٤٢٤ق). الزاهر في معاني كلمات الناس. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن الجوزي، أبو الفرج (١٤٢٥ق). تذكرة الأريب في تفسير الغريب. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن دريد، محمد بن حسن (١٩٨٨م). جمهرة اللغة. بيروت: دار العلم للملايين.
  • ابن سيده، علي بن إسماعيل (١٤٢١ق). المحكم والمحيط الأعظم. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن سيده، علي بن إسماعيل (د.ت). المخصص. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن عاشور، محمد طاهر (١٤٢٠ق). التحرير والتنوير. بيروت: التاريخ العربي.
  • ابن فارس، أحمد (١٤٠٤ق). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون، قم: الإعلام الإسلامي.
  • ابن فارس، أحمد (١٤٠٦ق). مجمل اللغة. بيروت: الرسالة.
  • ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (١٤١١ق). غريب القرآن. بيروت: الهلال.
  • ابن ماجة، محمد بن يزيد (د.ت). سنن ابن ماجة. بيروت: دار الفكر.
  • الأزدي، عبد الله بن محمد (١٣٨٧ش). كتاب الماء. طهران: دانشگاه علوم پزشكي.
  • الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١ق). تهذيب اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • البطليوسي، عبد الله بن محمد (١٩٨١م). المثلث. دار الرشيد.
  • البغوي، الحسين بن مسعود (١٤٢٠ق). معالم التنزيل في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الترمذي، محمد بن عيسى (١٣٩٥ق). جامع الترمذي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد (١٤١٨ق). الجواهر الحسان. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الثعلبي، أحمد بن محمد (١٤٢٢ق). الكشف والبيان. دار إحياء التراث العربي.
  • الجواليقي، موهوب بن أحمد (١٣٥٠ق). شرح أدب الكتاب. القاهرة: القدسي.
  • الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٣٧٦ق). الصحاح. تحقيق عبد الغفور عطار، بيروت.
  • الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (١٤١١ق). المستدرك على الصحيحين. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • حب الله، حيدر (٢٠١١م). حجية السنة. بيروت: الانتشار العربي.
  • الحدادي، أحمد بن محمد (١٤٠٨ق). المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى. دمشق: دار القلم.
  • الحميري، نشوان بن سعيد (١٤٢٠ق). شمس العلوم. دمشق: دار الفكر.
  • أبو حاتم الرازي، أحمد بن حمدان (٢٠١٥م). كتاب الزينة. تحقيق سعيد الغانمي، بيروت: الجمل.
  • الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد (١٤١٢ق). مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: دار القلم.
  • الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد (١٤٢١ق). تفسير الراغب. الرياض: مدار الوطن.
  • رشيد رضا، محمد (١٤١٤ق). المنار. بيروت: دار المعرفة.
  • الزبيدي، محمد (مرتضى) (١٤١٤ق). تاج العروس. بيروت.
  • الزجاج، إبراهيم السري (١٤٠٨ق). معاني القرآن وإعرابه. بيروت: عالم الكتب.
  • الزجاجي، عبد الرحمن (١٤٠٧ق). الأمالي. تحقيق عبد السلام هارون، بيروت: دار الجيل.
  • الزحيلي، وهبة (١٤١١ق). التفسير المنير. دمشق: دار الفكر.
  • زيد بن علي (١٤١٢ق). تفسير غريب القرآن. بيروت: الدار العالمية.
  • السباعي، مصطفى بن حسني (١٤٠٢ق). السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. دمشق: المكتب الإسلامي.
  • السبزواري، عبد الأعلى (١٤٠٩ق). مواهب الرحمن في تفسير القرآن. مكتبة السيد السبزواري.
  • السجستاني، محمد بن عزيز (١٤١٠ق). نزهة القلوب. بيروت: دار المعرفة.
  • الشريف الجرجاني، علي بن محمد (١٣٧٠ش). التعريفات. طهران: ناصر خسرو.
  • الشوكاني، محمد بن علي (١٤٢١ق). إرشاد الفحول. الرياض: دار الفضيلة.
  • الشوكاني، محمد بن علي (١٤١٤ق). فتح القدير. دمشق: دار ابن كثير.
  • الشيباني، إسحاق بن مرار (١٤٢٢ق). شرح المعلقات التسع. بيروت: الأعلمي.
  • الصاحب بن عباد (١٤١٤ق). المحيط في اللغة. بيروت: عالم الكتاب.
  • الطبرسي، الفضل بن الحسن (١٣٧٢ش). مجمع البيان. طهران: ناصر خسرو.
  • الطبري، محمد بن جرير (١٤١٢ق). جامع البيان في تفسير القرآن. بيروت: المعرفة.
  • الطريحي، فخر الدين (١٣٧٥ش). مجمع البحرين. طهران: المرتضوية.
  • الطنطاوي، محمد سيد (١٩٩٧م). التفسير الوسيط للقرآن الكريم. القاهرة: نهضة مصر.
  • الطوسي، محمد بن الحسن (د.ت). التبيان في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • طيبي، زينب؛ مهدوي راد، محمد علي (١٣٩٦ش). “نقد مباني قرآنيون در نفي حجيت احراز و اثبات سنت نبوي”. كتاب قيم، ش ١٦.
  • عافي خراساني، محمد (٢٠٢٠م). “السنة ودلالاتها في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف”. الاجتهاد والتجديد، ش ٥٦.
  • عافي خراساني، محمد (٢٠٢١م). “السنة ودلالاتها في التراثين الديني والأدبي في القرون الأولى الهجرية”. الاجتهاد والتجديد، ش ٥٧-٥٨.
  • عبد القادر البغدادي، عبد القادر بن عمر (١٤١٨ق). خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • أبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله (١٤٠٠ق). الفروق في اللغة. بيروت: الآفاق الجديدة.
  • الفارابي، أبو إبراهيم (١٤٢٤ق). ديوان الأدب. القاهرة: دار الشعب.
  • فخر الرازي، محمد بن عمر (١٤٢٠ق). التفسير الكبير. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب (١٤١٥ق). القاموس المحيط. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • الفيومي، أحمد (١٤١٤ق). المصباح المنير. قم: هجرت.
  • القرطبي، محمد بن أحمد (١٣٦٤ش). الجامع لأحكام القرآن. طهران: ناصر خسرو.
  • الماوردي، علي بن محمد (د.ت). النكت والعيون. بيروت: دار الكتب.
  • المبرد، محمد بن يزيد (١٤٠٩ق). الكامل في اللغة والأدب. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • مجاهد بن جبر (١٤١٠ق). تفسير مجاهد. بيروت: الفكر الإسلامي.
  • المديني، محمد بن أبي بكر (١٤٠٦ق). المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث. مكة المكرمة: أم القرى.
  • المراغي، أحمد مصطفى (د.ت). تفسير المراغي. بيروت: دار الفكر.
  • المطرزي، أبو الفتح (١٩٧٩م). المغرب. حلب: مكتبة أسامة بن زيد.
  • معمر بن المثنى (١٣٨١ق). مجاز القرآن. تحقيق فؤاد سزكين، القاهرة: مكتبة الخانجي.
  • مغنية، محمد جواد (١٤٢٤ق). التفسير الكاشف. قم: دار الكتاب الإسلامي.
  • مقاتل بن سليمان (١٤٢٣ق). تفسير مقاتل بن سليمان. دار إحياء التراث العربي.
  • مكي بن حموش (١٤٢٩ق). الهداية إلى بلوغ النهاية. الشارقة: جامعة الشارقة.
  • النحاس، أحمد بن محمد (١٤٢١ق). إعراب القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • الهروي، أبو عبيد (١٤١٩ق). الغريبين. مكة المكرمة: مكتبة نزار مصطفى الباز.
  • الواحدي النيسابوري (١٤١٦ق). الوسيط في تفسير القرآن المجيد. القاهرة: وزارة الأوقاف.
  • اليماني، عبد الباقي (١٤٢٥ق). الترجمان عن غريب القرآن. بيروت: دار الكتب.

 

Scroll to Top