الملخص
أحد العناوين المغيّرة للأحكام في الفقه الإمامي هو «الاستهلاك». والمقصود بالاستهلاك هو الزوال العرفي لموضوع الحكم ومتعلّقاته. ومن آثاره الفقهية رفع الحرج عن المكلفين من خلال تطبيق هذه القاعدة على المسائل المستجدة في الحياة، مثل استخدام المواد المخدرة في صناعة الأدوية. وبالنظر إلى الاستهلاك ومنهجيته في النصوص الفقهية الشيعية، لم يُعثر على بحث مستقل حوله، ولهذا سعى الكاتبان إلى إثبات قاعدة الاستهلاك، كغيرها من القواعد الفقهية كثيرة الاستعمال، إثباتاً استدلالياً ومتقناً، مع دراسة مصاديقها في الفقه الإمامي ومستنداتها، لتكون آثارها الفقهية قابلة للاستفادة بسهولة. وعليه، تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذا السؤال: «ما هي أدلة ومباني قاعدة الاستهلاك مع نظرة مقارنة لمصاديقها الفقهية؟». وقد توصلت هذه المقالة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والمصادر المكتبية، إلى أن الدراسات التي أُجريت حول مستندات هذه القاعدة تُظهر وجود نوعين من الأدلة لها: الدليل الأول هو قاعدة «الأحكام تدور مدار الأسماء»، والدليل الثاني هو الروايات التي تثبت هذه القاعدة على نحو تطبيقي. ويرى كاتبا هذه السطور أن كلا الدليلين المذكورين قابلان للاستناد. وبالطبع، تُطبّق قاعدة الاستهلاك على الأحكام التي يكون موضوعها دائراً مدار الوصف العنواني للشيء، لا ذاته؛ لأن صدق الموضوع ليس واحداً في جميع الأحكام، فالأحكام المحمولة على ذات الموضوع لا يتغير حكمها الشرعي بتطبيق قاعدة الاستهلاك. ونتيجة لذلك، فإن قاعدة الاستهلاك لا تجري في مسألة فضلة الفأر في كومة من الحنطة، ولا تكون سبباً لطهارة الخبز، ولكنها تجري في المصاديق التي لا يكون الحكم فيها دائراً مدار ذات الموضوع، مثل جواز التيمم على تراب زال فيه مقدار من الرماد.
المقدمة
للاستهلاك في الصناعات الغذائية والدوائية تطبيقات واسعة، وقد وردت بعض مصاديقه كثيرة الاستعمال في الفقه الإمامي منذ القدم وحتى الآن. وقد سعى الكاتبان إلى استنباط قاعدة فقهية منسجمة من خلال دراسة الملاكات الفقهية والمستندات الروائية، بالاستعانة بالمصاديق المذكورة للاستهلاك، ليكون لها تطبيق فقهي في المسائل المستحدثة والمستجدة في المستقبل؛ فمثلاً، استخدام الكحول في الصناعات الدوائية والتنظيفية اليوم أصبح ضرورة ماسة، ولكن هذه المسألة تواجه تحديات فقهية؛ خاصة مع القول بنجاسة الكحول، مما يضاعف المشكلة. وعليه، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن هذا السؤال: ما هي حقيقة قاعدة الاستهلاك، وأدلتها، وتطبيقاتها في الفقه؟
إن معرفة ماهية القواعد الفقهية أمر جدير بالبيان، حيث إنها تطبق في معظم أبواب الفقه وتصبح منشأً لاستنباط الأحكام الجزئية، وهي في الحقيقة جزئيات متشابهة تشترك في علة واحدة. والجدير بالذكر أن بحث الاستهلاك لم يُطرح كقاعدة فقهية في كتب المتقدمين، بل طُرح بشكل موردي وكتطبيقات جزئية في مسائل خاصة.
وتشير عمليات البحث إلى أن أقدم مصدر فقهي أشار إلى بحث الاستهلاك هو كتاب «تأويل الدعائم» لأبي حنيفة المغربي، الذي كُتب في القرن الرابع. ومن خلال البحث في المصادر المتقدمة، لم يُعثر على تأليف مستقل ومنفصل ضمن كتاب أو رسالة حول هذا الموضوع. وفي مصادر المتأخرين أيضاً، تظهر بعض المطالب حول الاستهلاك في ثنايا شروح كتاب العروة الوثقى. كما عُثر على مقالات ذات تطبيقات جزئية وعابرة حول الاستهلاك:
1) علي رضا فرحناك، «نقش انتقال، انقلاب و استهلاک در تبدل موضوع»، فقه پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی، شماره ۷۸، زمستان ۱۳۹۲.
في هذه المقالة، رغم أنه تم التطرق إلى تعريف الاستهلاك وموارد تطبيقه في الفقه، إلا أنه لم يُذكر شيء في مجال الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لتغير الحكم بسبب الاستهلاك. ولهذا السبب، سيتم التطرق إلى هذا الأمر المهم في هذا البحث.
۲) سید محمود طباطبایی، ایوب اکرمی، محمد جواد عنایتی راد، «امکانسنجی تطبیق روایات ناظر به استهلاک بر مواد افزودنی حرام»، مجله جستارهای فقهی و اصولی، شماره ۱۷، سال پنجم. زمستان ۱۳۹۸.
في هذه المقالة، ومن خلال دراسة ماهية الاستهلاك وبيان الموارد المتعددة للاستفادة من مفهوم الاستهلاك في الفقه، تم تصنيفه ضمن القواعد الفقهية الناشئة، وتعزيزه بالاستناد الفقهي إلى روايات متعددة. البحث الحالي، بالإضافة إلى نقل واستنباط جديد من المصادر المطروحة في هذه المقالة ودراسة قاعدة «الأحكام تدور مدار الأسماء»، يتناول أيضاً دراسة أدلة هذه القاعدة.
تتناول هذه المقالة، بمنهج وصفي-تحليلي، في الخطوة الأولى التعريف الدقيق لمفهوم الاستهلاك والفرق بينه وبين المفاهيم المشابهة مثل الاستحالة، ثم تقوم بدراسة أدلة حجية هذه القاعدة.
1. دراسة مفهوم الاستهلاك
لم ترد كلمة الاستهلاك بهذا اللفظ الخاص في الآيات والروايات؛ ولكن نتيجة الاستهلاك قد وردت في بعض الروايات كسبب لتغير الحكم. ومن ناحية أخرى، وردت ألفاظ مشابهة مثل الاستحالة والانقلاب في كلمات الفقهاء؛ لذا، من أجل فهم دقيق لمدلول ومفهوم هذه العناوين، يتم التطرق إلى دراسة ماهية الاستهلاك والفرق بينه وبين الألفاظ المشابهة.
الاستهلاك من جذر «هلك» بمعنى السقوط والانكسار. (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج٣، ص٦٥٦؛ ابن سيده، ١٤٢١هـ، ج٤، ص١٣٩) وقد استخدمت هذه الكلمة في معظم كتب اللغة بمعنى الإفناء. (حسيني زبيدي، ١٤١٤هـ، ج١٣، ص٦٧١) ويبدو أن استخدام هذه الكلمة في اللغة الفارسية مأخوذ من اللغة العربية. ولهذا السبب، في التعبيرات العرفية أيضاً عندما يتعب شخص ويمل من عمل شاق جداً، يقول: «هلكت»؛ باعتبار أنه لم يعد بإمكانه فعل شيء وأنه في حكم الشخص التالف.
استُخدم الاستهلاك في كتب الفقه بمعنيين:
1. الإفناء: يظهر هذا المعنى في عبارات القدماء ويُبحث عنه تحت عنوان قاعدة الإتلاف. (ابن إدريس، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٣٣٩)
2. زوال وانعدام الأجزاء: الفناء العرفي والظاهري أو الحقيقي لشيء بحيث تزول صورته النوعية ولا يمكن تمييز أجزائه عن بعضها البعض، وإن بقيت أجزاؤه متفرقة ومتبعثرة. ونتيجة لهذه العملية، يطلق العرف اسم «المستهلَك فيه» على المجموع. (هاشمي شاهرودي وجمع من المحققين، ١٣٨٢هـ، ج١، ص٤٩٤) كما وردت في عبارات الفقهاء كلمة «اضمحلال» مرادفة للاستهلاك. (الشهيد الأول، ١٤١٢هـ، ج٣، ص٢٥٣؛ المحقق الكركي، ١٤١٤هـ، ج٢، ص٨٣)
نظراً لاستخدام الاستهلاك في كلا المعنيين المذكورين أعلاه، يرى الكاتبان أن استخدام الاستهلاك في المعنى الثاني هو الأكثر شيوعاً.
1-1. الفرق بين قاعدة الاستهلاك والمفاهيم المشابهة
1-1-1. الفرق بين الاستهلاك والاستحالة
ملاك صدق الاستحالة هو أن يعرف العرف الشيء الثاني متولداً من الشيء الأول؛ بحيث يزول الشيء الأول ويتولد الشيء الثاني منه؛ لا أن تتغير أوصاف الشيء نفسه. (اليزدي، ١٤١٩هـ، ج١، ص٢٥٧)
بناءً على هذا، فإن الفرق بين الاستحالة والاستهلاك هو أن الاستحالة هي تبدل حقيقة شيء إلى شيء آخر؛ مثل تبدل الخشب إلى رماد؛ أما الاستهلاك فهو فناء عرفي للشيء المستهلَك في المستهلَك فيه؛ بحيث لا يلحظ فيه تغيير وتبدل في الماهية.
في عملية الاستهلاك والاستحالة، يختفي كل من الشيء المستهلَك والمستحال عن الأنظار؛ مع فارق أن في الاستهلاك تبقى ماهية الشيء دون تغيير وتتفرق أجزاؤه فقط، أما في الاستحالة فتتغير ماهية الشيء أو بعبارة أخرى صورته النوعية؛ كمثال على ذلك، الخشب النجس الذي يتحول بالاحتراق إلى رماد. (سند البحراني، ١٤١٥هـ، ج٣، ص١٠٩)
1-1-2. الفرق بين الاستهلاك والانقلاب
تُلاحظ آراء مختلفة حول مصطلح الانقلاب في عبارات الفقهاء. يرى المشهور من الفقهاء أنه من مصاديق الاستحالة؛ لأن ماهية الشيء تتغير من الناحية العرفية. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج١٤، ص١٥٩؛ السبزواري، ١٤١٣هـ؛ ج٢، ص٨٦) وهناك آخرون يفرقون صراحة بين الانقلاب والاستحالة؛ لأنهم لا يعتبرون الاستحالة جارية في المائعات. (السبزواري، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٨٦) وبناءً على هذا القول، فإن الانقلاب يعني أن ظاهر الشيء يتغير فقط، لا ماهيته.
في الاستهلاك، يكون الحديث عن تفرق الأجزاء وبالتالي تغير الحكم، أما في الانقلاب، فالحديث عن التغيير؛ سواء كان هذا التغيير في الماهية من وجهة نظر العرف، أو مجرد تغيير في ظاهر الشيء. مثل تحول القمح إلى دقيق. (السبزواري، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٨٦)
1-1-3. الفرق بين الاستهلاك والانتقال
في الاستهلاك، يفنى الشيء ظاهرياً ويكتسب حكم المستهلَك فيه، أما في الانتقال، فينتقل الشيء من مكان إلى آخر؛ مثل الدم الذي ينتقل إلى بدن البعوضة.
2. أدلة حجية قاعدة الاستهلاك
بناءً على تتبع الكاتبين في المصادر الفقهية، فيما يتعلق باعتبار قاعدة الاستهلاك، تمت الإشارة إلى دليلين: أ) الروايات؛ ب) قاعدة الأحكام تدور مدار الأسماء.
2-1. الدليل الأول: الروايات
في كتب الروايات، نُقلت روايات، على الرغم من عدم استخدام مصطلح الاستهلاك في متنها، يمكن الاستفادة منها في إثبات حجية قاعدة الاستهلاك بشكل موردي وتطبيقي، وكمثال على ذلك، يتم دراسة إحدى هذه الروايات:
«سَأَلَ سَعِيدٌ الْأَعْرَجُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قِدْرٍ فِيهَا لَحْمُ جَزُورٍ وَقَعَ فِيهَا أُوقِيَّةٌ مِنْ دَمٍ أَيُؤْكَلُ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَإِنَّ النَّارَ تَأْكُلُ الدَّمَ»؛ (ابن بابويه، ج٣، ص٣٤٢) سأل سعيد الأعرج الإمام الصادق (ع) عن قدر كبير يُطهى فيه لحم جمل وسقط فيه دم بمقدار أوقية (حوالي ٣٧ غراماً) (ابن الأثير، ١٣٦٧هـ.ش، ج١، ص٨٠). هل يجوز الأكل من ذلك الطعام؟ فقال: «نعم؛ لأن النار تأكل الدم». [3]
سند الرواية صحيح، ودلالتها أن الطعام إذا سقط فيه دم أثناء الطهي، فلا مانع من أكله؛ لأن الحرارة تؤدي إلى تفرق ذرات الدم، وبالتالي استهلاكه في الطعام؛ وبالطبع، طبقاً لظاهر هذه الرواية، هذا الحكم يصح فقط عندما يسقط الدم في القدر أثناء طهي الطعام.
للوهلة الأولى، المشكلة التي تظهر في فهم هذه الروايات هي أنه بحسب الأحكام الفقهية، الدم نجس ومنجِّس، وإذا لاقى أي شيء فإنه ينجسه، والاستهلاك أيضاً من الناحية الزمنية يتحقق أثناء الملاقاة؛ لذا فإن الطعام لا يجوز أكله بسبب النجاسة؛ بينما طبقاً لظاهر هذه الروايات، فإن سقوط الدم في القدر لا يمنع من أكل الطعام.
وقد اتخذ الفقهاء مواقف مختلفة في مواجهة هذه الروايات:
أ) عمل بعض القدماء بمضمون هذه الروايات وأفتوا بموجبها. (ابن بابويه، ١٤١٥هـ، ص٣٦؛ المفيد، ١٤١٠هـ، ص٥٨٢)
ب) يرى مشهور الفقهاء (روحاني، ١٤٣٥هـ، ج٣، ص٢٨٠) أنه لا يمكن العمل بهذه الروايات مطلقاً؛ لأسباب مثل إعراض الأصحاب ومنافاة هذه الطائفة من الروايات مع ذوق المتشرعة (السبزواري، ١٤١٣هـ، ج١، ص٣٥٠) وأصول المذهب وضعف السند (الاشتهاردي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٤٩٨؛ الحلي، ١٣٣٨هـ.ش، ج١، ص٤٢٨) أو حملها على التقية. (السبزواري، ١٤١٣هـ، ج١، ص٣٥٠) بناءً على ذلك، فإن الدم الموجود في هذه القدور نجس ومنجِّس، وجواز الأكل يتحقق بعد غسل اللحم داخل المرق. (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج٢٤، ص١٩٧)
اعتبر البعض أن السبب الرئيسي لعدم حجية هذه الروايات هو منافاتها مع ذوق المتشرعة، واعتبروا مضمونها من المنكرات الواضحة، ولم يروا في إعراض الأصحاب وجهاً مناسباً لعدم حجية هذه الروايات؛ لأنه بالنظر إلى أن بعض القدماء قد عملوا بهذه الروايات (روحاني، ١٤٣٥هـ، ج٣، ص٢٧٩)، فمن الأنسب عدم الاعتداد بالإعراض، بل يجب العناية بعمل القدماء بهذه الروايات؛ خاصة عندما يتم بيان وجه هذا الإعراض. (الحكيم، ١٣٧٤هـ.ش، ج١، ص٣٦٢)
ج) اعتبر البعض في مورد هذه الروايات أن سؤال الراوي كان يتعلق بالدم الطاهر الذي لا يحل أكله؛ مثل الدم المتبقي في جسد الشاة المذبوحة بعد خروج المقدار المتعارف عليه. (المجلسي الأول، ١٤٠٦هـ، ج٧، ص٤٧٥) وبعض الفقهاء يرون العمل بهذه الروايات مطابقاً للقاعدة؛ لأنه بالنظر إلى منطقة سكن الراوي، فإن المقصود بالرطل، إذا كان الرطل المكي، فإن الماء داخل القدر سيكون أكثر من الكر، وكون الماء مضافاً عند ملاقاته للدم مشكوك فيه، لذا يجري استصحاب بقاء الإطلاق حين الملاقاة. ونتيجة لذلك، يكون الحكم بالطهارة في هذه الروايات مطابقاً لقاعدة عدم انفعال الماء الكر بملاقاة النجس. (الحائري، ١٤١٨هـ، ج٢، ص٤٢٠)
وفقاً لهذا القول، فإن طهارة مثل هذا الدم أمر مفروغ منه بين السائل والإمام (ع)، والمسألة الوحيدة المتبقية هي حرمة أكل هذا الدم بسبب الخباثة، والتي ترتفع بسبب الاستهلاك. (الاشتهاردي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٤٩٤؛ صافي الكلبايكاني، ١٣٨٥هـ.ش، ج٢، ص١٣٦)
ويرى البعض أن القول الثالث هو أفضل توجيه لهذه الروايات وكلمات الفقهاء الذين أفتوا بموجبها. (الاشتهاردي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص٤٩٢) خاصة بالنظر إلى ضرورة مطابقة الجواب للسؤال، يُكتشف أن مراد الراوي كان السؤال عن حكم الدم، لا طهارة ونجاسة محتويات القدر، وإلا لكان الجواب يجب أن يكون حول مطهرية أو عدم مطهرية النار. إذن، يجب حمل الدم في هذه الرواية على الدم الذي هو طاهر ولكن يحرم شربه، وهذه الحرمة تزول بسبب الاستهلاك في محتويات القدر. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج٢، ص٢٩)
بالطبع، يمكن الإشكال على هذا المطلب بأنه إذا كان هذا الدم هو الدم المتخلف في الذبيحة بعد خروج المقدار المتعارف، فإنه لا يتوافق مع سؤال الراوي الذي استخدم فعل «وقع»، حيث يظهر من الرواية أن لحم الجمل كان داخل القدر ثم سقط دم في القدر، بينما الدم المتخلف في الذبيحة بعيد أن يسقط من الأعلى إلى داخل القدر، إلا إذا قيل إن ما حدث في الخارج كان أنهم كانوا يريدون وضع ذبيحة أخرى في القدر لتنضج. وأثناء وضعها في القدر، سال بعض الدم من الذبيحة داخل القدر. ولكن مثل هذا التوجيه يبدو بعيداً.
في النهاية، بالنظر إلى عمل القدماء وعدم التوافق بين نجاسة الدم وعدم جواز أكل الدم الطاهر (مثل الحيوان غير ذي النفس السائلة) في الرواية مع الأصول الشرعية القطعية (عدم كون النار مطهرة لإزالة نجاسة الدم)، يُحمل الدم الموجود في الرواية بالضرورة على الدم الطاهر؛ وعليه يمكن للنار، بالنظر إلى ذيل الرواية، أن ترفع حكم عدم جواز أكل الدم الطاهر. وتوضيح القول بأن تعبير «لأن النار تأكل الدم» هو تعبير كنائي، وبدايةً، يوجد فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: استحالة الدم في القدر بسبب حرارة النار.
الاحتمال الثاني: استهلاك الدم في القدر بسبب حرارة النار واختلاطه بلحم الجمل بحيث تبقى أجزاء الدم متفرقة وغير مميزة في القدر.
بالنظر إلى ملاك حصول الاستحالة، في هذه المسألة بسبب الحرارة، لم ينشأ شيء ثالث، ومجرد أن ذرات الدم تفرقت داخل القدر أثناء الطهي. كذلك، بالنظر إلى تنصيص الرواية على تعليل جواز استخدام الدم المستهلك وعمومية التعليل، يمكن استخراج من هذه الرواية أحد الملاكات التطبيقية لقاعدة الاستهلاك وتطبيقها في غير الدم. كما أنه من حيث الارتكاز العرفي، يبدو التفريق بين الدم وغيره في هذا الحكم بعيداً جداً، والإمام (ع)، بملاحظة الملاك المقدم، بيّن حكم جواز استخدام محتويات القدر حتى لو سقط فيها غير الدم (مثل اللون والتراب و…).
2-2. الدليل الثاني: قاعدة «الأحكام تدور مدار الأسماء»
هذه القاعدة مشهورة بين الفقهاء منذ القدم. (النراقي، ١٣٨٠هـ.ش، ص٢٥٧) المراد بالاسم في هذه القاعدة هو عنوان موضوع الحكم. ومفاد القاعدة أن كل حكم شرعي جُعل لأي عنوان، يدور مدار صدق ذلك العنوان وعدمه. فطالما أن العنوان المذكور في الدليل الشرعي يصدق على الموضوع الخارجي، يستمر حكمه، ومع تغير الموضوع بحيث لا يصدق ذلك الاسم على الموضوع، لن يكون الحكم المذكور موجوداً بعد ذلك؛ وإن كان من الممكن أن يثبت حكم آخر بدليل آخر.
النقطة المهمة هي أن الأحكام تُحمل على حقائق الأشياء، وبما أن موضوع له الأسماء هو حقائق الأشياء، فإن الأسماء تُعتبر علامة وطريقاً لمعرفة حقائق الأشياء؛ لذا فإن المراد من القاعدة المعروفة «الأحكام تدور مدار الأسماء» ليس أن الاسم نفسه دخيل في موضوع الحكم، بل المراد أن الأحكام تابعة للأسماء؛ من حيث إن الأسماء طريق إلى المسميات. (الآشتياني، ١٣٨٤هـ.ش، ج١، ص٣٨٥)
بالطبع، في بعض الحالات، لا يكون للاسم المذكور في دليل شرعي كموضوع للحكم خصوصية، وفي الواقع يكون الحكم المذكور لموضوع كلي، والاسم المذكور هو مجرد أحد مصاديقه. في هذه الحالة، يُفهم أن هذا الاسم ليس معياراً للحكم الشرعي، وأن مراد الشارع هو موضوع كلي وعام. (فرحي، ١٤٣٠هـ، ص٥٢ – ٥٦) هذه القاعدة ليس لها مدرك خاص، ونفس ذكر هذه القاعدة يغني عن ذكر دليل لها؛ (الأنصاري، ١٤١٥هـ، ج٧، ص٢٢١) لأن هذا الأمر وجداني وعقلي، وهو أن كل حكم تابع ومتوقف على موضوعه. (جمع من الباحثين، ١٤٢٣هـ، ج٢٤، ص٢٦٠)
أنواع متعلقات الأحكام
أحد المباحث التي تُطرح في علاقة بقاعدة «الأحكام تدور مدار الأسماء» هو معرفة دور أنواع المتعلقات في إحراز موضوع الأحكام، وبالتالي مدى ثبات الأحكام أمام التغيرات؛ لذا من الضروري دراسة وتصنيف كل من هذه المتعلقات بشكل منفصل. ومن هذا المنظور، تُقسم الأحكام إلى ثلاثة أقسام:
أ) حكم ثابت لعنوان عرضي. في هذا القسم من الأحكام، يكون الموضوع عنواناً عرضياً مأخوذاً من ذات الشيء باعتبار عارضه؛ مثلاً، العدالة عنوان عرضي يُنتزع من ذات مرجع التقليد لجواز تقليده باعتبار عروض ملكة العدالة على ذلك الشخص. الآن إذا زالت عدالة هذا الشخص، يزول حكم مرجعيته تبعاً لذلك.
ب) بعض الأحكام تُحمل على الشيء باعتبار ذاته؛ (المادة والصورة) مثل ملكية الشخص للحيوان. هذه الأحكام ثابتة لموضوعاتها، وإن حصل في تلك الموضوعات تغيير وتحول؛ مثلاً، في حالة تبدل الحيوان إلى حجر أو ملح، لا تزول ملكية المالك له؛ لأن معروض الحكم هو مادة الشيء وصورته.
ج) عدد من الأحكام أيضاً تُحمل على موضوعاتها باعتبار الصورة النوعية والوصف العنواني للشيء؛ مثل الحكم بجواز التيمم على شيء حُمل عليه الوصف العنواني للتراب. (الحلي، ١٣٣٨هـ.ش، ج٢، ص٤٥٠ – ٤٥٢)
قاعدة الاستهلاك، بإزالة الوصف العنواني للشيء المستهلك، تؤدي إلى تغيير حكمه؛ لذا فهي قابلة للتطبيق فقط على القسم الثالث؛ مثل حكم عدم جواز التيمم على الرماد الذي باستهلاكه في التراب تزول صورة الرماد النوعية ويرتفع حكم عدم الجواز. أما إذا كان الحكم محمولاً على متعلق بحيث تكون ذاته دخيلة في ثبوت وبقاء الحكم، فإن تغيير الوصف العنواني للشيء لا يؤدي إلى تبدل حكمه. ونتيجة لذلك، مع وجود تغيير في الوصف العنواني للشيء، يبقى الحكم كما هو؛ مثل نجاسة فضلة الفأر التي تبقى باستهلاكها في عملية طحن القمح.
استند البعض إلى رواية في قرب الإسناد ودعائم الإسلام، فجعلوا قاعدة الاستهلاك جارية أيضاً في موارد تعلق الحكم بذات الأشياء (اختراعي طوسي وآخرون؛ العدد ٣٣، خريف وشتاء ١٣٩٦). لكن هذا النوع من الاستدلال قابل للنقاش. توضيح الأمر أنه ورد في الرواية: عن الإمام الصادق (ع) في شأن دقيق سقطت فيه فضلة فأر، سألته هل يجوز أكله عندما يُعجن مع الدقيق؟ فقال: إذا كنت لا تعرفها فلا بأس، وإذا عرفتها فألقها. [4] (الحميري، ١٤١٣هـ، ص٢٧٥)
وكذلك في رواية مشابهة لهذه الرواية نُقل: عن الإمام الصادق (ع) في شأن فضلة فأر سقطت في الدقيق، سُئل فقال: إن كان يعلم بها فليخرجها من الدقيق، وإن لم يعلم بها فلا إشكال. [5] (ابن حيون، ١٣٨٥هـ، ج١، ص١٢٢)
يُظهر الفحص في كلمات الفقهاء أن هذه الروايات كانت محل إعراض منهم، ويبدو أن أحداً لم يفتِ بموجبها؛ فمثلاً، العلامة المجلسي يرى أن هذه الرواية ظاهرة في حجية الاستهلاك، ولكنه بسبب إعراض الأصحاب حملها على مورد الشبهة البدوية؛ أي مجرد الشك أو الظن في ما إذا كانت فضلة الفأر قد سقطت في الدقيق أصلاً أم لا؛ (المجلسي الثاني، ١٤١٠هـ، ج٧٧، ص١٠٨) وصاحب الحدائق يرى أن الرواية الثانية، المشابهة للرواية الأولى، قرينة على حمل الرواية الأولى على الشبهة البدوية؛ (البحراني، ١٣٦٣هـ، ج٥، ص٥) ولكن هذا الحمل خلاف ظاهر سؤال الراوي؛ لأنه في الرواية الأولى، فُرض سقوط فضلة الفأر في الدقيق، والراوي يسأل عن حكم هذا المجموع. لذا، من الأفضل في حالة عدم قبول موهنية إعراض الأصحاب، أن يُفوض العلم بهذه الروايات إلى المعصومين (ع) أنفسهم، لا أن يُستدل بهذه الرواية. كما أن الدليل الثاني على عدم جواز الاستناد إلى قاعدة الاستهلاك على هذه الطائفة من الروايات هو عدم اعتبار سند هاتين الروايتين؛ لأنهما مهملتان ومرسلتان. لذا، لا يمكن الاستفادة من هاتين الروايتين كدليل على قاعدة الاستهلاك؛ حتى لو كان إعراض الأصحاب عن الرواية على المبنى لا يوجب وهن دلالة الحديث.
ونتيجة لذلك، فإن هاتين الروايتين، سواء من حيث السند أو من حيث الدلالة، لا تملكان القدرة على إثبات حجية قاعدة الاستهلاك.
كما أن عدداً كبيراً من الفقهاء أفتوا بحرمة أكل مثل هذا العجين ونجاسته، وأن استهلاك فضلة الفأر لا يؤثر في حلية وطهارة هذا العجين. (الحلي، ١٣٣٨هـ، ج١، ص٢٦) استناداً إلى هذا المطلب، لم يقبل البعض حجية قاعدة الاستهلاك، ورأوا أن ارتفاع الحكم عن المستهلك يحتاج إلى دليل خاص؛ لأن انعداماً عرفياً للموضوع لا يحدث في الاستهلاك. (موقع الأستاذ شهيدي، 10858n.ir/e2https://b6)
أما في جواب هذا المطلب، فيمكن القول بأن بقاء النجاسة لا يستند إلى انعدام أو عدم انعدام الموضوع، بل إلى خصوصية حكم النجاسة. فلأن فضلة الفأر نجسة العين، فإن حكم نجاسة فضلة الفأر يتعلق بذاتها، لا بصورتها النوعية. وبعبارة أخرى، في هذا المثال، من وجهة نظر العرف، بالوجدان، عنوان فضلة الفأر قد استُهلك وزال؛ ولكن سبب عدم حصول الطهارة وعدم جواز أكل الخبز هو بقاء نجاسة الفضلة في محتويات هذا العجين بسبب كونها نجسة العين. (الحلي، ١٣٣٨هـ، ج١، ص٢٤ – ٢٥) لذا، لا يمكن من خلال هذا المثال مناقشة حجية قاعدة الاستهلاك، وأصلاً قاعدة الاستهلاك لا تجري في هذا المورد حتى تُبحث حجيتها وعدم حجيتها.
3. بعض تطبيقات القاعدة
في أبواب الفقه المختلفة، ذُكرت تطبيقات كثيرة لقاعدة الاستهلاك، ولكن نظراً لسعة هذا البحث، نكتفي بذكر بعض أهم تطبيقات هذه القاعدة:
3-1. تطبيق قاعدة الاستهلاك في الصناعات الغذائية
أ) جواز معالجة الدم المستهلَك
سبق في قسم أدلة حجية قاعدة الاستهلاك، دراسة الروايات المتعلقة بهذا التطبيق، وكان الرأي المختار هو وجود إمكانية للاستفادة من هذه الروايات لهذا التطبيق الفقهي في ظروف خاصة جداً، وفي الحالات العادية لا يمكن في أي ظرف استخدام الدم في المنتجات الغذائية. كما أنه مع افتراض طهارة الدم، لا يمكن التمسك بهذه الروايات لجواز أكل المنتجات التي يوجد فيها مقدار قليل من الدم بشكل مستهلك.
تطبيقات هذا الحكم تشمل أنواعاً من المنتجات اللحمية مثل البرجر، السجق، النقانق، وغيرها من المنتجات مثل مسحوق الدم الذي قد يُستخدم في إعدادها، سواء عن قصد أو غير قصد، من الدم الطاهر.
ب) معالجة الكحول المستهلَك
آية الله السيستاني، في رده على استفتاء حول استخدام الأدوية التي يُستخدم فيها الكحول، يكتب: «أكله ليس جائزاً، ولكن يمكنكم تخفيفه بالماء، إلى درجة يصبح فيها نسبة الكحول ضئيلة؛ مثلاً تصل إلى اثنين بالمئة، وفي هذه الحالة لا مانع من أكله». (موقع آية الله السيستاني، 45789n.ir/x2https://b)
الجدير بالذكر أنه في رأيه، جميع أنواع الكحول (سواء الطبي أو الصناعي) طاهرة. (موقع آية الله السيستاني، 45789n.ir/x2https://b) أما في حالة نجاسة الكحول، فتصبح المسألة أكثر تعقيداً؛ فقط في فرض خاص يمكن جواز أكل هذه الكحول النجسة بواسطة الاستهلاك. يُفترض في صنع منتج ما أنه استُخدم الماء، وأن كمية الماء في خط الإنتاج كانت كراً أو أكثر، وقبل أن يصبح الماء مضافاً بسبب إضافة وخلط المواد الأخرى المكونة له، أُضيف الكحول أولاً واستهلك فيه، ثم أُضيفت المواد الأخرى إلى هذا الخليط.
3-2. تطبيق قاعدة الاستهلاك في رفع هتك حرمة المحترمات
إذا سقطت ورقة من القرآن أو غيرها من الأشياء المحترمة (كل ما يجب احترامه ويحرم هتك حرمته) (التبريزي، ١٣٩١هـ.ش، ج١، ص٤٣٧)، في المرحاض أو بئر الصرف الصحي، فإن إخراجها واجب، وإن كان بأجرة، وإذا لم يمكن إخراجها، فالأحوط والأولى أن يُغلق ذلك المكان ولا يُتخلى فيه بعد ذلك حتى يُستهلك. (اليزدي، ١٤٠٩هـ، ج١، ص٩١)
بالنظر إلى عدم جواز استخدام مثل هذه الأماكن، تتحقق إباحة الاستخدام في حالة وقوع استهلاك عرفي للشيء المحترم؛ إذن، قاعدة الاستهلاك تجري في رفع هتك حرمة المحترمات.
3-3. دور قاعدة الاستهلاك في حلّية جوائز السلطان
يرى الشيخ الأنصاري أنه مع وجود شروط تنجيز العلم الإجمالي في بحث جوائز السلطان، وفي هذا الفرض لا يوجد نص يدل على جواز الارتكاب، ومستند الفقهاء الذين حكموا بالجواز ليس نصاً. ويستشهد في تتمة كلامه بكلام لابن إدريس.
في مسألة الهدايا التي تُؤخذ من السلطان الجائر، بالنظر إلى وجود أموال غير مشروعة في الأموال التي تحت تصرف السلطان، من الممكن أن تكون هذه الهدية أيضاً من الأموال التي أخذها السلطان بغير حق من أصحابها؛ لذا، مع تحقق مثل هذا العلم الإجمالي وعدم وجود دليل مستقل على جواز التصرف في مثل هذه الهدايا من السلطان، يجب الاحتياط وعدم التصرف في تلك الهدية. (الأنصاري، ١٤١٥هـ، ج٢، ص١٨٢) بعض الفقهاء، استناداً إلى قاعدة الاستهلاك، يجيزون التصرف في هذه الهدايا من السلطان؛ (ابن إدريس، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٢٠٣) لأن الحاكم لا يملك القدرة على رد المال الحرام بعينه، وتكليف الحاكم برد الأموال غير المشروعة ساقط. ونتيجة لذلك، تُعتبر هذه الأموال غير المشروعة بمنزلة المستهلكة بين أموال السلطان. (نفس المصدر)
4. دراسة موانع تطبيق قاعدة الاستهلاك
في بعض الحالات، رغم تحقق الاستهلاك، يبقى حكم الشيء المستهلك كما هو ولا يطرأ عليه تغيير. موانع إجراء قاعدة الاستهلاك هي:
أ) موارد تأخر حصول الاستهلاك زماناً
المورد الأول: إذا استُهلك الخمر في الخل أو الماء المضاف النجس، في الماء الطاهر القليل، فإن أكل محتويات ذلك الإناء ليس جائزاً. (الخوئي، ١٤١٨هـ، ج٤، ص٣) وكذلك إذا صُب في الخمر مقدار من الخل بحيث يُستهلك الخمر فيه، فإن هذا الفعل لا يوجب حلية الخمر. (الشيخ البهائي، بلا تا، ص٧٥٩) لأن الخل يتنجس بمجرد ملاقاته للخمر، ونتيجة لذلك يُستهلك شيء نجس في المستهلك فيه الذي هو نفسه، حسب الفرض، نجس.
المورد الثاني: في رواية زكريا بن آدم، اعتبر سقوط قطرة من الخمر أو النبيذ في قدر الطعام سبباً لفساد ذلك الطعام. [6] (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٦، ص٤٢٢) في هذه الرواية، على الرغم من أن قطرة الخمر تستهلك عادة في قدر الطعام، إلا أن هذا الطعام اعتبر واجب الاجتناب وأُمر بإراقته.
في هذه الأمثلة، قبل تحقق عملية الاستهلاك، بمجرد ملاقاة الخمر للماء المضاف، الخل، الطعام، أو الماء القليل، فإنه يتنجس، وبالتالي فإن حصول الاستهلاك لن يكون له فائدة في تطهير هذه الموارد. (السبزواري، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٩٢)
قد يُشكل بأنه إذا كانت قاعدة الاستهلاك لا تؤدي إلى الطهارة؛ فلماذا يصبح الدم في الفم طاهراً بالاستهلاك؟ الجواب هو أن الدم داخل الفم ليس نجساً، ومجرد بلعه حرام. لذا، فإن استهلاك الدم في الفم يرفع حرمة بلعه فقط. (اليزدي، ١٤١٩هـ، ج١، ص١٣٦)
ب) عدم حجية قاعدة الاستهلاك في العناوين الانتزاعية
يرى المحقق اليزدي أنه لا يجوز للصائم أن يستهلك شيئاً عمداً في فمه ويبتلعه. (اليزدي، ١٤٠٩هـ، ج٢، ص٢٠٠ – ٢٠١)
هذه الفتوى أُشكل عليها في معظم حواشي كتاب العروة، وقيل إنه لا يوجد مستند لهذه الفتوى؛ لأنه مع تحقق جواز أكل الشيء المستهلك للشخص الصائم، لا فرق بين أن يكون ذلك عن عمد أو غير عمد. (الحكيم، ١٣٧٤هـ، ج٨، ص٣٣٠)
بالنظر إلى أقسام متعلقات الأحكام، فإن صدق عنوان الصائم على المكلف يتعلق بالامتناع عن ارتكاب المفطرات، وهو عنوان انتزاعي يدور صدقه مدار القصد. ولهذا السبب، فإن قاعدة الاستهلاك في هذا القسم من متعلقات الأحكام غير مجدية، وفي حالة أن المكلف أقدم على استهلاك شيء في فمه عن عمد وقصد، فإنه يكون قد ارتكب أمراً حراماً، وعرفاً، وإن كان ذلك الشيء قد استهلك في فمه، يصدق عليه الأكل أو الشرب العمدي، ولا يمكن انتزاع عنوان الامتناع عن ارتكاب المفطرات.
5. دراسة صور الشك في الاستهلاك
بالنظر إلى حصول الاستهلاك في الأحكام التي تدور مدار الوصف العنواني، من الممكن في بعض الحالات أن يُشك في وجود الاستهلاك في الشيء المعني من جهات مختلفة، وهذا البحث يتصور على ثلاثة أنحاء:
أ) الشك في الشبهة الموضوعية: يُفترض أن أحد المحترمات قد سقط في بئر، وبعد مرور فترة زمنية، يُشك في ما إذا كان هذا الشيء المحترم قد استُهلك في البئر أم لا؟ في هذه الحالة، يمكن إجراء استصحاب بقاء الموضوع، والأثر الشرعي لهذا الاستصحاب هو عدم جواز استخدام ذلك البئر.
ب) الشك في الشبهة المفهومية: يمكن افتراض مثال هذه الصورة كالتالي: عند وقوع مقدار من الخمر في ١٠٠٠ لتر من الماء، ينشأ شك فيما إذا كان لا يزال يطلق على ذلك السائل ماء أم لا؟ إذا كان هذا المقدار من الخمر قد استُهلك في الماء، فلا يزال يطلق على هذا السائل ماء، ولكن في فرض عدم حصول الاستهلاك، فإن صدق الماء على هذا السائل مشكوك فيه. بناءً على قبول جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية، سيجري استصحاب الماء المطلق.
الخاتمة
النتائج المستخلصة من هذا البحث هي:
1) ماهية قاعدة الاستهلاك هي تبدل أحكام الشيء بسبب تفرق ذراته من وجهة نظر العرف، لذا فهي تختلف ماهوياً عن عناوين مثل الاستحالة والانقلاب.
2) دليل حجية قاعدة الاستهلاك هو قاعدة «الأحكام تدور مدار الأسماء». مع الأخذ في الاعتبار هذه النقطة، وهي أن دوام الحكم يختلف باختلاف تأثير أقسام متعلقات الأحكام في إحراز موضوع الحكم. لذا، فإن قاعدة الاستهلاك لها تطبيق فقط في الأحكام التي يكون إحراز موضوعها دائراً مدار صدق الوصف العنواني لتلك الأشياء. بناءً على ذلك، فإن قاعدة الاستهلاك لا تملك القدرة على تبديل الموضوع، وبالتالي تبديل الحكم في جميع أبواب الفقه؛ أي من الممكن أن يحدث الاستهلاك، ولكن الحكم يبقى على حاله.
3) في مورد قاعدة الاستهلاك، نُقلت روايات تدل بشكل تطبيقي على حجية هذه القاعدة.
4) لا يمكن لقاعدة الاستهلاك أن تكون أحد المطهرات في جميع المصاديق، وهي مجرد مقدمة لحصول الطهارة في بعض الحالات.
5) لقاعدة الاستهلاك تطبيقات مهمة سواء في الأحكام الوضعية أو في الأحكام التكليفية، وقد استُخدمت في كلمات الفقهاء كمستند للحكم.
الهوامش
1. أستاذ السطوح العالية في الحوزة؛ abolfazlmajd@gmail.com
2. باحث في المركز الفقهي للأئمة الأطهار (الكاتب المسؤول)؛ mo.78.qo@gmail.com
3. رواة هذا الحديث هم: ابن بابويه ووالده وسعد بن عبد الله (النجاشي، 1365هـ.ش، 177)، وأحمد بن محمد بن عيسى الثقة الجليل (النجاشي، 1365هـ.ش، 59)، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الثقة (النجاشي، 1365هـ.ش، 75)، وعبد الكريم بن عمرو الخثعمي الثقة غير الإمامي (النجاشي، 1365هـ.ش، 245)، وسعيد الأعرج الثقة (النجاشي، 1365هـ.ش، 181)، وعليه يكون سند هذه الرواية موثقاً لوجود عبد الكريم بن عمرو الخثعمي.
4. رواة هذا الحديث هم: عبد الله بن جعفر: ثقة (النجاشي، 1365هـ.ش، 219)، وعبد الله بن الحسن: لم يرد له توصيف في كتب الرجال، علي بن جعفر: ثقة (الشيخ الطوسي، 1427هـ، 359)؛ وعليه يكون سند هذه الرواية ضعيفاً ومهملاً.
5. هذه الرواية منقولة بلا سند وهي مرسلة.
6. رواة هذا الحديث هم: الشيخ الكليني ومحمد بن يحيى: ثقة عين (النجاشي، 1365هـ.ش، 353)، ومحمد بن موسى: رُمي بالوضع (النجاشي، 1365هـ.ش، 338)، وحسين بن مبارك: مهمل، وزكريا بن آدم: ثقة جليل (النجاشي، 1365هـ.ش، 174)، وعليه يكون سند هذا الحديث ضعيفاً مصرحاً به أو ضعيفاً مهملاً.
قائمة المصادر
1. الآشتياني، محمد حسن بن جعفر (١٣٨٤هـ.ش). كتاب الزكاة. قم: مؤتمر العلامة الآشتياني.
2. ابن الأثير، مبارك بن محمد (١٣٦٧هـ.ش). النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، قم: إسماعيليان.
3. ابن إدريس، محمد بن أحمد (١٤١٠هـ.ق). السرائر. تحقيق: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
4. ابن بابويه، محمد بن علي (١٤١٥هـ.ق). المقنع. لجنة التحقيق. قم: پیام امام هادی (ع).
5. ابن سيدة، علي بن إسماعيل (١٤٢١هـ.ق). المحكم والمحيط الأعظم. تحقيق: عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية.
6. ابن فارس، أحمد بن فارس (١٤٠٤هـ.ق). معجم مقاييس اللغة. بيروت: دار إحياء الكتب العربية.
7. ابن حيون، نعمان بن محمد (١٣٨٥هـ.ق). دعائم الإسلام. تحقيق: آصف فيضي. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
8. اختراعي طوسي، سيد مصطفى وآخرون (١٣٩٦، خريف وشتاء). «إمكانية فقهية لإنتاج منتجات حلال من أجزاء محرمة، دراسة حالة الدم»، مجلة علمية بحثية فقه الطب، ٩ (٣٢) و٣٣)، ٧١ – ٨٦.
9. الاشتهاردي، علي بناه (١٤١٧هـ.ق). مدارك العروة. طهران: دار الأسوة للطباعة والنشر.
10. الأنصاري، محمد علي (١٤١٥هـ.ق). الموسوعة الفقهية الميسرة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
11. الأنصاري، مرتضى (١٤١٥هـ.ق). المكاسب. قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأنصاري.
12. البجنوردي، حسن (۱۳۷۷هـ.ش). القواعد الفقهية. تحقيق: محمد حسين درايتي ومهدي مهريزي. قم: نشر الهادي.
13. البحراني، يوسف بن أحمد (١٣٦٣هـ.ش). الحدائق الناضرة. تحقيق: محمد تقي إيرواني وآخرون. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
14. التبريزي، ميرزا جواد (۱۳۹۱هـ.ش). صراط النجاة. قم: دار الصديقة الشهيدة.
15. جمع من الباحثين (۱۳۸۲هـ.ش). فرهنگ فقه مطابق مذهب أهل البيت (ع). قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
16. جمع من الباحثين (١٤٢٣هـ.ق). موسوعة الفقه الإسلامي. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
17. الحائري، مرتضى (١٤٢٥هـ.ق). شرح العروة الوثقى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
18. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ.ق). وسائل الشيعة. تحقيق: محمد رضا حسيني جلالي. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
19. الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى (١٤١٤هـ.ق). تاج العروس من جواهر القاموس. تحقيق: علي شيري. بيروت: دار الفكر.
20. الحكيم، سيد محسن (١٣٧٤هـ.ش). مستمسك العروة الوثقى. قم: دار التفسير.
21. الحلي، حسين (١٣٣٨هـ.ش). دليل العروة الوثقى. نجف: مطبعة النجف.
22. الحميري، عبد الله بن جعفر (١٤١٣هـ.ق). قرب الإسناد. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
23. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٣٧٩هـ.ق). المستند في شرح العروة الوثقى. تقرير مرتضى بروجردي، قم: مؤسسة الإمام الخوئي.
24. ______ (١٤١٨هـ.ق). التنقيح في شرح العروة الوثقى. تقرير ميرزا علي غروي، قم: مؤسسة الإمام الخوئي.
25. ______ (١٤١٨هـ.ق). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
26. ______ (١٤١٨هـ.ق). فقه الشيعة (كتاب الطهارة). قم: مؤسسة الآفاق.
27. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٦هـ.ق). مفردات ألفاظ القرآن. تحقيق: صفوان عدنان داوودي. بيروت: دار الشامية.
28. الروحاني، سيد محمد صادق (١٤٣٥هـ.ق). فقه الصادق (ع). تحقيق جمع من الفضلاء، قم: آيين دانش.
29. السبزواري، سيد عبد الأعلى (١٤١٣هـ.ق). مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام. قم: مؤسسة المنار.
30. السند البحراني، محمد (١٤١٥هـ.ق). سند العروة الوثقى (الطهارة). قم: صحفي.
31. الشهيد الأول، محمد بن مكي (١٤١٢هـ.ق). الدروس الشرعية في فقه الإمامية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
32. الشيخ البهائي، محمد بن حسين (بلا تا). جامع عباسي. طهران: مؤسسة منشورات الفراهاني.
33. الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٤١٣هـ.ق). من لا يحضره الفقيه. تحقيق: علي أكبر غفاري. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
34. الصافي الكلبايكاني، علي (١٣٨٥هـ.ش). ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى. قم: گنج عرفان.
35. ضياء الدين العراقي، علي بن ملا محمد (بلا تا). تعليقة استدلالية على العروة الوثقى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
36. الطوسي، محمد بن حسن (۱۳۸۷هـ.ق). المبسوط في فقه الإمامية. تحقيق: محمد باقر بهبودي ومحمد تقي كشفي. طهران: المكتبة المرتضوية.
37. ______ (١٤٢٧هـ.ق). رجال الطوسي. تحقيق: قيومي أصفهاني. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
38. الفرحي، علي (١٤٣٠هـ.ق). تحقيق في القواعد الفقهية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
39. الفيومي، أحمد بن محمد (١٤١٤هـ.ق). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. قم: مؤسسة دار الهجرة.
40. قدسي مهر، خليل (١٣٧٧هـ.ش). الفروق المهمة في الأصول الفقهية. قم: دار التفسير.
41. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ.ق). الكافي. تحقيق: محمد آخوندي وعلي أكبر غفاري. طهران: دار الكتب الإسلامية.
42. المجلسي، محمد باقر (١٤١٠هـ.ق). بحار الأنوار. بيروت: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي مؤسسة الطبع والنشر.
43. ______ (١٣٦٣هـ.ش). مرآة العقول. تحقيق: رسولي محلاتي وجمع من الباحثين. طهران: دار الكتب الإسلامية.
44. المجلسي، محمد تقي (١٤٠٦هـ.ق). روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. طهران: بنياد فرهنگ إسلامي كوشانبور.
45. المحقق الكركي، علي بن حسين (١٤١٤هـ.ق). جامع المقاصد في شرح القواعد. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
46. المفيد، محمد بن محمد (١٤١٠هـ.ق). المقنعة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
47. النجاشي، أحمد بن علي (١٣٦٥هـ.ش). رجال النجاشي. تحقيق: شبيري زنجاني. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
48. النجفي، محمد حسن بن باقر (١٤٢١هـ.ق). جواهر الكلام. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
49. النراقي، محمد بن أحمد (۱۳۸۰هـ.ش). مشارق الأحكام. قم: مؤتمر تكريم ملا مهدي وأحمد نراقي.
50. الهمداني، رضا بن محمد هادي (١٣٧٦هـ.ش). مصباح الفقيه. تحقيق: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
51. اليزدي، سيد محمد كاظم (١٤٠٩هـ.ق). العروة الوثقى. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
52. ______ (١٤١٩هـ.ق). العروة الوثقى فيما تعمّ به البلوى (المحشى). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
المواقع الإلكترونية:
موقع اطلاع رساني آيت الله سيستاني (بحث عن الكحول) تاريخ الوصول: ١٨ آذر ١٤٠١
45789n.ir/x2 https://b
موقع اطلاع رساني استاد شهيدي (بحث عن الاستهلاك) تاريخ الوصول: ١٨ آذر ١٤٠١
/10858n.ir/e2https://b/