الملخص: لطالما كان أسلوب القرآن الكريم وطريقة مخاطبته للإنسان من الموضوعات الشاغلة لذهن الإنسان، وخاصة الباحثين الدينيين المعاصرين. يرى الكاتب أن تجلي هذا الأسلوب يكمن في حقيقة تسمّى “نطق القرآن”. بناءً على القرائن اللغوية والروائية، فإن معنى نقل الرسالة والمقصود الكامن في كلمة “نطق”، وهذا النقل للرسالة والمقصود يمكن أن يتحقق إما عن طريق آليات حسية، مثل الألفاظ والأصوات (النطق المحسوس)، أو عن طريق آليات عقلية (النطق المعقول). تفترض المقالة أن الوحي البياني هو أحد أقسام نطق الوحي القرآني، مما يؤدي في النهاية إلى إثبات مبدأ الحاجة إلى الترجمان في الوحي القرآني.
مقدمة
إن العلاقة العميقة والوثيقة للفرد بالقرآن الكريم لا تعتمد فقط على قابلياته الفردية، أي طهارة روحه ونفسه، بل جزء منها هو نتاج خصائص فاعلية القرآن ونوع النطق الذي يقيمه القرآن مع المخاطب. في التعاليم الروائية، وخاصة نهج البلاغة، هناك حديث عن أن القرآن ناطق (خطبة: ۱۸٣) أو أن القرآن يتكلم (ينطق) في الخطبة (۱۳۳) أو اطلبوا من القرآن أن ينطق (فاستنطقوه) في الخطبة (١٥٨). والسؤال هو: هل في جميع الحالات يكون كلام القرآن بنفس المعنى والحقيقة؟ وكيف يفتح الوحي السماوي باب الحوار والمفاهمة مع مخاطبه الأرضي؟ وهل المعنى الحقيقي لهذه التعابير هو المراد أم معناها المجازي؟
في البداية، يجب القول إن الوحي الإلهي عُرض على البشر في قالبين: أحدهما الوحي القرآني المدون في المصحف، والآخر الوحي البياني الذي له دور توضيحي وتفسيري للوحي القرآني، وهو مستقر في صدور المفسرين الحقيقيين. فقد اعتبر العلماء أن أحد المعاني المستنبطة من الآية (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: 3-4) هو الوحي البياني، أي تلك المعارف التي أوحاها الله لرسوله، والتي أصبحت جزءًا من السنة النبوية. ويذكر السيد ابن طاووس (ص ١٣١) والعلامة الطباطبائي، مع اهتمامهما بهذا المعنى، أن المقصود من الآية هو أن النبي في دعواته إلى الله أو في تلاوته لآيات القرآن عليكم لم ينطق عن هوى، بل كلا النوعين (الوحي القرآني والوحي البياني) هو وحي من عند الله إليه. ومن هنا، يعتبر الوحي القرآني تجلياً لإرادة الله، وقد جُمع في كتاب مدون، وهو القرآن، والوحي البياني هو أيضاً إرادة إلهية تتجلى في صدر المعصوم. وقد اعتبر العلامة العسكري هذا التقسيم الثنائي، واستند في الوحي البياني إلى رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث ذكر أن قسماً من الوحي هو ما يُوحى فيه اللفظ والمعنى للأنبياء، وهذا الأمر يختص بالكتب السماوية كالقرآن، وقسماً من الوحي يُوحى فيه المعنى فقط واللفظ من جانب الأنبياء، مثل الأحاديث النبوية. كما ورد في حديث الإمام الصادق (عليه السلام): “حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل”. في الوحي البياني (الأحاديث)، يحدث نوع من الإدراك الباطني الغامض والخفي، حيث توحى الحقائق والمعارف الإلهية بمعنى إلى المعصوم. أما في الوحي القرآني، فاللفظ والمعنى متلازمان.
ولكن ما هو نوع العلاقة بين الوحي القرآني والبياني؟ وكيف يمكن تبيين هذه العلاقة في أي قالب أو تقرير؟ تفترض المقالة أن الوحي البياني هو أحد أقسام نطق الوحي القرآني، والذي تجلى في قالب النطق المحسوس للقرآن، لأن مفهوم نطق القرآن يمكن دراسته والاهتمام به من أربع زوايا عامة:
- النطق المحسوس والحقيقي.
- النطق المجازي والاستعاري.
- النطق الدلالي والمفهومي.
- النطق التفسيري والتوضيحي.
في جميع هذه الحالات، المشترك الكامن فيها هو حقيقة “نقل وتقديم المراد والمقصود من العالي إلى الداني”.
أهمية دراسة هذا النوع من النطق تكمن في أنه قد يشير إلى أساس تفسيري يسمى “الحاجة إلى الترجمان” ؛ بمعنى أننا في فهم وتفسير القرآن نحتاج إلى النطق المحسوس ، وأن القرآن الكريم ليس كتابًا يعلم نفسه بنفسه، بل لفهم الوحي القرآني نحتاج إلى ترجمان ومفسرين يزيلون الغموض بأسلوب علمي ومنصف، ويوضحون المراد والمقصود من الآيات للمجتمع. هذا في حين يبدو أن البعض، بتقديم نظرية “القرآن كافٍ بذاته” في فهم القرآن، قد نفوا حاجة القرآن لغيره، واعتبروا هذا الكتاب كافياً في فهم معانيه ومقاصده. لذلك، فإن معالجة موضوع ناطقية القرآن، الذي يتضمن الأسس المذكورة أعلاه، ونوع التعامل معه، يلعب دوراً كبيراً في الأفكار الأساسية للمفسر، وبالتالي في كيفية فهم وتفسير آيات القرآن.
۱. المفاهيم
۱.۱. النطق
ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ)، الذي خصص جهده لدراسة جذور الكلمات، ذكر تحت كلمة “نطق”: “النون والطاء والقاف أصلان صحيحان، أحدهما: كلام أو ما أشبهه، والآخر: من اللباس”. وذكر “للنطق” معنيين أصليين، أحدهما بمعنى الكلام وما يشبهه، والآخر بمعنى جزء أو نوع من اللباس، وهذا المعنى الأخير ليس محل بحثنا. ومن عبارة “ما أشبهه” لابن فارس، يتضح أن كلمة “نطق” لا تقتصر على الكلام والتكلم الصوتي فقط، بل تشمل أيضاً الحالات التي لها نوع من التشابه والتجانس مع الكلام. ومن هنا، يقبل ابن فارس نوعاً من التوسع الدلالي لهذه الكلمة. “النطق” يقابل “الصمت”، وقد ذكر ابن فارس “لكلمة صمت” معنىً أصلياً واحداً، وهو الدلالة على الإبهام والإغلاق. بعبارة أخرى، الروح المعنوية الكامنة في كلمة “صمت” هي الإبهام، والغموض، وفقدان الوضوح والإشراق.
وقد ذكر الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ) أن أحد المعاني المستعملة للنطق هو الوضوح والبيان، وقد أورد للكتاب الناطق معنى “الكتاب الواضح والبيّن”، واستشهد على ذلك بشعر لبيد. يتضح أنه بالنظر إلى معنى “ناطق” أي “بيّن”، يمكن اعتبار “ينطق” أيضاً بمعنى “يبين” أو “يُظهِر” أو “يوضح”. في الثقافة الفارسية، ذُكرت معانٍ أخرى تحت كلمة “نطق”، مثل: التعبير عن قولٍ مفهوم، الكلام، الإدراك والفهم.
من جانب آخر، يمكن من خلال تصفح سريع لنهج البلاغة أن ندرك نوعاً من “النطق” في الأشياء والظواهر الكونية؛ بمعنى أن هذه الظواهر، بحسب موقعها، تتمتع بنوع من التكلم والدلالة والإظهار. يشير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة إلى نوعين من النطق: نطق النظام العيني للعالم، ونطق القرآن العلمي. نطق النظام العيني للعالم يشير إلى الظواهر الكونية. يقول الإمام: “وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ” (الخطبة ٩١)؛ أي أنه أظهر لنا من ملكوت قدرته وعجائب آثار حكمته – التي تنطق بلسانها الشاهدة على وجود ربٍ قدير – ما يدعونا إلى المعرفة والإدراك بلا اختيار. أما عن نطق القرآن العلمي، فيقول: “… وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ” (الخطبة: ٩١)؛ أي أشهد أن الذين ساووك بشيء من خلقك قد مالوا عنك، ومن مال عنك كافر بما نزلت به آياتك المحكمة وما نطقت عنه شواهد حججك البينات. من هنا، نجد في ظواهر الكون نوعاً من الصمت ونوعاً من النطق. صمتها من حيث أنها لا تملك لساناً ناطقاً وخالقة للصوت، ونطقها من حيث أنها تسعى لنقل المعارف والعلامات من حقيقة الوجود، وكأنها تتكلم مع البشر وتدخل معهم في حوار ومناظرة.
۲۰۱. ناطقية القرآن
كما مرّ، تنقسم كلمة “نطق” إلى قسمين: مادي (محسوس) ومعنوي (معقول). النطق المادي هو إقامة اتصال كلامي محسوس يحدث في المحاورات والمناظرات. من جانب آخر، النطق المعنوي هو نطق معقول تتمتع به المكتوبات وحتى الظواهر الكونية. كما أخبر الإمام عن وجود هذا النطق في القرآن (المكتوبات) في الخطبة (۱۸٣) وفي آثار حكمة الله وخلقه (ظواهر الكون) في الخطبة (٩١). لذلك، فإن أحد المعاني المهمة لكلمة “نطق” هو “دلّ” أي “دلّ على” أو “بيّن” بمعنى “وضح” أو “أشار” بمعنى “أومأ”. وقد يكون هذا المعنى في قالب محاورة وصوت، أو في قالب ظاهرة وصورة، أو كتابة. وعلى أي حال، فإن القاسم المشترك في جميع الحالات المذكورة هو معنى “نقل وتقديم الرسالة والمقصود”. هذه الرسالة والمقصود قد يتم تبادلهما عن طريق آليات حسية، مثل الألفاظ والأصوات (النطق المحسوس)، أو قد يتم هذا الاتصال والمعنى عن طريق آليات عقلية (النطق المعقول)، مع الفارق أن في النطق المعقول يكون وسيلة الاتصال الوحيدة هي التدبر والتفكير، والأدوات المادية كالصدى واللسان لا تلعب دوراً. بناءً على ذلك، ناطقية القرآن تعني أن هذا الكتاب ينقل مفاهيمه ومقاصده إلى المخاطب بصورة محسوسة أو معقولة، ويدل بوضوح على معارفه، وموضوع بحث هذه المقالة هو دراسة القسم الأول من النطق، وهو النطق المحسوس.
أقسام النطق المحسوس
فيما يخص القرآن الكريم، يمكن تصور هذا المعنى من النطق في حالتين:
(أ) النطق الحقيقي للقرآن
مما لا شك فيه أن هذا النطق، الذي يُراد به تكليم القرآن الكريم مباشرة وبدون واسطة، مستحيل، وهو مخالف للعقل والنقل. وعبارة “لَنْ يَنْطِقَ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنِ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَصْدَرُوهُ حِينَ لَا يَتَكَلَّمُ” تشير إلى هذا النطق (الخطبة ١٥٨). وقد ذكر البعض أن القرآن، باعتباره مؤلفاً من حروف وأصوات ساكنة وصامتة، والحروف والأصوات من أقسام (الأعراض)، والعرض يستحيل أن يكون ناطقاً، لأن النطق نتاج حركة الأدوات بالكلام، والكلام يستحيل أن يكون له أدوات يتكلم بها. لذلك، فإن النطق الحقيقي للقرآن، الذي يتم فيه نقل معنى ومقاصد القرآن عن طريق التكلم وإصدار الحروف وخلق الصوت، مستحيل على الأقل في الحالة العادية والعالم المادي. وهذا المعنى من النطق يقابل الصمت والسكوت الحقيقي.
(ب) النطق الرجالي للقرآن
في هذا القسم، يُقصد بالنطق القرآني أن يكون هناك رجال وعلماء، بعبارة أخرى، نطق القرآن بواسطة رجال يشير إلى العلماء الذين يتكلمون نيابة عن القرآن ويعبرون عن معارفه وحقائقه. وهذا النطق، بطبيعة الحال، شفهي ومصحوب بإصدار الحروف والكلمات، وسيكون من قبيل النطق المحسوس اللفظي والصوتي.
يُعدّ نهج البلاغة من المصادر المشهورة والمعتبرة التي يمكن العثور فيها على شواهد جيدة لهذا النوع من النطق. وسنتناول في هذا المقام حالتين منهما:
۱. كلام الرجال والترجمان
يمكن العثور على هذا المعنى من النطق في الخطبة ١٢٥ من نهج البلاغة، حيث يصرّح الإمام علي (عليه السلام) في قضية التحكيم بأننا لم نحكّم الرجال المنحرفين، بل حكّمنا القرآن. ولكن بما أن القرآن لا يتكلم، فلا بد أن يكون هناك رجال يتكلمون أولاً بناءً على القرآن، ثم نيابة عنه: “إنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ، هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْتُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ” (خطبة ١٢٥).
ذكر قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) في شرح عبارة “لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان” في معنى “ترجمان”: “ترجم فلان اللفظ العربي وغيره إذا فسره بلسان آخر”. وكتب ابن أبي الحديد المعتزلي (ت ٦٥٦ هـ) في هذا الصدد: “الترجمان” بفتح التاء وضم الجيم هو المبيّن والمفسّر للغة بأخرى. أو أن جمال الدين محمد الخوانساري اعتبر الترجمان هو من يفسّر كلام شخص بلغة أخرى. ومن هنا، فإن مهمة الترجمان هي تبيين كلام أو نص من لغة إلى أخرى. وفي مجال القرآن الكريم، فإن ترجمان القرآن هو من يوضح لغة القرآن بشكل منهجي ومع الأخذ بعين الاعتبار أصوله وقرائنه، وأهم سماته هو بيان وتوضيح معارف ومقاصد القرآن، وليس استنتاجاته الفردية.
في هذا الصدد، قسم البعض نطق القرآن من قِبل الرجال والمفسرين إلى مرحلتين: أ. فهم واستنباط معارف القرآن في إطار القواعد الأدبية والأصول العقلائية للمحاورة. ب. إعادة سرد والحديث عن المعارف والمفاهيم القرآنية.لذلك، فإن هذا النوع من تفسير القرآن والكلام عنه يتطلب نطقًا رجاليًا واستنباطًا من أصحاب الرأي المنزهين عن الغرض والهوى.
يشير مؤلف “شرح مفتاح السعادة” تحت الخطبة ١٢٥ “لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وانما ينطق عنه الرجال” إلى سياق ورود الكلام وقضية التحكيم، ويعتبر التحكيم في مجالين: الموضوعات والأحكام. وقد أناط التحكيم في الموضوعات بالمتخصصين والعرف. أما بخصوص التحكيم في الأحكام، فيذكر أن التحكيم في الأحكام يمكن أن يكون على وجهين: إما إنشاء الحكم وإبداعه بناءً على الفهم والعقل الشخصي أو استنباط الحكم من المصادر الشرعية دون تدخل الفهم الشخصي.
ويضيف أن التحكيم في الحقيقة ليس تحكيم رجال، بل تحكيم بناءً على الكتاب والسنة. لذلك، فقد جعل الله تعالى القرآن الكريم حَكَماً، ولكن بما أن القرآن صامت ولا يتكلم، فلا بد أن يكون له ترجمان ومفسرون. وجعل الرجال حكماً يعني أنهم مفسرون ومترجمون للقرآن ولسان ناطق لهذا الكتاب الشريف، وهذا أمر معقول ومشروع. بمعنى آخر، كانت مهمة المحكِّمين هي استنباط الحكم الشرعي بشأن خلافة المسلمين بناءً على كتاب الله، وأن يتكلموا نيابة عن القرآن بفهمهم العادل والعالمي. ولذلك، لم يكن أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص في الواقع حكاماً، بل كانوا في منزلة المفسر والمترجم للقرآن، والفرق بين الأمرين واضح. ولهذا السبب قال الإمام: “إنما ينطق عنه الرجال”، وهذا بسبب عدم قدرة الكتاب على النطق والكلام.
أما المدرس الوحيد، فقد اعتبر “الترجمان” من “ترجم – يترجم” على وزن “فَعْلَل” الرباعي. وفي شرحه للخطبة، ذكر أن مفهوم ومضمون كلام الإمام يشير إلى الرد على اعتراض وشبهة الخوارج، الذين تساءلوا: لماذا جعلت عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري حكماً بيننا؟ لأن مراد الإمام من تحكيم الرجال كان تحكيم آيات القرآن، لا رأي الأفراد.
وعلى هذا، يمكن اعتبار رسالة الخطبة ١٢٥ أنها تشير إلى أن كشف مقاصد القرآن الكريم ومفاهيمه يتطلب مفسرين واعين ومنهجيين، يكونون في مقام بيان معارف وأحكام القرآن، وبعبارة أخرى، يتكلمون نيابة عنه. والنقطة الجديرة بالذكر هي أنه إذا كان هذا التبيين القرآني يصدر عن المعصوم، فإنه يتخذ عنوان “الوحي البياني”، أي أعلى مراتب النطق المحسوس. لذلك، فإن النطق المحسوس للمعصوم هو نفس الوحي البياني الذي يقدم مقاصد الوحي القرآني بشكل معصوم. وهذا الأمر يزداد وضوحاً بالشاهد الذي سيقدم لاحقاً.
۲. الإخبار من المعصوم
يقول الإمام (عليه السلام) في الخطبة ١٥٨ من نهج البلاغة حول ناطقية القرآن ومكانته الرفيعة:
“ذَلِكَ الْقُرْآنَ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ، أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ”.”اطلبوا من القرآن أن يتكلم، ولكنه لن يتكلم، أما أنا فأخبركم عن معارفه. واعلموا أن في القرآن علم المستقبل، وأخبار الأمم الماضية، وشفاء أمراضكم، وتنظيم أموركم الفردية والاجتماعية”.
في هذه الخطبة، يشير الإمام أولاً إلى الشكل الأول من نطق القرآن، وهو النطق الحقيقي المحسوس (اللفظي)، وينفي هذا النوع من النطق للقرآن فوراً. ثم يشير إلى الشكل الثاني من النطق، وهو نطق القرآن من قِبَل الرجال، ويعرّف نفسه بأنه المصداق البارز للناطقين بآيات القرآن الكريم، الذين يتكلمون نيابة عن القرآن ويوضحون آياته ويفسرونها. في الواقع، يمكن اعتبار هذا الفراغ العلوي تفسيراً لجزء من الخطبة ١٢٥ (“… ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال”).
إن مراجعة آراء شُرَّاح نهج البلاغة حول عبارة “ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه…” تكشف عن قاسم مشترك، وهو أن النطق الرجالي للقرآن لا يمكن تحقيقه إلا من قِبل أفراد يفسرون آياته ويوضحونها بعدل وعلم.
وفي هذا الصدد، فإن الشارح المعتزلي (ت ٦٥٦ هـ)، على الرغم من أسلوبه المعتاد في الشرح التفصيلي للمواضيع تحت الفقرة المذكورة، وخاصة عبارة “ولكن أخبركم عنه”، فقد التزم الصمت ولم يذكر شيئاً. أما الشارح البحراني، فيكتب: “أمر الإمام بطلب النطق من القرآن، وفسّر هذا الأمر بسماع معارف القرآن من لسانه، وهو ما يكسر الأوهام والأفكار التي استغربت من عبارة طلب النطق من القرآن”. في الواقع، يرى ابن ميثم أن نطق القرآن هو نطق علي بن أبي طالب نيابة عن القرآن، وطلب فهم المعارف القرآنية من الإمام.
أما ميرزا حبيب الله الخوئي (القرن ١٤ هـ)، صاحب “منهاج البراعة”، فيحتمل أن يكون المراد من “فاستنطقوه” هو الأمر بطلب فهم واستفهام من مضامين القرآن، وإدراك الحقائق والدقائق والحلال والحرام والأحكام التي يتضمنها. لكنه يرد هذا الاحتمال لاحقاً، ويعتبر فهم القرآن وإدراكه بواسطة القرآن نفسه أمراً مستحيلاً. والسبب في ذلك هو اشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والباطن، والتنزيل والتأويل، وغير ذلك. ويضيف أن الإمام بقوله “ولن ينطق” يشير إلى أن فهم القرآن وإدراكه بمفرده مستحيل، ويجب أن يكون له مترجم (مفسر). ويضيف: “يشير الإمام بعبارة ‘ولكن أخبركم عنه’ إلى أنه هو وحده المترجم والقيم والمفسر لمعاني القرآن وظواهره وبواطنه”.
وقد أيد الملا صالح المازندراني هذا المعنى، وذكر أن الإمام بقوله “لا ينطق” يشير إلى أنه إذا طلب منه (الإمام) النطق، فسوف يتكلم نيابة عن القرآن، لأنه لسان القرآن، وتبيين القرآن واجب عليه.
يذكر الأستاذ جوادي آملي ثلاث مجموعات من البشر في تفاعلهم مع النطق القرآني: ۱. أولئك الذين بسبب تحجرهم وعدم تفكيرهم، لم يطرحوا أي سؤال في ساحة القرآن، ولا يطرحون. هذه المجموعة، التي هي في الحقيقة ساكنة وجامدة، لا تسمع كلاماً من القرآن الحكيم، وهذا الكتاب الإلهي يلزم الصمت تجاههم. ۲. أولئك الذين بسبب انحرافهم وسوء تفكيرهم، طرحوا سؤالاً باطلاً على القرآن، وبافترضات مسبقة خاطئة، اعتبروا صوت وهمهم نداء القرآن، واتهموا الكتاب الإلهي بإجاباتهم المفضلة. في حين أن كتاب الله ما زال صامتاً تجاه هذه المجموعة. ٣. أولئك الذين، بتدبر ومن خلال السير على الصراط المستقيم، طرحوا أسئلة معقولة على القرآن الكريم، ويتلقون الإجابة المناسبة منه. هؤلاء المفسرون، كما قال أمير المؤمنين، هم ترجمان الكتاب الكريم، ويتكلمون بلسان القرآن: “وإنما ينطق عنه الرجال”.لذلك، فإن النطق الرجالي المطلوب يمكن تحقيقه في ظل التدبر المنهجي وتقديم الأسئلة المعقولة إلى القرآن الكريم. وهو أمر أشار إليه الإمام بلفظ “الرجال” للدلالة على أصحاب هذا المنهج والمستفيدين من هذا النطق. تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن نطاق المجموعة الثالثة، وهم رجال القرآن الذين يتكلمون نيابة عن القرآن بعلم وعدل، لا يقتصر على المعصومين، بل يشمل أيضاً تلاميذ مدرستهم، إلا أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هم بلا شك أكمل مصاديق المفسرين والمترجمين للوحي الإلهي، بحيث لا مجال للمقارنة بينهم وبين الآخرين في مجال التفسير. إذا كان الآخرون أيضاً، بصفتهم مفسرين، يتكلمون جيداً بلسان القرآن، فإن أسسهم التفسيرية ومناهجهم ومعارفهم مدينة لأهل البيت (عليهم السلام).
إن إطلاق بعض العلماء على الإمام علي (عليه السلام) وغيره من المعصومين (عليهم السلام) بـ “ناطق القرآن” هو عنوان لا يطلق على غيرهم، حتى على المفسرين الأجلاء، لأن في “ناطق القرآن” نوعاً من الإطلاق والاطمئنان المعنوي الذي يدل على أن الشخص يتكلم عن القرآن دون أي زلل أو انحراف، وهو لسان الحق لكتاب الله. أما الآخرون، فقد يقعون في الزلل عند التكلم عن القرآن، ولذلك لا يطلق عليهم وصف الفاعل “ناطق”. إضافة إلى ما سبق، يُطلق على الإمام علي (عليه السلام) أيضاً وصف “كلام الله الناطق”، أي “القرآن الناطق”. وقد أرجع البعض ذلك إلى أن صورة القرآن في القيامة هي أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، لأنه حامل علم القرآن، ومتحلٍّ بجميع الأخلاق والفضائل القرآنية. وذهب آخرون إلى أن هذه الحقيقة تعود إلى استقرار كلام الله في نفوس أهل البيت (عليهم السلام) وإحاطتهم العلمية بالقرآن. وفي هذا الصدد، سمّى بعض شُرَّاح نهج البلاغة كتابهم بـ “حدائق الحقائق في شرح كلمات كلام الله الناطق”.
ملاحظة
يجب في الختام الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي مدى حاجة القرآن إلى ترجمان وناطقين. يبدو أن هذا الأمر يعتمد على عاملين:
۱. العامل الفاعلي
ويقصد به مدى وجود إجمال في الآيات والموضوعات القرآنية. من البديهي أن آيات القرآن ليست كلها على مستوى واحد، وتختلف في وضوح المعنى والدلالة. لذلك، كلما زاد إجمال الآية وخفي معناها ومقصدها، زادت الحاجة إلى المفسر لكشف معناها. وهذا الأمر واضح في الروايات التي لا تعتبر الآيات متساوية من حيث الفهم والمعنى، وتقسمها إلى أقسام.
۲. العامل القابلي
يضم مخاطبو القرآن طيفًا واسعًا من الأفراد يختلفون في سعتهم المعرفية والإدراكية. لذا، كلما زادت القدرة العلمية والمعنوية، قلت الحاجة إلى تبيين الآيات وتفسيرها. ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بحديث الإمام الصادق (عليه السلام) الذي يقول فيه: “المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله”. يشير هذا الحديث إلى أن مستوى التشابه نسبي بين الأفراد. أي أنه بحسب القدرة المعرفية، قد تكون آية معينة متشابهة وتحتاج إلى تفسير لشخص، بينما لا تكون كذلك لشخص آخر.
خلاصة ونتائج
بناءً على القرائن اللغوية والروائية، فإن معنى “نقل وتقديم الرسالة والمراد” كامن في كلمة “نطق”. وقد يتم تبادل هذه الرسالة والمراد إما عن طريق آليات حسية كالألفاظ والأصوات (النطق المحسوس)، أو عن طريق آليات عقلية (النطق المعقول). ما يتضح من بحث النطق الرجالي للقرآن في المجال المبدئي، هو أن القرآن الكريم، إن لم نقل بالجملة، فبالجزء يحتاج إلى مفسرين ومترجمين يزيلون الغموض والإبهام الموجود، ويكشفون مقاصده ومعانيه، مستفيدين من مصادر التفسير ومطبقين أصوله وقرائنه. لذلك، فالقرآن ليس كتابًا يعلّم نفسه بنفسه، بحيث لا نحتاج في فهمه إلى غيره، ونظرية الاكتفاء بالقرآن في فهمه، التي تزعم أن القرآن يستغني عن غيره ويكفي في فهم معانيه ومقاصده، لا تبدو كاملة. والنقطة المهمة والنهائية هي أن الوحي البياني هو أحد أقسام نطق الوحي القرآني، وهذا التعبير “الوحي البياني” يختص بالمعصوم (عليه السلام) فقط، ولا يمكن إطلاقه على سائر المفسرين.
المصادر
- القرآن الكريم.
- نهج البلاغة.
- ابن أبي الحديد المعتزلي، عز الدين (۱۳۸٥ق). شرح نهج البلاغة. القاهرة: دار إحياء التراث العربي.
- ابن فارس، أحمد (١٤٢٢ق). معجم مقاييس اللغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- ابن ميثم البحراني، ميثم (۱۳۷٥ش). شرح نهج البلاغة. ترجمة: محمدي مقدم. مشهد: مؤسسة البحوث الإسلامية، آستان قدس.
- الجزائري، نور الدين بن نعمت الله (١٤١٧ق). نور البراهين. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الجوادي الآملي، عبد الله (۱۳۸۱ش). القرآن في كلام علي. قم: نشر إسراء.
- الحسن زاده الآملي، حسن (١٤١٦ق). الإنسان الكامل في نهج البلاغة. ترجمة: عبد الرضا افتخاري. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
- الحويزي، علي بن جمعة (١٤١٢ق). نور الثقلين. تحقيق: السيد هاشم رسولي المحلاتي. قم: مؤسسة إسماعيليان.
- الخوانساري، جمال الدين محمد (١٣٦٦ش). شرح غرر الحكم. تصحيح: مير جلال الدين حسيني أرموي محدث. طهران: انتشارات جامعة طهران.
- الخوئي، ميرزا حبيب الله (١٤٠٥ق). منهاج البراعة. طهران: مكتبة الإسلامية.
- الراوندي، قطب الدين (١٤٠٦ق). منهاج البراعة. قم: مكتبة آية الله مرعشي النجفي.
- السيد ابن طاووس (ب.ت). فلاح السائل. قم: مكتبة الإعلام الإسلامي للحوزة العلمية بقم.
- شانه تشي، كاظم (۱۳۸۱ش). دراية الحديث. قم: مكتبة النشر الإسلامي.
- شعار، يوسف (۱۳۸۰ق). تفسير آيات مشكلة. تبريز: شفق.
- الصادقي، محمد (١٤٠٨ق). الفرقان في تفسير القرآن. قم: الثقافة الإسلامية.
- الصوفي التبريزي، ملا عبد الباقي (۱۳۷۸ق). منهاج الولاية في شرح نهج البلاغة. تصحيح: حبيب الله عظيمي. طهران: نشر ميراث مكتوب.
- الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٣٦٣ق). الميزان في تفسير القرآن. قم: مكتبة النشر الإسلامي.
- الطبرسي، أحمد بن علي (١٣٦٨ق). الاحتجاج. النجف: دار النعمان.
- العسكري، السيد مرتضى (١٤١٦ق). القرآن الكريم وروايات المدرستين. قم: انتشارات كلية أصول الدين.
- العياشي، محمد بن مسعود (ب.ت). تفسير العياشي. طهران: مكتبة علمية إسلامية.
- الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٥ش). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
- المازندراني، ملا صالح (ب.ت). شرح أصول الكافي. تعليق: ميرزا أبي الحسن شعراني. ب.م: ب.ن.
- المجلسي، محمد باقر (١٤٠٤ق). بحار الأنوار. بيروت: مؤسسة الوفاء.
- المدرس الوحيد، ميرزا أحمد (ب.ت). شرح نهج البلاغة. قم: ب.ن.
- معين، محمد (۱۳٥٤ش). فرهنگ فارسي. طهران: أمير كبير.
- النقوي القائني، السيد محمد تقي (ب.ت). مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة. طهران: مكتبة المصطفوي.