النماذج التصورية لفضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية في المرويات النبوية بمقاربة دلالية معرفية

الملخص

يعتقد اللسانيون المعرفيون أن أهمية النماذج التصورية، بوصفها جزءًا من آليات اللغة والتفكير، تكمن في قدرتها على توفير بنية للمفاهيم الأكثر تعقيدًا بشكل منهجي، بصفتها مفاهيم أولية متجسدة. لقد عمدت الروايات النبوية، في سبيل تبيين فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية وعواقبها، إلى استخدام النماذج التصورية لتبسيط المفاهيم المجردة إلى مستوى فهم الجميع، خاصة العرب في صدر الإسلام، وأخرجت المعنويات إلى حيز المحسوسات. يهدف هذا البحث إلى دراسة تمثيل النماذج التصورية في مدونة المرويات النبوية (فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية) استنادًا إلى نموذج «النماذج التصورية لإيفانز وغرين» في إطار الدلالة المعرفية. ولهذا الغرض، تمت دراسة النماذج في الروايات النبوية بالمنهج الوصفي التحليلي. وتشير الشواهد إلى أن نماذج القوة، والاحتواء، والتماثل، والحركة، والفضاء، والاتحاد، والتعادل، والوجودية موجودة في نسيج نصوص الأحاديث، وأن النبي (ص) قد عبّر من خلال هذه النماذج عن المفاهيم المجردة لفضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية في قالب العواقب المترتبة عليها وسبل علاجها.

۱. طرح الإشكالية

تُطلق اللسانيات المعرفية على مجموعة من النظريات التي تتناول الأبعاد المعرفية للارتباط اللغوي. وأحد الفروع الرئيسية للسانيات المعرفية هو الدلالة المعرفية. لا تعد الدلالة المعرفية، شأنها شأن اللسانيات المعرفية، نظرية واحدة، بل هي مجموعة من النظريات والمقاربات التي يمكن جمعها تحت مظلة واحدة بناءً على قواسمها المشتركة. تبحث الدلالة المعرفية في العلاقة بين المعنى وإحالته في العالم الواقعي (راسخ مهند، ۱۳۸۹ش، ۲۲). كان لايكوف أول من طرح هذا المصطلح في مقال يحمل العنوان نفسه، وقدم رؤية جذبت العديد من علماء الدلالة. وعليه، فإن المعرفة اللغوية للإنسان ليست مستقلة عن التفكير والإدراك. وفقًا للرؤية التي يطرحها لايكوف للمعنى، يكتسب الإنسان تجارب من العالم الخارجي ويخزنها كمفاهيم في ذهنه، ثم يستخدمها في إقامة التواصل. وعلى هذا الأساس، يصبح التفاعل مع العالم ممكنًا بواسطة البنى المعلوماتية للذهن. إحدى هذه البنى والعمليات المفهومية هي الاستعارة. تاريخيًا، ترتبط الاستعارة ارتباطًا وثيقًا بتصنيف المفاهيم. من وجهة نظر لايكوف وجونسون، تعد الاستعارة أحد العناصر الأساسية والجوهرية في عملية التفكير، وترتبط ببنى أساسية أخرى مثل النماذج التصورية (صفوي، ۱۳۸۷ش، ۳۶۷).

بناءً على فهم عام للاستعارة، فإن الاستعارة هي مجاز لغوي قائم على علاقة المشابهة، والغرض منها هو بيان هذه المطابقة بين شيئين، والمبالغة، وخلق اللذة، وزيادة الفصاحة، ونقل عاطفة معينة إلى المخاطب. ويمكن تحديد خمسة مكونات لهذا الفهم التقليدي للاستعارة، والتي حظيت بقبول عام من قبل أنصارها: ۱. الاستعارة من خصائص الكلمات؛ أي أنها ظاهرة لغوية. استعارة «الأسد» لرجل شجاع هي تعبير لغوي. ۲. الهدف من استخدام الاستعارة هو تحقيق غاية فنية أو بلاغية. ۳. تقوم الاستعارة على التشابه بين شيئين يُشبّه أحدهما بالآخر ويُدّعى أنهما شيء واحد (أي أن بينهما هوية). يجب أن يكون للرجل الشجاع خصائص مشتركة مع الأسد حتى يمكن استعارة كلمة «الأسد» له. ۴. الاستعارة ناتجة عن استخدام واعٍ ومقصود للكلمات، ويجب أن يتمتع الفرد بموهبة خاصة ليتمكن من استخدام الاستعارة أو إجادة استخدامها. ۵. الاستعارة ليست شيئًا نحن مجبرون على استخدامه؛ بل هي صناعة أدبية يمكن صرف النظر عن استخدامها. طرح لايكوف وجونسون رؤية جديدة حول الاستعارة تحدت جميع جوانب الفهم التقليدي لها. في عام ۱۹۸۰، ألفا كتابهما بعنوان «استعارات نحيا بها». وقد عُرف فهمهما للاستعارة بـ«الرؤية اللسانية حول الاستعارة»، وقالا: ۱. الاستعارة من خصائص المفاهيم لا الكلمات. ۲. وظيفة الاستعارة هي أنها تسبب فهم بعض المفاهيم بشكل أفضل، وليس هدفها مجرد تحقيق اللذة أو زيادة الفصاحة. ۳. الاستعارة في معظم الحالات لا تقوم على علاقة المشابهة. ۴. يستخدم الناس العاديون الاستعارة بسهولة في حياتهم اليومية، وليس صحيحًا أن فئة خاصة فقط تستخدمها. ۵. ليس صحيحًا أن الاستعارة مجرد صناعة أدبية لتزيين الكلام؛ بل هي أمر لا مفر منه في عملية التفكير البشري (Kovecses, 2002, viii).

إن ما يجعل نظرية استعارة لايكوف وجونسون فريدة من نوعها هو التمييز الذي يقيمانه بين الاستعارات المفهومية والاستعارات اللغوية. يُقصد بالاستعارات المفهومية معتقدات مجردة مثل «الجدال حرب»؛ في حين أن الاستعارة اللغوية هي العبارات اللغوية التي يتم التعبير عنها بناءً على هذا النوع من المعتقدات، وهي في الواقع تعبير عن ذلك المعتقد نفسه. بناءً على هذه النظرية، تكون الاستعارة في جوهرها مفهومية لا لغوية. اللغة الاستعارية هي مجرد مظهر خارجي للاستعارة المفهومية التي ترتدي ثوب الألفاظ. الاستعارة المفهومية هي إسقاط منهجي للمجالات المفهومية على بعضها البعض: حيث يُسقط مجال تجريبي يسمى «المجال المصدر» على مجال تجريبي آخر يسمى «المجال الهدف». أحد الاكتشافات الرئيسية للايكوف وجونسون هو أن الناس يستخدمون التعبيرات الاستعارية بطريقة منهجية؛ لأن المفاهيم الاستعارية منهجية (Yu, 1998, 14). حتى بين المعاني المختلفة لكل حرف إضافة، يوجد ارتباط منسجم ومنهجي، ونحن في الواقع نواجه تعددًا معنويًا منهجيًا؛ في حين أنه قبل اللسانيات المعرفية، كانت دلالات حروف الإضافة مهملة، وفي الآثار الكلاسيكية للغة العربية، كانت معاني الحروف تُقدم في صورة قائمة من المعاني والاستخدامات دون ملاحظة ارتباط منهجي بينها (إيماني، ۱۳۹۵ش، ت). من وجهة نظر لايكوف، الجسد هو الذي يتيح إمكانية التعقل، والإنسان بدون تجربة جسده غير قادر على التفكير والتعقل (Yu, 1998, 22).

من بين أبلغ الخطباء الذين جرت في جسد كلماتهم روح جديدة، وذاع صيت كلامهم النافذ حتى يومنا هذا، شخصية النبي الأكرم (ص) السامية. قال (ص): «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» (صدوق، ۱۳۷۸ق، ۱: ۲۱۷)، و«أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۱۶: ۲۱۰)، و«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (نفس المصدر). من أبرز خصائص الروايات النبوية أنها تجلت في كلام النبي (ص) لتقريب أذهان المخاطبين، حيث تم تجسيد المعارف العميقة والأفكار الملكوتية، ومنها المفاهيم الأخلاقية، في قالب مجموعة من المفاهيم العينية القائمة على النماذج التصورية.

الإسلام دين اجتماعي، حتى أحكامه الفردية تُستخدم في سبيل إصلاح العلاقات الاجتماعية وتقوية أهداف القرآن. لهذا السبب، لم يكن هدف النبي (ص) بناء الفرد فحسب، بل كان هدفه الأكبر والأقدس هو تهيئة الأرضية لـ«مجتمع محوري» تُبنى أخلاقه الاجتماعية على أساس أحكام الدين. ونظرًا لأهمية الموضوع، سيتم بحث النماذج التصورية الموجودة في الروايات النبوية (فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية) على أساس نموذج «النماذج التصورية لإيفانز وغرين» من منظور الدلالة المعرفية؛ إذ إن معرفة وظيفة النماذج التصورية في الروايات النبوية يمكن أن تكون منهجًا علميًا في تحليل وفهم دقائق مفاهيم الروايات، وتساعد باحثي الحديث والمحققين في الوصول إلى مقصود المتكلم وكشف بطون ومعاني النص.

بناءً على ذلك، تُطرح هذه الأسئلة:

۱- ما هي النماذج التصورية المستندة إلى نموذج إيفانز وغرين بمقاربة دلالية معرفية في الروايات النبوية (فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية)؟

۲- في أي موضوعات الأخلاق الاجتماعية تم تطبيق الدلالة المعرفية للنماذج في دراسة الحديث النبوي؟

لم يُجرَ حتى الآن أي بحث حول النماذج التصورية في متن الروايات النبوية (فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية) بمقاربة دلالية معرفية استنادًا إلى نموذج إيفانز وغرين.

۲. النماذج التصورية وأنواعها

النماذج التصورية هي مخططات لتجارب الإنسان تتصور في ذهنه وتترسخ فيه. هذه النماذج لا تحتوي على تفاصيل، بل هي مفاهيم مجردة وتحمل أنماطًا من تجارب الإنسان المتكررة التي لها طبيعة متجسدة. إن حقيقة أن الإنسان يتحدث بسهولة عن المفاهيم المعقدة والمجردة تعود إلى أنه يقيم تماثلًا بين الظواهر والأحداث العينية والظواهر المجردة. لذلك، فإن النماذج المذكورة هي انعكاس للتجارب الجسدية التي تُكتسب بمرور الزمن، وبالتالي فإن تشكلها هو نتاج مجموعة من إدراكات الإنسان لمحيطه.

يعرّف إيفانز وغرين النماذج التصورية بأنها مجموعة فرعية من «التجسيد والبنية المفهومية»، ويستخدمان أصلين أساسيين في الدلالة المعرفية لوصف نظرية النماذج التصورية، ويربطان هذين الأصلين ببعضهما البعض: ۱. الفرضية القائلة بأن البنية المفهومية مشتقة من التجسيد، والتي تسمى «فرضية التجسيد» وتتوافق مع نظرية جونسون[2]. ۲. الفرضية القائلة بأن البنية الدلالية تعكس البنية المفهومية، والتي تسمى «فرضية الإدراك المفهومي» وتنسجم مع نظرية تالمي[3] (Evans & Green, 2006, 179). وقد قدما قائمة مؤقتة للنماذج التصورية، أي أنهما صنفا النماذج في فئات عامة حسب طبيعتها المعرفية وأساسها التجريبي على النحو التالي: نموذج القوة (القدرة)، نموذج التماثل، نموذج الانتقال (الحركة)، نموذج الفضاء، نموذج الاتحاد، نموذج التعادل (التوازن)، ونموذج الشيء (الوجودية).

۳. فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية

الأخلاق جمع خُلُق، وتعني الصفة النفسانية أو الهيئة الراسخة التي تصدر عن الإنسان بسببها حالة نفسانية، وأفعال، وسلوكيات، وأقوال دون تفكير. وبهذا المعنى، تنقسم الأخلاق إلى فضيلة ورذيلة. تتحدث القضايا الأخلاقية عن الحسن والقبح، والواجبات والمحظورات، والصفات الحسنة والسيئة للأفعال والسلوكيات البشرية. كل صفة وفعل يساعد الإنسان في الوصول إلى كماله النهائي يُعد فضيلة (سادات، ۱۳۷۳ش، ۳۳). يجب على البشر لكبح غرائزهم وشهواتهم الجامحة بالعقل، وسلوك طريق الإنسانية للوصول إلى منزلة الملائكة أو حتى أسمى منها؛ ولكن إذا تغلبت القوى الحيوانية على العقل وسيطرت على وجود البشر، يصبح وجود الإنسان ساحة لتاثيرات النفس، وتلقي الرذائل الأخلاقية بظلالها وظلمتها وفسادها ظاهرًا وباطنًا، وتجعل دنياه وآخرته بلا نظام (نراقي، ۱۳۷۹ش، ۲۲).

تنقسم الفضائل والرذائل الأخلاقية إلى فرعين: الأخلاق الفردية والأخلاق الاجتماعية. تُطرح الأخلاق الفردية في علاقة الإنسان بنفسه وخالقه، أما الأخلاق الاجتماعية فهي صفات تنتج عن علاقة الفرد بالمجتمع (رمضاني، ۱۳۸۳ش، ۳۷). الأخلاق الفردية هي القيم الأخلاقية المتعلقة بحياة الأفراد بمعزل عن علاقتهم بالآخرين؛ مثل فضائل الصبر، والحكمة، والتوكل، والإخلاص، وعزة النفس… ورذائل الشره، والعجلة… بينما يُراد بالأخلاق الاجتماعية؛ القيم والقيم المضادة الحاكمة على علاقة الفرد بالآخرين؛ مثل المعاشرة الحسنة، والإحسان، والحسد… (علي زاده، ۱۳۸۹ش، ۲۲ – ۲۳).

في التفريق بين الأخلاق الفردية والاجتماعية، لا يمكن إنكار أن للأخلاق الفردية تأثيرًا غير مباشر على القضايا الاجتماعية، ولكن في الحياة الاجتماعية؛ تصبح القوانين والأنظمة والآداب الخاصة ضرورية، وكثير منها لا يُطرح في الحياة الفردية. تعود كثير من المبادئ الأخلاقية إلى العلاقات الاجتماعية الخاصة للإنسان مع الآخرين. وعلى الرغم من أن للأخلاق الفردية حصة كبيرة في علم الأخلاق، فإن للأخلاق الاجتماعية وزنًا أثقل، وشخصية الإنسان تدور حول محورها أكثر. من طرق ترسيخ الأخلاق والفضائل الأخلاقية في المجتمع، توعية المجتمع وتثقيفه بشأن الفضائل والرذائل الأخلاقية وآثارها ونتائجها، ومحاربة الصفات السيئة، وتطهير القلب من الأخلاق الذميمة بالتوجه إلى روايات المعصومين (ع).

۴. عرض وتحليل البيانات في المرويات النبوية (فضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية) بالاعتماد على النماذج التصورية

في هذا القسم من البحث، ومن خلال دراسة المرويات النبوية، يتم بيان تمثيل النماذج التصورية في معنى هذه الروايات. لقد قام رسول الله (ص) في سياق تعاليمه الأخلاقية وبيان فضائلها ورذائلها، بالتعبير عن كثير من المفاهيم المجردة في قالب مجموعة من المفاهيم العينية القائمة على النماذج التصورية، لتكون محسوسة وملموسة للجميع، خاصة عرب ذلك الزمان، وبهذه الطريقة يزرع بذور الشوق والرغبة في الخير والطهارة في قلوب الناس، ويُزهر أزهار الأخلاق الفاضلة العطرة في أرض وجودهم، ويحذرهم من تلوثات الأخلاق.[1]

۱-۴. نموذج الترابط (الاتحاد)[2]

يتصور الإنسان الاتحاد في ذهنه من خلال تجربة حياته الاجتماعية وحياة الكائنات الأخرى الجماعية، وملاحظة العلاقات القائمة بينها وكيفية ترابطها وتواصلها. من الخصائص البارزة للروايات النبوية، النماذج الجذابة التي خلق فيها النبي (ص) ترابطًا موجودًا في الظواهر الفيزيائية والطبيعية ونسب هذه الارتباطات إلى المفاهيم المجردة التي تفتقر إلى هذه الخاصية. يوجد هذا النموذج[3] بناءً على تصنيف إيفانز وغرين في الروايات النبوية في صورة اتحاد (صيرورة واحدة)[4] وجزء-كل[5].

۱-۱-۴. ترابط الأثر التخريبي للكلام بتلوث ماء البحر

إذا كان الإنسان يرغب في مجتمع سليم ويريد أن يعيش في حياته الاجتماعية الدنيوية هانئًا وبعيدًا عن الاضطرابات المدمرة، فإن الخطوة الأولى في طريق السعادة هي أن يرجع إلى نفسه وينظف أشواك وشوائب الأخلاق الرذيلة من أرض قلبه؛ لأنه طالما سيطرت الرذائل الأخلاقية على النفس، فإنها لا تسمح للمحاسن بالظهور (أمين، بي تا، ۱۸). بناءً على المبادئ الدينية، تُعتبر الغيبة خلقًا شاذًا ينشأ عن الاستخدام الخاطئ للسان ويسبب أضرارًا جسيمة في العلاقات الإنسانية؛ لذا، فإن أحد الأوامر المؤكدة في الإسلام هو النهي عن «الغيبة». الغيبة في اللغة تعني «أن تذكر الإنسان بعيب فيه دون أن تكون هناك حاجة لذكره» (راغب أصفهاني، ۱۳۷۴ش، ۲: ۷۲۴). بحسب أنواع العيوب المختلفة، فإن دائرة الغيبة واسعة جدًا. من أهم مواردها ذكر عيب جسدي في الشخص الغائب. نُقل عن عائشة أنها قالت للنبي (ص): «حسبك من صفية أنها كذا وكذا -وتعني أنها قصيرة القامة-» فقال النبي (ص): «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»[6] (أبوداوود، بي تا، ۲: ۴۵۰)؛ كلمة «مَزَجَتْ» في اللغة تعني «شيء ممزوج» (فراهيدي، ۱۴۰۹ق، ۱: ۷۱). بناءً على سياق العبارة، يُفهم المفهوم المجرد «الغيبة» من كلمة «كلمة». حرف الجر «اللام» يدل على التعليل، ومرجع الضمير «ها» في «مَزَجَتْهُ» هو ماء البحر. بطبيعته، ماء البحر طهور، ولا يمكن لأي شيء أن ينجسه أو يغير رائحته أو طعمه أو لونه. استفاد النبي (ص) في الشاهد المذكور من هذه الظاهرة الطبيعية واعتبر «الغيبة» بمثابة مادة فاسدة شديدة التلويث لدرجة أنها لو اختلطت بماء البحر للوثته؛ وبهذه الطريقة، من خلال إسراء هذه الخاصية إلى المفهوم المجرد للغيبة، ولإدراك شدة الفساد الناتج عن ترابط الغيبة مع المجتمع، استخدمها وصوّر قبحها للمخاطبين، وباستخدام نموذج الاتحاد (الصيرورة الواحدة) إلى جانب نموذج الوجودية في متن الرواية، تسبب في خلق المعنى. يقول النووي: «هذا الحديث من أشد ما ورد في النهي عن الغيبة، وما أعلم في السنة كلمة في ذم الغيبة أبلغ من هذه» (النووي، بي تا، ۳۳۷). شاهد آخر: «الترابط الوثيق بين قرينين وفيين (الحياء والإيمان)» (رضي، بي تا، ۱۰۵-۱۰۶). «ترابط الرَّحِم والرحمن» (الإربلي، ۱۳۸۱ق، ۱: ۵۵۳).

۲-۴. نموذج الاحتواء (الظرفية)[7]

عندما يكون الإنسان في أماكن ذات حجم، فإنه يعتبرها أوعية ويخلق صورة لها في ذهنه، ويستخدمها أيضًا لبعض المفاهيم المجردة. في الحياة اليومية، نعبر عن العديد من المفاهيم باستخدام حروف الجر مثل: خارج، خارج من، داخل، إلى داخل، وغيرها، وكلها تتعلق بهذا النموذج[8] (Evans & Green, 2006, 180). استخدم النبي (ص) أحيانًا تجارب الحياة والمفاهيم المحسوسة لجعل المفاهيم الأخلاقية أكثر عينية. لقد اعتبرها بمثابة وعاء ومحتوى، وصورها بطريقة ملموسة للمخاطبين. هذا النموذج، بناءً على تصنيف إيفانز وغرين، يأتي بصورة حجم (وعاء)[9]، ممتلئ-فارغ[10]، وداخل-خارج[11] في الكلام النبوي.

۱-۲-۴. اتباع الشهوة وخروج روح الإيمان

الإيمان والثقافة الدينية هما سند قوي وموثوق يحصن المجتمع من الكثير من الانحرافات الفكرية والعملية، شريطة أن يكون الفرد ثابت القدم في إيمانه؛ لأن الإيمان يوضع في قلوب المؤمنين بصورتين: مستقر ومستودع؛ أي أن فطرة بعض المؤمنين معجونة بالإيمان ولا ينفصل عنهم أبدًا؛ أما البعض الآخر من المؤمنين فإيمانهم عارية وقد يفقدون إيمانهم في الحوادث والامتحانات ويرتكبون فعلًا قبيحًا (الكليني، بي تا، ۲: ۱۴۵-۱۴۸). من ذلك، عند غلبة الشهوات التي يطلق لها العنان، ودون اعتبار للدين والأخلاق والمقام الإنساني، يتبع هواه النفسي وإرضاء هذه الرغبة، مما يترتب عليه عواقب اجتماعية وخيمة؛ لذا، فإن الإسلام يعادي بشدة هذا الفعل القبيح (الزنا) ليحفظ المجتمع من اختلاط الأنساب، والجناية على النسل البشري، وتدمير بيئة الأسرة، وفي الوقت نفسه، فتح الله باب التوبة للمذنب. ورد في كلام النبي (ص): «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ… فَإِذَا أَقْلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ»[12] (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۶۶: ۱۲۱)؛ في هذه الرواية، وبناءً على التجربة الفيزيائية للوجود في مكان، يُنظر إلى «الرجل» على أنه وعاء يكون «الإيمان» محتواه؛ ولكن عندما يرتكب الشخص الفعل القبيح «الزنا»، يخرج الإيمان من الوعاء (الزاني). استخدام حرف الجر «من» مع الفعل الحركي «خرج» يدل على أن الوجهة خارج هذا المكان والحركة من الحجم إلى الخارج. المعنى اللغوي للفعل «أقلع» هو «كفّ». مرجع الضمير «ه» في «إليه» هو «الرجل»، وحرف الجر «إلى» مع الفعل الحركي «رجع» يدل على أن وجهة الإيمان داخل هذا المكان «الرجل». أي عندما يكف الشخص عن فعل الزنا القبيح (لم يعد يرتكب هذا الفعل القبيح)، يعود الإيمان مرة أخرى ككائن حي متحرك إلى المكان الذي كان فيه سابقًا. لقد نقل النبي (ص) في هذه الرواية ببراعة خاصة مفهوم الخروج من الوعاء والدخول إليه، ومن ناحية أخرى أظهر وعاءً فارغًا وممتلئًا بالإيمان؛ وهكذا، باستخدام أنواع نماذج الظرفية، إلى جانب النموذج الحركي (المصدر – الوجهة)، ساعد في خلق المعنى، وضمن إظهار عواقب فعل «الزنا» القبيح، رسم أيضًا عودة الإيمان بسبب التوبة للمخاطبين، وخلق هذا الأمل في قلوب المخطئين بأن باب التوبة مفتوح لهم. أمثلة أخرى: «كظم الغيظ عامل ملء القلب بالأمن والإيمان» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۶۸: ۴۱۰)، «الحياء لباس الإسلام» (صدوق، ۱۴۰۳ق، ۴: ۳۶۲) وغيرها…

۳-۴. نموذج القوة (القدرة)[13]

أحيانًا يواجه الإنسان في حياته شخصًا أو شيئًا يعارضه، وعمومًا في مواجهة هذا العائق، تكون لديه ثلاثة خيارات: إما أن يبقى خلف العائق وغير قادر على الحركة، أو أن يمر من منتصف العائق أو جانبه ويواصل طريقه، أو أن يزيل العائق من طريقه (Johnson, 1987, 42-48). يستفيد النبي (ص) في بيان الموضوعات الأخلاقية أحيانًا من الأنماط المسبقة في ذهنه، المستمدة من تجربة وجوده أو الأشياء المحيطة به تحت تأثير قوة خارجية أو سلوكيات فيزيائية في مواجهة العوائق. هذا النموذج، بناءً على تصنيف إيفانز وغرين، موجود في كلام النبي (ص) بصورة سد (عائق)[14]:

۱-۳-۴. الصدقة مطفئة للغضب

الغضب من منظور الأخلاق الإسلامية من المهلكات الخطيرة، وهو عبارة عن حالة نفسانية تسبب حركة روحية حيوانية، وإذا اشتدت، تسبب حركة شديدة ينتج عنها حرارة مفرطة، وتنتفخ عروق العنق، وينطفئ نور العقل، ويضعف أثر القوة العاقلة، ولهذا السبب لا تؤثر الموعظة في الإنسان الغضبان، بل إن النصح يزيده غضبًا (نراقي، ۱۳۷۹ش، ۲۲۵). هذا الخلق المذموم يتجلى أحيانًا في صورة جنون وفقدان أي سيطرة على الأعصاب، ويصبح منشأ لخسائر فادحة في المجتمع ويوجب غضب الله.

في رواية عن الإمام الصادق (ع) ورد أن عيسى (ع) قال: أشد الأشياء غضب الله، وللحفظ من غضب الله لا تغضبوا (صدوق، ۱۳۸۲ش، ۱: ۱۷). وفي كلام النبي (ص) ورد: «إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ…»[15] (الإربلي، ۱۳۸۱ق، ۲: ۱۰۰) و«إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ»[16] (ابن حيون، ۱۳۸۵ق، ۲: ۳۳۱). «الصدقة» مشتقة من «صدق»، وتعني في اللغة إخراج المال بقصد التقرب إلى الله، وهي نوع من إظهار صدق إيمان المؤمن (راغب أصفهاني، ۱۳۷۴ش، ۲: ۳۸۷). يبذل المؤمن أحيانًا من ماله وأحيانًا من ثرواته الأخرى في سبيل الله. من خلال وضع هذه الروايات جنبًا إلى جنب، يتضح أن الصدقة تسبب إطفاء غضب خلق الله، وبالتالي يكون في مأمن من غضب الرب. على الرغم من أن الصدقة في العرف تطلق غالبًا على الأمور المالية، إلا أنه في الأحاديث المذكورة، وبناءً على سياق العبارة والرجوع إلى روايات المعصومين الآخرين (ع)، تُفهم مفاهيم «العفو، والحلم، وكظم الغيظ» من الصدقة. ومن منظور الإسلام أيضًا، «كل عمل صالح صدقة» (ابن حيون، ۱۳۸۵ق، ۲: ۳۲۰).

بناءً على نموذج إيفانز وغرين، يمكن رؤية أثر عائق (سد) في الروايات المذكورة. كل ممنوع يعني «عائق». لقد ساعد النبي (ص) من خلال نموذج القوة من النوع الأول، أي المواجهة المادية مع عائق خارجي والوقوف خلف العائق والتوقف عن الحركة، وتطبيقه إلى جانب نماذج الوجودية والتماثل، في خلق المعنى وفهم المفهوم المجرد (الصدقة والغضب). وذلك من خلال التجربة المكتسبة من الظواهر المادية وملاحظة وفهم العائق المادي وتجسيد الصدقة والخطأ (الغضب)، حيث اعتبرهما بمثابة الماء والنار. كلمة «كما» تدل على نوع من التناظر. تم استخدام المفهوم المحسوس «الماء والنار» كمجال مصدر لفهم مجال المقصد (الصدقة والغضب). إحدى طرق إطفاء النار هي أخذ حرارتها؛ ولهذا السبب يصب الماء على النار. يمتص الماء حرارة المواد المشتعلة ويخفض درجة حرارة الأجسام؛ وبمجرد أن تنخفض درجة الحرارة عن درجة الاشتعال، تتوقف المواد القابلة للاحتراق عن الاحتراق. الغضب أيضًا مثل قطعة من النار المشتعلة في كيان الإنسان، وأحيانًا تشتعل شرارة منه مثل البارود، ولكن عندما تصطدم نار الغضب بعائق الصدقة، فإن ماء الصدقة الصافي يكبح نار الغضب؛ وبالتالي يبقى الغضب خلف العائق ويتوقف عن الحركة. شواهد أخرى: «الغيبة مدمرة لدرع الصوم الدفاعي “الصمت”» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۹۳: ۲۹۶)، «الإيمان ساد للغارة الليلية» (نفس المصدر، ۴۴: ۳۴۴).

۴-۴. نموذج الانتقال (الحركية)[17]

يعتبر الإنسان للعديد من الظواهر المجردة مسارًا للحركة، مع نقطة بداية (مصدر) ونقطة نهاية (مقصد). يُطرح عامل الزمن بشكل صريح أو ضمني، ويُؤخذ مسار الحركة في الاعتبار عند تشكيل هذه البنى اللغوية. قدم إيفانز وغرين هذا النموذج كمراعاة لمبدأ الاقتصاد والالتزام بالتعميم (Evans & Green, 2006-90)؛ وفي كلام النبي (ص) أيضًا، يُلاحظ أن المفاهيم المجردة قد مُنحت حركة، ومن خلال تطبيق المفاهيم الأخلاقية على المفاهيم العينية، قُدمت صورة ملموسة منها.

۱-۴-۴. تمرة أعظم من جبل

من الفضائل الأخلاقية «السخاء». السخاء من جذر «سخو» ويعني في اللغة الجود والعطاء (الفراهيدي، ۱۴۰۹ق، ۴: ۲۸۹). وفي الاصطلاح هو ملكة البذل والعطاء للمستحقين دون قصد أو غرض (النراقي، ۱۳۷۹ش، ۶۸). يتجلى السخاء بأشكال مختلفة منها الإنفاق في المجتمع. الإنفاق في دين الإسلام ناظر إلى تلبية احتياجات الآخرين في الأبعاد العاطفية والمادية، وهو وديعة إلهية من العرش الكبرياء للإنسان الترابي، حيث ينظر الإنسان من جهة إلى الوجود الإلهي، ومن جهة أخرى إلى خلق الله. على الرغم من أن «الإنفاق» في ظاهره يُنقص من ممتلكات الإنسان المادية، إلا أنه في باطنه يسبب ارتقاء الروح المعنوية، والخير، والبركة، والسعادة الأخروية. ورد في رواية نبوية: «… وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ» (مسلم بن حجاج، بي تا، ۳: ۸۵)؛ في هذا الحديث، يُظهر حرف الجر «في» أن يد الله الرحمن هي بمثابة وعاء للإنفاق، والمحتوى (الإنفاق: نبتة التمر) ينمو داخل يد الله تعالى.

لقد اختار النبي (ص) في هذه العبارة خطابًا يبدو وكأنه مخطط لمسار حركي، وله نقطة «أ» ونقطة «ب» على مستوى عمودي، ومجموعة من النقاط المكانية المجاورة التي تربط هاتين النقطتين. التمرة (الصدقة) بصفتها سالكًا متحركًا تبدأ في النمو من نقطة البداية «أ». تقطع المسار (المرزنما)، وعندما تتوقف عن الحركة، تكون في نقطة مختلفة عن النقطة التي بدأت منها الحركة، والتي تسمى نقطة المقصد (ب). تُحدد نقطة المقصد (نهاية المسار) بأنها أعلى من الجبل. يُطرح الزمن خلال هذا النموذج بشكل ضمني لعبور المسار. حرف «حتى» يحدد نهاية الزمان والمكان؛ أي عندما تتوقف هذه الحركة وتصل نبتة (الإنفاق) إلى نقطة المقصد، والتي تكون أكبر من الجبل. في هذه العبارة، من خلال الدلالة المعنوية للفعل «تربو»، تُقدم صورة متحركة وديناميكية للمفهوم الذهني (الإنفاق)، ونمو وزيادة الإنفاق في سبيل الله بمكونات عينية ومكتسبة من تجربة (نمو نبتة التمر)، قد تم رسمها في قالب النموذج الحركي (المصدر – المسار – المقصد) إلى جانب نموذج الحجم في متن الرواية. سبب استخدام حرف «في» بدلاً من حرف «على» هو أن حرف «في» يدل على الظرفية ويستند إلى تصور خاص ويؤدي وظيفة مهمة لا يستطيع حرف «على» أداءها. لم يرد النبي (ص) أن يبين الموقع المقابل فقط، بل أظهر أيضًا نوع الوجود فيه من خلال تصور خاص. وبما أن «في» يدل على الظرفية ويحصر المحتوى بداخله، يبدو أن مقصده كان إظهار أن حركة سالك المسار (الإنفاق) داخل المرزنما، وبهذه الطريقة يرسم للمخاطبين كون يد الله محيطة بالإنفاق وحصره وحفظه وادخاره في هذا النطاق، ويبين الثواب العظيم الإلهي للإنفاق بطريقة تجعل الإنسان لا ينظر إلى الإنفاق على أنه خسارة لرأس المال، بل يعتبره رأس مال وفيرًا وربحًا عظيمًا يكون زاد دنياه وآخرته، وبمشاهدة كل هذا الثواب العظيم مقابل عمل بسيط، يعرف فائدة الجود. والجدير بالذكر أن التمثيل المركب للنموذجين الحركي والحجمي في متن الرواية، من ناحية، يحيي روح الإيثار والاهتمام بشؤون عباد الله في وجدان كل واعٍ، ومن ناحية أخرى، يصور رحمة الله الواسعة. أمثلة أخرى: «اتباع الشهوة وخروج روح الإيمان» (الكليني، بي تا، ۲: ۱۴۵-۱۴۸)، «حركة الخير والبركة إلى منزل المطعم» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۷۱: ۳۶۲) وغيرها…

۵-۴. نموذج الفضاء[18]

يرسم الإنسان لنفسه فضاءً ذهنيًا من خلال النظر إلى موقعه ومكان وجوده وقياسه بالآخرين والظواهر المحيطة به. باستخدام هذه الصورة الذهنية، يمكنه رسم موقع الظواهر بالنسبة لبعضها البعض بأشكال مختلفة. هذه الاتجاهات ليست تعاقدية أو اعتباطية؛ بل تتشكل بناءً على التجارب الفيزيائية والثقافية للبشر (Lakoff & Johnson, 1980, 14-18). استفاد النبي (ص)، بناءً على التجارب الفيزيائية والثقافية للناس، وخاصة عرب صدر الإسلام، من الاتجاهات الفضائية (المكانية) «يمين، أعلى، بعيد، و…»، بالصور التي يخلقونها في الذهن كمجال إدراكي مصدر، لإقامة الانسجام في النظام المفهومي وفهم أفضل للمفاهيم المعقدة مثل «الخير والشر، المنزلة، السوء والقبح …»، وبالتالي خلق مفهوم وإدراك جديد. هذا النموذج، بناءً على تصنيف إيفانز وغرين، موجود في الروايات النبوية بصورة يسار-يمين[19]، أعلى-أسفل[20]، قريب-بعيد[21]:

۱-۵-۴. الصدقة في يمين الله

أحد أشكال السخاء الأخرى في المجتمع هو الصدقة. تطلق الصدقة في عرف المجتمع غالبًا على المساعدة المادية. يمكن حل العديد من المشاكل الاجتماعية بالصدقة، ويمكن الحصول على العديد من البركات بالصدقة. أحد الآثار الاجتماعية المهمة للصدقة هو سداد ديون المعسر، مما يحفظ ماء وجهه. يجب أن يعلم الإنسان في يد من تقع الصدقة حتى لا يؤذي أو يمنّ على من يتلقاها، وإذا أعطاها بتواضع للسائل المؤمن، فقد تواضع لربه؛ قال النبي (ص): «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ…»[17] (السيوطي، ۱۴۰۱ق، ۱: ۲۹۲). أكد النبي (ص) أولًا بالجملة الاسمية، وحرف التوكيد «إنّ»، والفعل «يقبل» أن الله يقبل الصدقة، ثم حدد جهة اليد: «يأخذها بيمينه». كلمة «يمين» في هذه العبارة تعني «اليد اليمنى»، والضمير «ها» يعود إلى الله. يبدو أن سبب استخدام «باء الاستعانة» والتأكيد على تلقي الصدقة باليد اليمنى لله هو أن صورة «الصدق والصواب» في ذهن الإنسان تميل إلى اليمين؛ وعلى هذا الأساس، فإن وجود الله تعالى له بنية مكانية، وكلمة «يمين» هي صورة جسدية تقع في الجانب الأيمن من هذا المكان، وتُعتبر يد الله اليمنى بمثابة وعاء تكون الصدقة (كعمل صالح وصحيح) محتواه، ومن خلال الدلالة المعنوية للأفعال الحركية «يقبل: يأخذ» و«يأخذ: يمسك» تُقدم صورة متحركة وديناميكية للمفهوم الذهني «يد الله اليمنى» كمجال مقصد. وبهذه الطريقة، جعل رسول الله (ص) باستخدام نموذج الاتجاه الأيمن، إلى جانب النماذج الحركية (المقصد) والحجمية في متن الرواية، المفهوم المعنوي «التصدق في سبيل الله» ملموسًا، وجعل أتباع مدرسة الوحي متواضعين أمام المحتاجين، الذين هم في الحقيقة ممثلو الله، وأيديهم هي يد الله اليمنى، وأمر بمراعاة شرط الأدب في دفع الصدقة لهم.

۲-۵-۴. عائد المريض على مخارف الجنة

أحد تجليات الأخلاق الاجتماعية هو «عيادة المريض». الشخص الذي يمرض ينتظر زيارة أصدقائه وأقاربه وسؤالهم عن حاله. من تعاليم الإسلام المهمة أيضًا كيفية عيادة المريض، ويوصى باستخدام كلمات تبعث على الأمل عند العيادة، حتى لو كان المرض عضالًا أو لا علاج له. زيارة المريض تزيد من الصداقة وتزيل الكدر؛ كما أنها تجلب ثوابًا أخرويًا كبيرًا. أثنى النبي (ص) على عائد المريض فقال: «عَائِدُ الْمَرِيضِ عَلَى مَخَارِفِ الْجَنَّةِ»[22] (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۷۸: ۲۱۶). «مخارف» جمع «مخرف» وهو بستان من النخيل، وفي الحديث المذكور يعني نخلًا يُجنى منه ثمره (الطريحي، ۱۳۷۵ش، ۵: ۴۴). الشاهد المذكور هو تمثيل لنموذج الاتجاه العلوي. ما هو قيّم في محتوى الرواية النبوية، يتم تصوره في مرتبة مكانية عليا. في دين الإسلام، تُعتبر عيادة المريض عملًا صالحًا، ومثل هذا الشخص يتمتع بمنزلة رفيعة. استخدم النبي (ص) حرف الجر «على» الذي يدل على الاستعلاء لرفع شأن العمل الصالح، لكن هذا الرفعة ليست مكانية؛ بل هي رفعة معنوية، والمقصود بها العظمة والمنزلة، وتدل على هذا المفهوم وهو أن «منزلة عائد المريض عالية»؛ وبهذه الطريقة، تم تصور هذا المفهوم المجرد الذي يفتقر إلى الأبعاد الجسدية وخارج إدراك الحواس الخمس؛ بكلمة الاتجاه العلوي في قالب نموذج الفضاء العلوي، وباستخدام تجربة وتعاليم عرب صدر الإسلام، تم رسم عائد المريض فوق نخيل الجنة المليء بالثمار، الذي يتمتع بمواهب وفيرة وهو من أهل السعادة. على هذا الأساس، من خلال خلق صورة ملموسة من المجال المفهومي المقصود (الرفعة المكانية)، يُظهر المفهوم الذهني «الرفعة المعنوية» لعائد المريض.

۳-۵-۴. ابتعاد الملك عن رائحة الكذب النتنة

بُني الخلق والطبيعة على الصدق والحقيقة، وأمر الإسلام المؤكد هو الصدق، إلا في حالات خاصة وظروف قاهرة؛ مثل مداواة المريض… التي أُجيزت في الإسلام وتُعرف بالكذب المصلحي؛ لأن رأس المال الاجتماعي يقوم على الثقة. الثقة بين الأفراد تربط أجزاء المجتمع ببعضها، بينما الكذب يفكك هذا التماسك الاجتماعي، والطبع الباحث عن الحقيقة يرفض الباطل المحض تلقائيًا. الكذب يسبب سوء الظن والقلق في المجتمع، والاعتياد عليه من الكبائر. هذه الرذيلة تحرم الإنسان من رحمة الله في الدنيا والآخرة. قال النبي (ص): «إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ»[23] (السيوطي، ۱۴۰۱ق، ۱: ۱۲۹). كلمة «كَذَبَ» من جذر «كذب: قال كذبًا» وهي نقيض الصدق. تُستخدم في القول والفعل (راغب أصفهاني، ۱۳۷۴ش، ۴: ۶)؛ كلمة «نتن» تعني «رائحة كريهة» (الجوهري، ۱۳۷۶ش، ۶: ۲۲۱۰)؛ في الشاهد المذكور، طالما أن العبد لا يكذب، فهو بمثابة وعاء، والملك هو محتواه. ولكن عندما يرتكب العبد الكذب، فهو بمثابة وعاء كريه الرائحة يبتعد عنه الملك (بصفته سالكًا متحركًا). الخطاب الذي اختاره النبي (ص) في هذه العبارة يخلق في الذهن نموذجًا للحركة في مسار أفقي، يرافقه نموذج اتجاهي للبعد. مرجع الضمير في «به»، هو «الملك». حرف الجر «باء» في هذه الرواية بمعنى «إلى»، واستخدامه مع الفعل الحركي «جاء» يدل على أن الرائحة الكريهة تنبعث نحو «الملك». والدلالة المعنوية للفعل الحركي «تباعد» (ابتعد، نقيض اقترب) (الفراهيدي، ۱۴۰۹ق، ۲: ۵۳) مع حرف الجر «عن» تدل أيضًا على أن وجهة الملك خارج الوعاء الكريه. لقد صوّر النبي (ص) باستخدام نموذج الوجودية واستخدام عبارة «مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ»، الكذب على هيئة جيفة متعفنة في الذهن، مما يسبب ابتعاد الملك عن ذلك المكان، وبهذه الطريقة ساعد في فهم وخلق هذا المفهوم، وهو أن «السوء بعيد»؛ ثم، لرسم شدة هذا البعد في ذهن المخاطب، حدد مقدار هذا البعد ووجهة الملك بمسافة ميل واحد من رائحة الكذب الكريهة. «الميل» في اللغة العربية هو مسافة ليس لها حد معين (ابن سيده، ۱۴۲۱ق، ۱: ۴۲۶). على هذا الأساس، يبتعد الملك عن الكذب أو الشخص الكاذب (كمجال مصدر) مسافات شاسعة. يُلاحظ أن رسول الله (ص) باستخدام أربعة نماذج، منها نموذج الاتجاه للبعد وظاهرة التشخيص في متن الرواية، أنزل المفهوم المجرد «الكذب» إلى مستوى فهم الجميع، ونهى الناس عن هذا الخلق المذموم.

۶-۴. نموذج الشيء (الوجودية)[24]

للأشياء خصائص لا توجد في الكائنات الحية. لا يمكن للأشياء أن تنمو وتتطور. يستطيع الإنسان أن يراها، يشمها، يسمعها، يتذوقها، يلمسها، أو يمتلكها.

۱-۶-۴. النظرة المحرمة سهم مسموم من سهام إبليس

العين نافذة القلب والفكر الإنساني. إذا تعلمنا كيف ننظر، تصبح العين نبع الأمل والإيمان، ونظرتنا عبادة وسببًا للكمال؛ أما إذا وُضع عقل الإنسان تحت تصرف العين، فبالإضافة إلى العواقب النفسية، تكون هناك آثار سيئة أسرية واجتماعية، أهمها: سوء السمعة بين الطرفين، المقارنات الشهوانية، القلق الدائم، وزيادة الإثم؛ لذا، ورد في الآيات والروايات تأكيد كبير على أن يغض الرجال المؤمنون أبصارهم عن النظر إلى غير المحارم. قال رسول الله (ص): «النَّظَرُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ»[25] (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۳۸: ۱۰۱). كلمة «سهم» تعني السهم (شيء يُرمى) (راغب أصفهاني، ۱۳۷۴ش، ۲: ۲۶۹). حرف الجر «من» هو «من البيانية» بناءً على سياق العبارة. ونظرًا لأنه في عصر الجاهلية، كان تلطيخ الشيء بالسم والقتل بهذه الطريقة غير الإنسانية شائعًا ومحسوسًا جدًا لعرب ذلك الزمان، فقد استعان النبي (ص) بنموذج من تجربة وثقافة أهل ذلك الزمان، بالمجال المفهومي العيني «السهم المسموم» (نموذج الشيء) ووصفه، لفهم المجال المجرد «النظرة الملوثة بالحرام»، واعتبره شيئًا مسمومًا، ستكون لإصابته عواقب وخيمة. أمثلة أخرى: «الطمع حجر زلق لا تثبت عليه أقدام العلماء» (ورام، ۱۴۱۰ق، ۱: ۴۹) و«سيف المديح الزائف والتملق قاطع لرقبة الصديق» (نفس المصدر، ۱۸).

۷-۴. نموذج التعادل (التوازن)[26]

تُدرك الحاسة اللغوية للإنسان في مجال التجربة بناءً على الارتباط الفيزيائي والثقافي لمحيط المتحدث. على سبيل المثال، نحن نختبر مفهوم التوازن بين كفتي الميزان وغيره. هذه التجربة هي نتاج مشاهدة وفهم التوازن الفيزيائي بين الظواهر. وقد استخدم رسول الله (ص) أيضًا مشاهدة الظواهر الطبيعية وفهم التوازن والتناسب بينها لتصور الحقائق المعنوية.

۱-۷-۴. التناسب بين الرَّحِم والرحمن

من الفضائل الأخلاقية «صلة الرَّحِم». أحد أسباب توصية الإسلام المؤكدة بصلة الرحم والابتعاد عن قطيعة الرحم هو خلق المحبة والتآلف وتعزيز الروابط الاجتماعية بين أعضاء شبكة القرابة والنسب كأحد المجموعات الفرعية للنظام الكلي. تُستخدم كلمة «رَحِم» استعاريًا عن القرابة وقرب الأشخاص الذين لديهم قرابة نسبية ومن رحم واحدة (راغب أصفهاني، ۱۳۷۴ش، ۲: ۵۷). يقول صاحب كتاب «معراج السعادة»: «رَحِم الشخص هو من يُنسب إلى آخر، وإن كانت النسبة بعيدة جدًا ولا محرمية بينهما، والمقصود بقطيعة الرحم عدم حل المشكلة عند القدرة على ذلك أو أي كلام فظ أو فعل قبيح يؤذيه ويسبب انكسار قلبه» (نراقي، ۱۳۷۹ش، ۴۸۰-۴۸۱). وفي معنى أوسع، الرَّحِم مشتق من الرحمن واسم حقيقة الطبيعة (حسن زاده آملي، ۱۳۷۸ش، ۶۶۷)، وهذه الطبيعة الإلهية تشمل جميع قوى العالم من الأعلى إلى الأسفل، أي من العالم الروحاني إلى العالم الجسماني. قال الله في آيته الكريمة للنبي (ص): «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى…» (الإسراء: ۱۱۰)؛ «ادعوا الله باسم الله أو باسم الرحمن، كلاهما واحد». وفي كلام النبي (ص) في باب أهمية صلة الرحم ورد: «الرَّحِمُ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى»[27] (الإربلي، ۱۳۸۱ق، ۱: ۵۵۳). «شَجْنَةٌ» في اللغة تعني «شعبة أو غصن من كل شيء» (ابن سيده، ۱۴۲۱ق، ۷: ۲۴۵). عبارة «الرَّحِمُ شَجْنَةٌ مِنَ اللَّهِ (الرَّحْمَنِ)»؛ تعني «الرَّحِم مشتق من الله (الرحمن)» (الجوهري، ۱۳۷۶ش، ۵: ۲۱۴۳)، ولهذا السبب يُقال لأغصان الشجرة من حيث تفرعها عن جذع الشجرة «شجنة» (رضي، بي تا، ۱۳۸). حرف الجر «من» هو «من الابتدائية» بناءً على سياق العبارة ويدل على أصل المنشأ. مرجع الضمير «ها» هو أيضًا «رَحِم». لقد استعان رسول الله (ص) لتقريب ذهن المخاطب بالمفهوم المجرد «الرَّحِم»، بالمفاهيم العينية، وباستخدام علاقة الجزء والكل في الظاهرة الطبيعية (الغصن وجذع الشجرة) وتعميمها على الرَّحِم، اعتبرها جزءًا من كل الاسم الإلهي الرحمن؛ أي كما أن الغصن يتفرع من الشجرة، فإن الرَّحِم أيضًا يتفرع من الرحمن، والرحمن هو منشأها وأصلها. لقد تناول النبي (ص) باستخدام توازن غصن وجذع الشجرة واتصال الإنسان بالغصن، موازنة كفتي «وصل الرَّحِم» بـ«وصل الله الرحمن»؛ أي كما أن الاتصال بالغصن يوجب الاتصال بجذع الشجرة، فإن وصل الرَّحِم أيضًا يوجب الاتصال بالله (الرحمن). عكس هذه الموازنة قائم أيضًا؛ بمعنى أن القطع عن الرَّحِم يتناسب مع القطع عن الله الرحمن. لذلك، في الشاهد المذكور، وبناءً على رسم نموذج التوازن والترابط (أعم من الجزء-الكل والاتحاد) في متن الرواية وخلق المعنى، تم تكريم «الرَّحِم».

شاهد مثال: «تناسب الإحسان إلى عبد الله بالإحسان إلى الله» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۶۴: ۶۹، ۷۱: ۳۶۸)، «تناسب إطعام العبد لله وبالعكس» (رضي، بي تا، ۲۰۹).

۸-۴. نموذج التماثل[28]

يواجه الإنسان في حياته دائمًا أشياء وظواهر متشابهة. يمكن أن تكون هذه التشابهات لأسباب مختلفة. وفقًا لمبدأ «س مثل ص»، يتم تبيين مجال مقصد مجرد «س» باستخدام مجال عيني «ص»؛ وبالتالي، فإن الأمر الذي يكون على بنية مفهومية أسهل وتجربة حسية أيسر، يكون هو الموضح للمفهوم الأكثر تعقيدًا. استخدم النبي (ص) لتبيين المفاهيم الأخلاقية المجردة، نموذج التماثل والمفهوم المستخدم في المجال المصدر، المستمد من الأمور المحسوسة، لتسهيل فهم ماهية المجال المقصد المجرد.

۱-۸-۴. حرمة الجار كحرمة الأم

بعد الأسرة، التي هي أصغر وأساس تشكيل اجتماعي للبشر، يمكن للأفراد الذين يصبحون جيرانًا لبعضهم البعض أن يكونوا حماة للبعد الإنساني وضامنين لوحدة المجتمع من خلال الوحدة والمعاشرة والعلاقات العاطفية. يُستفاد من بعض الأخبار أن الجار يمتد إلى أربعين دارًا من أربعة جوانب. حفظ حرمة الجار والاهتمام بقيمه الإنسانية من الواجبات الأخلاقية والوجدانية للجيران. ورد في كلام النبي (ص): «حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ»[29] (الكليني، بي تا، ۴: ۴۹۰). حرف «على» يدل على الاستعلاء ويُستخدم بمعنى الرفع، ولكن ليس رفعًا مكانيًا، بل لغرض الرفع المعنوي؛ مقصود النبي (ص) من استخدامه هو إعطاء الحرمة للجار وبيان هذا المفهوم وهو أن «منزلة الجار عالية»، وكذلك لتقريب عظمة الموضوع وبيان شدة أهميته إلى ذهن المخاطب، باستخدام حرف «كاف التشبيه»، اعتبر حرمة الجار مساوية لحرمة أم الشخص. يحظى الإحسان والبر بالوالدين في الثقافة الدينية بأهمية خاصة. في سور «البقرة: ۸۳»، «الإسراء: ۲۳»، «النساء: ۳۶»، «الأنعام: ۱۵۱»، مباشرة بعد التوحيد وعبادة الله، أُمر بالإحسان إلى الوالدين، وفي «الإسراء: ۲۵» تم التأكيد على احترام وتواضع الوالدين المسنين؛ ولكن بغض النظر عن الأوامر العامة بشأن الاحترام والبر بالوالدين، وردت توصيات مؤكدة بشكل مستقل بشأن الأم. قال الإمام الصادق (ع): جاء رجل إلى رسول الله (ص) وسأل: «يا رسول الله، من أبر؟» قال (ص): «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أمك». قال: «ثم من؟» قال: «أباك» (الكليني، بي تا، ۳: ۲۳۳). ومن أراد أن يتجاهل هذه الحرمة أو يستهين بها، فهو آثم. في الشاهد المذكور، استُخدم مفهوم «حرمة الأم»، وهو مفهوم ملموس، كمجال مصدر لفهم مجال المقصد (حرمة الجار). على هذا الأساس، تم تشكيل تناظر بين المجالين «حرمة الجار» و«حرمة الأم»، حيث تساعد الخاصية الحسية لعنصر المجال المصدر المخاطب في فهم معنى المجال المقصد المجرد من خلال التطابق بينهما؛ وبهذه الطريقة، رسم النبي (ص) باستخدام نموذج التماثل إلى جانب نموذج الاتجاه العلوي في متن الرواية، منزلة الجار أمام أعين المخاطبين. شواهد أخرى: «سوء الخلق يفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۷۰: ۲۹۷)، «اتهام الزنا وبالتالي الخروج من الحسنات كخروج الحية من جلدها» (نفس المصدر، ۱۰۰: ۲۴۹) وغيرها…

۵. الاستنتاج

تحمل الروايات النبوية رؤية وأفكار النبي الأكرم (ص). لقد سعى النبي (ص) دائمًا في سبيل إبلاغ رسالة الإسلام إلى الناس أن يوصل التعاليم المحيية بأسلوب بسيط ومفهوم إلى أسماع العالم؛ إحدى هذه الأساليب لجعل المعاني المجردة أكثر حسية هي الاستفادة من المجالات المفهومية العينية، التي لها جذورها غالبًا في المفاهيم المعروفة في أذهان عرب ما قبل الإسلام وهي نتاج تجاربهم المكتسبة في الحياة. سعى هذا البحث إلى إجراء دراسة دلالية لاستعراض تمثيل النماذج التصورية في المرويات النبوية (دراسة حالة لفضائل ورذائل الأخلاق الاجتماعية). ومن خلال تدقيق النماذج في كتب الروايات الإمامية وأهل السنة، تم العثور على أنواع عامة من النماذج التي قدمها إيفانز وغرين، بما في ذلك الحركية، والظرفية، والقوة، والفضاء، والتماثل، والاتحاد، والتعادل، والوجودية، مع بعض مجموعاتها الفرعية في الروايات النبوية. لقد رسم النبي (ص) باستخدام النماذج المقدمة، المفاهيم المجردة للفضائل الأخلاقية: الإحسان، الإنفاق (السخاء)، والصدقة (أعم من السخاء، العفو، الحلم، وكظم الغيظ)، الحياء، صلة الرحم، إكرام الضيف، إطعام المؤمن، عيادة المريض، وحفظ حرمة الجار للمخاطبين، وبيّن مفاهيم الرذائل الأخلاقية مثل: سوء الخلق، الغضب، الغيبة، التهمة، الكذب، الطمع، التملق (المدح والثناء غير المناسب وغير الصحيح)، اتباع الشهوة (الزنا)، النظرة المحرمة، وغيرها… في قالب العواقب المترتبة عليها وسبل علاجها. وبما أن جسم الإنسان هو أول وأكثر وعاء ملموس في متناوله، فإن النماذج أحيانًا تكون مستمدة من أجزاء جسم الإنسان وموقعه الفيزيائي وتجاربه الجسدية وعلاقته بالأشياء والموجودات والظواهر الطبيعية الأخرى. وقد استعان النبي (ص) أحيانًا برسم المكانية، والتشخيص، والتماثل في نظرتهم لتفهيم المخاطبين بالمعاني الأخلاقية المجردة.

الهوامش

1. تجدر الإشارة إلى أنه بسبب ضيق المجال، لم يكن من الممكن إيراد جميع النماذج، ومن بين عدة أحاديث متشابهة، تم الاكتفاء بذكر حديث واحد مع عرض نصه، وبضعة أمثلة مع ذكر المصدر. كما تم أحيانًا، لغرض دراسة النماذج، تقطيع الحديث، وفي حال إمكانية ذلك، تم إيراد القسم الذي يوضح النموذج التصوري المقصود فقط، وتم عرض الأجزاء السابقة واللاحقة في حال حذفها بنقاط (…)؛ لكن من الضروري الانتباه إلى هذه النقطة وهي أن وضع النص في نوع معين من النماذج لا ينفي وجود نوع آخر، وربما يُشاهد في متن نص روائي واحد عدة نماذج. كما تم في هذه المقالة تناول أبرز النماذج التصورية التي قدمها إيفانز وغرين، وتمت دراستها بشكل موضوعي في الروايات محل البحث.

2. جونسون.

3. تالمي.

4. Unity Schema.

5. unity.

6. Part-Whole.

7. كلمة نطقتِ بها لو خُلِطت بماء البحر لغيرته.

8. Control Schema.

9. Containment.

10. Full-Empty.

11. in-out.

12. عندما يزني الرجل، يخرج منه الإيمان… وعندما يكف عن فعل الزنا القبيح، يعود إليه.

13. Force schema.

14. Blocking.

15. إن الصدقة تطفئ غضب الرب.

16. إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

17. Path Schema.

18. إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه.

19. Spatial Schema.

20. Left-right.

21. Up-down.

22. Near-far.

23. عائد المريض على نخيل الجنة (اليانع والمثمر).

24. عندما يكذب العبد، يبتعد عنه الملك ميلًا من نتن ما جاء به من الكذب.

25. Existence schema.

26. النظرة (المحرمة) سهم مسموم من سهام الشيطان.

27. Balance Schema.

28. الرَّحِم شعبة من الرحمن. قال الله (مخاطبًا الرَّحِم): من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته.

29. Consistency schema.

Scroll to Top