المستخلص
من المباحث الهامة والتطبيقية التي تستخدم بشكل لافت في علمي الفقه والأصول، هو معرفة الفرق بين «القاعدة الأصولية» و«القاعدة الفقهية»، بما يوضح كيفية وقوعهما في طريق استنباط الأحكام وتمايزهما عن بعضهما البعض. ما نستفيده من فهم الموضوع هو أن القواعد الأصولية تعد وسيطة لاستنباط وكشف الأحكام وتقع في طريق استنباط الأحكام، في حين أن القواعد الفقهية لا تتصف بمثل هذه الخصوصية، وليست وسيطة لاستنباط الأحكام ولا تقع في طريق الاستنباط، بل إن القواعد الفقهية تنطبق على الأحكام الفرعية. بعبارة أخرى، القاعدة الأصولية لها جانب التوسيط بالنسبة لأحكام المكلفين، والقاعدة الفقهية لها جانب تطبيقي. فعلى سبيل المثال، حجية خبر الواحد وحجية الظواهر هما وسيلتان للوصول إلى الحكم الشرعي، ولكن قاعدة الإتلاف أو قاعدة الطهارة تنطبقان على الحكم الشرعي. وبناءً عليه، فإن القاعدة الفقهية هي نفسها حكم شرعي كلي، والقاعدة الأصولية هي وسيطة في إثبات الحكم الشرعي. ويبدو أن التعاريف المختلفة للقاعدة الأصولية والفقهية يشير كل منها إلى بعد من أبعاد المسألة الأصولية والمسألة الفقهية، ولا يوجد تهافت بينها.
المقدمة
لقد انتقل علما الفقه والأصول منذ القدم وحتى الآن من جيل إلى جيل دون أي توقف أو ركود، واستمر جريانهما على مر الزمن ليروي ظمأ السالكين في هذا المضمار من النبع الصافي للمعرفة والوعي باحتياجات العصر والقضايا المستجدة. ولهذا السبب، فإن علم الفقه منذ نشأة علم الأصول كان على صلة وثيقة به، وهذا الارتباط ظل قائمًا، كما أن علم الأصول قد شهد نموًا وتطورًا في أعقاب تحول وتطور علم الفقه نتيجة لوجود وظهور المشكلات الجديدة في حياة الإنسان.
إن الصلة الوثيقة بين علمي الفقه والأصول تقتضي أنه كلما تطور علم الفقه وتعمق نتيجة لظهور مشكلات الحياة والعناصر والموضوعات الجديدة، تبعته المباحث الأصولية والنظريات الكلية فيه تحولاً وتطوراً وتعمقاً؛ ذلك أن التطور الكمي والكيفي للفقه في حل المشكلات المستجدة في الحياة يدفع بالمباحث والنظريات الكلية الأصولية إلى الأمام أيضاً.
وبقدر ما يتمتع العالم الأصولي بالدقة والعمق في الفكر الأصولي وتكوين النظريات الكلية والقواعد المشتركة في إطار محدد، فإنه بالقدر نفسه سيستفيد من الدقة والعمق في الفكر الفقهي عند تطبيق هذه القواعد والنظريات على المسائل والمصاديق الخاصة، وفقاً للشروط الكلية لها؛ لأن العلاقة والتفاعل بينهما في جميع المراحل تتطلب أنه كلما ارتقى مستوى الفكر الأصولي إلى درجة من الدقة والعمق، ارتقى مستوى الفكر الفقهي بالدقة نفسها إلى نفس الدرجة من العمق والدقة.
من الواضح أن المجتهد، كما هو الحال في دراسة النظريات الكلية في الأصول وتكوين القواعد المشتركة المحددة، يحتاج إلى تفكير وتأمل وجهد علمي مضنٍ على مدى سنوات طويلة، وفي تطبيق النظريات الكلية والقواعد المشتركة على العناصر والمصاديق الخاصة، يحتاج أيضاً إلى استخدام القواعد. ومن جهة أخرى، كما أن المجتهد يحتاج إلى دراسة القرائن والأمارات العرفية المرتبطة والمناسبات الارتكازية في كل مسألة بالنظر إلى طبيعتها، فإنه من جهة أخرى يحتاج إلى دراسة سياق وظروف ظهور ونشأة كل مسألة. يتناول هذا البحث ماهية وفروق المصطلحين «القاعدة والمسألة الأصولية» و «القاعدة والمسألة الفقهية»، اللذين لهما استخدامات كثيرة في علمي الأصول والفقه، وذلك للحيلولة دون الخلط الخاطئ بين مسائل العلمين.
طرح الإشكالية
يحتاج علم الفقه إلى أدوات ووسائل، أحدها علم الأصول. من هذا المنطلق، تكمن أهمية علم الأصول في قيمة الفقه، فكما أن لعلم الفقه مكانة رفيعة في المعارف الإسلامية وفي حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، فإن علم الأصول الذي هو مقدمة له، سيحظى بنفس القيمة. يمكن للفقه أن يكون عمليًا عندما يقدم إجابة واضحة وشفافة لمسائل ومشاكل المكلفين التي تظهر لهم مع مرور الزمن وظهور موضوعات متنوعة، وسيبقى الأصول حيويًا ونشطًا طالما أنه يزيل صعوبات طريق الفقه. بالمعادلة القائمة بين «الفقه» و «علم الأصول»، تتبادر إلى الذهن أحيانًا أسئلة تجعل تمييز القاعدة الأصولية عن القاعدة الفقهية صعبًا، لذا يقدم هذا المقال فروق القواعد الأصولية والفقهية لأنظار أهل الفن وينقد ويحلل وجه الاختلاف والامتياز بينهما.
دراسة المفهوم
أ. القاعدة في اللغة
القواعد، جمع قاعدة، وتعني الأساس والجذر. الطريحي في تبيين الكلمة في آية «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (البقرة: 127) يقول: «القواعد جمع القاعدة وهي الأساس لما فوقه». قواعد جمع قاعدة وتعني الأساس والدعامة للأشياء التي توضع عليها. القاعدة، بالإضافة إلى استخدامها في الأمور المادية مثل أسس المباني، تستخدم أيضًا في الأمور المعنوية والأسس غير المادية التي لها جانب بنيوي. تُسمى أسس كل علم بقواعد ذلك العلم، حيث تشكل هذه القواعد المسائل الأساسية والمبادئ الأولية لذلك العلم، وتتوقف العديد من المسائل الفرعية وفروع العلم على متانة تلك الأسس. من هذا المنطلق، قواعد الفقه من الناحية اللغوية هي أسس وبنية علم الفقه (الطريحي، 1408: 1/ 529؛ ابن منظور، 1414: 3/ 361؛ الطبرسي، 1406: 1/ 388).
يقول الراغب الأصفهاني: «و قواعد البناء، أساسه، قال الله تعالى: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ» (الراغب الأصفهاني، 1412: 419). ويكتب ابن منظور: «والقاعدة أصل الأس و القواعد: الأساس» (ابن منظور، 1414).
ب. القاعدة في اصطلاح الفقهاء
لم يتفق علماء الفقه على تعريف اصطلاحي للقاعدة، وكل من التعاريف الواردة يشير إلى أحد جوانب تمييز القاعدة الفقهية عن سائر القواعد، ونشير أدناه إلى بعضها: يقول التهانوي في وصف هذا المصطلح: «… أنها أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه» (التهانوي، بيتا: 5/ 1176؛ الطريحي، نفسه: 1/ 531)؛ القاعدة أمر كلي وشامل ينطبق على جميع جزئياته عند معرفة أحكامها منه. وقد عرفها البعض على هذا النحو: «أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكامًا تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (الزرقا، 1387: 2/ 946)؛ قواعد الفقه، أصول فقهية كلية بعبارات موجزة وأساسية تتضمن تعليمات تشريعية، تشمل هذه التعليمات العامة الوقائع التي تدخل ضمن موضوعاتها.
وقد عرف الشيخ الفياض القاعدة على النحو التالي: «فإنها تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية، ولا يكون ذلك من باب الاستنباط و التوسيط بل من باب التطبيق»؛ (القواعد الفقهية) هي قواعد يستفاد منها في تحصيل الأحكام الشرعية الإلهية، وهذا النحو من الاستفادة ليس من باب الاستنباط والتوسط للحكم (مثل القواعد الأصولية)؛ بل هو من باب التطبيق على المصاديق (الفياض، 1410: 1/ 8).
ويقول السيد المصطفوي: «القاعدة بحسب الاصطلاح الفقهي عبارة عن الأصل الكلي الذي ثبت من أدلته الشرعية وينطبق بنفسه على مصاديقه انطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه»؛ القاعدة بحسب الاصطلاح الفقهي هي الأصل الكلي الذي ثبت بأدلته الشرعية وينطبق بنفسه (بدون واسطة) على مصاديقه (مثل) انطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه (السيد كاظم المصطفوي، 1388 ش: 1/ 21).
ويقول الشيخ مكارم في تعريف القاعدة الفقهية: القاعدة الفقهية هي قانون كلي مستمد من أدلة قطعية وقابل للتطبيق على مصاديق جزئية، مثل تطبيق الكلي الطبيعي على أفراده، مثل قاعدة الطهارة. أو القاعدة الفقهية هي حكم فقهي كلي يُستخدم في أبواب مختلفة من الفقه أو موضوعات متعددة. مثلاً، قاعدة لا ضرر هي قاعدة فقهية تُستخدم في باب البيع، الإجارة، النكاح، الطلاق، والعديد من أبواب الفقه الأخرى. قاعدة الإقرار هي قاعدة فقهية أخرى تجري في كل موضوع يكون على ضرر المقر.
وقد عرف بعض الكتاب على هذا النحو: «القواعد الفقهية هي أحكام عامة فقهية تجري في أبواب مختلفة» (مكارم، 1411: 16/1). وقد قال بعض علماء الأصول عن القواعد والمسألة الأصولية ما يلي: «القاعدة الفقهية قضية لا يتعلق حكمها المحمولي بفعل أو ذات خاصة، بل تشمل العديد من الأفعال أو الذوات المتفرقة التي يصدق عليها عنوان الحكم المحمولي، سواء كان ذلك الحكم المحمولي حكمًا واقعيًا أوليًا، مثل قاعدة لا ضرر وقاعدة لا حرج اللتين يمكن أن توجدا وتجريا في جميع أبواب الفقه، أو حكمًا ظاهريًا، مثل قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ» (شهابي، 1375: 7 / 167).
من التعاريف المذكورة أعلاه، يمكن استخلاص ثلاث خصائص:
- أصل كلي، وإن كان هذا الأصل يُستثنى في بعض الحالات لأسباب مختلفة.
- ثبت بواسطة الأدلة الشرعية، سواء كانت آيات، روايات، أو إجماع الفقهاء.
- ينطبق على مصاديقه مباشرة، مثل انطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه.
ج. تعريف القاعدة الأصولية
يقول السيد الشاهرودي: «في أصول الفقه، يبحث عن قواعد تكون نتيجتها مورداً لاستفادة المجتهد في استنباط الحكم الشرعي. من هذا المنطلق، علم أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه هو علم آلي يمكن للفقيه بواسطته استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من مصادرها، وهي الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل. إن استنباط كل حكم شرعي، سواء كان تكليفيًا أو وضعيًا، من المصادر الأربعة للفقه، يتطلب مسألة أو عدة مسائل وقواعد أصولية. على سبيل المثال، استنباط حكم وجوب الصلاة من آية «أَقِيمُوا الصَّلاةَ» يعتمد على قاعدتين أصوليتين: «صيغة الأمر (أقيموا) ظاهرة في الوجوب» و «ظواهر القرآن حجة» (الشاهرودي، 3 / 1426 هـ.ق).
قال البعض: القواعد الأصولية هي قواعد كلية إذا حصلنا على مصاديقها وصغرياتها وأضفناها إلى تلك القواعد، كانت نتيجتها حكمًا فقهيًا كليًا (سواء كان حكمًا واقعيًا أو ظاهريًا). مثلاً، «دلالة الأمر على الوجوب» قاعدة أصولية، لأنه إذا وجدنا مصداقًا للأمر، مثل الأمر المتعلق بالإنفاق على الزوجة والأولاد، وأضفنا هذا المصداق إلى تلك القاعدة، أي قلنا: «الإنفاق على الزوجة والأولاد مأمور به» و «كل ما أُمر به فهو واجب» (لأن الأمر يدل على الوجوب)، فإن النتيجة تكون «إذن الإنفاق على الزوجة والأولاد واجب»، وهذه النتيجة هي حكم فقهي (الكرجي، 1421: 1/ 137).
يقول صاحب الكفاية: القاعدة الأصولية كلية تنطبق على جميع موضوعات مسائل علم الأصول، سواء كانت من الأدلة الأربعة أم لا (الآخوند الخراساني، 1426: 1/ 6). لذا، القاعدة الأصولية هي مسائل يمكن أن تكون كبرى قياس الاستنباط، أي كبرى قياس إذا أضيفت إليها صغرى مناسبة، كانت نتيجتها حكمًا فقهيًا كليًا، مثل مسألة حجية خبر الواحد أو عدم حجيته، الاستصحاب، وغيرها.
د. الخلفية التاريخية للقاعدة الفقهية والأصولية
تتمتع قواعد الفقه والأصول بتاريخ طويل. يُنسب تأسيس علمي الأصول والفقه إلى النبي الأعظم (ص). لا شك أن مؤسس العلوم الإسلامية هو شخص رسول الله (ص) الذي، بتوجيه من الوحي الإلهي، بيّن للناس كليات وفروع الفقه، واستفاد المسلمون منها بحسب قدراتهم (برجي، 1393: 1/ 29). مع رحيل الرسول الكريم (ص)، قام الإمام الباقر والإمام الصادق (ع) بتربية تلاميذ بشكل رسمي وعلموهم قواعد ومسائل هذه العلوم (مير عمادي، 1380: 1/ 14). وقد قام بعض المتأخرين بتدوين تلك القواعد في كتب، مثل كتاب أصول آل الرسول والفصول المهمة في أصول الأئمة، وكذلك كتاب الأصول الأصلية.
أول من ألف كتابًا مستقلاً في علم الأصول هو هشام بن الحكم من تلاميذ الإمام الصادق (ع). وقد حرر كتاب الألفاظ الذي تعد مباحثه أهم مباحث علم الأصول. ثم ألف يونس بن عبد الرحمن، تلميذ الإمام موسى الكاظم (ع)، كتاب اختلاف الحديث ومسائله، الذي تناول مبحث تعارض الحديثين ومسائل التعادل والتراجيح بين الحديثين عن الإمام الكاظم (ع).
بعد هذين العالمين الكبيرين، طُبعت كتب كثيرة في هذا العلم من قبل أهل السنة وعلماء الشيعة (الشهيد الثاني، 1416: 1/ 8)، والتي نوقشت ضمن مباحث الفقه والأصول في عصر علماء كبار مثل الشيخ المفيد، الشيخ الطوسي، والعلامة. كما توجد كتب في هذا المجال، مثل الأثر المشهور «تمهيد القواعد» الذي ألفه الشهيد الثاني. وقد تكون «عناوين» مير فتاح المراغي من أغنى المصادر في هذا العلم، حيث ورد فيه أكثر من 93 قاعدة فقهية. «عوائد الأيام» للملا أحمد النراقي، الذي ألفه في القرن الثالث عشر الهجري، يضم العديد من هذه القواعد. وقد بحث هذان العالمان الكبيران القواعد الفقهية بشكل مفصل إلى حد ما. وأوسع مصدر في هذا الباب هو كتاب «قواعد فقه» للمرحوم ميرزا حسن البجنوردي، الذي اكتمل في ستة مجلدات ويتميز بعباراته السهلة والسلسة نسبيًا. وكتاب آخر هو «قواعد فقه» من تأليف آية الله ناصر مكارم الشيرازي. «القواعد» كتاب آخر ألفه الأستاذ السيد محمد كاظم المصطفوي ونُشر عام 1370 شمسي، ويحتوي على مئة قاعدة فقهية، تشمل المعاملات والعبادات، وقد بحث قواعد الفقه بأسلوب منهجي.
الآراء والنظريات
رأي الشيخ الأنصاري
كان للشيخ الأنصاري (قده) رأي في القاعدة الفقهية والأصولية مفاده أن القاعدة الأصولية هي التي تكون فائدتها ونتيجتها خاصة بالمجتهد ولا فائدة فيها للمقلد. أما المسألة الفقهية والقاعدة الفقهية، فإن فائدتها ونتيجتها لا تختص بالمجتهد، بل تكون قابلة للاستفادة بشكل مشترك لكل من المجتهد والمقلد. فمثلاً، بحث حجية خبر الواحد هو قاعدة أصولية، والسبب في ذلك أن نتيجة هذا البحث وهي «خبر الواحد حجة» لا تفيد إلا المجتهد وليست قابلة للاستفادة للمقلد. أما في مثل قاعدة «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فإنها تفيد كلاً من المقلد والمجتهد. فمثلاً، لو كتب المجتهد في رسالته العملية أن خبر الواحد حجة، لما استطاع المقلد أن يستفيد من هذه القضية شيئاً، لكن لو افترضنا أنه كتب أن البيع الفاسد موجب للضمان، فإن هذا يفيد كلاً من المجتهد والمقلد (الشيخ الأنصاري، 1416: 2/ 544).
يُستفاد من كلام الشيخ أن الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية يكمن في أمرين:
أ. القاعدة الأصولية تبحث في عوارض وأحوال الأدلة الأربعة. في بحث الاستصحاب يكتب: «أما على القول بكونه من الأصول العملية ففي كونه من المسائل الأصولية غموض؛ من حيث إن الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنة وليس التكلم فيه تكلماً في أحوال السنة» (نفسه)؛ بناءً على أن الاستصحاب من الأصول العملية، فإن كونه من المسائل الأصولية فيه إشكال؛ لأنه في هذه الحالة، يُستفاد الاستصحاب من الرواية، والبحث فيه لن يكون بحثًا في أحوال السنة.
ب. من العبارة المذكورة للشيخ قبل بضعة أسطر، يتضح أن ملاك المسألة الأصولية هو أن تطبيقها يختص بالمجتهد، والقاعدة الفقهية يمكن للمكلف أن يطبقها أيضاً، ولكن المرحوم النائيني يقول: «نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية بأن إجراءها في موردها … مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد» (النائيني، 1376: 1/ 19)؛ أي أن كون الاستصحاب من المسائل الفقهية (قاعدة فقهية) محل إشكال، لأن تطبيقه يختص بالمجتهد وليس من وظيفة المقلد.
رأي الآخوند الخراساني
ملاك المسألة الأصولية هو أن تطبيقها يختص بالمجتهد، والقاعدة الفقهية يمكن للمكلف أن يطبقها أيضاً. وفي هذا الصدد يكتب: «نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية بأن إجراءها في موردها … مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد»؛ أي أن كون الاستصحاب من المسائل الفقهية (قاعدة فقهية) محل إشكال، لأن تطبيقه يختص بالمجتهد وليس من وظيفة المقلد.
يكتب الآشتياني في حاشية الفرائد: «و أما إذا كان التكلم فيه من حيث حكم الشرع فهل البحث بهذه الملاحظة يدخل في البحث عن مسائل علم الفقه أو مسائل علم الأصول؟ وجهان؛ أوجهها الأول؛ نظراً إلى أن البحث في المسألة بهذه الملاحظة ليس بحثاً عن أحوال الأدلة وعوارضها» (الآشتياني، بيتا: 8)؛ إذا كان البحث في الاستصحاب من حيث الحكم الشرعي، فهل يدخل هذا البحث في علم الفقه أم في مسائل علم الأصول؟ هناك وجهان محتملان. الرأي الأول هو الأكثر منطقية، لأن البحث من هذا الجانب ليس بحثًا في أحوال الأدلة وعوارضها.
يُستفاد من بعض كلمات الآخوند أن الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية يكمن في دائرة الشمول، وفي بحثه عن سبب عدم إدراج أصالة الطهارة ضمن الأصول العملية، يقول: «لأن أصالة الطهارة مطلب واضح ولا يحتاج إلى استدلال». ثم يضيف: «هذا مع جريانها في كل الأبواب واختصاص تلك القاعدة ببعضها» (الآخوند الخراساني، 1426: 2/ 167)؛ المسألة الأصولية تجري في جميع أبواب الفقه، ولكن قاعدة الطهارة تختص ببعض أبواب الفقه.
رأي المحقق النائيني
شرح المرحوم النائيني الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية على النحو التالي:
- لقد اعتبر الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية أمراً واحداً وذكر فرقاً واحداً فقط، ولكنه في موضع آخر قال بوجود فرقين بينهما: «الفرق الأول هو أن القاعدة الأصولية هي القاعدة التي تتضمن حكماً كلياً، والقاعدة الفقهية هي التي تتضمن حكماً جزئياً»، أي أن الفرق الأول من وجهة نظره هو مسألة الكلية والجزئية. «ثم إن المائز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية بعد اشتراكهما في أن كلا منهما يقع كبرى لقياس الاستنباط هو أن المستنتج من المسألة الأصولية لا يكون إلا حكماً كلياً بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية فإنه يكون حكماً جزئياً وإن صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الحكم الكلي أيضاً» (النائيني، 1376: 1/ 19).
- الفرق الثاني هو أن القاعدة الفقهية هي المسألة والقضية التي ترتبط مباشرة بعمل آحاد المكلفين، أما القاعدة الأصولية فلا ترتبط مباشرة بعمل آحاد المكلفين (الخوئي، 1430: 1/ 1).
أضاف المحقق النائيني في دورته التالية لتدريس الأصول، بالإضافة إلى هذا الفرق، قائلاً: «إجراء القاعدة الفقهية بيد المكلف، ولكن إجراء المسألة الأصولية يختص بالمجتهد» (نفسه، 1357: 1/ 3).
رأي آية الله الخوئي
لقد أفاد أنه بالنظر إلى الإشكال الموجود في بيان المرحوم النائيني، يجب بيان ضابطة جديدة ووجه آخر للفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية. لذا، يرى الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية في أن القاعدة الأصولية تتعلق باستنباط الحكم، والقاعدة الفقهية تتعلق بالتطبيق. في القاعدة الأصولية يُستنبط حكم كلي، وفي القاعدة الفقهية يُطبق حكم كلي، أي أنه حكم كلي ينطبق على مصاديقه وأفراده، فالفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية من وجهة نظر المرحوم آية الله الخوئي هو فرق التوسيط والتطبيق. مثلاً، بقضية «الخبر الواحد حجة» وجعلها كبرى وضم صغرى إليها، نستنبط حكماً، مثل وجوب صلاة الجمعة. وقد لا تكون القواعد الفقهية وحتى بعض المسائل الفقهية قابلة للإلقاء على المقلدين، مثلاً قاعدة «ما يضمن وما لا يضمن»، قاعدة «المؤمنون عند شروطهم»، أو قاعدة «كل شرط مخالف للكتاب والسنة فهو باطل» (الخوئي، 1430: 1/ 10-11).
أما في مثل «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، لا يُستنبط حكم، بل يُطبق الحكم على مصاديقه، فمثلاً أحد مصاديقه هو البيع الفاسد ومصداقه الآخر هو الإجارة الفاسدة، أو بشكل جزئي أكثر، بيع عين خارجية، وهذا أيضاً أحد مصاديقه، وكل هذه تطبيق وليست استنباطًا (نفسه: 8).
ويقول: «والنكتة في اعتبار ذلك (تقع بنفسها في طريق استنباط) في تعريف علم الأصول هي الاحتراز عن القواعد الفقهية فإنها تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية ولا يكون ذلك من باب الاستنباط والتوسيط بل من باب التطبيق وبذلك خرجت عن التعريف» (الخوئي، 1417: 3/ 266).
كذلك في مصباح الأصول، في بحث قاعدة الفراغ، بيّن الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية في أمرين: «1. أن تكون كبرى المسألة بعد ضم الصغرى إليها منتجة للحكم الفرعي الكلي…؛ 2. إن تطبيق القواعد الأصولية على المصاديق إنما هو بيد المجتهد وليس للمقلد حظ فيه» (نفسه: 3/ 266).
ملاك كون المسألة أصولية أمران:
- القضية التي تكون المسألة الأصولية كبرى لها، تكون نتيجتها حكماً فرعياً كلياً.
- تطبيق المسائل الأصولية على مواردها يختص بالمجتهد ولا نصيب للمقلد فيه.
رأي الإمام الخميني
يقول الإمام الخميني (قده) في التفريق والتمييز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية: «لا بأس بتعريفه بأنه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنتاج الأحكام الكلية الإلهية أو الوظيفة العملية، فالمراد بالآلية ما لا ينظر فيها بل ينظر به ما فقط ولا يكون لها شأن إلا ذلك، فتخرج بها القواعد الفقهية فإنها منظور فيها» (الإمام الخميني، 1415: 2/ 44). يمكن تعريف علم الأصول بأنه القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لقضية تنتج أحكامًا إلهية كلية أو وظيفة عملية، فالمقصود بالقواعد الآلية هي القواعد التي يُنظر بها كطريق، لا كمستقلة، ووظيفتها تقتصر على كونها طريقًا. بناءً على ذلك، تخرج القواعد الفقهية من تعريف علم الأصول لأنها يُنظر إليها بشكل مستقل لا كطريق.
بعبارة أخرى، القاعدة الفقهية هي المقصودة بالأصالة، بينما القاعدة الأصولية ليست مقصودة بالأصالة. القاعدة الفقهية ليست آلة وأداة للوصول إلى أمر آخر وحكم آخر، وهي «ما فيه يُنظر»، ونحن ننظر إليها نفسها، والحكم المستفاد منها والحكم الذي تبينه هو مقصود بالذات وليس وسيلة. أما القاعدة الأصولية فهي قاعدة آلية ووسيطة وأداة و«ما به يُنظر»، مثل المرآة التي نريد أن نرى بها شيئًا آخر وهي ليست مقصودة بالذات، مثل حجية خبر الواحد. «خبر الواحد حجة» لكي يوصلك إلى وجوب صلاة الجمعة، أي أن هذه القاعدة الأصولية نفسها ليس لها قيمة ذاتية، بل هي أداة ووسيطة لوجوب صلاة الجمعة.
خلاصة كلام الإمام (قده) هي أن المسألة الأصولية هي التي تقع كبرى في قضية لاستنباط حكم شرعي كلي، سواء كان واقعيًا أو ظاهريًا، ولا يتعلق موضوعها في البداية بعمل أي من المكلفين، بل يرتبط بهم بعد تطبيق النتيجة على موارد جزئية خاصة. أما القاعدة الفقهية، فتقع كبرى في قضية الاستنباط، لكن نتيجتها أمر جزئي يتعلق بموضوعه عمل كل المكلفين مباشرة (مرتضوي لنكرودي، 1378: 1/ 64).
في تهذيب الأصول، يُبين الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية على النحو التالي: القاعدة الفقهية هي نفسها حكم شرعي مستقل. بخلاف المسألة الأصولية التي هي وسيطة في ثبوت حكم شرعي (السبحاني، 1363: 1/ 6).
في جواهر الأصول، تقريرات درس خارج الفقه، قال الإمام (قده): «القاعدة الفقهية هي نفسها حكم شرعي، وهي وسيطة في إثبات أحكام جزئية أيضًا، في حين أن المسألة الأصولية هي وسيطة في إثبات أحكام كلية» (مرتضوي لنكرودي، نفسه). في تنقيح الأصول، يُبين الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية على النحو التالي: «تطبيق بعض القواعد الفقهية مثل قاعدة (ما يضمن) يختص بالمجتهد فقط، وتطبيق بعضها الآخر مشترك بين المجتهد والمقلد. أما تطبيق المسائل الأصولية فيختص حصرًا بالمجتهد» (تقوي اشتهاردي، 1385: 1/ 22-23).
يذكر المرحوم الإمام (قده) فروقًا أخرى على النحو التالي:
- بعض القواعد الفقهية تأتي لتقييد الأحكام الأولية، بينما لا يوجد أي اعتبار لهذا الجانب في المسألة الأصولية.
- نتيجة القاعدة الفقهية هي حكم جزئي، بينما نتيجة المسألة الأصولية أمر كلي.
- متعلق القاعدة الفقهية هو عمل المكلفين منذ البداية، أما متعلق المسألة الأصولية فليس عمل أي من المكلفين في البداية (السبحاني، 1363/ 64-651).
بالنظر إلى ما أفاده الإمام (قده) في مسألة الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية، نصل إلى نتيجة أن المسألة الأصولية يكون إجراؤها على عهدة المجتهد بالكامل وهي حكم كلي يجري في جميع أبواب الفقه، ولكن من القاعدة الفقهية نصل إلى أحكام فقهية جزئية. في الواقع، كلام الإمام (قده) هو نفس كلام المرحوم الشيخ الأنصاري (قده).
رأي الشهيد الصدر
الشهيد الصدر (قده) بعد تقسيم القواعد الفقهية إلى خمسة أقسام، يرى أن ملاك المسألة الأصولية هو جريانها واشتراكها في جميع أبواب الفقه، وملاك القاعدة الفقهية هو اختصاصها ببعض أبواب الفقه: «فيكون الميزان في أصولية القاعدة عدم اختصاص مجال الاستفادة والاستنباط منها بباب فقهي معين، وبذلك يخرج القسمان الأخيران أيضاً لأن قاعدة الطهارة أو القواعد الفقهية الاستدلالية وإن كانت عامة في نفسها ولكنها لا تبلغ درجة من العمومية تجعلها مشتركة في استنباط الحكم في أبواب فقهية متعددة» (الشاهرودي، 1417: 1/ 26)؛ ميزان أصولية القاعدة هو أن نطاق الاستفادة والاستنباط منها لا يختص بباب معين؛ وبهذا يخرج القسمان الأخيران (الرابع والخامس) أيضًا من تعريف الأصول، لأن قاعدة الطهارة أو القواعد الفقهية التي أقيم عليها الاستدلال، وإن كانت عامة، فإن عموميتها لا تصل إلى حد يجعلها مشتركة في استنباط الحكم في أبواب فقهية كثيرة.
دراسة ونقد الأقوال
بعد دراسة آراء ونظريات العلماء في الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية، نقوم بدراسة هذه الأقوال والنظريات للحصول على فهم أدق للمسائل:
- المرحوم الشيخ الأنصاري بيّن الفروق والاختلافات بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية. أحيانًا يقول: المسألة الأصولية خاصة بالمجتهد، بخلاف القاعدة الفقهية التي هي أعم، أي أنها للمجتهد وغير المجتهد. ولكن هذا الفرق ليس صحيحًا، لأنه كما أن المسألة الأصولية للمجتهد، فإن العديد من القواعد الفقهية هي أيضًا للمجتهد. مثلاً، «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» قاعدة فقهية، ومع ذلك لا يستطيع المقلد وغير المجتهد العمل بها، أي أنه لا يعرف أصلاً ما هو «ما يضمن» وما هو «ما لا يضمن». إذن، هذا الفرق ليس تامًا، لأن القواعد الفقهية ليست دائمًا أعم. بالطبع، قد تكون بعض القواعد الفقهية أعم، مثل قاعدة «كل شيء طاهر»، لكن العديد من القواعد الفقهية خاصة بالمجتهد. أو قاعدة أخرى يقول فيها: «المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله وسنة رسوله». هذا أيضًا لا يدركه إلا المجتهد، ليعرف ما هو المخالف لكتاب الله وسنة رسوله. بالطبع، يعتقد المرحوم الشيخ الأنصاري أن: «الاستصحاب في موضوعات القاعدة الفقهية، مثلاً شيء كان نجسًا سابقًا والآن لا أعرف هل طهرته بالماء أم لا، هنا يمكن للشخص المقلد أيضًا أن يجري الاستصحاب. ولكن الاستصحاب في الأحكام هو مسألة أصولية» (الشيخ الأنصاري، 1416: 3/ 20).
- أما رأي الآخوند الخراساني، الذي يعتبر ملاك المسألة الأصولية هو جريانها في جميع أبواب الفقه، فينقض ببعض مباحث الأصول، مثل دلالة النهي في العبادة على الفساد أم لا. هذه المسألة الأصولية تجري فقط في أبواب العبادات والمعاملات. أما القول بأن أصالة الطهارة، لأنها لا تحتاج إلى استدلال، تعد من القواعد الفقهية، فهذا أيضًا ليس تامًا، لأن أصالة الاشتغال في موارد العلم الإجمالي واضحة أيضًا، فيجب أن تُعد من القواعد الفقهية.
- رأي المرحوم النائيني (قده) في فوائد الأصول، الذي اعتبر الملاك في المسألة الأصولية هو كلية النتيجة وفي القاعدة الفقهية هو جزئية النتيجة، يُنقض بالعديد من القواعد الفقهية التي تكون نتيجتها كلية، مثل قاعدة «ما يضمن» التي تدل على عدم نفي ضمان الهبة الفاسدة بشكل كلي؛ الهبة الصحيحة لا تضمن دائمًا، ومثل دلالة قاعدة «لا ضرر» على عدم وجوب الوضوء في جميع موارد الضرر، وكذلك قاعدة الحرج. وفقًا لهذا الرأي، وبحسب بيان المحقق السبحاني، يجب أن تدخل هذه القواعد في علم الأصول (السبحاني، 1363: 1/ 6).
نقد المحقق الخوئي على المرحوم النائيني
يشكل المرحوم الخوئي على رأي المرحوم النائيني ويقول: نحن نقبل بأن القاعدة الأصولية يجب أن تكون في يد المجتهد ونقبل بأنه لا يمكن إعطاء نتيجة القاعدة الأصولية للمكلف والمقلد، أي لعمل آحاد المكلفين مباشرة. لكننا لا نقبل بأن القاعدة الفقهية هي قاعدة نتيجتها ليست خاصة بالمجتهد ومشتركة بين المقلد والمجتهد. بعض القواعد الفقهية نتيجتها لا تفيد المقلد أيضًا، مثل قاعدة «الصلح جائز بين المسلمين إلا ما خالف الكتاب والسنة»؛ الصلح جائز بين المسلمين إلا الصلح الذي يقوم على شروط وأمور تخالف الكتاب والسنة. هذه قاعدة فقهية، والآن يجب أن نرى هل هذه القاعدة الفقهية مشتركة بين المجتهد والمقلد ويمكن للمقلد أيضًا الاستفادة منها. في الجواب يقال: لا، لا يستطيع المقلد الاستفادة من هذه القاعدة، والسبب هو أنه إذا أراد المقلد الاستفادة من هذه القاعدة، يجب أن يعرف ما هي الأشياء الموجودة في الكتاب والسنة وأن يكون على دراية بإطار الصلح الذي يؤيده الكتاب والسنة والأمور المقبولة فيهما، حتى تكون قاعدة «الصلح جائز بين المسلمين» مفيدة له. بينما المقلد لا يملك هذه القدرة. من أين للمقلد أن يعرف أن هذا الصلح مخالف للكتاب والسنة أم لا. يتطلب الاستفادة من هذه القاعدة معرفة بأمور لا يملكها المقلدون عادةً. أو مثلاً في نفس قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، نتيجتها لا تفيد المقلد أيضًا، وليست مشتركة بين المقلد والمجتهد، لأنه طبقًا لهذه القاعدة، كل ما يكون صحيحه موجبًا للضمان، يكون فاسده موجبًا للضمان أيضًا. الركن الأول لهذه القاعدة هو العلم بالعقود الصحيحة، أي من العقود الصحيحة يوجب الضمان ليُطلب ضمان فاسده. في الخطوة الأولى، يجب على المقلد أن يعرف مثلاً أن البيع الصحيح يوجب الضمان ليرى هل فاسده يوجب الضمان أم لا. من أين للمقلد أن يعرف هذا؟ من أين للمقلد أن يعرف أي من العقود الصحيحة يوجب الضمان وأيها لا يوجب الضمان (الخوئي، 1430: 1/ 8).
السيد محمود الشاهرودي بخصوص رأي المرحوم الخوئي (قده) يقول: «إن اعتباره ملاك المسألة الأصولية هو التوسيط في الاستنباط وملاك القاعدة الفقهية هو التطبيق ليس تاماً، لأن هذا الملاك يرجع إلى كيفية طرح البحث من باب المثال مسألة النهي عن الشيء، هل يقتضي الفساد أم لا، إذا عُرضت بهذا الشكل، فالبحث أصولي، لأنه وسيط في استنباط الحكم الشرعي، ولكن إذا طُرحت هكذا: هل العبادة المنهي عنها باطلة أم لا؟ ستكون قاعدة فقهية» (الهاشمي الشاهرودي، 2010: 1/ 22).
ولكن رأيه في مصباح الأصول، حيث اعتبر ملاك المسألة الأصولية اختصاص إجرائها بالمجتهد وملاك القاعدة الفقهية اشتراك إجرائها بين المجتهد والمقلد، يُنقض بكلامه هو في المحاضرات، لأنه يكتب في المحاضرات: «رب مسألة فقهية حالها حال المسألة الأصولية من هذه الجهة (إعمال المسألة الأصولية وظيفة المجتهدين دون غيرهم) كاستحباب العمل البالغ عليه الثواب… فإنه مما لا يمكن أن يلقى إلى العامي لعدم قدرته على تشخيص موارده من الروايات وتطبيق أخبار الباب عليها» (الخوئي، 1430: 1/ 11)؛ قد تكون مسألة فقهية كالمسألة الأصولية من حيث أن المكلف لا يستطيع تطبيقها على مواردها، مثل قاعدة استحباب العمل الذي ورد فيه ثواب.
إشكالات الشهيد الصدر على قاعدة المرحوم آية الله الخوئي
إشكال واعتراض الشهيد الصدر، الذي اعتبر ملاك المسألة الأصولية هو عدم اختصاصها بباب معين من الفقه، إذا كان رأيه أن ملاك القاعدة الفقهية هو جريانها في بعض أبواب الفقه، فقد يُنقض ببعض الموارد، مثل قاعدة «دفع الضرورات تبيح المحظورات»، «الضرر أولى من جلب النفع»، «ما لا يدرك كله لا يترك كله»، «الممتنع شرعاً ممتنع عقلاً» و «الضرورات تقدر بقدرها»، إلا إذا شكك في كون هذه الموارد قواعد فقهية.
الآن يطرح هذا السؤال: هل هذا الوجه صحيح ويمكننا القول إن الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية هو فرق الاستنباط والتطبيق أم لا؟ لقد أورد المرحوم السيد الصدر عدة إشكالات على هذه القاعدة، ويبدو أن بعضها إشكالات وجيهة. مسألة الاستنباط والتطبيق التي ذُكرت كفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية، وقيل إن القاعدة الأصولية تتعلق بالاستنباط والقاعدة الفقهية تتعلق بالتطبيق، ليست من الفروق الجوهرية والأساسية بين القاعدة الأصولية والفقهية. في الواقع، يوجد فرق أساسي بينهما، ومن آثاره فرق مسألة الاستنباط والتطبيق، والاستنباط والتطبيق نفسه ليس الفرق، بل هو من آثار ذلك الفرق. الآن المثال الذي يذكره هو: قاعدة «النهي عن الشيء هل يقتضي الفساد أم لا»، هل النهي عن شيء يستلزم البطلان والفساد أم لا، هل تعلق النهي بعبادة يقتضي البطلان أم لا؟ في هذه المسألة إذا نظرنا من زاوية الاقتضاء، هل النهي عن شيء يقتضي فساده أم لا، ونبحث عن اقتضاء النهي بالنسبة للبطلان، فهذا البحث عن الاقتضاء يتبعه في الواقع استنباط البطلان. أي نبحث أولاً هل يوجد اقتضاء أم لا، وإذا ثبت الاقتضاء، يُستنبط البطلان. أما إذا نظرنا فقط من هذه الزاوية أن هذه العبادة المنهي عنها باطلة أم لا، فهنا مسألة تطبيق (الهاشمي الشاهرودي، 2010: 1/ 22). إذن، ليس بالضرورة أن تكون القاعدة الأصولية استنباطية والقاعدة الفقهية تطبيقية. هذه القاعدة الأصولية نفسها لها جانب استنباطي من جهة وجانب تطبيقي من جهة أخرى. هذا يدل على أن هذا ليس فرقاً أساسياً. لذا، الوجه الذي طرحه المرحوم السيد الخوئي ومسألة الاستنباط والتطبيق لا يمكن أن يكون فرقاً أساسياً بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، على الأقل من بين هذين الإشكالين اللذين أوردهما الشهيد الصدر، يبدو أن الإشكال الثاني وارد.
رأي الإمام الخميني، الذي اعتبر ملاك المسائل الأصولية هو كونها دليلاً وطريقاً، وملاك القواعد الفقهية هو استقلالها، وبعبارة أخرى، المسألة الأصولية هي «ما به يُنظر» والقاعدة الفقهية هي «ما فيه يُنظر»، يبدو ظاهريًا أقرب إلى الواقع من الآراء الأخرى؛ خاصة إذا فسرنا الآلية بكونها وسيطة في الاستنباط، والاستقلالية بالتطبيق. الإمام الخميني (قده) ذكر فرقاً آخر: لقد استخدم نفس المصطلح الفلسفي وقال: لدينا أحيانًا «ما به يُنظر» وأحيانًا «ما فيه يُنظر». الفرق في هذا التعبير هو أن «ما به يُنظر» وسيلة، أما «ما فيه يُنظر» فهو هدف. مثلاً، إذا أراد شخص أن يعبر عن رأي الإسلام في الدنيا، سيقول إن الإسلام يعتقد أن الدنيا والماديات هي «ما به يُنظر» وليست «ما فيه يُنظر». خلاصة القول، هناك فرق بين الوسيلة والهدف. يقول: المسائل الأصولية هي «ما به يُنظر» وفي الواقع نريد أن نستنبط بواسطتها، أما المسائل الفقهية فليست «ما به يُنظر» بل هي «ما فيه يُنظر». مثلاً، «المرآة» هي «ما به يُنظر»، والصورة هي «ما فيه يُنظر». بالطبع، هذا البيان بيان جيد، أي «ما به يُنظر» و«ما فيه يُنظر»، المسائل الأصولية وسيلة، أما القواعد الفقهية فهي هدف وليست وسيلة (السبحاني، 1363: 6/1).
الرأي المختار
ما يمكننا استخلاصه من هذه المناقشات ووضعه محورًا للعمل في المسائل الفقهية هو أن القاعدة الأصولية خاصة بالمجتهد، ولكن استخدام القاعدة الفقهية عام للمجتهد وغير المجتهد إلا في حالات خاصة. مثلاً، في قاعدة الطهارة، يبين المجتهد فقط الكبرى الكلية للمقلد وهي «كل شيء مشكوك النجاسة هو طاهر». أما تطبيقها على الصغريات والمصاديق فهو وظيفة المقلد والمكلف نفسه. بخلاف القاعدة الأصولية مثل حجية خبر الواحد، حيث إن تحصيل الكبرى وتطبيقها على الصغريات هو وظيفة المجتهد.
نتيجة القاعدة الأصولية هي حكم كلي، أما نتيجة القاعدة الفقهية فأحيانًا تكون حكمًا كليًا وأغلب الأحيان تبين أحكامًا جزئية شخصية. مثلاً، بقاعدة الطهارة، التي هي قاعدة فقهية، تتحدد أحكام طهارة هذا الماء وهذا الثوب وما شابههما. وأحيانًا تكون النتيجة كلية، مثلما لو شككنا في طهارة الضفدع والأرنب وأمثالهما، فإننا نحكم بطهارتها بحكم أصالة الطهارة بشكل عام وكلي. بينما بحجية خبر الثقة، التي هي قاعدة أصولية، يمكننا فقط أن نحكم بأن عصير العنب مثلاً يحرم عند الغليان، ولا علاقة لها بالأفراد الخارجيين.
الخاتمة
يبدو أنه لا يوجد فرق جوهري بين آراء الأصوليين في تعريف وتفريق المسألة الأصولية والفقهية، لأن بعض هذه التعاريف تنظر إلى نتيجة القاعدتين، وبعضها ينظر إلى أعمال القاعدتين، وبعضها ينظر إلى آلية واستقلالية القاعدتين. النتائج التالية يمكن أن تكون شاهدًا على هذا الادعاء:
- الحكم الناتج من القاعدة الأصولية كلي، ومن القاعدة الفقهية جزئي.
- المسألة الأصولية لا تتضمن حكمًا فرعيًا جزئيًا، بخلاف القاعدة الفقهية التي تتضمن حكمًا شرعيًا.
- المسألة الأصولية شاملة، بخلاف القاعدة الفقهية التي تُستخدم في أبواب خاصة.
- المسألة الأصولية خاصة بالمجتهد ولا يستطيع المقلد الاستفادة منها، بخلاف القاعدة الفقهية التي يمكن للمقلد أيضًا الاستفادة منها.
- للقواعد الفقهية مكانة استقلالية في الاستنباط، بخلاف القاعدة الأصولية التي تُستخدم كوسيلة.
- الاستنتاج في المسألة الأصولية لا يتوقف على قاعدة فقهية؛ لاستخدام قاعدة فقهية نحتاج إلى قاعدة أصولية مثل حجية خبر الواحد وحجية الظواهر، بخلاف القاعدة الأصولية التي لا نحتاج فيها إلى قاعدة فقهية للاستنتاج منها.
المصادر
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الثالثة، د.ت.
ابن الأثير، محمد بن جرير، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1364 ش.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1414 ق.
الإمام الخميني، سيد روح الله، أنوار الهدى، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، 1415 ق.
__________، مناهج الوصول إلى علم الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1387 ش.
الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية، الطبعة الخامسة، 1416 ق.
برجي، يعقوب علي، تاريخ علم أصول وفقه در شيعه، قم، المركز الدولي للترجمة والنشر المصطفى، الطبعة الثانية، 1393 ش.
تقوي اشتهاردي، حسين، تنقيح الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1385 ش.
التهانوي، محمد بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، بيروت، دار صادر، د.ت.
الخوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الأصول، تقرير: سيد محمد سرور بهسودي، قم، مكتبة داوري، الطبعة الخامسة، 1417 ق.
__________، محاضرات في أصول الفقه، مؤسسة الخوئي الإسلامية، الرابعة، 1430 ق.
راغب الأصفهاني، حسين، مفردات ألفاظ القرآن، لبنان-سورية، دار العلم-دار الشامية، الطبعة الأولى، 1412 ق.
رحماني، محمد، مجلة فقه أهل البيت، العدد 7، قم، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت، 1375 ش.
الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، دمشق، مطبعة طربين، الطبعة العاشرة، 1387 ق.
السبحاني، جعفر، المبسوط في أصول الفقه، قم، منشورات مؤسسة الإمام الصادق، 1389 ش.
__________، تهذيب الأصول، تقرير بحث الإمام الخميني، قم، جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية، 1363 ش.
__________، درس خارج الأصول، قم، 5/ 7/ 1390 ش.
الشاهرودي، سيد محمود، بحوث في علم الأصول، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة، 1417 ق.
شهابي، محمود، مجلة فقه أهل البيت، العدد 7، قم، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت، 1375 ش.
الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، تمهيد القواعد، قم، دفتر تبليغات إسلامي، 1416 ق.
الشهيد الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تقرير: سيد محمود هاشمي، قم، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت، الطبعة الثالثة، 2010 م.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الثانية، 1425 ق.
الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، طهران، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة الثانية، 1408 ق.
الفياض، محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الهادي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1410 ق.
الكرجي، أبو القاسم، تاريخ فقه وفقها، طهران، مؤسسة سمت، الطبعة الثالثة، 1421 ق.
المصطفوي، سيد كاظم، القواعد الفقهية، دار المصطفى العالمية، الطبعة الأولى، 1388 ش.
المقري الفيومي، المصباح المنير، قم، دار الهجرة، الطبعة الثالثة، 1425 ق.
مكارم الشيرازي، ناصر، قاعدة فقهية، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الثالثة، 1387 ش.
__________، القواعد الفقهية، قم، مطبعة الحكمة، 1382 ش.
مير عمادي، سيد أحمد، أئمة وعلم أصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق، الطبعة الأولى، 1380 ش.
النائيني، ميرزا محمد حسين، أجود التقريرات، قم، منشورات مصطفوي، الطبعة الثانية، 1368 ق.
__________، فوائد الأصول، قم، جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية، الطبعة الأولى، 1376 ش.
الهوامش
1. تاريخ الوصول: 1394/9/13؛ تاريخ القبول: 1394/11/1.
2. أستاذ مشارك في جامعة المصطفى العالمية (arafi@chmail.ir).
3. طالب في المرحلة الرابعة بمجمع الفقه العالي (الكاتب المسؤول) (Alimnajibi@yahoo.com).