الدراسة الأصولية الفقهية لضابطة المشتبه غير المحصور في العلم الإجمالي من وجهة نظر المحقق النائیني

الخلاصة

وفقًا لرأي مشهور الأصوليين في العلم الإجمالي، فإن الاحتياط بمعنى وجوب الموافقة القطعية لازم في أطراف الشبهة المحصورة، وغير لازم في أطراف الشبهة غير المحصورة. من هنا، يُعدّ تعيين ضابطة لكون الشبهة محصورة أو غير محصورة أمرًا ضروريًا. يرى المحقق النائيني أن لكون الشبهة غير محصورة ضابطتين، هما: كثرة عدد الأطراف، وعدم إمكان جمع تمام الأطراف في الاستعمال. وقد طرح ضابطة جديدة، وبناءً على هذه النقطة، بالإضافة إلى عدم وجوب الموافقة القطعية، قال بجواز المخالفة القطعية في أطراف هذا النوع من الشبهة. وباعتباره القول بجواز المخالفة القطعية في هذا النوع من الشبهات، قد وقف في مقابل قول المشهور عند الإمامية الذين يجوّزون المخالفة الاحتمالية فقط. يبدو أن الاختلاف النظري بين المحقق النائيني والمشهور ليس اختلافًا يسري إلى مقام عمل المكلفين، بل هو اختلاف محض في مقام النظر وفي تعيين الضابطة العلمية لكون المشتبه غير محصور. بناءً على ذلك، يتناول هذا المقال دراسة دقيقة لمراد المحقق النائيني من الضابطة المدّعاة في كون المشتبه غير محصور، مع الأخذ بعين الاعتبار المطالب الأصولية والتطبيقات الفقهية لهذا البحث.

مقدمة

لدراسة الضابطة الأصولية الفقهية للمشتبه غير المحصور في أطراف العلم الإجمالي، لا بد من البدء ببيان كليات حول العلم الإجمالي. من المباحث المهمة التي بُحثت في علم الأصول هو العلم الإجمالي وتوابعه. يتكون العلم الإجمالي، كما يتضح من اسمه، من عنصرين: العلم والإجمال. بالطبع، قُدمت تفاسير متنوعة في تبيين حقيقة العلم الإجمالي، ولكن المهم هو الانتباه إلى وجود الإجمال في هذا العلم؛ بمعنى أن العالم في هذه الحالة يعلم بجزء من المعلوم، بينما يكون جزء آخر منه غير واضح له. على سبيل المثال، تخيل أنك تعلم بوجود كوب واحد في الغرفة وتراه الآن أمامك. في هذه الحالة، معلومك لا لبس فيه وواضح من جميع الجوانب. الآن، إذا رأيت أن هناك كوبين في الغرفة، أحدهما يحتوي على خمر، لكنك لا تعرف أي منهما هو الذي يحتوي على الخمر، ففي هذه الحالة يكون وجود الكوب الذي يحتوي على الخمر واضحًا لك، لكن تحديد أي من الكوبين هو المحتوي على الخمر غير واضح. في مثل هذه الحالة التي يكون فيها جانب من جوانب المعلوم غير واضح، يُستخدم مصطلح «العلم الإجمالي»؛ على عكس الحالة السابقة التي يُستخدم فيها مصطلح «العلم التفصيلي» أو العلم المطلق.

وبهذا التوضيح، يتضح أن عنوان «الإجمالي» هو في الحقيقة صفة لمتعلق العلم أو المعلوم نفسه، وليس للعلم ذاته، حيث إن ذات العلم مساوية للوضوح والإنارة التامة. لهذا السبب، في العلم الإجمالي، المعلوم هو الذي يقع مورد الإجمال. في المثال المذكور، كان العلم بوجود كوب يحتوي على خمر في الغرفة واضحًا، لكن معلوم ذلك العلم، أي هل هو هذا الكوب أم ذاك، كان مبهمًا. ولهذا السبب، عُرّف بأنه مصداق للعلم الإجمالي.

كما اتضح، نحتاج دائمًا في العلم الإجمالي إلى أطراف ينشأ الترديد بينها، لأنه لو لم توجد هذه الأطراف لكان لدينا علم تفصيلي لا علم إجمالي. بناءً على ذلك، يرتبط تحقق العلم الإجمالي بوجود أطراف يُحتمل انطباق العلم على جميعها بشكل متساوٍ دون أن يكون قطعيًا.

ومن هنا، يُطرح في كلام الأصوليين بحث الشبهة المحصورة وغير المحصورة؛ فمثلًا، إذا كان عدد أطراف الشبهة اثنين، وكان أحدهما هو متعلق العلم في الواقع، فهذه الشبهة هي شبهة محصورة، بمعنى أن أطرافها محصورة ومحدودة. أما لو افترضنا وجود كوب واحد يحتوي على خمر بين مليون كوب، ففي هذه الحالة يُعبّر عن الشبهة بالشبهة غير المحصورة، ويُسمى المشتبه أيضًا بالمشتبه غير المحصور.

يجب الانتباه إلى أن تعيين كون المشتبهات محصورة أو غير محصورة ليس دائمًا بهذه البساطة، فقد يحدث أحيانًا شك بين انطباق كوب خمر واحد على خمسين كوبًا أو حتى أقل. لهذا السبب، نشأ بين الأصوليين بحث مهم حول تبيين ضابطة لتمييز الشبهة المحصورة عن غير المحصورة. تتجلى أهمية هذا البحث وتُفهم عندما نلتفت إلى أقوال الأصوليين في باب هذه الشبهات. لقد أوجب الأصوليون الاحتياط بمعنى الموافقة القطعية في أطراف المشتبه المحصورة، وهذا يعني أنه في المثال المذكور يجب اجتناب كلا الكوبين ولا يمكن شرب أي منهما. لكنهم لم يوجبوا الموافقة القطعية في أطراف المشتبهات غير المحصورة، بمعنى أنه لا يلزم بمجرد العلم بوجود كوب خمر واحد بين مليون كوب أن تُرمى كلها. لهذا السبب، أي بسبب اختلاف الحكم في هذين النوعين من الشبهات، فإن البحث في تعيين ضابطة لتمييزها سيكون بحثًا مهمًا.

من بين الأصوليين، سعى المحقق النائيني أيضًا، من خلال بيان ضابطة، إلى التفريق بين هذين النوعين من المشتبه. فقد رأى النائيني أن كثرة أفراد المشتبه وعدم إمكان جمعها في الاستعمال هي ضابطة تعيين الشبهة غير المحصورة، وسعى للتفريق بين هذين النوعين من المشتبه ورتّب ثمرات على هذه الضابطة. فببيانه لهذه الضابطة، جوّز المخالفة القطعية أيضًا في أطراف هذا النوع من المشتبه. هذه النظرية، في التعبير، تخالف نظرية مشهور الأصوليين، وإن كان بعد التدقيق في مراده ومراد سائر الأصوليين لا يُرى فرق عملي بين النظريتين.

لهذا السبب، يسعى هذا المقال أولًا إلى تبيين مراد المحقق النائيني بدقة ليتضح هل هو مخالف للمشهور في مقام العمل أيضًا، أم أن الاختلاف يقتصر على نوع التعبير. ثم تُدرس وتُنقد وجهة نظر النائيني، وفي الختام يُتطرق إلى تطبيق هذه الضابطة على بعض المصاديق الفقهية.

تبيين نظرية المحقق النائيني

في تقريرات المحقق النائيني، بُيّن بحث حقيقة الشبهة غير المحصورة بالنظر إلى منجزية العلم الإجمالي، بمعنى أنه قبل بيان الضابطة المتعلقة بحقيقة هذا النوع من الشبهات، تطرق إلى دراسة العوامل التي توجب تنجيز العلم الإجمالي. وبناءً على هذه النقطة، قدّم ضابطة. (النائيني، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٢٧٥).

ذكر المحقق النائيني في بيان ضابطته أن الشبهة غير المحصورة لها مكونان. الأول، أن تكون ذات أطراف كثيرة، والثاني، ألا يكون استعمال تلك الأفراد الكثيرة ممكنًا للمكلف عادةً، مع أن تلك الأفراد موجودة في محل ابتلائه. (النائيني، ١٣٥٢، ج٢، ص ٢٧٥؛ همو، ١٣٧٦، ج ٤، ص١١٧). بناءً على ذلك، كل شبهة تنطبق عليها هاتان الحالتان، ستكون شبهة غير محصورة. مثلًا، إذا كانت هناك عدة أكواب مليئة بسائل أمام المكلف، وكان أحدها يحتوي على خمر، في هذه الحالة يجب البحث هل يمكن للمكلف استعمال جميع هذه الظروف أم لا؟ فإذا لم يكن مثل هذا الإمكان موجودًا، فإن هذه الحالة من موارد الشبهة غير المحصورة.

المحقق النائيني ببيان الضابطة المذكورة، يسعى إلى إفهام أن بحث كون الشبهة محصورة أو غير محصورة لا يرتبط بموارد إسقاط منجزية العلم الإجمالي، بل إن هذا البحث يُطرح أساسًا بعد إثبات تنجيز العلم الإجمالي بصورة تامة، وهو: هل هذا التنجيز موجود أيضًا في دائرة الشبهة غير المحصورة أم لا.

بناءً على ذلك، فإن بيان ضابطة لعدّ الشبهة غير محصورة، والتي تكون في الحقيقة سببًا لعدم منجزية العلم الإجمالي، هو خروج عن محل البحث. بهذا البيان، لا يقبل المحقق النائيني تحديد الشبهة غير المحصورة بقيد خروج بعض أطرافها عن محل ابتلاء المكلف، ويعدّه خروجًا عن محل البحث. (النائيني، ١٣٥٢، ج٢، ص ٢٧٥). يمكن القول إن نظرة المحقق النائيني إلى الشبهة غير المحصورة هي نظرة إلى أحد مسقطات منجزية العلم الإجمالي في عرض سائر المسقطات. وهو يرى أن نظرة المسقطية الطولية للشبهة غير المحصورة خاطئة.

بعبارة أخرى، لدى المحقق النائيني في تعيين ضابطة كون الشبهة غير محصورة نظرة خاصة إلى منشأ هذا البحث. بالنظر إلى أن منشأ هذا البحث هو منجزية أو عدم منجزية العلم الإجمالي بالنسبة للمشتبهات غير المحصورة، فقد حصر البحث في الموضع الذي يكون فيه سبب عدم تنجيز العلم الإجمالي نابعًا من كون الشبهة غير محصورة، لأنه إذا كان سبب عدم التنجيز من جانب آخر، فلن يكون هذا البحث مرتبطًا بتقسيم الشبهة إلى محصورة وغير محصورة، وسيشمل جميع أقسام الشبهة. على سبيل المثال، إذا قيل إن الشبهة غير المحصورة هي التي يخرج بعض أطرافها عن محل الابتلاء، فإن الشبهة غير المحصورة في الحقيقة لم تُعرّف تعريفًا صحيحًا، لأن هذه الضابطة قابلة للتحقق في موارد الشبهة المحصورة أيضًا التي لها طرفان فقط. في الحقيقة، مثل هذه الضوابط، دون النظر إلى تحديد الشبهة غير المحصورة، تقتصر على بيان عدم منجزية العلم الإجمالي.

يبدو أن النائيني ببيان هذه الضابطة يسعى إلى إسقاط أحد أركان فعلية التكليف في أطراف الشبهات غير المحصورة، لأن القدرة على امتثال التكليف هي أحد أركان فعليته. من وجهة نظره، تكون الشبهة غير محصورة عندما لا توجد القدرة على امتثال جميع أطراف التكليف. وفقًا لهذا البيان، بما أن القدرة على امتثال بعض الأطراف في العلم الإجمالي في مثل هذه الشبهات غير موجودة دائمًا، فإن التكليف بالنسبة لتلك الأطراف غير المقدورة لن يكون فعليًا، وبما أن التكليف لن يكون فعليًا، فلن يطالب المولى العبد بالامتثال أيضًا. ومن هنا يُسقط المحقق النائيني وجوب الموافقة الاحتمالية في أطراف العلم الإجمالي، وسيأتي توضيح ذلك.

بمجموع هذه النقاط، اتضح مراد المحقق النائيني في الشبهة غير المحصورة تمامًا. الآن، نذكر مثالين لتطبيق البحث. إذا افترضنا أننا نعلم بنجاسة حبة قمح واحدة بين ألف حبة قمح، ففي نظر المحقق النائيني، هذه الحالة هي شبهة محصورة، لأنه على الرغم من كثرة الأطراف، فإن إمكان استعمالها جميعًا موجود عادةً. أما إذا افترضنا أن إحدى دلاء اللبن في المدينة نجسة، ففي هذه الحالة تكون الشبهة غير محصورة، لأنه على الرغم من أن عدد دلاء اللبن في المدينة ليس بقدر عدد حبات القمح، فإن إمكان استعمالها جميعًا غير موجود عادةً. ولهذا السبب، ستكون شبهة غير محصورة. في المثال الثاني، سبب عدم منجزية العلم الإجمالي هو خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، وليس كونها غير محصورة. ولرد هذه الشبهة، يصرح النائيني في عباراته بأنه حتى لو تمكن المكلف من استخدام جميع دلاء اللبن، فبما أن إمكان استعمالها جميعًا غير موجود عادةً، فإن الشبهة ستكون غير محصورة. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٧).

المحقق النائيني، بناءً على هذه الضابطة، جوّز المخالفة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة. وتوضيح ذلك أنه في أطراف الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، يُفترض نوعان من المخالفة. إذا تم العمل في أطراف الشبهة بطريقة يحصل معها اليقين بمخالفة التكليف، فقد وقعت مخالفة قطعية. أما إذا تمت المخالفة في أطراف الشبهة بطريقة لا يوجد فيها إلا احتمال ارتكاب خلاف التكليف، وليس اليقين به، فقد وقعت مخالفة احتمالية. على سبيل المثال، إذا كان أحد عشرة أكواب من السائل خمرًا، وقام المكلف بشرب جميع الأكواب العشرة، فقد ارتكب مخالفة قطعية. أما إذا شرب تسعة أكواب وترك واحدًا، ففي هذه الحالة تكون قد وقعت مخالفة احتمالية، لأنه من الممكن أن يكون الكوب الذي يحتوي على الخمر هو نفسه الذي تركه جانبًا.

يبدو أن منشأ هذا التفسير من المحقق النائيني هو مسلكه في منجزية العلم الإجمالي. فهو يعتقد أن علة تنجيز العلم الإجمالي هي تعارض الأصول في أطراف المعلوم بالإجمال مع العلم التفصيلي بوجود تكليف بين الأطراف. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ٢٥). مثلًا، إذا علمنا بوجود كوب نجس بين كوبين، فإن أصالة الطهارة في الكوب الأول وأصالة الطهارة في الكوب الثاني تتعارضان مع العلم بوجود النجاسة بين هذين الكوبين، ونتيجة هذا التعارض هي التساقط وعدم إمكان ارتكاب كلا الطرفين. بناءً على ذلك، عرّف النائيني في محل البحث ضابطة تتوافق مع هذا التعارض بين الأصول. وتوضيح ذلك أنه عندما لا توجد قدرة عادية على ارتكاب جميع الأطراف، فإن الأصل المؤمن في الطرف الذي هو خارج عن القدرة لا يجري في الحقيقة. في هذه الحالة، يجري الأصل المؤمن في الطرف الآخر دون معارض. لهذا السبب، لا يكون الاحتياط واجبًا في الشبهة غير المحصورة. بناءً على هذه النقطة، يتضح أنه من وجهة نظر النائيني، تكون الشبهة غير محصورة فقط عندما لا يوجد إمكان للمخالفة القطعية. بناءً على هذه الضابطة، فإن الشبهة غير المحصورة ليست مجرد القدرة العادية على استعمال جميع الأطراف؛ بل هي عدم القدرة على الاستعمال الذي يؤدي إلى المخالفة القطعية. على سبيل المثال، إذا علمنا بنجاسة خمسين كوبًا من بين مئة كوب ماء، فإذا كان هناك إمكان لاستعمال واحد وخمسين كوبًا فقط من هذه المجموعة، فلن تكون الشبهة غير محصورة، لأنه سيكون هناك إمكان للمخالفة القطعية. المحقق النائيني نفسه، عند بيان ضابطة الشبهة غير المحصورة، لم يشر إلى هذه النقطة (النائيني، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٢٧٦؛ همو، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٨)، ولكن من كلامه في حكم هذا النوع من الشبهات، حيث قال بجواز المخالفة القطعية، يمكن استنتاج هذا المطلب بوضوح. وقد استفاد بعض الأصوليين أيضًا من كلامه هذا الأمر. (الصدر، ١٤٠٨، ج ٤، ص ١٤٥).

بناءً على هذا التوضيح، يجب القول إن الأصوليين يجوّزون المخالفة الاحتمالية في أطراف الشبهة غير المحصورة، لكنهم لا يجوّزون المخالفة القطعية. (الصدر، ١٤١٢، ج٣، ص ٤٠٣؛ الأنصاري، ١٤١٢، ج ٢، ص ٢٦٦). المحقق النائيني، خلافًا للمشهور، بالإضافة إلى جواز المخالفة الاحتمالية، قال بجواز المخالفة القطعية في أطراف هذا النوع من الشبهات، وذكر: «ومما ذكرنا من الضابط يظهر حكم الشبهة الغير المحصورة و هو عدم حرمة المخالفة القطعية و عدم وجوب الموافقة القطعية». (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٨).

ظاهر كلام المحقق النائيني هذا يتعارض ويتنافى مع ظاهر كلمات المشهور، لأن المشهور لا يجوّزون المخالفة القطعية، بينما المحقق النائيني يجوّزها. النقطة المهمة هي أنه بقليل من البحث في كلام النائيني في كلا التقريرين الأصوليين الموجودين عنه والتأمل في تعيين مراده، يمكن الكشف بوضوح عن عدم وجود مثل هذا الاختلاف بينه وبين المشهور. لنستعرض مرة أخرى ضابطة النائيني في الشبهة غير المحصورة. لقد ادعى أنه كلما كانت أطراف الشبهة كثيرة بحيث لا يكون استعمالها جميعًا ممكنًا عادةً، فإن الشبهة تكون غير محصورة. ومن جهة أخرى، بُيّن أن معيار تحقق المخالفة القطعية هو مخالفة جميع أطراف الشبهة. بالنظر إلى هاتين النقطتين، يتضح أن مراد المحقق النائيني في مقام العمل لا يختلف عن المشهور. الفرق بين القولين يكمن فقط في كون القضية سالبة بانتفاء الموضوع أو سالبة بانتفاء المحمول. المشهور، بناءً على ضابطتهم في كون الشبهة غير محصورة، يتصورون إمكانية المخالفة القطعية، لكنهم يحكمون بعدم جوازها شرعًا. بينما المحقق النائيني أساسًا لا يرى إمكانية المخالفة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة، لأن أحد مكوني ضابطته هو عدم إمكان استعمال جميع الأطراف. بناءً على ذلك، يرى أنه أساسًا لا يُفترض وجود مخالفة قطعية في الشبهة غير المحصورة لنتحدث عن جوازها أو عدم جوازها. وبعبارة أخرى، قول النائيني إن المخالفة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة لا مانع منها، هو قضية سالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى أنه لا يوجد مانع من المخالفة القطعية، لأن المخالفة القطعية أساسًا غير ممكنة. سر تعبير النائيني بعدم الحرمة هو هذا، لأنه لو كان بيانه في صدد جواز المخالفة القطعية في فرض إمكان ثبوتها، لكان يجب أن يقول إن المخالفة القطعية جائزة (النائيني، ١٣٧٦، ج٤، ص ١١٩)، بينما هو في هذا القسم استخدم فقط تعابير سلبية.

شاهد آخر على عدم التنافي بين قول النائيني والمشهور هو أن المحقق النائيني نفسه قد بيّن هذا القول فقط في الشبهات التحريمية، لأنه بضابطته، في هذه الشبهات، يُفرض أن المخالفة القطعية خلاف كونها شبهة غير محصورة. أما في الشبهات الوجوبية التي يمكن فيها فرض ترك جميع الأطراف وتحقق المخالفة القطعية، فهو نفسه قائل بحرمة المخالفة القطعية. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٩). على سبيل المثال، إذا نذر شخص أن يشرب كوبًا يحتوي على شربة عسل، وتردد ذلك الكوب بين جميع الأكواب الموجودة في المدينة، وهو لا يملك وصولًا إلى جميع الأكواب، ولكن بمجرد عدم شرب ما هو في متناوله، تحصل المخالفة القطعية. لهذا السبب، تُفرض المخالفة القطعية في الشبهات الوجوبية، وبما أن المخالفة القطعية تستلزم نقض العلم بوجود تكليف بين جميع الأكواب، فهي غير جائزة. النائيني نفسه في الشبهات الوجوبية يقبل فقط جواز المخالفة الاحتمالية. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١١٩).

بهذا البيان، اتضح أنه في نظر المحقق النائيني في الشبهة غير المحصورة، يوجد فرق بين الشبهات التحريمية والوجوبية. المحقق النائيني، الذي يعلم بنفسه أن التفريق بين الشبهات التحريمية والوجوبية ليس مألوفًا في رأي الأصوليين الإمامية، يسعى في تبرير ادعائه إلى رد أدلة الآخرين لتبرير عدم وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية. وهو يذكر ستة أدلة من أدلة قول المشهور ويخدشها. لهذا السبب، يضطر إلى القول بالفرق بين الشبهات التحريمية والوجوبية غير المحصورة. البحث في هذه الأدلة ودراستها يحتاج إلى مقال مستقل ولا يتسع له هذا المقال. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١٢٠).

الإشكالات الواردة على المحقق النائيني

الإشكال الأول

هذه الضابطة ليست خاصة بالشبهة غير المحصورة، إذ يمكن تصور مثل هذا الفرض في الشبهات المحصورة أيضًا. على سبيل المثال، إذا علم شخص أنه في وقت الزوال يجب ألا يكون إما في هذه الغرفة أو في تلك الغرفة الأخرى، ففي هذه الحالة لا يوجد إمكان للجمع بينهما، ولكن من الواضح أن الشبهة ليست غير محصورة. بعبارة أخرى، هذه الضابطة ليست جامعة للأفراد، لأنها تشمل جميع الشبهات. أيضًا، إذا علم شخص أن أحد كوبين يحتوي على خمر، ولكن أحد الكوبين قد أخذه غاصب بحيث لا يمكن عادةً استرداده منه، ففي هذه الحالة أيضًا من الواضح أن الشبهة محصورة، ولكن ضابطة المحقق النائيني ستكون صادقة. (الخوئي، ١٤٢٢، ج ١، ص ٤٣٦). في كلا المثالين، في فرض عدم إمكان استعمال أحد الطرفين، سيجري الأصل المؤمن بالنسبة للطرف الآخر، وسيكون دليل المحقق النائيني على بيان هذه الضابطة، وهو عدم إمكان المخالفة القطعية، صادقًا.

جواب الإشكال الأول

هذا الإشكال منقول عن بعض الأصوليين، ولكنه غير صحيح، لأنه في بيان هذا الإشكال لم يُلتفت إلى أحد المكونين اللذين ذكرهما النائيني لتحقق الشبهة غير المحصورة. فالنائيني، بالإضافة إلى اشتراط عدم القدرة العادية على الاستعمال، اشترط أيضًا كثرة الأطراف بحيث تكون هذه الكثرة سببًا لعدم إمكان المخالفة القطعية. بناءً على ذلك، وفقًا لنظريته، هذا الإشكال مردود. النقطة المذكورة، في جميع الأمثلة التي ذكرها هذا المستشكل لإثبات ادعائه، قد أُغفلت. (الروحاني، ١٤١٣، ج ٥، ص ١٤١).

بعبارة أدق، لو كان جواز الترخيص في المخالفة القطعية جائزًا بمجرد فرض عدم إمكان المخالفة القطعية، لكان هذا الإشكال واردًا، لأنه في الأمثلة المذكورة أيضًا، المخالفة القطعية عقلًا أو عادةً غير ممكنة. لكن النقطة هي أن جواز الترخيص في المخالفة القطعية بحد ذاته ليس مورد ادعاء النائيني. جواز الترخيص في المخالفة القطعية، عندما يكون ناشئًا عن كثرة الأطراف، هو مورد ادعائه. وهذه الحالة توجد فقط في الشبهات غير المحصورة. وسبب التمييز بين حالة كثرة الأطراف وحالة قلتها هو أن العقلاء في حالة الكثرة يقدّمون غرض الترخيص على غرض اللزوم، ولا يرون مانعًا من هذا التقديم. بينما عندما تكون الأطراف قليلة، لا يقبل العقلاء مثل هذا التقديم، لأن تقديم أحد الأطراف سيتعارض مع علمهم بوجود تكليف، وبالنظر إلى قلة الأطراف، يسقط إمكان تقديم بعض الأطراف في نظر العقلاء. (الصدر، ١٤١٧، ج ٥، ص ٢٢٩).

الإشكال الثاني

المراد من عدم إمكان جمع الأطراف في الاستعمال غير واضح. إذا كان المراد عدم إمكان ذلك في استعمال واحد وزمان واحد، فهو باطل، لأن هذا الإمكان لا يتحقق في كثير من الشبهات المحصورة أيضًا. وإذا كان المراد عدم إمكان استعمال جميع الأطراف في وقائع متعددة، ففي هذه الحالة ستخرج كثير من موارد الشبهة غير المحصورة عن نطاق هذه الضابطة، لأن في كثير من الموارد يوجد إمكان لاستعمال جميع الأطراف على مر السنين. (الخوئي، ١٤٢٢، ج ١، ص ٤٣٧).

بهذا الترتيب، ضابطة المحقق النائيني فيها نوع من الغموض، ونحن لإزالة هذا الغموض بحاجة إلى ضابطة. هذه الضابطة لا يمكن أن تكون ضابطة صحيحة لتعيين موارد الشبهة غير المحصورة. بعبارة أخرى، هذه الضابطة إما غير مانعة للأفراد أو غير جامعة للأغيار، وفي كلتا الحالتين، ليس لديها صلاحية التمييز بين موارد الشبهة غير المحصورة والمحصورة.

جواب الإشكال الثاني

الإشكال المذكور لا يستلزم إبطال هذه الضابطة، لأنه حتى لو قبلناه، فإنه يصدق فقط في الموارد التي لها بقاء واستمرار، أما في الموارد التي هي عرفًا دفعية، فستكون هذه الضابطة تامة. على سبيل المثال، إذا افترضنا أن إحدى دلاء اللبن في هذه المدينة نجسة، ففي هذه الحالة، إمكان استعمال جميع الأطراف – وإن كان تدريجيًا – لن يكون موجودًا. بناءً على ذلك، هذه الضابطة لها قابلية الانطباق على جميع الموارد التي هي عرفًا دفعية وليست تدريجية. في الموارد التي لها استمرار عرفي، مثلًا عندما يعلم شخص أنه لا يجب أن يدخل هذه المدينة من أحد أبوابها، فإن الظاهر البدوي عدم صحة هذه الضابطة، لأنه مع أن أبواب المدينة كثيرة، إلا أن إمكان جمع الأطراف في استعمالات متعددة موجود. بقليل من التدقيق في تعبير المحقق النائيني، يظهر ضعف هذا الإشكال أيضًا، لأن النائيني قال إن الضابطة هي كثرة الأطراف بحيث لا يكون إمكان جمعها في الاستعمال موجودًا. بناءً على ذلك، لقد بيّن هذا المستشكل قسمين. مراد المحقق النائيني ليس بالضرورة أحدهما، بل في كل حالة تصدق فيها ضابطته ذات المكونين، ستكون الشبهة غير محصورة. بناءً على ذلك، في كل حالة بمجرد وجود أفراد كثر، لن تكون الشبهة غير محصورة. فالمهم في ضابطة النائيني هو عدم وجود قدرة عرفية على الجمع بين جميع الأطراف، سواء كان ذلك في واقعة واحدة أو في وقائع متعددة. (النائيني، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٢٧٦).

الإشكال الثالث

إذا كانت ضابطة المحقق النائيني صحيحة، فإن موارد الشبهة الكثيرة في الكثيرة يجب بالضرورة أن تلتحق بالشبهة غير المحصورة ولا يلزم فيها الاحتياط، ولكن القول بإلحاق الشبهة الكثيرة في الكثيرة بالشبهة المحصورة ووجوب الاحتياط فيها هو إجماعي بين الأصوليين. بناءً على ذلك، هذه الضابطة غير صحيحة. (العراقي، ١٤١٧، ج ٣، ص ٣٣٠). توضيح ذلك أنه في الشبهة الكثيرة في الكثيرة، يوجد كلا مكوني ضابطة المحقق النائيني، لأن الأطراف كثيرة جدًا، وجمع الأطراف في الاستعمال غير ممكن أيضًا. على سبيل المثال، عندما نعلم بنجاسة ألف كوب بين ألفي كوب، فإن أطراف الشبهة كثيرة جدًا. ومن جهة أخرى، لا يوجد إمكان لجمع الأطراف في الاستعمال أيضًا. بناءً على ذلك، في مثل هذه الشبهات لا يجب أن يكون الاحتياط لازمًا، بينما بإجماع الأصوليين، الاحتياط لازم وواجب.

جواب الإشكال الثالث

أكثر الأصوليين على هذا الرأي بأن الشبهة الكثيرة في الكثيرة تلحق بالشبهة المحصورة، ولكن ما هي الشبهة التي هي كثيرة في الكثيرة ليس إجماعيًا، ويبدو أن المستشكل قد خلط بين هاتين المسألتين. طبقًا لرأي المحقق النائيني، في كل مورد يوجد إمكان لجمع الأطراف الكثيرة في الاستعمال، تكون الشبهة محصورة. بناءً على ذلك، إذا علمنا بوجود خمسين كوبًا نجسًا بين ستين كوبًا، ففي هذه الحالة، مع أن الأطراف كثيرة، ولكن بما أن إمكان المخالفة القطعية في استعمال واحد موجود، فإن الشبهة محصورة. دليل ذلك هو أنه عرفًا يمكن شرب أحد عشر كوبًا من هذه المجموعة في مرة واحدة. بناءً على ذلك، في هذا المورد، مع أن أطراف الشبهة كثيرة والمعلوم بالإجمال كثير أيضًا، إلا أنه في نظر النائيني يلزم الاحتياط أيضًا. إذن، هذا الإشكال لا يمكن أن يبطل نظرية المحقق النائيني، لأن المحقق النائيني، مثل المشهور، في كثير من مصاديق الشبهة الكثيرة في الكثيرة، يلحقها بالمحصورة. النقطة المهمة هي أن المخالفة المذكورة، في سائر الموارد، هي مخالفة في تشخيص المصداق لا في الحكم، ولا تضر بالإجماع. (الصدر، ١٤٠٨، ج ٤، ص ١٤٥).

يمكن أيضًا الادعاء بأن الشبهة الكثيرة في الكثيرة هي في الحقيقة عدة شبهات محصورة قد أُنشئت من ضمها معًا. لأنه إذا كان المكلف يعلم بوجود ألف كوب يحتوي على خمر بين ألفي كوب، ففي هذه الحالة يطمئن بأنه مثلًا من كل عشرة أكواب، واحد منها خمر. بناءً على ذلك، تنشأ له عدة شبهات محصورة، وحكم الاحتياط يأتي من هذا الباب. طبقًا لهذا الادعاء، مسألة البحث أساسًا لا علاقة لها بالشبهة غير المحصورة حتى يمكن تحدي ضابطة المحقق النائيني. بالإضافة إلى ذلك، إلحاق الشبهة الكثيرة في الكثيرة بالشبهات المحصورة كان موضع نقاش بين بعض الأصوليين الآخرين أيضًا. (الروحاني، ١٤١٣، ج ٥، ص ١٤٧).

الإشكال الرابع

هذه الضابطة نفسها غير منضبطة، لأن المراد من عدم إمكان الاستعمال بصورة عادية غير واضح. الاستعمال في كل شيء يختلف عن الشيء الآخر. مثلًا، إذا علمنا بوجود قطعة شيبس نجسة بين مئتي قطعة شيبس، فعادةً ما يمكن ارتكابها في استعمال واحد. أما إذا كان نفس العلم بقطعة لحم بين مئتي قطعة، فعادةً لا يوجد إمكان لارتكاب الكل. (الخوئي، ١٤١٣، ج ٣، ص ٣٨١).

بناءً على ذلك، هذه الضابطة نفسها ليست واضحة ولا يمكن أن تكون معيارًا لتشخيص الشبهة المحصورة وغير المحصورة.

جواب الإشكال الرابع

بالنظر إلى التوضيحات التي قُدمت، فإن جواب هذا الإشكال أيضًا أمر واضح، لأن المستشكل هنا قد خلط بين اختلاف تطبيق القدرة العادية على الجمع في الاستعمال ومفهوم القدرة العادية. ما هو مختلف هو تطبيق هذه القدرة على مصاديق متفاوتة، أما ما هو واضح ومطروح في معيار المحقق النائيني، فهو وضوح مثل هذا المفهوم. بهذا الترتيب، وجود قدرة عادية على استعمال تمام الأطراف أو عدمها أمر واضح، وإن كان عدد ونوع الاستعمال في موارد مختلفة يختلف بحسب كل مورد. (الروحاني، ١٤١٣، ج ٥، ص ١٤٢).

الإشكال الخامس

طبقًا للضابطة المذكورة في الشبهة غير المحصورة، ارتكاب كل طرف بحد ذاته ممكن. من هنا، مخالفة التكليف المعلوم ممكنة. والحال أن العقل يمنع هذه المخالفة. إذن، هذه الضابطة لا يمكنها إثبات أن حرمة المخالفة في أطراف الشبهة غير المحصورة غير موجودة، وبما أن حرمة المخالفة القطعية في هذا النوع من الشبهة ثابتة، يُعلم أن هذه الضابطة ليست ضابطة دقيقة.

بعبارة أوضح، ما هو ممنوع في العلم الإجمالي هو مخالفة التكليف المعلوم، لا حصول العلم بالمخالفة، لأن النهي لا يمكن أن يتعلق بحصول العلم لدى المكلف، الذي هو من الأفعال غير الاختيارية. بناءً على ذلك، ما هو ممنوع هو مخالفة التكليف المعلوم، ومع ضابطة المحقق النائيني، توجد قدرة على مخالفة التكليف، لأن كل طرف من أطراف العلم الإجمالي قابل للارتكاب بمفرده، وبهذا الفرض، تثبت القدرة على مخالفة التكليف، ويحكم العقل أيضًا بمنع ارتكابه. بهذا الترتيب، ضابطة فضيلته لا محصل لها. (الأصفهاني، ١٣٧٤، ج٢، ص ٦١١).

جواب الإشكال الخامس

يبدو أن في هذا الإشكال، لم يُلحظ مبنى المحقق النائيني في منجزية العلم الإجمالي، وطُرح الإشكال طبقًا لغير مبناه. في نظر النائيني، علة حرمة المخالفة القطعية هي تعارض الأصول المؤمنة في أطراف العلم الإجمالي مع العلم بالتكليف، وبسبب هذا التعارض يثبت وجوب الموافقة القطعية في أطراف العلم الإجمالي. من هنا، بدون لحاظ تعارض الأصول، لا يمكن للعلم الإجمالي نفسه أن يحرّم المخالفة الاحتمالية، لأنها مخالفة احتمالية والعلم الإجمالي في نفسه لا يبيّن إلا مقدار المعلوم لديه، وفيما تبقى من مقدار المعلوم لا بيان له. إذن المخالفة الاحتمالية ليست ممنوعة. طبعًا، بعد أن يصل الأمر إلى تعارض الأصول في أطراف العلم، بسبب التعارض وتساقط الأصول المؤمنة، تُمنع المخالفة الاحتمالية أيضًا، لكن هذا المنع ليس بسبب العلم الإجمالي نفسه. بالنظر إلى هذه النقطة، يتضح أن هذا الإشكال أيضًا لا يرد على نظرية المحقق النائيني، لأنه في رأيه، ارتكاب بعض أطراف الشبهة بمفرده لا يوجب مخالفة حكم العقل بمنع الارتكاب. بعبارة أخرى، في نظر المحقق النائيني، يتعلق حكم العقل بقبح المخالفة القطعية، لا بمخالفة التكليف المعلوم بالإجمال. أساسًا، التكليف المعلوم بالإجمال، بالنسبة لما سوى المقدار المعلوم تفصيليًا، لا بيان له حتى تكون مخالفة أحد أطراف الشبهة غير المحصورة مخالفة للتكليف المعلوم. (الروحاني، ١٤١٣، ج ٥، ص ١٤٤).

أساسًا، هذا الإشكال لا يثبت حتى على مسلك العلية في منجزية العلم الإجمالي، لأنه كما بُيّن، طبقًا لضابطة المحقق النائيني في أطراف العلم الإجمالي، أساسًا لن يكون هناك تكليف فعلي بالنسبة لبعض الأطراف غير المقدورة. التكليف غير الفعلي أساسًا لن يكون مورد حكم العقل بالمنع والقبح، إذن بحث أن المخالفة الاحتمالية ممنوعة أم لا، أساسًا لن يجد مجالًا.

الإشكال السادس

الملاك في تأثير العلم الإجمالي هو فعلية أو عدم فعلية التكليف، ولكن طبقًا لضابطة المحقق النائيني، التكليف في جميع الأطراف فعلي. بناءً على ذلك، لا يوجد وجه لعدم منجزية العلم الإجمالي التي رتبها هو على ضابطته. توضيح ذلك أن كل طرف من أطراف العلم الإجمالي له قابلية الارتكاب. بناءً على ذلك، يمكن أن يتعلق به التكليف، لأن تعلق التكليف بالمقدور لا مانع منه. ما هو غير ممكن عادةً هو ارتكاب جميع الأطراف، وهو أمر انتزاعي عقلي، ولا توجد قابلية لتعلق التكليف به أيضًا. إذن، المكلف لديه قابلية ارتكاب ما يمكن أن يكون متعلق التكليف. هذه المسألة كافية لتعلق الخطاب وتنجيز العلم الإجمالي. بعد تنجيز العلم الإجمالي، يثبت وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة الاحتمالية والقطعية. (الإمام الخميني، ١٤١٥، ج٢، ص ٢٣٦).

جواب الإشكال السادس

في هذا الإشكال أيضًا، حدث خلط بين القدرة عند ارتكاب طرف واحد والقدرة عند ارتكاب الأطراف. لأن ما هو موجود وثابت هو القدرة على ارتكاب كل طرف بمفرده؛ أما ما هو محل بحثنا فهو القدرة على ارتكاب الأطراف. والقدرة على ارتكاب الأطراف غير موجودة، لأن المفروض أن الأطراف كثيرة جدًا بحيث لا يمكن عادةً استعمالها جميعًا. بناءً على ذلك، يكون استعمال كل طرف مقدورًا عندما يكون مقيدًا بعدم ارتكاب الأطراف الأخرى، وما لم يتم مثل هذا التقييد، فإن ارتكاب أي طرف ليس مقدورًا، لأنه لم يُقيّد. بعد ثبوت التكليف في طرف بفرض ترك سائر الأطراف، فإن هذا التكليف ليس له قابلية التنجيز، لأنه طبقًا لمبنى المحقق النائيني، علة تنجيز العلم الإجمالي هي تعارض الأصول المؤمنة مع العلم بالتكليف، ولكن في هذه الحالة، لا يقع مثل هذا التعارض بسبب عدم جريان الأصل في سائر الأطراف.

الإشكال السابع

الترخيص في المخالفة القطعية قبيح، وبمجرد عدم القدرة العادية عليه، لا يزول قبحه. الظلم قبيح، وإذا تيقنا أن شخصًا لن يظلم، فإن قبحه يظل ثابتًا ولا يزول. (الصدر، ١٤٠٨، ج ٥، ص ٢٤٣). في محل البحث أيضًا، جواز المخالفة القطعية قبيح، وحتى مع فرض عدم الإمكان العادي للمخالفة القطعية، فإن مثل هذا القبح لا يزول. إذن، لا يزال ذلك الترخيص قبيحًا، وبما أن الفعل القبيح لا يصدر من الشارع الحكيم، فإن مثل هذا الترخيص لم يصدر. بهذا البيان، يثبت أن ضابطة النائيني لا يمكنها إثبات عدم منجزية العلم الإجمالي في أطراف الشبهة غير المحصورة، التي رتبها هو نفسه على نظريته.

جواب الإشكال السابع

نعم، ما هو قبيح يظل قبيحًا دائمًا، ولا علاقة له بإمكان أو عدم إمكان ارتكابه. أما في الشبهة غير المحصورة، فلم يحدث مثل هذا الأمر، لأن الترخيص في المخالفة القطعية لم يُعطَ. توضيح ذلك أن المخالفة القطعية تعني ارتكاب أطراف العلم الإجمالي بحيث يحصل اليقين بمخالفة التكليف المعلوم. أما في محل البحث، فالمفروض أن بعض الأطراف ليس لها قابلية الارتكاب، بناءً على ذلك، من البداية لا يوجد إمكان للترخيص في هذا البعض، لأن الترخيص يتعلق بالمقدور لا بغير المقدور. بهذا الترتيب، في ضابطة المحقق النائيني، أساسًا لم يحدث ترخيص بالمخالفة القطعية ليُطرح مثل هذا الإشكال.

يبدو أن منشأ هذا الإشكال هو عدم التفطن لنكتة بُيّنت ضمن توضيح مبنى النائيني. وقد مرّ هناك أن قول النائيني بجواز المخالفة القطعية في أطراف الشبهة غير المحصورة هو في الحقيقة قضية سالبة بانتفاء الموضوع، لأنه طبقًا لضابطته، تصبح الشبهة غير محصورة عندما تكون المخالفة القطعية غير ممكنة، لا عندما تكون المخالفة القطعية ممكنة والشارع قد رخّص فيها، لأنه كما بيّن المستشكل، الترخيص في المخالفة القطعية بأي صورة كانت هو قبيح.

بعض التطبيقات الفقهية للمسألة

١. أحد فروع باب الوضوء من كتاب الطهارة في الكتب الفقهية هو حكم الوضوء من إناء ماء اشتبه بأوانٍ نجسة أو مغصوبة. في هذه المسألة، إذا وُجد إناء مغصوب أو نجس بين أواني ماء كثيرة، وتعذر على المكلف تمييزه، فإنها تكون شبهة غير محصورة. في هذه الحالة، من الواضح أن اجتناب أطراف هذه الشبهة لن يكون لازمًا، وكذلك طبقًا لضابطة المحقق النائيني، لن يكون اجتناب الأطراف لازمًا، لأنه حسب الفرض، أطراف الشك كثيرة، وعادةً لا يوجد إمكان لاستخدام جميع هذه الأواني. (الروحاني، ١٤١٢، ج ١، ص ١٥٠). السيد محسن الحكيم، في ذيل هذا الفرع في كتابه، أورد إشكالًا على المحقق النائيني واعتبر ضابطته التي تجيز الوضوء في هذا الفرع مخدوشة. إشكاله شبيه بالإشكال السادس الذي سبق بيانه وجوابه. (الحكيم، ١٤١٦، ج ١، ص ٢٤٧).

٢. في أحد تقريرات المحقق النائيني، طُرحت نقطة حول ما إذا كان بعد سقوط منجزية العلم الإجمالي في أطراف الشبهة غير المحصورة، يجب تحديد حكم كل طرف بواسطة القواعد الجارية في الشكوك البدوية، أم أن حكم كل طرف يتحدد بمجرد زوال العلم الإجمالي. المحقق النائيني في هذه المسألة لم يتبن مبنى، وأوقف تحديد حكم المسألة على مزيد من التأمل. على سبيل المثال، في حالة توقف صحة الوضوء على إحراز إطلاق الماء، وكان لدينا علم إجمالي بأن أحد هذه المئة إناء ماء مضاف، ففي هذه الحالة، بما أنها شبهة غير محصورة، فإن الاحتياط ليس لازمًا. الآن، إذا قلنا إن بعض الأطراف لها حكم الإناء الذي لا شبهة فيه، فإن الوضوء بمائها سيكون جائزًا. أما إذا قلنا إن بعض الأطراف لها حكم الشك البدوي، فإن الوضوء بمائها لن يكون جائزًا، لأنه لا يوجد لدينا أصل لإحراز إطلاق الماء. طبعًا، عدم إمكان جريان الأصل في هذه الحالة التي هي شك بدوي هو طبقًا لنظرية النائيني، لأن الأصل الوحيد الذي يُفترض جريانه لإثبات إطلاق الماء هو أصل الاستصحاب، ولكن النائيني أساسًا يرى أن المجعول في باب الأصول المحرزة هو بنحو لا يجعله قابلاً للجريان في أطراف العلم الإجمالي. (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ١٤). من هنا، في هذا المثال الذي ضُرب لحالة الشك البدوي، لا يوجد أصل لإحراز إطلاق الماء تعبدًا. طبعًا، النائيني لم يتبن مبنى فقهيًا في هذا الفرع، وفي كتبه الفقهية لم يُرَ له كلام حول هذا الموضوع.

النتيجة

بعد الدراسات التي أُجريت في تبيين مراد المحقق النائيني والإشكالات الواردة عليه، ما يبدو صحيحًا هو دقة هذه الضابطة، لأن هذه الضابطة من جهة تؤدي إلى سقوط منجزية العلم الإجمالي، وهو مطلوبنا في الشبهة غير المحصورة. ومن جهة أخرى، لا يُرى فيها خلط مع مناشئ أخرى لسقوط منجزية العلم الإجمالي، مثل الخروج عن محل الابتلاء قبل التنجز. كما أنه لا يوجد إشكال يمكن أن يؤدي إلى إبطالها. من هنا، ستكون نظرية دقيقة.

النقطة التي يمكن أن تكون ذات أهمية في باب البحث في الشبهات المحصورة وغير المحصورة هي أنه أساسًا ما هو سبب تقسيم أطراف العلم الإجمالي إلى هذين القسمين؟ هل هذا التقسيم هو تقسيم سابق على أدلة منجزية أطراف العلم الإجمالي، أم أنه تقسيم لاحق وبواسطة حدود وثغور الأدلة الدالة على منجزية العلم الإجمالي؟ إن دراسة هذه الموارد وموارد أخرى، مثل دراسة تفاسير هذين النوعين من الشبهات بالنظر إلى المسالك الموجودة في تفسير حقيقة العلم الإجمالي، يمكن أن تفتح طريقًا جديدًا في التعامل الصحيح والقابل للتطبيق في الأدلة الفقهية.

المصادر

١. الأصفهاني، محمد حسين (١٣٧٤ش). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الأولى. قم: سيد الشهداء.

٢. الإمام الخميني، روح الله (١٤١٥ق). أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية. الطبعة الثانية. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

٣. الأنصاري، مرتضى (١٤١٦ق). فرائد الأصول. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

٤. الحكيم، سيد محسن (١٤١٦ق). مستمسك العروة الوثقى. قم: مؤسسة دار التفسير.

٥. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٣ق). دراسات في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت عليهم السلام.

٦. الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

٧. الروحاني، سيد صادق (١٤١٢ق). فقه الصادق عليه السلام. الطبعة الأولى. قم: دار الكتاب – مدرسة إمام صادق عليه السلام.

٨. الروحاني، محمد (١٤١٣). منتقى الأصول. الطبعة الأولى. قم: دفتر آية الله سيد محمد حسيني روحاني.

٩. الصدر، محمد باقر (١٤٠٨ق). مباحث الأصول. الطبعة الأولى. قم: مطبعة مركز النشر – مكتب الإعلام الإسلامي.

١٠. الصدر، محمد باقر (١٤١٢ق). دروس في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: دار الهدى.

١١. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت عليهم السلام.

١٢. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧ق). نهاية الأفكار. قم: دفتر الإنتشارات الإسلامي.

١٣. النائيني، محمد حسين (١٣٥٢ش). أجود التقريرات. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.

١٤. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

Scroll to Top