التحليل المقارن لرؤى السيد الحكيم والشهيد الصدر في مواجهة تعارض الأدلة؛ الأسس النظرية والحلول العملية

الخلاصة

يعد تعارض الأدلة أحد التحديات الأساسية في علم أصول الفقه، والذي يتطلب دراسة دقيقة ومنهجية. يتناول هذا البحث دراسة مقارنة لآراء مفكرين بارزين، هما السيد محمد سعيد الحكيم والشهيد محمد باقر الصدر، حول تعارض الأدلة. المسألة الرئيسية هي كيف يمكن حل التعارضات الظاهرية بين الأدلة الشرعية بطريقة منهجية وعلمية. تم إنجاز هذا البحث باستخدام المنهج الوصفي-التحليلي والمقارن. من خلال دراسة معمقة لآثار ونظريات السيد الحكيم والشهيد الصدر، تم استخراج وتحليل آرائهما حول تعارض الأدلة. كما تمت مقارنة الحلول العملية لهذين المفكرين في حل التعارض من خلال دراسة حالات تطبيقية. يتميز هذا البحث بعدة جوانب مبتكرة: 1. تقديم تحليل شامل لنظرية المرجحات الثلاثية للشهيد الصدر (السندية، الدلالية والجهتية) ومقارنتها برؤية السيد الحكيم. 2. توضيح مفهوم مخالفة العامة في فكر السيد الحكيم ودورها في حل تعارض الأدلة. 3. تقديم إطار نظري جديد لتصنيف أنواع التعارض وحلولها. تظهر نتائج هذا البحث أن كلا المفكرين، على الرغم من اختلاف منهجيتهما، كانا يسعيان لتقديم حلول عملية ومنهجية لحل تعارض الأدلة. فقد اتبع السيد الحكيم، بتأكيده على إمكانية الجمع العرفي، مسارًا، بينما قدم الشهيد الصدر، بنظامه الشامل للمرجحات، مسارًا آخر، وكلاهما يكمل الآخر في حل هذه المسألة.

مقدمة

يُعدّ تعارض الأدلة، بوصفه أحد المباحث المعقدة والأساسية في علم أصول الفقه، دراسة لعدم التوافق بين الأدلة الشرعية. هذه المسألة، التي تعني التقابل والتنافي بين دليلين شرعيين أو أكثر، لها دور حاسم في عملية استنباط الأحكام الفقهية. في أوساط فقهاء العصر، فتح عالمان بارزان، هما السيد محمد سعيد الحكيم والشهيد محمد باقر الصدر، مسارات جديدة في فهم وحل تعارض الأدلة من خلال تقديم رؤى مبتكرة وتحليلات عميقة. اهتم السيد الحكيم في منهجه، مع التأكيد على أسس أصولية خاصة، بتحليل الشهرة والمرجحات الدلالية بشكل خاص، وقدم نقدًا دقيقًا للروايات المتعلقة بالمرجحات الروائية. وهو يعتقد، مع تأكيده على مفهوم مخالفة العامة كأحد المرجحات الرئيسية، أن الشهرة وحدها وبدون سند كافٍ لا يمكن أن توجب القطع بصدور الرواية. من ناحية أخرى، يقدم الشهيد الصدر نظامًا فكريًا منظمًا في هذا المجال من خلال تقسيمه للتعارض إلى مستقر وغير مستقر، وتقديمه إطارًا منسجمًا للمرجحات السندية والدلالية والجهتية. يهدف هذا البحث إلى دراسة وتحليل آراء هذين المفكرين البارزين بشكل مقارن، والغوص في أسسهما النظرية وحلولهما العملية في مواجهة تعارض الأدلة. تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها يمكن أن تساهم في فهم أعمق لأصول الفقه وكيفية استنباط الأحكام الشرعية. كما أن المعرفة الدقيقة بالمرجحات المختلفة في حل التعارض، بما في ذلك المرجحات السندية والدلالية والجهتية، يمكن أن تعزز من قوة الاستنباطات الفقهية والاجتهاد. منهج البحث في هذه الدراسة وصفي-تحليلي بمنهج مقارن، ومن خلال الدراسة الدقيقة لآثار كلا المفكرين، يتم استخراج وتحليل أوجه التشابه والاختلاف في آرائهما. يكمن الابتكار في هذا البحث في التوضيح الدقيق لمفهوم مخالفة العامة في فكر السيد الحكيم ومقارنته بنظرية المرجحات الثلاثية في فكر الشهيد الصدر.

١. تحديد المفاهيم

١-١. مفهوم التعارض

التعارض في اللغة يعني تقابل وتواجه شيئين (ابن منظور، ١٤١٤، ج٧، ص١٦٨). التعارض من باب تفاعل ويفيد معنى المشاركة. أصله من كلمة ‘العرض’ بمعنى الإظهار والكشف (الأزهري، ١٤٢١، ج١، ص٢٩٠)، كما يقال: عرضت السلعة للبيع. كما يأتي بمعنى المانعين اللذين يمنع كل منهما مرور ونفوذ الآخر. فكأن في تعارض الدليلين، كل منهما يظهر نفسه ويمنع نفوذ الدليل الآخر (الفيومي، ١٤١٤، ص٤٠٣). وفي الاصطلاح الأصولي، تعارض الأدلة هو تنافي وتناكر دليلين أو أكثر في مقام الدلالة، بحيث لا يمكن الجمع بين مدلوليهما في مقام الامتثال (المظفر، ١٤٣٠، ج٣، ص٢١٥). يكتب الشهيد الصدر في تعريف أدق: «التعارض هو تنافي دليلين في مقام الجعل أو المجعول، بنحو يكون مدلول أحدهما نقيض أو ضد مدلول الآخر» (الصدر، ١٤١٧، ج٢، ص٣٨٢). ويقول المحقق الخوئي في تعريف التعارض: «التعارض حالة يتنافى فيها دليلان من حيث المدلول، سواء كان هذا التنافي على نحو التناقض أو التضاد» (الخوئي، ١٤٢٢ ق، ج٢، ص٤١٩). ولتحقق التعارض، تلزم شروط منها: وحدة الموضوع، ووحدة المحمول، ووحدة الزمان، ووحدة الشرائط (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨، ج٣، ص٤٤٨). كما يمكن أن يكون التعارض مستقرًا أو غير مستقر؛ ففي التعارض المستقر لا يوجد إمكان للجمع العرفي بين الدليلين، أما في التعارض غير المستقر فيمكن الجمع بينهما بالتصرف في دلالة أحدهما (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، ص٤٣٦).

١-٢. أنواع التعارض

أ. التعارض المستقر: التعارض المستقر يعني التنافي غير القابل للجمع بين دليلين، حيث لا يوجد إمكان للتصرف العرفي لرفع التعارض. في مثل هذه الحالات، تدعو الحاجة إلى الرجوع للمرجحات، مثل التعارض بين روايتين تحكم إحداهما بالوجوب والأخرى بالحرمة. يُعد هذا النوع من التعارض من أعقد المسائل في علم أصول الفقه، ويتطلب دقة وبحثًا عميقًا. (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٤٥٨).

ب. التعارض غير المستقر: يعني التنافي الظاهري والقابل للجمع بين الأدلة، حيث يوجد إمكان لرفع التعارض بالتصرف العرفي. في هذا النوع من التعارض، لا حاجة للرجوع إلى المرجحات، ويمكن حل التعارض باستخدام القواعد العرفية والأصولية؛ مثل التعارض بين العام والخاص الذي يُحل بالتخصيص. هذا النوع من التعارض أسهل وأكثر قابلية للحل مقارنة بالتعارض المستقر، وله تطبيقات كثيرة في علم أصول الفقه. (المظفر، ١٤٣٠، ج٢، ص٢٣٠).

١-٣. المرجحات وأقسامها

تُعد المرجحات في علم أصول الفقه من المباحث الرئيسية في حل تعارض الأدلة، وتلعب دورًا حاسمًا في استنباط الأحكام الشرعية. هذه العوامل التي تؤدي إلى ترجيح دليل على آخر، يمكن بحثها في ثلاثة مجالات رئيسية. في المجال السندي، حظيت مرجحات مثل وثاقة الراوي، وأعلميته، وكثرة نقل الرواية باهتمام الأصوليين. هذه المرجحات، التي تتعلق بسند الرواية، تلعب دورًا كبيرًا في تقوية اعتبار أحد الدليلين (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٥٠). وفي مجال الدلالة، طُرحت مرجحات مثل الظهور الأقوى، والنص في مقابل الظاهر، والأظهر في مقابل الظاهر، والتي تتعلق بقوة الدلالة اللفظية للدليل. هذه الفئة من المرجحات، التي تتناول الجانب المعنوي والمفاهيمي للأدلة، لها أهمية خاصة في الفهم والاستنباط الصحيح للنصوص الدينية (الصدر، ١٤١٧، ج٧، ص١٥٦). كذلك، في البعد الجهتي، تُعرف أمور مثل موافقة الكتاب، وموافقة السنة القطعية، والشهرة الروائية كمرجحات، وهي تتعلق بالاعتبار الخارجي للدليل (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٤٩٦). تبلغ أهمية هذه المرجحات في عملية الاجتهاد واستنباط الأحكتم الشرعية حدًا يضطر معه المجتهد عند مواجهة تعارض الأدلة إلى دراسة هذه العوامل وتشخيص الدليل الأقوى بناءً عليها. هذا الأمر لا يقوي الأسس الاستدلالية للفقه فحسب، بل يعمل كمنهجية متسقة في حل تعارض الأدلة. وبالتالي، فإن المعرفة الدقيقة بالمرجحات وتطبيقها الصحيح من ضرورات الاجتهاد، وتلعب دورًا مهمًا في إحكام الاستنباطات الفقهية.

٢. دراسة نظرية تعارض الأدلة في فكر السيد الحكيم

٢-١. تبيين مفهوم التعارض

يظهر تبيين مفهوم التعارض في فكر المحقق الحكيم منهجًا شاملاً لمسألة التعارض في علم الأصول. يعرّف سماحته التعارض المستقر على محور تنافي مفاد ومدلول دليلين مع التأكيد على عموم دليل الحجية. العنصر الأساسي في هذا التعريف هو شرط تمامية عموم دليل التعبد في كلا الطرفين. يصرح المحقق الحكيم بأن القصور في عموم دليل الحجية يمنع تحقق التنافي المضموني، وتندرج مثل هذه الحالات في باب الجمع العرفي (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٥٢). إن قيد التعبد في هذا التعريف له دور مهم في تحديد دائرة التعارض، ويخرج الأخبار التاريخية والعلمية غير التعبدية من نطاق التعارض الاصطلاحي. نقطة أخرى مهمة في فكر سماحته هي توسيع نطاق التعارض ليشمل حوزة الأصول العملية (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٤). هذا التعريف بشموليته، مع الحفاظ على الدقائق النظرية، يقدم إطارًا فعالاً لفهم وحل مسائل التعارض في علم الأصول، وفي الوقت نفسه، يفتح الطريق لحل كثير من المسائل العملية في استنباط الأحكام الشرعية.

٢-٢. أصل عدم التعارض الواقعي بين الأدلة الشرعية

تُعد رؤية السيد الحكيم في استحالة التعارض الواقعي بين الأدلة الشرعية من النظريات البارزة في علم أصول الفقه، والتي تستند إلى أسس كلامية وأصولية متينة. يستدل سماحته، بالاعتماد على أصل وحدة منشأ الأحكام الشرعية، بأنه بما أن جميع الأحكام صادرة عن الشارع الحكيم، فإنه ينتفي إمكان وجود تعارض واقعي بينها. هذه الرؤية، التي لها جذور في الأسس الكلامية، تتوافق أيضًا مع أصل العصمة والحكمة الإلهية؛ إذ إن تنزه الشارع المقدس عن التناقض مقبول كقاعدة عقلية وكلامية. ويؤكد سماحته في تبيين أوسع لهذه النظرية أن ما يُشاهد كتعارض هو مجرد جانب ظاهري وينشأ من محدودية الفهم البشري، لا من نقص في الشريعة. هذه النظرة المعرفية لمسألة التعارض تمهد الطريق لتقديم حلول عملية في مواجهة التعارضات الظاهرية. بحسب اعتقاد سماحته، يمكن دائمًا، من خلال الدراسة الدقيقة والعميقة للأدلة المتعارضة، التوصل إلى وجه جمع يرفع التعارض الظاهري (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٧).

٢-٣. لزوم حفظ حجية الأدلة المتعارضة

في المباحث الأصولية المتعلقة بتعارض الأدلة، توجد أصول وقواعد أساسية تحدد الإطار النظري والعملي للتعامل مع الأدلة المتعارضة. يُعرف الأصل الأولي لاعتبار وحجية جميع الأدلة الشرعية كقاعدة أساسية في علم أصول الفقه، وبناءً عليه، تتمتع جميع الأدلة الشرعية في البداية بالاعتبار والحجية (المظفر، ١٤٣٠، ج٢، ص٢١٥). بعد هذا الأصل، تُطرح قاعدة مهمة أخرى وهي أن نفي حجية دليل شرعي لا يكون ممكنًا إلا بوجود برهان قطعي؛ هذه القاعدة، بدعمها العقلي والنقلي القوي، تمنع نفي حجية الأدلة الشرعية بلا دليل. كما أن ضرورة السعي لإيجاد حل والجمع بين الأدلة المتعارضة كواجب أصولي، تُلزم المجتهد بألا يكف عن هذا السعي ما دام الجمع بين الأدلة ممكنًا (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٦). وفي النهاية، لا يجوز طرح دليل شرعي إلا في حال وجود مرجح قطعي ومعتبر (الخوئي، ١٤٢٢، ج٢، ص٥٠٢). هذه الأصول تشكل مجتمعة نظامًا منسجمًا يرشد عمل المجتهد في مواجهة الأدلة المتعارضة.

٢-٤. شروط الجمع العرفي من وجهة نظر السيد الحكيم

يحظى الجمع العرفي، بوصفه أول وأهم حل للتعارض في فكر السيد الحكيم، بمكانة خاصة في استنباط الأحكام الشرعية. يقدم سماحته هذه الطريقة، بمنهج عقلاني ومبني على الفهم العرفي، كخطوة أولى في مواجهة الأدلة المتعارضة. من وجهة نظر السيد الحكيم، الجمع العرفي هو السعي لإيجاد وجه جمع يقبله العرف ويؤدي إلى رفع التنافي الظاهري بين الأدلة (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٤٧). في فكر السيد الحكيم، يجب أن يكون الجمع العرفي مبنيًا على قواعد المحاورة العرفية والعقلائية، وأن يكون بعيدًا عن كل تكلّف وتعسّف. يؤكد سماحته على أن الجمع العرفي يجب أن يكون بحيث لا يتعارض مع الظواهر القطعية للأدلة وأن تُراعى فيه أصول وقواعد المحاورة العرفية. يعتقد سماحته أن السعي في الجمع العرفي يهدف إلى حفظ حجية كلا الدليلين قدر الإمكان. يتم ذلك من خلال طرق مثل حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، أو حمل أحد الدليلين على معنى يتوافق مع الدليل الآخر. من وجهة نظر سماحته، يكون الجمع العرفي معتبرًا عندما يكون مستندًا إلى قرائن وشواهد، ولا يعتمد فقط على احتمالات ذهنية بعيدة عن الفهم العرفي. كما يؤكد أنه ما دام إمكان الجمع العرفي قائمًا، فلا تصل النوبة إلى سائر طرق حل التعارض. يعتقد السيد الحكيم أنه في الجمع العرفي يجب الانتباه إلى الأصول الفقهية المسلمة وتجنب الجموع التي تتعارض مع هذه الأصول. كما يؤكد على ضرورة الانتباه إلى السياق، والقرائن الحالية والمقالية، والفهم العرفي في الجمع بين الأدلة (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٨). في رؤية السيد الحكيم، ليس الجمع العرفي مجرد طريقة لحل التعارض، بل هو أصل عقلائي في فهم النصوص له جذور في سيرة العقلاء ومنهج المحاورة العرفية.

٣. حلول التعارض من منظور السيد الحكيم

٣-١. المرجحات السندية

تعتبر المرجحات السندية في النظام الفكري للسيد الحكيم من أهم معايير الترجيح في تعارض الأدلة. وقد بحث سماحته في كتاب ‘المحكم في الأصول’ المرجحات السندية بالتفصيل. وأهم المرجحات السندية من وجهة نظر سماحته هي: أعلمية الراوي، أوثقيته، الشهرة الروائية، تعدد طرق الرواية، وقرب الراوي الزمني من المعصوم. يعتقد السيد الحكيم أنه في حال تعارض روايتين، يجب تقديم الرواية الأقوى من حيث السند (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٠٢).

أ. صفات الراوي

يعتقد السيد محمد سعيد الحكيم، رغم إقراره بشهرة مرجح أضبطية الراوي بين الفقهاء ورجوع الأصحاب إليه، أنه لا يوجد دليل ظاهر على هذا المرجح. في دراسة الروايات المتعلقة بهذا الموضوع، تبرز روايتان محوريتان: مقبولة عمر بن حنظلة التي تنص على أن «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما» (الكليني، ١٤٢٩، ج١، ص٦٨)، ومرفوعة زرارة بعبارة «خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك» (ابن أبي جمهور الأحسائي، ١٤٠٥، ج٤، ص١٣٣). في نقده الدلالي لمقبولة عمر بن حنظلة، يستدل السيد الحكيم بأن ظاهر الرواية يقتصر على الترجيح بين قاضيين ولا يمكن تعميمه على ترجيح الروايات المنسوبة إليهما. برأيه، الترجيح المبني على هذه الصفات غالبًا ما يكون بسبب الثقة في حسن تشخيص القاضي الأفضل في اختيار المستند وتطبيق الموازين الصحيحة. أما بخصوص مرفوعة زرارة، فيورد سماحته إشكالاً سنديًا، حيث أن هذه الرواية لم تُنقل إلا في كتاب عوالي اللئالي لابن أبي جمهور الأحسائي بصورة مرفوعة (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٠٣). خلافًا لرأي الشيخ الأنصاري الذي يعتقد بجبر ضعف السند بعمل الأصحاب (الشيخ الأنصاري، ١٤١٩، ج٢، ص٧٧٦)، لا يقبل السيد الحكيم هذا الرأي؛ لأن الشهرة العملية الكافية لهذه الرواية غير محرزة. ومع ذلك، يقبل السيد الحكيم الرجوع إلى أضبطية الراوي في حالات خاصة؛ خاصة في الحالات التي يكون فيها اختلاف النسخ ناتجًا عن خطأ وغفلة الناسخ. ويسري هذا الحكم على اختلاف نسخ شخص واحد، بشرط أن تكون إحدى النسخ أكثر ضبطًا وإتقانًا (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٠٤).

ب. الشهرة

ينظر السيد الحكيم في دراسة المرجحات الروائية نظرة دقيقة لمسألة الشهرة. من وجهة نظره، من بين الأدلة المتعلقة بحجية الشهرة في مقام الترجيح، لا يمكن الاستناد إلا إلى مقبولة عمر بن حنظلة، لأن سائر الروايات مثل مرفوعة زرارة ومرسلة الفقيه لا تتمتع بالاعتبار الكافي. يؤكد سماحته أن المقصود بالشهرة في هذا البحث هو الشهرة الروائية، لا الشهرة الفتوائية أو الحكمية التي تتضمنها الرواية. من تحليل ظاهر المقبولة، يتبين أن المراد بالشهرة مفهوم قريب من الإجماع، والذي لا يمكن تحققه في فتويين متعارضتين، ولكنه يمكن أن يتحقق في روايتين متعارضتين؛ بمعنى أن كلتا الروايتين يمكن أن تكونا مجمعًا عليهما ومعروفتين بين الأصحاب (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٠٦). يعتقد السيد الحكيم أن الشهرة وحدها لا توجب القطع بصدور الخبر لتجعل الخبر المخالف في حكم مخالف السنة القطعية. في الواقع، الشهرة توجب الاطمئنان والثقة بالخبر؛ حتى في الحالات التي يقابلها خبر شاذ ونادر تركه الأصحاب. التعليل الموجود في ذيل الرواية بعبارة «المجمع عليه لا ريب فيه» يدل على أن ‘المجمع عليه’ ليس مجرد العلم في مقابل الجهل، بل يعني أيضًا الاطمئنان في مقابل الظن والتهمة. كما أن ‘الريب’ بالإضافة إلى معنى الشك في مقابل العلم، يُستخدم أيضًا بمعنى الظن والتهمة في مقابل الاطمئنان والثقة. نقطة أخرى مهمة في رأي السيد الحكيم هي أنه إذا كان إعراض الأصحاب عن خبر يكشف عن وجود خلل فيه، فإن الخبر يسقط عن الحجية. لكن بحثه هنا يقتصر على مجرد الشهرة، بغض النظر عن العمل به. المعيار الأساسي في هذا الترجيح هو كون الخبر المقابل شاذًا ونادرًا، ومجرد أن أحد الأخبار رُوي أكثر من الآخر لا يكفي (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٠٨).

٣-٢. المرجحات الدلالية

المرجحات الدلالية في فكر السيد الحكيم تتعلق بقوة وضعف دلالة الألفاظ والعبارات. يتناول سماحته هذا الموضوع بالتفصيل ويذكر أمورًا مثل: الظهور الأقوى، والنص في مقابل الظاهر، والصراحة في مقابل الكناية، والدلالة المطابقية في مقابل الالتزامية، والحقيقة في مقابل المجاز، كأهم المرجحات الدلالية. من وجهة نظره، الدليل الذي له دلالة أقوى يُقدَّم عند التعارض مع دليل ذي دلالة أضعف (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٦). من بين المرجحات الدلالية، يحظى مرجحان هما النص على الظاهر والمطابقي على الالتزامي بأهمية خاصة في فكر السيد الحكيم، وسوف نتناولهما بالتفصيل:

أ. ترجيح النص على الظاهر

يعرّف السيد الحكيم هذا المرجح بأنه أهم مرجح دلالي. من وجهة نظره، النص هو الكلام الذي لا يمكن فهم سوى معنى واحد منه ولا يحتمل معنى آخر؛ بينما الظاهر هو الكلام الذي، مع رجحان معنى واحد، يحتمل وجود معانٍ أخرى فيه. يعتقد سماحته أن سبب ترجيح النص على الظاهر هو أن النص، بسبب قطعية دلالته، يوجب اطمئنانًا أكبر بمراد المتكلم ولا مجال فيه لخلاف المراد، بينما في الظاهر، دائمًا ما يوجد احتمال إرادة خلاف الظاهر، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفًا. هذه القطعية في دلالة النص توجب قوة حجيته. يذكر السيد الحكيم أمثلة متعددة في تطبيق هذه القاعدة. في هذا المثال، يُطرح تعارض بين روايتين في باب الطهارة: الرواية الأولى تصرح بحكم النجاسة، بينما الرواية الثانية تظهر في النجاسة فقط. هذا التعارض من نوع المرجحات الدلالية حيث تُقدَّم الرواية الصريحة لقوة دلالتها وعدم الإبهام في مقصود الشارع على الرواية الظاهرة. النتيجة العملية لهذا التعارض هي أن المجتهد في مقام استنباط الحكم الشرعي يرجع إلى الرواية الصريحة؛ لأن هذه الرواية تتمتع بحجية واعتبار أكبر (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص١٠١).

ب. ترجيح الدلالة المطابقية على الالتزامية

المرجح الثاني الذي يحظى بأهمية خاصة في آثار السيد الحكيم هو ترجيح الدلالة المطابقية على الالتزامية. الدلالة المطابقية هي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له، بينما الدلالة الالتزامية هي دلالة اللفظ على لازم المعنى الموضوع له. يعتقد سماحته أن الدلالة المطابقية، لكونها مباشرة ولا تحتاج إلى واسطة في فهم المعنى، تتمتع بقوة أكبر؛ بينما في الدلالة الالتزامية، يتطلب فهم المعنى واسطة وانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم، وهذا الأمر يوجب ضعف الدلالة (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٧٢). يضرب السيد الحكيم مثالاً على ذلك بأنه إذا دلت رواية بشكل مطابقي على وجوب الصلاة، ودلت رواية أخرى بشكل التزامي (مثلاً عن طريق بيان شروط الصلاة) على وجوبها، تُقدَّم الرواية الأولى. في الرواية الأولى، تم بيان حكم وجوب الصلاة بشكل مطابقي ومباشر؛ أي أن لفظ الرواية يدل دقة ومباشرة على المعنى المقصود (وجوب الصلاة). مثلاً، الرواية تصرح بـ ‘الصلاة واجبة’ أو ‘تجب الصلاة’. في الرواية الثانية، يُفهم وجوب الصلاة عن طريق الدلالة الالتزامية؛ أي أن الرواية لا تحكم بالوجوب مباشرة، بل تدل عليه بشكل غير مباشر من خلال بيان شروط وأحكام الصلاة. مثلاً، الرواية تتحدث عن شروط صحة الصلاة أو كيفية أدائها، والذي يستلزم وجوب الصلاة. في هذا التعارض، تُقدَّم الرواية الأولى لصراحتها وقوة دلالتها، لأن الدلالة المطابقية أقوى من الدلالة الالتزامية، وفي استنباط الأحكام الشرعية، كلما كانت الدلالة أوضح وأصرح، كان اعتبارها أكبر (الحكيم، ١٣٩١، ج٢، ص٢٠٥).

٣-٣. المرجحات الجهتية

المرجحات الجهتية التي حظيت بالاهتمام في آثار السيد الحكيم، تتعلق بعوامل خارجة عن السند والدلالة. يشمل سماحته في هذه المرجحات أمورًا مثل: موافقة الكتاب والسنة القطعية، موافقة مشهور الفقهاء، موافقة الأصول العملية، الشهرة العملية، وموافقة الاحتياط. يؤكد السيد الحكيم أن المرجحات الجهتية تُستخدم في حال تساوي المرجحات السندية والدلالية. الترتيب بين المرجحات يختص بالحالات التي لم نتعدَّ فيها المرجحات المنصوصة، وإلا فلا يوجد ترتيب بين المرجحات؛ لأن الملاك هو كل مزية توجب الأقربية إلى الواقع. كما يؤكد أنه في حال تعارض المرجحات مع بعضها، يجب الانتباه إلى قوة وضعف كل منها واتخاذ القرار بناءً على ذلك (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢١٧).

أ. موافقة الكتاب

في بحث المرجحات الروائية، تحظى موافقة الكتاب بمكانة خاصة. يستند المحقق الحكيم في تبيين هذا المرجح إلى مقبولة ابن حنظلة وصحيحة عبد الرحمن، التي نُقلت في رسالة قطب الراوندي. هاتان الروايتان تتعززان بمرسلة الكليني في ديباجة الكافي ومرسلة المفيد في رسالة العدد (النوري، ١٤٠٨، ج١٧، ص٣٠٦). الروايات التي تؤكد على عرض الحديث على الكتاب والسنة، وكذلك الروايات التي تدل على طرح ما يخالف الكتاب والسنة، تفيد عدم الحجية بشكل عام، حتى في غير موارد التعارض. ومع ذلك، لم يجعل المحقق الحكيم هذه النصوص أساسًا لاستدلاله في مبحث حجية خبر الواحد، ويعتقد أن عدم الحجية الكلي يثبت فقط في حال التباين الكلي وعدم إمكان الجمع العرفي مثل التخصيص أو التقييد. في روايات متعددة عن الأئمة (ع)، وُصفت الروايات المخالفة للكتاب بأنها زخرف ومكذوب. بناءً على ذلك، الروايات التي مخالفتها للكتاب بشكل تباين كلي، تخرج من دائرة الحجية. أثار البعض إشكالاً في معنى المخالفة في نصوص الترجيح بأن المراد منها هو مخالفة ظاهر الكتاب أيضًا. تستند هذه الرؤية إلى استبعاد الفرق في معنى المخالفة في فئتي الروايات (نصوص الترجيح ونصوص طرح المخالف للكتاب). طبقًا لهذه النظرة، نصوص طرح المخالف للكتاب تفسر أدلة الترجيح. هذا الإشكال مردود من جهتين: أولاً أن الاستبعاد المذكور ليس كافيًا للخروج عن إطلاق المخالفة في نصوص الترجيح. ثانيًا، أن هذا التفسير لا يتوافق مع تأخر رتبة موافقة الكتاب عن الشهرة – التي وردت في نصوص الترجيح – لأن الشهرة توجب القطع بالصدور؛ بينما مخالفة الكتاب بنحو التباين، يترتب عليها القطع ببطلان المضمون، وتأخر رتبة موافقة الكتاب عن الشهرة لن يكون له معنى (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢١٠).

ب. مخالفة العامة

من بين المرجحات الروائية، تحظى مخالفة العامة بمكانة خاصة. يعتقد المحقق الحكيم أن هذا المرجح قد وصل إلى حد الشهرة بين الأصحاب ويعتبر شبه إجماعي. يعتقد الآخوند الخراساني أنه عندما تكون لدينا روايتان، إحداهما موافقة والأخرى مخالفة لرأي أهل السنة، فإن ترجيح الرواية المخالفة للعامة ليس لأننا نريد الترجيح بين دليلين معتبرين، بل إن رواية الموافق للعامة تسقط من الاعتبار أساسًا. وسبب ذلك هو أنه عندما تكون الرواية موافقة لرأي أهل السنة، يقوى احتمال صدورها تقية، وهذا الاحتمال القوي للتقية يمنعنا من إجراء أصل الصحة في تلك الرواية. ففي الواقع، رواية الموافق للعامة ليست حجة من البداية (الخراساني، ١٤٠٩، ص٤٣٢). لكن السيد الحكيم لا يرى هذا الاستدلال كافيًا. يقول: صحيح أن احتمال التقية في الروايات الموافقة للعامة موجود، وهذا الاحتمال معقول ومقبول، لكن قوة هذا الاحتمال ليست بالحد الذي يغنينا عن الأدلة الشرعية والتعبدية. بعبارة أخرى، مجرد احتمالنا أن رواية صدرت تقية، مهما كان هذا الاحتمال قويًا، لا يكفي لطرح تلك الرواية. ما زلنا بحاجة إلى أدلة شرعية مثل الروايات الواردة في الترجيح وإجماع العلماء (سواء الإجماع القولي أو العملي) لنتمكن من ترجيح الرواية المخالفة للعامة على الرواية الموافقة. بالإضافة إلى ذلك، يشير الحكيم إلى أن بعض النصوص السابقة التي دلت على ترجيح الموافقة للكتاب تتعارض مع رؤية المحقق الخراساني. لأن ظاهر هذه النصوص يؤكد على أخذ المرجح المذكور من موافقة الكتاب، لا من باب اشتباه الحجة باللاحجة. هذا الاختلاف في الرأي بين الأصوليين البارزين يوضح التعقيدات الموجودة في تحليل أسس المرجحات الروائية والتي تتطلب دقة نظر وبحثًا عميقًا في الأسس والأدلة (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٢١).

معيار ونطاق مرجح مخالفة العامة

في دراسة مرجح مخالفة العامة، يستند المعيار الأساسي على فتاوى وآراء أهل السنة الفقهية، لا على أخبارهم ورواياتهم. على الرغم من أن صحيحة عبد الرحمن تنص على أن المعيار هو مخالفة أخبار العامة، إلا أن المحقق الحكيم يعتقد أن هذه العبارة تشير إلى آرائهم الفقهية. يستند استدلاله على أن ما يتوافق مع مقتضى التقية هو ارتجاز الفتاوى والآراء الفقهية، لا الروايات التي قد لا يعمل بها أهل السنة أنفسهم (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٢٢٢). في حال اختلاف فتاوى العامة، فإن القدر المتيقن من موضوع النصوص هو الحالات التي يتفق فيها أهل السنة على حكم ما. بالطبع، يصرح المحقق الحكيم بأن شيوع حكم بين العامة بحيث تكون مخالفته نادرة، يمكن أن يلحق بالاتفاق. تستند هذه الرؤية على حقيقة أن غالبية الأحكام والمسائل الفقهية لا تخلو من أقوال شاذة، وتقييد تطبيق هذا المرجح بحالات الإجماع الحقيقي يحد من دائرة العمل به بشكل كبير. فيما يتعلق بنطاق مرجوحية الخبر الموافق للعامة، يعتقد المحقق الحكيم أنه لا يوجد فرق بين كون الخبر معاصرًا لزمن الصدور أو قبله. كما أن نسبة الخبر إلى السلطان أو القاضي أو غيرهم من المسؤولين لا تؤثر في هذا الحكم. المعيار الأساسي هو شيوع الحكم بين العامة بحيث يكون المذهب الإمامي في تقابل معه. تستند هذه الرؤية على إطلاق النصوص، والهم الأساسي يتعلق بالأحكام التي تخالف إجماع العامة. الجدير بالذكر أن مخالفة العامة لا تقتصر على المذاهب الأربعة. هذا التحديد غالبًا ما تشكل بعد عصر حضور الأئمة (ع)، وقبل ذلك، كانت هناك آراء فقهية أكثر تنوعًا بين أهل السنة (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٨٩).

ج. الأحدثية

يعتقد المحقق الحكيم أن تأخر صدور رواية زمنيًا لا يؤثر في مدى قرب مضمونها من الواقع أو قدرتها على كشف الواقع. بعبارة أخرى، مجرد صدور رواية في وقت لاحق لا يعني أنها تعكس الحكم الواقعي بشكل أفضل. من وجهة نظره، الروايات التي وردت في ترجيح الرواية المتأخرة لا تريد القول بأن الدليل المتأخر أفضل في كشف الواقع من بين دليلين معتبرين. بل تريد هذه الروايات القول إنه من بين حكمين مبينين، يُرجَّح الحكم المتأخر، دون أن يخل هذا الترجيح باعتبار كلتا الروايتين من حيث بيان الحكم الفعلي. هذا التحليل يتوافق مع الروايات الموجودة في هذا المجال، مثل رواية الكناني وحسين بن المختار. في هذه الروايات، نرى أن الراوي عمل بالرواية المتأخرة بناءً على فهمه الخاص، والإمام (ع) لم يمنعه من ذلك. يتضح من سلوك الراوي أنه قبل الرواية المتأخرة كوظيفة فعلية، لا أنه ظن أن الرواية المتأخرة تعكس الواقع بشكل أفضل. يؤكد المحقق الحكيم أن روايات أهل البيت (ع) عادةً ما تبين الحكم الواقعي الأولي الذي كان ثابتًا منذ بداية الشريعة، لا الوظيفة الفعلية التي تنشأ بسبب ظروف مثل التقية. يُلاحظ هذا الأمر في سائر المرجحات مثل موافقة القرآن والسنة القطعية وحتى في الروايات المتعلقة بالتقية. لأن التقية حالة ثانوية يشخصها المكلف بنفسه ويخرج بها عن الحكم الأولي. طريقة الأئمة المعصومين (ع) تؤيد هذا الرأي أيضًا، حيث كانوا عادةً ما يبينون الأحكام الكلية بدلاً من بيان الوظيفة الفعلية للمكلفين، ويتركون تشخيص الوظيفة الثانوية في ظروف التقية للمكلفين أنفسهم. ربما هذا هو السبب في أن أصحاب الأئمة، سواء في زمن حضور الإمام أو في زمن الغيبة، لم يستخدموا هذا المرجح (الأحدثية) ولم يعملوا به (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٩١). هذا التحليل الدقيق يوضح أن مرجح التأخر الزماني له طبيعة مختلفة عن سائر المرجحات ولا يمكن أن يجري في مجراها. هذا الاختلاف في النوع والموضوع يؤدي إلى خروجه من حالة التعارض.

٤. تبيين نظرية تعارض الأدلة في فكر الشهيد الصدر

٤-١. دراسة مفهوم التعارض من وجهة نظر الشهيد الصدر

يقسم الشهيد الصدر في آثاره، خاصة في ‘بحوث في علم الأصول’ (١٤١٧، ج٧، ص٢١٧)، التعارض إلى قسمين: مستقر وغير مستقر. في التعارض غير المستقر، لا يسري التنافي إلى دليل الحجية. بمعنى أن مقتضيات دليل الحجية لا تتعارض مع بعضها، ويمكن حل التنافي الظاهري باستخدام قواعد الجمع العرفي. في المقابل، التعارض المستقر هو حيث يعود التنافي إلى دليل الحجية نفسه، ولا يوجد إمكان للجمع العرفي بين الدليلين. في هذه الحالة، يكون التعارض بحيث لا يمكن حله بقواعد الجمع العرفي. هذا التقسيم والتعاريف التي قدمها الشهيد الصدر تساعد في توضيح مفهوم التعارض وطرق حله. المعيار الأساسي في هذا التقسيم هو سريان أو عدم سريان التنافي إلى دليل الحجية، والذي يمكن أن يكون مرشدًا في تشخيص نوع التعارض واختيار الحل المناسب.

٤-٢. تحليل رؤية الشهيد الصدر حول تعارض الأدلة

يقدم الشهيد الصدر في تحليل مسألة تعارض الأدلة نظرية مبتكرة وعميقة يمكن دراستها من جوانب مختلفة. من وجهة نظره، يحدث تعارض الأدلة عندما يتنافى دليلان أو أكثر في مقام الإثبات، بحيث لا يوجد إمكان للجمع العرفي بينها. هذا التعريف الدقيق يشكل أساس تحليلاته اللاحقة في مواجهة الأدلة المتعارضة. يقسم سماحته في تحليل طبيعة التعارض إلى قسمين: تعارض مستقر وغير مستقر. في التعارض المستقر الذي لا يمكن فيه الجمع العرفي، يقول بالرجوع إلى المرجحات المنصوصة. ويضع هذه المرجحات في ثلاث فئات رئيسية: المرجحات السندية، المرجحات الدلالية، والمرجحات المضمونية. النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا التقسيم هي الانتباه الخاص إلى الجوانب المختلفة للدليل في مقام الترجيح (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٠). يعتقد الشهيد الصدر أنه في حالات وجود تعارض غير مستقر، لا حاجة للرجوع إلى قواعد باب التعارض. في هذه الحالات، يمكن التوصل إلى جمع عرفي بين الأدلة من خلال الدراسة الدقيقة واستخدام القرائن والشواهد الموجودة. تظهر هذه الرؤية أن سماحته يسعى قدر الإمكان إلى الحفاظ على اعتبار وحجية الأدلة ويحاول تجنب طرحها. نقطة أخرى في فكر الشهيد الصدر هي التمييز الدقيق بين مفهومي التعارض والتزاحم. من وجهة نظره، يتعلق التزاحم بمرحلة العمل وتنفيذ الأحكام، أي حيث يكون المكلف في مقام الامتثال وتنفيذ الحكم. أما التعارض فيحدث في مرحلة جعل الحكم وإثباته، أي في المرحلة التي نتعامل فيها مع الدليل نفسه ومدلوله. هذا التمييز الدقيق واللطيف له دور مهم في توضيح المسائل الفقهية وإيجاد الحلول المناسبة لها (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٢٧). يطرح الشهيد الصدر في بحث حجية خبر الواحد وتأثيره في تعارض الأدلة نظرية خاصة. يعتقد سماحته أن حجية خبر الواحد مشروطة بعدم معارضته بدليل أقوى. هذه الرؤية تشكل أساسًا مهمًا في حل التعارض بين الأخبار (الصدر، ١٤٠٨، ص٤٠١).

٥. حلول التعارض من منظر الشهيد الصدر

يقدم الشهيد الصدر في مواجهة مسألة تعارض الأدلة حلولًا منسجمة ومنهجية يمكن تبيينها في عدة محاور أساسية. من وجهة نظره، الخطوة الأولى في مواجهة التعارض الظاهري للأدلة هي دراسة إمكانية الجمع العرفي. هذا الحل، الذي يعتمد على الفهم العرفي للأدلة، يمكن أن يرفع التعارض الأولي في كثير من الحالات (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٢٤٥). في حال عدم إمكان الجمع العرفي، يلجأ الشهيد الصدر إلى المرجحات المنصوصة. ينظم سماحته هذه المرجحات بشكل تسلسلي يشمل المرجحات السندية، الدلالية، والمضمونية. في هذا السياق، تُعد موافقة الكتاب والسنة القطعية، والشهرة الروائية، ومخالفة العامة من أهم المرجحات (الصدر، ١٤١٧، ج٢، ص٢٢٨).

٥-١. موافقة الكتاب ومخالفة العامة

يقدم الشهيد الصدر في تبيين مرجحات باب التعارض، بالاعتماد على روايات معتبرة مثل رواية قطب الراوندي، ومقبولة ابن حنظلة، ومرفوعة زرارة، نظرية شاملة. يستخرج سماحته ويحلل، بمحورية رواية قطب الراوندي، مرجحين طوليين (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣١٩). المرجح الأول هو موافقة ومخالفة الكتاب، والذي لا يمكن إعماله إلا إذا كان أحد الخبرين موافقًا للكتاب والآخر مخالفًا له. بالطبع، الفهم العرفي، بشهادته على طريقية هذه المرجحات، يقتضي أن يكون الملاك الأساسي هو مجرد عدم مخالفة الكتاب. فيما يتعلق بمسألة مخالفة الكتاب، يبين الشهيد الصدر رأيه استنادًا إلى دليلين أساسيين. من ناحية، يقبل حجية خبر الثقة المطلقة، ومن ناحية أخرى، يطرح عدم حجية الأخبار المخالفة للكتاب. بالطبع، يطرح سماحته استثناءً في هذا الخصوص، وهو الحالات التي تأتي على شكل تخصيص وتقييد بدون معارض، لأن هذه الحالات تُعد قدرًا متيقنًا من عمل الأصحاب. المرجح الثاني، وهو مخالفة العامة، في رؤية الشهيد الصدر ليس محصورًا بمخالفة الأخبار؛ بل يشمل أيضًا مخالفة الفتاوى والآراء، حتى لو كانت هذه الفتاوى مبنية على القياس والاستحسان (الصدر، ١٤٠٨، ج٥، ص٧١٣). النقطة الجديرة بالاهتمام في تحليل الشهيد الصدر هي الانتباه إلى سيرة العقلاء فيما يتعلق بالمتكلم الذي يكون في معرض التقية. بناءً على ذلك، تُعتبر مخالفة العامة قرينة على كون الموافق للعامة صادرًا تقية، وبالتالي، يُرجح المخالف للعامة على الموافق له. يؤكد الشهيد الصدر أن هذه المرجحات يمكن استخراجها من الأدلة حتى بدون النظر إلى الأخبار العلاجية، وفقط بناءً على مقتضى القاعدة. هذه النقطة تظهر قوة أسسه النظرية في باب التعارض (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٤١٥).

٥-٢. الشهرة وصفات الراوي

يقدم الشهيد الصدر في دراسة مرجحات الشهرة وصفات الراوي، بالاعتماد على مصدرين روائيين مهمين – مرفوعة زرارة ومقبولة ابن حنظلة – تحليلًا عميقًا. يبدأ سماحته بنقد سند هاتين الروايتين، وبعد الإشارة إلى ضعف سند المرفوعة بسبب الإرسال، يتناول دراسة دقيقة لسند المقبولة (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٣٠). فيما يتعلق باعتبار سند المقبولة، يثبت الشهيد الصدر وثاقة عمر بن حنظلة استنادًا إلى رواية يزيد بن خليفة. في هذه الرواية، يشهد الإمام (ع) بوثاقة عمر بن حنظلة بعبارة ‘إذن لا يكذب علينا’. بالإضافة إلى ذلك، تُطرح رواية صفوان بن يحيى عن عمر بن حنظلة كقرينة أخرى على وثاقته (الصدر، ١٤١٧، ج٢، ص٢٨٠). في تحليل مضمون المقبولة، يشير الشهيد الصدر إلى مرجحين أساسيين: الشهرة وصفات الراوي. فيما يتعلق بالشهرة، يؤكد سماحته أن هذا المرجح يعني تمييز الحجة عن غير الحجة، لا مجرد ترجيح أحد المتعارضين. تستند هذه الرؤية إلى استدلال أن الشهرة بمعنى الوضوح، والتواتر، والاستفاضة، وفي حال تعارضها مع طرف آخر، يسقط الطرف المقابل عن الحجية. يميز الشهيد الصدر في تبيين مفهوم الشهرة بين نوعين: الشهرة الروائية والشهرة الفتوائية. الشهرة الروائية تتعلق بحكاية حديث المعصوم (ع) وتساوي الاستفاضة؛ بينما تشير الشهرة الفتوائية إلى الرأي والنظر المنقول عن المعصوم (ع). يستقوي سماحته احتمال إرادة الشهرة الروائية في المقبولة بالاستناد إلى عبارة «فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقاة عنكم» (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦١).

٥-٣. الأحدثية

يتخذ الشهيد الصدر في تحليل مرجح الأحدثية منهجًا نقديًا ويعتقد أن هذا المرجح لا مكان له في باب تعارض الأخبار. يستند استدلاله على أن الترجيح بالأحدثية حكم تعبدي ومخالف للارتكاز العقلائي ويجب الاقتصار فيه على القدر المتيقن. يؤكد الشهيد الصدر أن الأخبار المتعارضة تشير إلى حكم واحد في صدر الإسلام، وأن الفارق الزمني في نقل هذه الأحكام لا يؤثر في أصل التشريع. من وجهة نظره، كلمات الأئمة (ع) كاشفة عن حكم في زمن واحد، وليست ناسخة لبعضها. في تبيين عدم اعتبار مرجح الأحدثية، يطرح الشهيد الصدر دليلين رئيسيين. أولاً، احتمال اختصاص هذا الترجيح بحالات القطع بالصدور والسماع المباشر من الإمام (ع)، بالنظر إلى تعبير «لو حدثتك بحديث» في الروايات. ثانيًا، اختصاص هذا الترجيح بالزمن الذي يكون فيه المكلف معاصرًا لصدور الحديث الثاني؛ استنادًا إلى عبارة «ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه». في تحليل أعمق، يرى الشهيد الصدر للأحدثية ظهورين: الظهور في بيان الحكم الواقعي والظهور في بيان الوظيفة العملية. لإثبات الظهور الثاني، يقدم شاهدين. الشاهد الأول، مخالفة الترجيح بالأحدثية للموازين العقلائية، وهو بحد ذاته دليل على الظهور في الوظيفة العملية. الشاهد الثاني، ذيل رواية أبي عمرو الكناني التي تشير إلى مسألة التقية. بالإضافة إلى الاستدلالات المذكورة، يشير الشهيد الصدر أيضًا إلى ضعف سند الروايات المتعلقة بالأحدثية. إرسال رواية حسين بن مختار وضعف رواية أبي عمرو الكناني، اللتين تشكلان معظم مستندات الترجيح بالأحدثية، يُعدان من وجهة نظره دليلًا آخر على عدم اعتبار هذا المرجح (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦٥).

٦. مقارنة تحليلية بين الرؤيتين

٦-١. تحليل أوجه التشابه بين النظريتين

أ. تظهر الدراسة المقارنة لآراء الشهيد الصدر والمحقق الحكيم في مسألة مرجح الأحدثية تقاربًا ملحوظًا في الأسس النظرية والاستدلالية لهذين المفكرين البارزين. كلاهما، بمنهج تحليلي-نقدي، طرحا عدم اعتبار الأحدثية المطلق كمرجح في باب تعارض الأدلة، وبينا هذه الرؤية باستدلالات متينة ومحكمة. المحقق الحكيم، بتأكيده على عدم توافق الترجيح بالأحدثية مع الموازين العقلائية في كشف الأحكام الواقعية، يستدل بأن مثل هذا الترجيح لا يمكن أن يكون معيارًا معتبرًا في استنباط الأحكام الشرعية. هذه الرؤية تتوافق تمامًا مع نظرية الشهيد الصدر في ‘بحوث في علم الأصول’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦٦)، حيث يؤكد هو أيضًا على تعارض الأحدثية مع الارتكاز العقلائي. النقطة الجديرة بالتأمل في تحليل كلا العالمين هي الانتباه إلى أصل الوحدة الزمنية لتشريع الأحكام. يستدل المحقق الحكيم، استنادًا إلى أصل ثبات أحكام الشريعة، بأن التقدم والتأخر في نقل الأحكام لا يمكن أن يكون معيارًا للترجيح (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص١٩٨). الشهيد الصدر أيضًا، بالتأكيد على هذا الأصل نفسه، يبين عدم اعتبار الأحدثية. في تحليل الروايات المتعلقة بالأحدثية، اتخذ كلا الفقيهين منهجًا مشابهًا. يرى المحقق الحكيم هذه الروايات ناظرة إلى مواقف خاصة مثل التقية. الشهيد الصدر أيضًا في ‘بحوث’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦٦) يقدم نفس التحليل من خلال دراسة الشواهد التاريخية والقرائن الموجودة في الروايات.

ب. تظهر الدراسة المقارنة لرؤى الشهيد الصدر والمحقق الحكيم في مسألة الشهرة كمرجح تقاربًا ملحوظًا في المنهجية وأسس الاستنباط لهذين المفكرين البارزين. كلاهما، بترك مرفوعة زرارة، أسسا استدلالهما حصرًا على مقبولة ابن حنظلة. هذا التشابه المنهجي يظهر دقة نظرهما وحرصهما العلمي في الاستناد إلى المصادر الروائية. في تحليل مفهوم الشهرة، يفسرها المحقق الحكيم في ‘المحكم’ (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص١٧٨) بأنها توجب الاطمئنان والوثوق بالخبر، بينما يفسر الشهيد الصدر في ‘بحوث’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦١) الشهرة بمعنى الوضوح، والتواتر، والاستفاضة. ومع ذلك، يتفق كلا الفقيهين في أصل الحاجة إلى توافق المرجحات مع الارتكاز العقلائي. هذه النقطة المشتركة المهمة تظهر في تحليل كلا المرجحين، الأحدثية والشهرة. نقطة مشتركة أخرى في فكر هذين الفقيهين هي الاهتمام الخاص بمقامي الثبوت والإثبات في استنباط الأحكام الشرعية. الشهيد الصدر، بتأكيده على معنى الاستفاضة واليقين للشهرة (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٧١)، والمحقق الحكيم، بتركيزه على دورها في جلب الاطمئنان، كلاهما يسعيان لتقديم إطار منسجم لفهم واستنباط الأحكام الشرعية. هذا المنهج المشترك يعكس عمق نظرة هذين المفكرين للمسائل الأصولية والفقهية.

٦-٢. تحليل أوجه الاختلاف بين النظريتين

أ. مسألة التعارض الاصطلاحي ونطاق شموله من المباحث المهمة في علم الأصول، والتي قدم عنها المفكران البارزان، السيد الصدر والسيد الحكيم، آراء متباينة. المحقق الحكيم (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص١٢)، بنظرة موسعة، يفسر دائرة التعارض الاصطلاحي بشكل أوسع ويشملها التعارض في الأصول العملية أيضًا. في المقابل، الشهيد الصدر في ‘بحوث في علم الأصول’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٢٣)، بمنهج أدق، يحصر التعارض الاصطلاحي في الأدلة المحرزة. يستند استدلاله على أن الأدلة المحرزة كاشفة عن الواقع، بينما الأصول العملية تفتقر إلى هذه الكاشفية وتعتبر مجرد حكم شرعي ظاهري. يؤكد المحقق الحكيم أن بعض أحكام التعارض لها طبيعة عامة، وهذا العموم يقتضي شمولها للأصول العملية. يستدل بأن ملاك التعارض هو التنافي في المؤدى، سواء كان هذا التنافي في الأدلة الاجتهادية أو في الأصول العملية. الشهيد الصدر في ‘دروس في علم الأصول’ (الصدر، ١٤٢١، ج٢، ص٣٨٥)، بالتمييز بين التمانع في النتيجة والتنافي في المدلول، يقدم تحليلًا أعمق. من وجهة نظره، ما يُلاحظ في الأصول العملية هو مجرد تمانع في النتيجة، لا تنافي في المدلول، لأن كل أصل عملي من حيث التنجيز والتعذير له نتيجته الخاصة. بالطبع، يذكر الشهيد الصدر أيضًا أن التعارض الاصطلاحي يمكن أن يحدث بين دليل حجية أصلين محرزين، لأنه في هذه الحالة يتحقق التنافي من حيث المدلول. كما يقبل سماحته في ‘بحوث’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٢٤) إمكانية التعارض بين أصل عملي ودليل محرز. المحقق الحكيم في ‘الكافي في أصول الفقه’ (الحكيم، ١٤٢٨، ج٢، ص٥٢٦)، بالتأكيد على الجانب العملي للمسألة، يعتقد أن التفريق بين الأدلة الاجتهادية والأصول العملية في باب التعارض يؤدي إلى تعقيد غير ضروري في استنباط الأحكام.

ب. في مسألة الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة، اتخذ الشهيد الصدر والمحقق الحكيم منهجين مختلفين، وهو ما يظهر في مدى قبول الجمع العرفي وشروط تحققه. الشهيد الصدر في ‘بحوث في علم الأصول’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص١٧)، بدقة نظر خاصة، يضيق دائرة الجمع العرفي ويضع شروطًا أكثر صرامة لقبوله. المحقق الحكيم، بمنهج أكثر مرونة، يرى دائرة أوسع للجمع العرفي. يصرح سماحته في ‘المحكم’ (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص٨٣) بأنه كلما كان إمكان الجمع العرفي بين دليلين قائمًا؛ يجب العمل به؛ حتى لو كان هذا الجمع من نوع التبرع. الشهيد الصدر في ‘دروس في علم الأصول’ (الصدر، ١٤٢١، ج٣، ص١٩٥) يستدل بأن الجمع العرفي يجب أن يكون مبنيًا على قرائن وشواهد محكمة ومجرد إمكان الجمع لا يكفي. يؤكد سماحته أن الجمع العرفي يجب أن يكون بحيث يؤيده العرف ومجرد الإمكان العقلي للجمع لا يكفي. يعتقد أنه إذا كان إمكان حمل أحد الدليلين على معنى يتوافق مع الدليل الآخر قائمًا، يُقدم هذا الجمع على التساقط. سماحته في ‘الكافي في الأصول’ (الحكيم، ١٤١٤، ج٢، ص٥٢٧)، استنادًا إلى سيرة العقلاء، يوسع دائرة الجمع العرفي. يظهر الفرق بين هذين المنهجين في مواجهة الحالات العملية أيضًا. الشهيد الصدر في ‘بحوث’ (الصدر، ١٤٠٥، ج٧، ص٣٦٥) في الحالات التي يستلزم فيها الجمع العرفي تصرفًا كبيرًا في ظهور الأدلة، لا يقبله ويتجه إلى المرجحات. في المقابل، يظهر المحقق الحكيم حتى في مثل هذه الحالات ميلًا أكبر لقبول الجمع العرفي.

ج. ينظر المحقق الحكيم بمنهج استقلالي إلى المرجحات ويعتبر موافقة الكتاب، وموافقة السنة، ومخالفة العامة كمرجحات مستقلة. حتى في النصوص الدالة على طرح المخالف للكتاب، يحتاط ولا يقبلها إلا في حال التباين الكلي (الحكيم، ١٤١٤، ج٦، ص١٨١). في المقابل، يقدم الشهيد الصدر في ‘مباحث الأصول’ نظرية حديثة تنتظم المرجحات بموجبها في نظام طولي. في هذا النظام، تأتي موافقة الكتاب في المرتبة الأولى ومخالفة العامة في المرتبة التالية. يظهر هذا الاختلاف في المنهج عمليًا في الحالات التي تتعارض فيها رواية موافقة للكتاب مع رواية مخالفة للعامة (الصدر، ١٤٠٨، ج٥، ص٧٥٩). النقطة الجديرة بالاهتمام في فكر الشهيد الصدر هي الاستناد إلى القاعدة الأولية في استنباط هذه المرجحات؛ بحيث يعتبرها مستقلة عن النصوص الروائية. يؤكد سماحته أن هذا الترجيح لا معنى له إلا في مقام التعارض ولا يعني سقوط حجية الطرف المقابل في سائر الحالات. هذه المرجحات من وجهة نظره لها جذور في بناء العقلاء في كشف الواقع. هذا الاختلاف في المنهج، بالإضافة إلى آثاره العملية في استنباط الأحكام الشرعية، يظهر تحولًا في النظرة إلى نظام المرجحات في أصول الفقه الشيعي.

٦-٣. تحليل نقاط القوة والضعف في كلتا الرؤيتين

يتطلب تحليل رؤى الشهيد الصدر والمحقق الحكيم في باب التعارض الاصطلاحي دراسة عميقة للأسس المعرفية والمنهجية. يقدم الشهيد الصدر في ‘بحوث في علم الأصول’، بالتمييز بين الكاشفية في الأدلة المحرزة وفقدانها في الأصول العملية، نظرية يمكن الدفاع عنها من منظور معرفي. من وجهة نظره، الأدلة المحرزة كاشفة عن الواقع؛ بينما الأصول العملية تحدد فقط الوظيفة العملية للمكلف في ظروف عدم الوصول إلى الواقع. يواجه هذا التمييز النظري الدقيق تحديات عملية، خاصة في الحالات التي يحدث فيها تعارض واقعي بين الأصول العملية (الصدر، ١٤١٧، ج٧، ص٢٤). على سبيل المثال، في تعارض الاستصحاب مع البراءة أو تعارض استصحابين، لا يكفي مجرد الاستناد إلى عدم كاشفية الأصول العملية ليكون مرشدًا. المحقق الحكيم، بمنهج أكثر براغماتية، يعتبر معيار التعارض، بغض النظر عن نوع الدليل، هو التنافي في المؤدى (الحكيم، ١٤٣٤، ج٦، ص١٢). هذه الرؤية، على الرغم من مزاياها من حيث التطبيق، إلا أن عدم التمييز الماهوي بين أنواع التعارض يمكن أن يؤدي إلى خلط المباحث وتقليل الدقة في تشخيص الحلول المناسبة. نقطة مهمة في تحليل الشهيد الصدر هي التمييز بين التمانع في النتيجة والتنافي في المدلول، والذي على الرغم من دقته النظرية، يمكن أن يؤدي في العمل إلى تعقيد مفرط في عملية الاستنباط. في النهاية، التحدي الرئيسي في هذا البحث هو إيجاد توازن بين دقة النظر المعرفية والكفاءة العملية. الحل الأمثل يمكن أن يكون في توليفة بين منهج الصدر النظري الدقيق ونظرة الحكيم العملية، بحيث تُحفظ الدقائق النظرية وتُؤمَّن الكفاءة العملية.

الخاتمة

تكشف الدراسة المقارنة لرؤى السيد محمد سعيد الحكيم والشهيد محمد باقر الصدر في موضوع تعارض الأدلة عن نتائج مهمة. يظهر هذا البحث أن كلا المفكرين، بمنهجيات مختلفة ولكن متكاملة، قد تناولا تبيين وحل مسألة تعارض الأدلة.

النتائج الرئيسية لهذا البحث هي:

في مجال الأسس النظرية للتعارض: يؤكد السيد الحكيم على أصل عدم التعارض الواقعي في الأدلة الشرعية، ويعتبر التعارضات الموجودة ناتجة عن محدوديات الفهم البشري. في المقابل، يقدم الشهيد الصدر، بتقسيمه التعارض إلى مستقر وغير مستقر، إطارًا منهجيًا لتحليل التعارضات.

في مجال الحلول العملية: يُطرح الجمع العرفي كحل محوري في فكر السيد الحكيم، بينما يؤكد الشهيد الصدر على نظام تسلسلي للمرجحات. هذا الاختلاف في المنهج يظهر تنوع المنهجيات في أصول الفقه المعاصر.

في بحث المرجحات: تظهر التحليلات أن كلا المفكرين يقران بأهمية المرجحات في حل التعارض، لكن طريقة تصنيفهما وتطبيقهما تختلف. يقدم الشهيد الصدر، بتقسيمه المرجحات إلى سندية ودلالية وجهتية، نظامًا أكثر شمولاً.

في مجال المنهجية: يكشف هذا البحث أن الجمع بين منهجيات هذين المفكرين يمكن أن يساهم في إثراء الفقه الإسلامي والاستجابة بشكل أكثر فعالية للمسائل المعاصرة. إن رؤية السيد الحكيم الشاملة إلى جانب نظرة الشهيد الصدر المنهجية تتيح إمكانية تحليل أدق لحالات التعارض.

المصادر

١. الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١ هـ). تهذيب اللغة. الطبعة الأولى، بيروت: بلا ناشر.

٢. ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد بن علي (١٤٠٥ هـ). عوالي اللئالي العزيزية. قم: مطبعة سيد الشهداء.

٣. ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤١٤ هـ). لسان العرب. بيروت: دار صادر.

٤. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ هـ). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٥. الأنصاري، مرتضى (١٤١٩ هـ). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٦. الحكيم، السيد محمد سعيد (١٤١٤ هـ). الكافي في أصول الفقه. قم: مؤسسة آل البيت.

٧. الحكيم، السيد محمد سعيد (١٤٢٨ هـ). مصباح المنهاج. بيروت: دار الهلال.

٨. الحكيم، السيد محمد سعيد (١٤٣٤ هـ). المحكم في أصول الفقه. بيروت: مؤسسة دار الكتاب.

٩. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٢٢ هـ). التعارض والترجيح. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

١٠. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٢٢ هـ). مصباح الأصول. قم: مكتبة الداوري.

١١. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٠٥ هـ). بحوث في علم الأصول. بيروت: مؤسسة الدراسات الإسلامية.

١٢. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٠٨ هـ). الحلقة الثالثة في علم الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١٣. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٠٨ هـ). بحوث في علم الأصول. بيروت: مؤسسة الدراسات الإسلامية.

١٤. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٧ هـ). بحوث في علم الأصول. بيروت: الدار الإسلامية.

١٥. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٢١ هـ). دروس في علم الأصول. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١٦. الفيومي، أحمد بن محمد (١٤١٤ هـ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. الطبعة الثانية، قم: بلا ناشر.

١٧. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٢٩ هـ). الكافي. قم: دار الحديث.

١٨. المظفر، محمد رضا (١٤٣٠ هـ). أصول الفقه. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١٩. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨ هـ). أنوار الأصول. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب.

٢٠. النوري، حسين (١٤٠٨ هـ). مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. قم: مؤسسة آل البيت.

Scroll to Top