الاتجاهات والمباني في التقسيم المرحلي لحياة الأئمة (ع)

الملخص: قام جمع من أصحاب الرأي، وضمن تصنيف خاص، بتقسيم حياة الأئمة المعصومين (ع) إلى عدة أدوار، لكل دور منها فروقاته التي تميزه عن الآخر، وهو مستقى من رؤية خاصة. تسعى هذه المقالة، ضمن عرضها تقريراً عن هذه الاتجاهات وأصحابها، إلى استكشاف مباني أصحاب هذه النظرية ومدى انطباقها على حياة أولئك العظماء. وتشير نتيجة هذا البحث إلى أن هذه النظرية ليست ذات قدم تاريخي طويل، بل تعود إلى نصف القرن الأخير، كما أنه لا يوجد منهج موحد في هذا التقسيم، ولا يمكن تطبيقه على حياة الأئمة (ع) ؛ ذلك أن مقتضيات ظروف حياة كل إمام أدت إلى تفاوت في سلوكهم، ولا يمكن الحديث بصراحة عن تفاوت في أدوارهم.

مقدمة

في العقود الأخيرة، ظهر اتجاه خاص في تدوين تاريخ الأئمة المعصومين (ع) يقوم على تقسيم حياتهم إلى أدوار وبيان خصائص كل دور منها. ولا شك أن الباحثين والكتّاب الذين تبنوا هذا المنهج كانت لهم أهدافهم الخاصة، وهذا التقسيم تترتب عليه، عن وعي أو غير وعي، نتائج يمكن أن تكون جديرة بالاهتمام عند دراسة سيرة أهل البيت (ع). والمقصود من التقسيم المرحلي هو تقسيم مجموع تاريخ الإمامة، أي من حياة أمير المؤمنين (ع) حتى نهاية عصر الغيبة، إلى عدة أدوار. وقد تم اتباع هذا المنهج للعثور على قاسم مشترك في حياة عدد من الأئمة واعتباره دوراً واحداً.

وفيما يتعلق بسابقة هذا البحث، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد في المصنفات القديمة التي تناولت حياة الأئمة (ع) أي حديث عن تقسيم مرحلي أو ذكر لمراحل من تاريخهم. إن استعراض المصنفات المؤلفة حول سيرة الأئمة (ع) يكشف أن هذه الرؤية والاتجاه يعودان إلى العصر الحاضر. وتسعى هذه المقالة من خلال دراسة الرؤى المذكورة إلى الإجابة عن هذا السؤال: ما هي أهداف هذه النظرية ومبانيها؟.

١. بيان الرؤى

تناول كتّاب تاريخ الأئمة (ع) حياتهم باتجاهات مختلفة ؛ فتارة يكون الاتجاه كلامياً، وتارة أخرى يكون بغرض استلهام النماذج في الحياة الفردية أو الاجتماعية. وتتأثر هذه الاتجاهات بالظرف الزماني أيضاً، فمتطلبات العصر تدفع إلى تقديم تحليلات جديدة لحياة أولئك العظماء. ومع بداية عصر نضال الشعوب ضد الحكومات المستعمرة في العصر الحديث، عمد علماء من الشيعة إلى تحليل حياة الأئمة (ع) على أساس طابعها النضالي. وهذا التحليل والبيان، الذي يعود إلى نصف القرن الأخير، لم يكن له وجود في الحقب السابقة ، التي يمكن وصف سماتها بالتركيز على الجانبين المناقبي والعاطفي. أما أحد الاتجاهات في العصر الحاضر، فهو التقسيم المرحلي لتاريخ الأئمة (ع) بهدف استخلاص قراءة سياسية واجتماعية من حياتهم.

أول من طرح هذه النظرية هو آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (١٤٠٠ هـ / ١٩٨٠ م) ؛ وبناءً عليه، يعود تاريخ هذا البحث إلى نحو نصف قرن. وقد كتب سماحته أو ألقى محاضرات حول الأئمة المعصومين (ع)، جُمعت في كتاب بعنوان “أهل البيت: تنوع أدوار ووحدة هدف”. في البداية، نُشر الكتاب بهذا العنوان بشكل موجز، ثم أُضيفت إليه في طبعات لاحقة بعض كتابات المؤلف ومحاضراته. وبحسب ما ورد في “معجم ما كتب عن الرسول وأهل بيته” للرفاعي (١٣٧١ هـ.ش)، فإن كتاب الشهيد الصدر نُشر في طهران عام ١٩٨٧م في ١٥٢ صفحة، بينما تتجاوز الطبعة الحالية للكتاب الخمسمئة صفحة. ورغم أن عنوان الكتاب يتطابق تماماً مع موضوع مقالتنا، ويُتوقع أن تكون جميع محتوياته حول أدوار حياة الأئمة (ع)، إلا أن جزءاً منه فقط يتناول الموضوع الذي نحن بصدده، أما بقيته فتبحث في مباحث الإمامة العامة وحياة الأئمة. ولما كانت رؤية المؤلف تقوم على أن الأئمة المعصومين (ع) سعوا لتحقيق هدف وبرنامج واحد بإجراءات مختلفة تقتضيها الظروف، فقد هيمن هذا العنوان على الكتاب بأكمله ومباحث المؤلف.

يُستفاد من دراسة الكتاب أن المؤلف قسم أدوار حياة الأئمة (ع) إلى ثلاث مراحل، وهي كالتالي:

في المرحلة الأولى، التي تختص بأمير المؤمنين والحسنين والإمام السجاد (ع)، حال الأئمة دون وقوع الانحراف في أصل الإسلام. أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، فقد شهدت بداية تنظيم أهل البيت (ع) للجماعة الخاضعة لأمرهم، أي الشيعة، وعُبّر عن ذلك بـ”بناء الكتلة”. وتبدأ المرحلة الثالثة من زمن الإمام الكاظم (ع)، حيث قام الأتباع الذين تربوا على يد أهل البيت في المرحلة الثانية بتضييق الخناق على جهاز الخلافة.

بعده، أولى قائد الثورة المعظم سماحة آية الله الخامنئي اهتماماً بهذا التقسيم، ويعود اهتمامه بهذا الموضوع إلى عام ١٣٥٠ هـ.ش. وقد قسّم سماحته في محاضرة ألقاها قبل الثورة ونُشرت لاحقاً بعنوان “پيشواى صادق” (الإمام الصادق)، حياة الأئمة إلى أربعة أدوار، وبيّنها على النحو التالي:

الدور الأول: (٢٥) عاماً، وهو دور السكوت أو التعايش من قبل الإمام مع السلطة الحاكمة. الدور الثاني: وهو زمن خلافة أمير المؤمنين (ع) والأشهر القليلة من حكومة الإمام المجتبى (ع)، وهو دور سلطة الإمام. الدور الثالث: عشرون عاماً من صلح الإمام الحسن (ع) إلى قيام الإمام الحسين (ع) (من ٤٠ إلى ٦٠ هـ)، وهو دور “السعي البنّاء قصير الأمد لإقامة الحكومة والنظام الإسلامي”. الدور الرابع: هو زمن المطاردة والملاحقة واستمرار النهج نفسه في خطة طويلة الأمد، تبدأ من محرم عام ٦١ هـ بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) ومع إمامة علي بن الحسين (ع).

وفي محاضرة أخرى ألقيت عام ١٣٦٤ هـ.ش في مؤتمر الإمام الرضا (ع)، ونُشرت في كتاب بعنوان “عنصر مبارزه در زندگانى ائمه (ع)” (عنصر النضال في حياة الأئمة)، قسّم سماحته حياة الأئمة (ع) إلى أربعة أدوار ، مع اختلاف في مضمون الأدوار على النحو التالي:

الدور الأول يشمل عصر أمير المؤمنين والحسنين (ع). الدور الثاني من الإمام السجاد إلى الإمام الصادق (ع). الدور الثالث هو دور الإمام الكاظم والإمام الرضا (ع). والدور الرابع من الإمام الجواد (ع) حتى الغيبة الكبرى.

يرى سماحته أن دور أمير المؤمنين والحسنين (ع) هو دور غربة الإمامة، وأن هؤلاء الأئمة الثلاثة سعوا لإعادة المجتمع إلى عصر رسول الله (ص). أما دور الأئمة الثلاثة اللاحقين فيشمل بدوره ثلاث مراحل: فالإمام السجاد (ع) في مرحلة الرعب والترهيب، اعتمد على الدعاء والعبادات لإعداد الكوادر ، بينما ركز الصادقان (ع)، في ظل ظروف أفضل، على نشر التعاليم الدينية. وبشكل عام، تعتبر الفترة من عام ٦١ هـ إلى ١٣٥ هـ (خلافة المنصور) ذروة الحركة، لكن تظهر مشكلات بعد عام ١٣٥ هـ. وتعود الحركة النضالية للأئمة (ع) إلى ذروتها مرة أخرى في زمن الإمام السابع (ع). أما عصر الإمام الرضا (ع) فهو دور انتشار الفكر الشيعي ، ويُعدّ هذا الزمن فترة مناسبة للأئمة، حيث كان هناك ميل كبير نحو الإمام الرضا (ع). وأما فترة الأئمة من التاسع إلى الحادي عشر (ع)، فقد كانت زمن اشتداد الخناق والمؤامرات ضدهم، وتُعدّ المهدوية بداية فصل مهم في تاريخ الشيعة.

وفي مصنف آخر، يعتبر قائد الثورة المعظم أن بداية الدور الثالث كانت من زمن الإمام السجاد (ع). ويشير في هذا المصنف إلى المراحل الأربع بشكل موجز دون تفصيل للأدوار، وإنما يذكرها بمناسبة الحديث عن حياة الإمام الرابع تحت عنوان “تكتيك بداية الدور الثالث لحركة الأئمة” حيث يقول: “… في بداية حركة الأئمة في الدور الثالث من أدوار الإمامة، الذي يبدأ مع حياة الإمام السجاد، لا نرى تعرضاً من قبله للسلطة الحاكمة”. إجمالاً، يتضح أن سماحته قسم حياة الأئمة (ع) إلى أربعة أقسام، لكن مضمون الأدوار جاء مختلفاً في بياناته الثلاثة.

في نفس الفترة تقريباً، تحدث الشهيد مرتضى المطهري (المتوفى ١٣٥٨ هـ.ش) في آثاره بشكل مجمل عن هذه الأدوار. يقول في بحث له بمناسبة الثورة الإسلامية: “وضع شعبنا في بداية الثورة يشبه وضع صدر الإسلام، يجب تحطيم القوى الحاكمة القائمة، إنه دور الجهاد والنضال. في صدر الإسلام، استمر هذا الوضع حتى زمن أمير المؤمنين (ع)، بل اشتد بسبب ظهور أمثال معاوية وانحراف الخلافة عن مسارها الأصيل. وفي زمن الإمام الحسين (ع)، عندما يتولى شخص مثل يزيد الزعامة، يقوم الإمام الحسين بالثورة والانتفاضة. ولكن منذ أواخر القرن الأول، وخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وهي فترة سائر الأئمة، وبالأخص القرن الثاني، يطرأ على العالم الإسلامي تحول خاص؛ تُفتح جبهات جديدة ضد الإسلام، تُترك السيوف جانباً وتُرفع الكتب، ويبدأ الناس في السعي لمعرفة هذا الدين السماوي الذي جاء فقلب نظام العالم وأوجد نظاماً جديداً”.

“إن زمن الإمام الصادق (ع) من الناحية الإسلامية هو زمن فريد من نوعه، زمن النهضات والثورات الفكرية”. “يختلف زمن الإمام الصادق (ع) عن زمن الإمام الحسين (ع) اختلاف السماء عن الأرض. كان زمن الإمام الحسين فترة خناق تام، ولذلك فإن ما نُقل عن الإمام الحسين من أحاديث طوال مدة إمامته لا يتجاوز ظاهراً الخمس أو الست جمل. وعلى العكس من ذلك، في زمن الإمام الصادق (ع)، وبسبب هذه الخلافات السياسية وهذه النهضات الثقافية، تهيأت أرضية خصبة”.

وكما هو واضح، فإن الشهيد المطهري كان يتبنى هذه الرؤية أيضاً، لكنه لم يتناولها بالشرح والتفصيل. وحسب علمنا، لم يقم المطلعون على نظرياته بتوسيع هذه الرؤية وشرحها. وقد أُدلي ببعض هذه الأقوال في عام ١٣٥٠ هـ.ش والبعض الآخر في عام ١٣٥٧ هـ.ش.

كتب محمد رضا حكيمي في عام ١٣٥٥ هـ.ش كتاب “الإمام في عينية المجتمع”، وخصص قسماً منه للتقسيمات المتعلقة بأدوار حياة الأئمة. ويتناول قسم آخر من هذا الكتاب تحليل حياة الإمام المجتبى (ع) وفترته. وقد قسم أدوار حياة الأئمة (ع) إلى ثمانية أقسام: ١. من وفاة النبي (ص) إلى شهادة أمير المؤمنين (ع). ٢. دور العشرين عاماً الحسني. ٣. سبعة أشهر من النهضة الحسينية. ٤. دور الإمام السجاد (ع). ٥. الإمامان الصادقان (ع). ٦. الإمام الكاظم (ع). ٧. الإمام الرضا (ع). ٨. الأئمة من التاسع إلى الحادي عشر (ع).

تتميز الفترة الأولى بالمراقبة والإشراف على الأمور، فقد قال الإمام علي (ع): “ما دمت حياً، لن يضيع حد من حدود الله”. أما الدور الثاني، فهو دور النضال والمواجهة مع الباطل. والدور الثالث هو واقعة عاشوراء. والدور الرابع هو واقعة الحرة، ويشمل خمسة محاور: التربية بالدعاء، إحياء عاشوراء، رعاية المسلمين، إعداد الإمام الباقر (ع)، وتربية زيد لاستمرارية عاشوراء. والدور الخامس هو نشر المباني العقائدية والفقه والأخلاق، والتربية والتحرك من خلال تأييد ثورات السادة. والدور السادس هو حركة شبيهة بعاشوراء، كما كان هارون في ذروة الانحراف. والدور السابع ينقسم إلى قسمين: فترة المدينة وفترة خراسان. أما الدور الثامن فهو زمن المواجهة بين الشيعة والسنة وتنظيم الشيعة.

عادل أديب، كاتب عراقي معاصر، استلهم رؤية الشهيد الصدر وتابعها بالشرح والتفصيل. وقد نُشر له عملان متشابهان يتناول فيهما تقسيم أدوار حياة الأئمة (ع): أ) “دور أئمة أهل البيت في الحياة الإسلامية”، الذي تُرجم بعنوان “نقش امامان معصوم در حیات اسلام”. ب) “الأئمة الاثنا عشر: دراسة تحليلية”، الذي تُرجم بعنوان “زندگی تحلیلی پیشوایان ائمه دوازده گانه”. يختص الكتاب الأول بتاريخ الإمامين الأولين، أمير المؤمنين والإمام المجتبى (ع) ، بينما يتناول الكتاب الثاني حياة جميع الأئمة (ع). وبالطبع، فإن ما يتعلق ببحثنا موجود في كلا الكتابين، وقد تكرر جزء من المباحث في العملين. كُتب الكتاب الأول في عام ١٤٠٣ هـ، ويبدو أن الكاتب، بعد تقديمه مقالات حول الأئمة اللاحقين، أكمل مباحثه ونشر الكتاب الثاني. وسيأتي تفصيل تقسيمه في القسم الثالث من هذا البحث ضمن باب الدراسة والملاحظات.

يكتب آية الله السبحاني في مقدمة كتاب “سيرة الأئمة”: “إن الخطة العامة لهذا الكتاب تقوم على أساس تقسيم فترة الإمامة إلى أربعة أدوار”. وقد أوضح الأستاذ پيشوايي في متن كتاب “سيرة الأئمة” هذه الأدوار الأربعة على النحو التالي: صبر الإمام ومداراته، الوصول إلى السلطة، السعي قصير الأمد لإقامة الحكومة، استمرار النهج نفسه في خطة طويلة الأمد. وقد أرجع إلى كتاب “پيشواى صادق”، ومن الواضح أنه أخذ هذا التقسيم من آية الله الخامنئي، وأن الأدوار التي يقصدها ليست سوى الأدوار الأربعة التي طرحها قائد الثورة. وبناءً على ذلك، فإن رأي آية الله السبحاني والأستاذ پيشوايي هو نفس رأي قائد الثورة ومستقى منه.

من المنظرين الآخرين لأدوار حياة الأئمة (ع) علي صفائي (المتوفى ١٣٨٧ هـ.ش). ففي المجلد الثاني من مجموعته الثلاثية “دروس من الثورة”، الصادر بعنوان “التقية”، يقسم تاريخ التقية، الذي هو نفسه تاريخ الأئمة، إلى عشرة أدوار: ١. علي (ع) مع الخلفاء. ٢. علي (ع) في زمن خلافته. ٣. الحسنان (ع) في زمن معاوية. ٤. الحسين (ع) في زمن يزيد. ٥. السجاد (ع) بالتزامن مع الاضطرابات. ٦. الصادقان (ع). ٧. الكاظم والرضا (ع). ٨. الجواد والهادي والعسكري (ع). ٩. الغيبة الصغرى. ١٠. الغيبة الكبرى. ويتساءل: “هل علينا في زماننا أن نختار السكوت والصبر، أم المواجهة بلا مساومة، أم الصلح، أم الملحمة، أم الزهد والعبادة، أم الفقه، أم التسليم الكاظمي، أم التناغم الرضوي؟”.

أحدث أثر نُشر حول موضوع أدوار حياة الأئمة هو كتاب “تدبر در سیره تاریخی اهل بیت” (تدبر في السيرة التاريخية لأهل البيت) لمحمد حسين إلهي زاده. قسم هذا الكتاب حياة الأئمة (ع) إلى ستة أدوار: ١. تأسيس الإسلام (سيرة السيدة الزهراء (س) والإمام علي (ع)). ٢. الدفاع عن الإسلام المحمدي الأصيل (الحسنان (ع)). ٣. التبيين العلمي والثقافي للإسلام المحمدي الأصيل (من الإمام السجاد إلى الإمام الصادق (ع)). ٤. ترويج الدين وبناء الثقافة العامة للإسلام المحمدي الأصيل (من الإمام الكاظم إلى الإمام الهادي (ع)). ٥. التمهيد للغيبة (الإمام العسكري (ع)). ٦. عولمة الإسلام المحمدي الأصيل (الإمام المهدي (عج)). وقد شرح هذا الكتاب حياة الأئمة تحت هذه العناوين.

في عملين من إصدارات ممثلية قائد الثورة في الجامعات (مجموعة التاريخ)، تم التطرق إلى هذه الأدوار أيضاً. الأول هو كتاب “تاريخ الإمامة” لأصغر منتظر القائم. هذا الكتاب، الذي أُلف للاستخدام الطلابي، يتحدث عن عدة أدوار بالترتيب، ونظم فصول كتابه على أساسها: ١. عصر خلافة أمير المؤمنين (ع). ٢. فترة إمامة الحسنين (ع). ٣. فترة الإمام السجاد (ع) وتداعيات عاشوراء. ٤. فترة الازدهار الثقافي للإمامة. ٥. فترة الإمام الكاظم والإمام الرضا (ع). ٦. فترة الوكالة والسفارة. ويبدو أنه لم يقصد التقسيم المرحلي لحياة الأئمة، بل قام بهذا التقسيم بهدف التنوع والتفنن في عنونة الفصول وتقسيمها. الكتاب الثاني هو “تاريخ أئمة الشيعة” لحميد أحمدي، الذي يطرح ستة أدوار لشرح حياة الأئمة: ١. العصر الأول للإمامة. ٢. الإمام علي (ع) في سدة الحكم. ٣. عصر الصمود والمقاومة. ٤. تأسيس النهضة الثقافية. ٥. عصر التكاثر والتنظيم الشيعي. ٦. العصر الجديد في حياة الشيعة. واكتفى هذا الكتاب أيضاً بالعناوين فقط، ولم يدمج مفهوم الأدوار في محتوى الكتاب وسيرة الأئمة.

٢. أهداف النظرية ومبانيها

إن الذين يتحدثون عن التقسيم المرحلي لتاريخ وحياة الأئمة الأطهار (ع) يقومون بهذا التقسيم من وجوه مختلفة ومن زوايا متنوعة؛ فتارة يكون التقسيم بحسب أوضاع الشيعة، وتارة أخرى بالنسبة إلى تعامل الحكام والخلفاء المعاصرين لهم، وتارة بحسب أسلوب النضال، وتارة من زاوية البرامج التي كان أولئك العظماء يتبعونها للوصول إلى هدفهم الإلهي.

في التقسيم القائم على عصر الخلافة والخلفاء المعاصرين لهم، يمكن تقسيم عصر الأئمة (ع) إلى ثلاثة أقسام على الأقل: ١. فترة الخلفاء الأوائل، التي تشمل فقط زمن أمير المؤمنين (ع). ٢. فترة بني أمية، التي تمتد من الإمام الحسن (ع) إلى جزء من فترة الإمام الصادق (ع). وبالطبع، يمكن تقسيم فترة بني أمية إلى قسمين: الأموي والمرواني، حيث تبدأ الفترة المروانية من زمن الإمام السجاد (ع). ٣. الفترة التالية تبدأ من انتقال الخلافة إلى بني العباس حتى نهاية عصر الأئمة، وتقع حياة وإمامة الأئمة الستة اللاحقين في هذه الفترة.

وفي التقسيم القائم على أوضاع الشيعة، لا شك أن الأئمة (ع) تصرفوا بشكل مختلف بحسب ظروفهم وأتباعهم وأنصارهم. على سبيل المثال، يختلف وضع الشيعة في زمن أمير المؤمنين (ع) تماماً عن وضعهم في عصر الإمام الصادق (ع). في عصر أمير المؤمنين (ع)، وحتى الإمام الحسن والإمام الحسين (ع)، كان للتشيع طابع سياسي في الغالب، وكان بعض من يُدعون بالشيعة يقبلون بالخلفاء، أو على الأقل بالشيخين. أما في عصر الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، عندما بدأ الشيعة يتعرفون تدريجياً على معارفهم، فقد تبرأوا من الخلفاء. وإذا تجاوزنا هاتين الفترتين العامتين، يمكننا طرح تصنيفات أكثر تفصيلاً لكل مجموعة من الأئمة بحسب الأوضاع السياسية والاجتماعية للشيعة. ترتبط الفترة الأولى بأمير المؤمنين (ع) حتى الإمام السجاد (ع)، حيث لم يكن لدى الشيعة معرفة كبيرة بالأئمة. في عصر الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، حيث تم بيان المعارف من قبل هذين الإمامين، كان اتباع الشيعة لهما بصفتهم أئمة مفترضي الطاعة. وفي جزء من عصر الإمام الصادق (ع) وفي عصر الإمام الكاظم والإمام الرضا (ع)، عرف الشيعة أنفسهم جيداً وتميزوا عن مخالفيهم المذهبيين، بل وسعوا إلى ممارسة أنشطة سياسية. أما في عصر الأئمة الثلاثة الأخيرين، فقد أصبحت الظروف أكثر صعوبة، واشتدت الخلافات داخل المذهب من جهة أخرى.

أما في التقسيم المبني على أداء الأئمة (ع) تجاه أوضاع وظروف عصرهم، فيمكن تقديم التصنيف التالي: ١. فترة السكوت، وتشمل الجزء الأكبر من حياة أمير المؤمنين والحسنين (ع). ٢. فترة الخلافة ودخول الساحة السياسية، وتشمل جزءاً قصيراً من حياة أولئك العظماء الثلاثة وجزءاً من حياة الإمام الرضا (ع). ٣. فترة تبيين المعارف، وهي زمن الإمام السجاد (ع) إلى الإمام الصادق (ع). ويقع الجزء الأكبر من حياة الإمام الرضا (ع) وتبيينه للإمامة في هذا القسم أيضاً. ٤. فترة الإمام الكاظم (ع)، والتي يمكن اعتبارها نوعاً من النضال السلبي. ٥. فترة الإعداد للغيبة، وهي عصر “أبناء الرضا”. يمكن عرض هذا التقسيم بشكل أضيق أو أوسع، ومن المحتمل أن الأستاذ حكيمي كان يقصد هذا النوع من التقسيم، مع فارق أنه اعتبر الأدوار أكثر عدداً.

النظرة الأخرى لحياة الأئمة (ع) هي التقسيم والتصنيف المرحلي بالنسبة إلى هدفهم وبرنامجهم ؛ أي إن أولئك العظماء، على الرغم من اختلاف الظروف، كانوا يتبعون برنامجاً وهدفاً واحداً، وكانت لهم استراتيجية موحدة تماماً. فالسكوت والنضال والصلح والحرب والجهد الثقافي، كلها كانت أساليب لدفع أهدافهم إلى الأمام. ويبدو أن معظم ما ورد في المصنفات المذكورة آنفاً قد تم تقسيمه على هذا الأساس. إن أصحاب الرأي والكتّاب الذين طرحوا التقسيم المرحلي لحياة الأئمة كانوا يبحثون عن هدف وبرنامج مشترك في حياتهم ؛ ولهذا السبب، تحدث معظم هؤلاء المنظرين عن “٢٥٠ عاماً من الإمامة” واعتبروها وحدة مشتركة ومنسجمة.

يُستفاد من أقوال الشهيد الصدر وآية الله الخامنئي أنهما يعتبران الهدف المشترك للأئمة (ع) هدفاً واحداً على الرغم من اختلاف الأساليب. يقول الشهيد الصدر في إحدى محاضراته التي ألقاها عام ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٦ م بمناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع): “سأتحدث من زاوية تشمل حياة كل إمام من الأئمة وتلقي نظرة كلية عليهم، تظهر أهدافهم المشتركة. فمسؤولية الإمامة وظروفها واحدة فيهم جميعاً، ولذلك يكون لها انعكاس واحد في سلوكهم، وإن ظهر بألوان مختلفة”. ثم يوضح من خلال أمثلة من حياة بعض الأئمة كيف أن طريقهم واحد، وإن اختلفوا في الأساليب ظاهراً. وفي موضع آخر، يبيّن أن منهج الأئمة (ع) كان العمل في خطين رئيسيين، وهما: السعي لتولي زمام أمور الأمة، وفي حال عدم النجاح، السعي لحفظ المجتمع من الانحراف.

يؤكد آية الله الخامنئي، من خلال طرح عنوان “إنسان الـ٢٥٠ عاماً” لعصر الأئمة المعصومين (ع)، على ضرورة النظر إلى هذه الفترة كوحدة واحدة وعدم تفكيكها. يقول: “لقد قلت مراراً، لنعتبر حياة الأئمة، التي امتدت ٢٥٠ عاماً، حياة إنسان واحد، إنسان عمره ٢٥٠ عاماً. إنهم ليسوا منفصلين عن بعضهم، كلهم نور واحد. كل كلمة قالها أحدهم هي في الحقيقة نابعة من لسان الآخرين أيضاً”. “إنسان عاش وكأنه ٢٥٠ عاماً. كل أعمال الأئمة على مدى هذه الـ ٢٥٠ عاماً هي عمل إنسان واحد لهدف واحد ونية واحدة وبتكتيكات مختلفة”. “هؤلاء العظماء وحدة واحدة، شخصية واحدة، لا يمكن الشك في أن هدفهم ووجهتهم واحدة”. “أن نحلل حياة الإمام الحسن المجتبى (ع) بشكل منفصل، وحياة الإمام الحسين (ع) بشكل منفصل، وحياة الإمام السجاد (ع) بشكل منفصل…”.

وقد شرح سماحته هذه الفكرة في آثاره ومحاضراته، وأخيراً نُشر كتاب بعنوان “إنسان الـ٢٥٠ عاماً” بناءً على هذه المحاضرات. كذلك في كتاب “إشارات مضيئة”، ومن خلال مقالات أُعدت بالاستفادة من آثار وبيانات قائد الثورة، تم شرح هذه النظرية بوضوح أكبر.

ويعتبر الشهيد المطهري أيضاً جميع عصور الأئمة عصراً واحداً، فيقول: “للشيعة ثقافة تمتد على مدى ٢٥٠ عاماً من الإمامة و٢٧٣ عاماً من العصمة، وهذا ما لا يملكه الآخرون”. ويقول في موضع آخر: “وفاة الإمام الحسن العسكري (ع) وقعت في عام ٢٦٠ هـ. من وجهة نظرنا نحن الشيعة، كأن النبي الأكرم (ص) كان حياً حتى عام ٢٦٠ هـ، وحاضراً في كل هذه الأزمنة مع كل التحولات والتغيرات واختلاف الظروف والمقتضيات”. ويقول حكيمي: “لقد قسمت فترة حياة الأئمة (ع) الممتدة لـ ٢٥٠ عاماً، من حيث السمة المميزة للصراعات الاجتماعية والمواقف والتجارب الإنسانية، إلى ثمانية أدوار”. كما أن عادل أديب، المتأثر بالشهيد الصدر، يعتبر أن الدور المشترك للأئمة (ع) هو هدفهم الأساسي في مواصلة مسيرة رسالة النبي (ص).

بناءً على ما تقدم، يُعتقد أن الهدف والمبنى الأساسي لهؤلاء المؤلفين من التقسيم المرحلي لحياة الأئمة هو التأكيد على أن جميع أولئك العظماء كانوا يسعون لتحقيق برنامج مشترك، وإن اختلفت مهامهم وبرامجهم في الظاهر. وهذه الفكرة متأثرة بالروايات الواردة في كتب الشيعة الروائية، التي تفيد بأن الله تعالى أعطى كل إمام، عن طريق نبيه (ص)، عهداً كُتبت فيه وظيفته، فعمل بها. وتؤيد هذه الروايات أن كل إمام كانت له وظيفة من عند الله كان عليه أن يؤديها، فكان هدفه أداء مهمته الإلهية. وما يقوله الإمام الصادق (ع): “حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي…” حتى يصله إلى قول الله تعالى، أو مبدأ أن “كلهم نور واحد”، هو بمثابة تكملة لهذا القول وهذه النظرة. وبالطبع، فإن بحث الخلقة النورانية لأولئك العظماء هو مبحث آخر، لا يبدو أن له ارتباطاً بهذه التقسيمات.

يمكن بيان مبنى آخر لهذه النظرية، وهو عدم تفاوت الطبائع والشخصيات بين الأئمة (ع)، وهو اعتقاد وإن لم يُصرّح به في الكتب الكلامية، إلا أنه من المشهورات بين الشيعة.

٣. دراسة وملاحظات

إن نظرية التقسيم المرحلي لحياة الأئمة (ع)، أياً كان مبناها ومنشؤها، تواجه إشكالات وانتقادات. وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الملاحظات:

١.٣. لا يوجد لهذه النظرية سابقة لدى المؤرخين والمحدثين ومؤلفي تاريخ الأئمة (ع)؛ فهم لم يتحدثوا عن هذه الأدوار، بل اعتمد منهجهم على عدة محاور من حياة أولئك العظماء: أولاً: الأحوال الشخصية، وتشمل الأسماء والألقاب، وزمان الولادة والوفاة، واسم الأم والأبناء. ثانياً: الفضائل والمناقب، وهي تشكل غالبية كتب حياة الأئمة (ع). ثالثاً: النص على الإمامة والاستدلال عليها بعلم الغيب والمعجزات والكرامات، وهو في الواقع تكرار للمناقب. وإذا تجاوزنا هذه المحاور الثلاثة، نجد أن عدداً قليلاً من الكتب، أو جزءاً صغيراً منها، تناول حياة الأئمة (ع) بنظرة تاريخية وسرد أحداث حياتهم. وبالطبع، فإن عدم وجود نظرية ما لدى المتقدمين ليس دليلاً دائماً على عدم صحتها، ولكن يجب الانتباه إلى أن هذا البحث تاريخي، وبعد مرور ما يقرب من اثني عشر قرناً على عصر الأئمة (ع) وتأليف المصنفات حول حياتهم، لم يشر أي من أصحاب المصنفات وكبار علماء الشيعة أو أهل السنة الذين كتبوا عن حياة أئمة الشيعة إلى أي من هذه التصنيفات.

٢.٣. لم يقدم أي من هؤلاء الكتّاب وأصحاب الرأي شرحاً كاملاً ووافياً لهذه الأدوار، بل اكتفوا بطرحها في بياناتهم أو مصنفاتهم، ثم انتقلوا إلى شرح حياة الأئمة ودراسة ما أرادوا من تاريخهم. وعليه، فإن أقوالهم أو كتبهم لا تختص بهذه الأدوار، ولا يمكن اعتبار هذه المصنفات مخصصة لتبيين هذه النظرية، بل إنهم عرضوا تاريخ حياة الأئمة (ع) بناءً على مبناهم الخاص، وذكروا هذه الأدوار في جزء قصير فقط. بالإضافة إلى ذلك، قدم بعض أصحاب هذه النظرية، علاوة على التقسيم الكلي لحياة الأئمة إلى أدوار خاصة، تقسيماً جزئياً تحت كل دور.

٣.٣. إن غالبية هؤلاء الكتّاب وأصحاب الرأي لا يمتلكون خطة موحدة ومشتركة لهذه الأدوار فحسب، بل إن بعضهم طرح في أقواله أو مصنفاته المتعددة أدواراً متعددة. على سبيل المثال، يقدم عادل أديب في كتابيه تقسيمين مختلفين. فالمراحل التي ذكرها في كتابه الأول “دور أئمة أهل البيت” هي كالتالي: المرحلة الأولى هي مواجهة الانحراف، وتشمل فترة الأئمة الأربعة الأوائل. والمرحلة الثانية هي مواجهة الانحراف الثقافي ورسم معالم المذهب، وهي زمن الإمام الباقر (ع) إلى الإمام الكاظم (ع). والمرحلة الثالثة هي التوسع السياسي واتساع التواصل مع الأئمة (ع) على يد الإمام الرضا والجواد والهادي (ع). والمرحلة الرابعة، أي زمن الإمامين الأخيرين، هي دور نمو ودعم الحوزة الشيعية، وكذلك الغيبة الصغرى. وهناك مرحلة خامسة تسمى دور الظهور. في حين أن المؤلف نفسه، في كتابه الآخر في الموضوع نفسه “الأئمة الاثنا عشر”، يقسم حياة أهل البيت (ع) إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، وهي فترة الإمام الأول إلى الإمام الرابع، هي مرحلة واجه فيها الأئمة (ع) الانحراف وسعوا لمكافحته، وكان محور نشاطهم هو التخطيط ومراعاة كل الاحتياطات الممكنة لتقليل أضرار الانحراف وحفظ الإسلام. والمرحلة الثانية، التي تشمل زمن الإمام الباقر (ع) إلى الإمام الكاظم (ع)، كانت سعيهم فيها لترسيم حدود المذهب الشيعي. أما المرحلة الثالثة فتبدأ من زمن الإمام الرضا (ع) حتى النهاية، وفي هذه الفترة نشأ ترابط شديد بين الإمام وأصحابه. إجمالاً، فإن هذا المؤلف متأثر بأفكار الشهيد الصدر، ونظرته كنظرته.

٤.٣. من الملاحظات التي توجه إلى هذا التقسيم هو تعدده والتباعد الكبير بين تقسيم وآخر. إن نظرة إلى الجدول المنظم في نهاية هذه المقالة تظهر تفاوت الآراء وتباعدها، لدرجة أن البعض رسم دورين بينما رسم آخرون عشرة أدوار. وهذا التشتت في تقسيم الأدوار يدل على أن هذا المنهج لا يمتلك حدوداً واضحة. ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الأئمة المعصومين (ع) تصرفوا بطريقة تجعل أي تقسيم مرحلي لحياتهم يصل إلى عددهم، وفي هذه الحالة يفقد “الدور” معناه.

٥.٣. إن نظرة أصحاب هذه النظرية إلى تاريخ وحياة الأئمة هي نظرة كلامية في الغالب، في حين أن النظرة التاريخية لحياة أولئك العظماء يمكن أن تظهر عدم تطابق هذه النظرية مع الواقع الخارجي لحياتهم ؛ ذلك أن الأصول الحاكمة على سلوك الأئمة (ع) لا يمكن أن تندرج ضمن مثل هذه التقسيمات.

٦.٣. ملاحظة أخرى يمكن إبداؤها تتعلق بفهم معنى “الدور”. يبدو أن الاتصال والاستمرارية ضروريان في التقسيم القائم على الأدوار، في حين أنه لا يمكن ملاحظة استمرارية موحدة في حركة الأئمة (ع). بل كما يعترف هؤلاء المنظرون أنفسهم، كان أئمة الشيعة في كل زمان يتصرفون وفق ما تقتضيه وظيفتهم وظروفهم، بناءً على الهدف الأساسي. وهذا يؤدي إلى أن تكون حركة الأئمة، بالاصطلاح، متعرجة (زيكزاكية)، ولا يمكن تعريف دور محدد لها. على سبيل المثال، سكت أمير المؤمنين (ع) فترة وتولى الخلافة فترة أخرى. والإمام الثاني (ع) أيضاً تولى الخلافة فترة وسكت فترة أخرى، ولكن لا يمكن جمع أي من هذه المراحل في دور واحد، فهي غير متصلة ببعضها ؛ لأن كلاً منها وقع في زمان خاص ويختلف عن الآخر.

إن المهم هو أن الأئمة (ع) كانوا يسعون لتحقيق هدف مشترك، وهو هداية البشر ومواصلة رسالة رسول الله (ص). أما إمكانية وضع أدوار محددة لحياة أولئك العظماء، فليس بالأمر الهين، بل لا يوجد شاهد على أن الأئمة (ع) كان لديهم برنامج لهذه الأدوار وللاختلاف في أساليب عملهم. يبدو أن جزءاً من هذه الرؤى نابع من أجواء النضال والاقتداء بحركة الأئمة (ع)، لأن غالبية من طرحوا هذا القول يؤكدون على موضوع نضال الأئمة (ع). ويؤكد آية الله الخامنئي في مواضع شتى من آثاره وأقواله على النضال المشترك للأئمة، ويبيّن أن العمل الأساسي للأئمة (ع) في كل هذه الأدوار هو النضال. كما يقول: “إن أهم ما لم يحظ بالاهتمام في حياة الأئمة هو عنصر النضال السياسي الحاد” أو “كان الأئمة من وفاة رسول الله (ص) إلى عام ٢٦٠ هـ يسعون لإقامة الحكومة الإلهية في المجتمع. هذا هو أصل الادعاء”. “بالطبع، تارة على المدى القصير وتارة على المدى الطويل”. تذكّر هذه النظرية، من خلال الاقتداء بالأئمة، أتباعهم بأنهم جميعاً كانوا في حالة نضال، وإن كان عمل بعضهم ظاهراً لا يشبه النضال العسكري.

النتيجة

إن نظرية تقسيم حياة أئمة الشيعة إلى أدوار مختلفة، والاتجاه المرحلي في تحليل حياتهم وسيرتهم، قد حظيت باهتمام بعض العلماء والكتّاب في نصف القرن الأخير، وليست لها سابقة تاريخية. ووفقاً لهذه الرؤية، يُقسّم عصر الإمامة برمته إلى أدوار لكل منها خصائصه.

لكن لا يمكن تطبيق هذه النظرية بسهولة على حياة الأئمة (ع)؛ ذلك أن فترة كل إمام لها تعقيداتها الخاصة، وإذا كان جانب منها قابلاً للتطبيق على إمام آخر، فإنه يختلف من جوانب أخرى. بالإضافة إلى ذلك، تفتقر هذه الرؤية إلى الانسجام التام؛ لأن كل واحد من أصحاب الرأي رسمها بطريقة لا تتوافق مع آراء الآخرين. وإذا أراد أحد مواصلة هذا المسار ورسم حياة الأئمة (ع) بالنظر إلى هذه التقسيمات المرحلية، فمن الضروري أن يلتفت إلى هذه الانتقادات، وأن يسعى جاهداً لتبيين هذه النظرية بعد رفع هذه الإبهامات والإشكالات.

هناك نقدان جادان لهذه النظرية؛ أولاً: أنه لا يمكن اتخاذ منهج واحد لهذا التقسيم، فكل صاحب رأي قدم تقسيماً مختلفاً عن الآخر، بل ومختلفاً عن آرائه الأخرى. ثانياً: أن حياة وسيرة الأئمة (ع) تستندان إلى حقائق خارجية، ورسم مثل هذه الأدوار ليس سوى تصورنا نحن لحياتهم.

جدول مقارن للرؤى في تقسيم الأدوار

صاحب الرأي الدور الأول الدور الثاني الدور الثالث الدور الرابع الدور الخامس الدور السادس الدور السابع الدور الثامن الدور التاسع الدور العاشر
الشهيد الصدر الأئمة الأربعة الأوائل الصادقان بقية الأئمة
الأستاذ حكيمي ٢٥ سنة من السكوت خلافة الإمامين عشرون سنة للحسنين الثورة الحسينية الإمام الرابع الصادقان الإمام الكاظم الإمام الرضا (ع) بقية الأئمة (ع)
آية الله الخامنئي (الإمام الصادق) ٢٥ سنة من السكوت خلافة الإمامين النضال قصير الأمد الإمام السجاد حتى النهاية
آية الله الخامنئي (الإمام السجاد) غير موجود غير موجود الإمام السجاد بقية الأئمة
آية الله الخامنئي (عنصر النضال) الإمام الأول الحسنان الصادقان الإمام الكاظم والرضا (ع) الرضا والهادي (ع) بقية الأئمة (ع)
الشهيد المطهري النضال بالسيف النضال الثقافي
عادل أديب (دور الأئمة) الأئمة الأربعة الأوائل الصادقان والكاظم (ع) بقية الأئمة (ع) ظهور المهدي (عج)
عادل أديب (الأئمة الاثنا عشر) الأئمة الأربعة الأوائل الصادقان والكاظم بقية الأئمة
المرحوم علي صفائي في عصر الخلفاء علي (ع) في عصر الخلافة الحسنان ٢٠ سنة صلح ثورة الإمام الأخير السجاد والصادقان الكاظم والرضا (ع) الجوادان والعسكريان الغيبة الصغرى الغيبة الكبرى
آية الله السبحاني والأستاذ پيشوايي ٢٥ سنة من السكوت خلافة الإمامين عشرون سنة صلح السجاد (ع)
إلهي زاده علي (ع) الحسنان (ع) السجاد والصادقان (ع) الكاظم حتى الهادي (ع) العسكري (ع) المهدي (عج)

 

المصادر

  • أحمدي، حميد؛ ١٣٨٥ هـ.ش، تاريخ إمامان شيعه (تاريخ أئمة الشيعة)، قم: دفتر نشر معارف.
  • أديب، عادل؛ ١٤٠٥ هـ، الأئمة الاثنا عشر دراسة تحليلية، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • أديب، عادل؛ د.ت، دور أئمة أهل البيت في الحياة السياسية، بيروت: دار التعارف.
  • إلهي زاده، محمد حسين؛ ١٣٩٠ هـ.ش، تدبري در سيره تاريخي أهل بيت (تدبر في السيرة التاريخية لأهل البيت)، مشهد: به نشر.
  • پيشوايي، مهدي؛ ١٣٧٩ هـ.ش، سيره پيشوايان (سيرة الأئمة)، الطبعة الحادية عشرة، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
  • حكيمي، محمد رضا؛ ١٣٨٣ هـ.ش، إمام در عينيت جامعه (الإمام في عينية المجتمع)، قم: دليل ما.
  • خامنئي، السيد علي؛ ١٣٦١ هـ.ش، پژوهشي در زندگي إمام سجاد (بحث في حياة الإمام السجاد)، طهران: دفتر حزب جمهوري إسلامي.
  • خامنئي، السيد علي؛ ١٣٦٥ هـ.ش، عنصر مبارزه در زندگاني ائمه (عنصر النضال في حياة الأئمة)، المؤتمر العالمي للإمام الرضا (ع)، مشهد: العتبة الرضوية المقدسة.
  • خامنئي، السيد علي؛ ١٣٨٦ هـ.ش، پيشواي صادق (الإمام الصادق)، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي.
  • خامنئي، السيد علي؛ ١٣٨٩ هـ.ش، إشاره هاي روشني (إشارات مضيئة): استراتژي و دوره هاي تاريخي إمامت از منظر مقام معظم رهبري (استراتيجية الإمامة وأدوارها التاريخية من منظور قائد الثورة المعظم)، إعداد: مجلة “انديشه حوزه” نصف الشهرية التابعة لجامعة العلوم الرضوية، مشهد: انتشارات قدس رضوي.
  • خامنئي، السيد علي؛ ١٣٩١ هـ.ش، إنسان ٢٥٠ ساله (إنسان الـ٢٥٠ عاماً): بيانات مقام معظم رهبري درباره زندگي سياسي – مبارزاتي ائمه معصومين (ع) (بيانات قائد الثورة المعظم حول الحياة السياسية والنضالية للأئمة المعصومين)، طهران: مؤسسه إيمان جهادي.
  • الرفاعي، عبد الجبار؛ ١٣٧١ هـ.ش، معجم ما كتب عن الرسول (ص) وأهل بيته، طهران: وزارة الإرشاد.
Scroll to Top