الملخص
إنّ معرفة أسباب الكفر تحظى بأهمية خاصة لما يترتب عليها من أحكام كثيرة. ويُعدّ إنكار الألوهية والرسالة من الموارد التي أجمع فقهاء الإسلام على كونها سبباً للكفر. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر الشك في الألوهية والرسالة سبباً للكفر في بعض النصوص المعتبرة. ومع ذلك، قلّما بُحث عن هذا العامل من عوامل الكفر في المصادر الفقهية. ومن هنا، تبدو معرفة هذا العامل بدقة والبحث حول كيفية تأثيره في تحقق الكفر أمراً ضرورياً. تتناول هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي وبأداة جمع المعلومات المكتبية، كيفية تأثير الشك في الألوهية والرسالة في تحقق الكفر. وتشير نتائج هذا البحث إلى أن الشك في الألوهية والرسالة، استناداً إلى الروايات المعتبرة، يوجب الكفر ثبوتاً. ومع ذلك، فإن تكفير الشاك إثباتاً لا يجوز إلا إذا أقدم الشاك على إنكار الألوهية أو الرسالة. وبناءً على ذلك، لا يُكفّر الفرد الشاك ما لم ينكر الألوهية أو الرسالة.
المقدمة
يُعدّ الحكم بالكفر والارتداد، لارتباطه بحياة الفرد المحكوم وماله وعرضه، من بين الأحكام الفقهية الحساسة والخطيرة. كما أن هذا الأمر يجعل من تحديد موضوع الكفر والارتداد من أهم المسائل الفقهية.
من ناحية أخرى، يجب الانتباه إلى أن ضوابط الدخول في أي دين أو مذهب، وكذلك الخروج منه، يرسمها ذلك الدين والمذهب نفسه. ومن هذا المنطلق، فإن النظرة الداخلية والتوجه إلى النصوص الواردة في تحديد موضوع الكفر أمر ضروري في المنهجية البحثية.
من الأمور التي تُعد من ضروريات الدين، والتي تم التأكيد عليها في المتون الفقهية، هو أن إنكار أركان العقيدة في دين الإسلام، أي وجود الله الواحد ورسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، وبشكل عام كل ما يدل بوضوح على إنكار أحد هذين الأمرين على الأقل، سيؤدي إلى تحقق الكفر وارتداد المسلم (ابن بابويه، 1413، ج 3، ص 149؛ مكي العاملي، 1412، ج 2، ص 391؛ الأردبيلي، 1403، ج 13، ص 314؛ طباطبائي اليزدي، 1409، ج 1، ص 67)؛ ولكن أحياناً تنشأ حالة من الشك والتردد لدى المكلف تجاه الأمور المذكورة، وهذه الحالة تختلف عن حالة الإنكار.
من ناحية أخرى، لا شك في أن الإيمان القائم على الوعي والمعرفة له قيمة أكبر بكثير من الإيمان غير المدروس والنابع من التقليد الأعمى – أو حتى التقليد القائم على الثقة بالآخرين -. ومع ذلك، فإن الشخص الذي يخطو في طريق الإيمان الواعي، قد يواجه في مسيرته الدراسية والبحثية شبهات وتساؤلات متعددة، وأحياناً يصيبه الشك والتردد تجاه الأسس الاعتقادية؛ هذا في حين أنه في بعض الروايات المعتبرة – التي سترد لاحقاً – حُكم بكفر الشاك في التوحيد والنبوة.
أهم سؤال يمكن طرحه هنا كسؤال رئيسي هو: ما هو نطاق الحكم بكفر الشاك؟ هل يمكن القول بأن من يصيبه الشك والتردد في أحد أركان الدين خلال مسيرته الدراسية والبحثية حول دين الإسلام – وقد يكون هذا التردد قصيراً وعابراً – يُحكم عليه بالكفر؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن البحث والدراسة في الموضوعات قد يؤديان بطبيعة الحال إلى التردد في بعض جوانب ذلك الموضوع، فكيف يمكن الجمع بين الحكم بكفر الشاك والترغيب في تحصيل المعرفة وطلب العلم في الأحاديث؟ يبدو أن الحكم بالكفر ليس مطلقاً ولا يشمل هذه الفئة.
لم تتطرق العديد من الكتب الفقهية في باب الكفر والارتداد إلى موضوع الشك. وبعضها الآخر، وإن طرح هذا الموضوع، إلا أنه لم يتناوله بشكل مفصل ومستقل. ورغم أن بعض المعاصرين، كالشيخ الأنصاري والإمام الخميني وآية الله فاضل اللنكراني وآية الله السبحاني، قد أولوا موضوع الشك اهتماماً أكثر من غيرهم من الفقهاء، إلا أنهم لم يتناولوا هذا البحث بشكل مفصل وكامل (الأنصاري، 1428، ج 1، صص 570 – 571؛ الموسوي الخميني، بلا تا، ج 3، صص 426 – 427؛ فاضل اللنكراني، 1409، صص 242 – 243؛ السبحاني، 1414، ج 3، ص 319).
من بين المقالات الكثيرة حول موضوع الارتداد، هناك مقالة واحدة فقط بعنوان «تأملي در حصول ارتداد با حصول شک» (تأمل في حصول الارتداد بحصول الشك) قد تطرقت لهذا الموضوع (محبّي فردويي وحاجي ده آبادي، 1400، صص 29 – 50). ومع ذلك، فإن أهمية هذا الموضوع وضرورة استكمال الأبحاث حوله، بالإضافة إلى وجود بعض الإشكالات المنهجية والمحتوائية في المقالة المذكورة – مثل ضرورة التفكيك بين الكفر العملي والاعتقادي، ودراسة مفهوم كلمة الجحود في روايات الشاك، وكذلك التفكيك بين الكفر الثبوتي والإثباتي في الخارج، مما أدى إلى اختيار رأي مختلف في هذا البحث – تبرز ضرورة استمرار الدراسة والبحث في هذا الموضوع.
تسعى هذه المقالة إلى كشف حكم الشاك في الألوهية والرسالة بمنهج يهدف إلى حل بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع، مستعينة بالمنهج الوصفي التحليلي لدراسة الأدلة والمستندات المرتبطة ببحث كفر الشاك. وقد تم جمع المحتوى بالمنهج المكتبي والبحث في مصادر الفقه. كما أن نطاق البحث يقتصر على دراسة الأدلة الشرعية من وجهة نظر فقه الإمامية. وبناءً على ذلك، سيتم في ما يلي، بعد عرض الرأي (المنسوب إلى) المشهور، دراسة أدلة هذا الرأي وتقييم مدى اعتبار كل من هذه الأدلة ونقدها.
1. دراسة المفاهيم
1-1. الكفر والارتداد
فُسِّرت كلمة ‘الكفر’ في كتب اللغة بمعانٍ متعددة، منها: ضد الإيمان، وضد الشكر، والتغطية (الفراهيدي، 1410، ج 5، ص 356؛ ابن عباد، 1414، ج 6، ص 250؛ الجوهري، 1410، ج 6، ص 807). ويرى بعض أهل اللغة، مثل ابن فارس والراغب الأصفهاني، أن الكفر لا يدل إلا على معنى واحد هو التغطية (ابن فارس، 1414، ج 5، ص 191؛ الراغب الأصفهاني، 1412، ص 714). وقد اشتُق المعنيان الآخران من هذا الجذر. فالكفر بمعنى ضد الإيمان؛ لأنه يُعتبر تغطية لحقيقة واضحة، أي التوحيد والرسالة. ومن جهة أخرى، فإن كفران النعمة هو أيضاً نوع من تغطية النعمة وإنكارها.
الارتداد هو أيضاً من مصاديق الكفر. يقول السيد المرتضى: ‘حقيقة الارتداد، الكفر بعد الإيمان’ (علم الهدى، 1415، ص 482). وقد اعتبر بعض الفقهاء ‘إظهار شعار الكفر’ شرطاً في تحقق الارتداد. (أبو الصلاح الحلبي، 1403، ص 311؛ ابن زهرة الحلبي، 1417، ص 380).
1-2. الشك
فسّر معظم اللغويين الشك بأنه نقيض اليقين وخلاف اليقين؛ سواء تساوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر. (الجوهري، 1410، ج 4، ص 1594؛ ابن فارس، 1404، ج 3، ص 173؛ الطريحي، 1416، ص 276؛ الفراهيدي، 1410، ج 5، ص 270؛ الأزهري، 1421، ج 9، ص 316؛ الفيومي، 1414، ص 320؛ ابن منظور المصري، 1414، ج 10، ص 451؛ ابن عباد، ج 6، 1414، ص 121).
ويرى الراغب الأصفهاني أن الشك هو الجهل الناشئ عن تساوي الطرفين؛ سواء كان هذا التساوي ناتجاً عن وجود أمارتين متساويتين على الطرفين، أو عن فقدان الأمارة في كل من الطرفين (الراغب الأصفهاني، 1412، ص 461).
بالنظر إلى ما نُقل عن سائر أهل اللغة، وكذلك الاستعمالات الكثيرة لهذه الكلمة ومشتقاتها في القرآن والروايات (النساء: 157؛ سبأ: 21؛ الحر العاملي، 1409، ج 1، صص 473 و 466 و 456 وغيرها)، يبدو أن هذه الكلمة تعني الحالة التي يقع فيها الفرد في التردد والحيرة، ويفقد الاطمئنان القلبي بأحد الطرفين، حتى لو كان ظاناً ويميل إلى أحد الطرفين أكثر. وبناءً على ذلك، فإن ما ورد في كلام الراغب ليس إلا إشارة إلى أحد المصاديق الشائعة لهذه الكلمة.
1-3. الجحود
في بعض الروايات التالية، ارتبط كفر الشاك في الألوهية والرسالة بفرض الجحود. لذا، من المناسب تحليل مفهوم الجحود هنا أيضاً.
يخصّص جمع من اللغويين كلمة ‘الجحود’ للحالة التي ينكر فيها الفرد شيئاً مع علمه به – عناداً ولجاجة أو لأهداف أخرى.
يكتب الجوهري في الصحاح: ‘الجحود إنكار مع علم’. (الجوهري، 1410، ج 2، ص 451). ويورد الفيومي أيضاً: ‘جحده’ أو ‘جحد حقه’ بمعنى ‘أنكره’، ولا يُستخدم هذا التعبير إلا حيث يكون المنكِر عالماً بالشيء الذي ينكره. (الفيومي، بلا تا، ج 2، ص 91).
ويقول الراغب الأصفهاني عن معنى الجحود: ‘الجحود هو نفي ما في القلب إثباته، أو إثبات ما في القلب نفيه’. (الراغب الأصفهاني، 1412، ص 187). ويعرّف الطريحي أيضاً الجحود بأنه ‘الإنكار مع العلم’. ‘جحد حقه’ أي أنكر حقه مع يقينه بثبوته. ‘يجحدون’ أي ينكرون ما يوقنون به في قلوبهم. (الطريحي، 1416، ج 3، ص 20).
في المقابل، عرّف بعض اللغويين الجحود بمعنى الإنكار، دون أن يشترطوا في معناه اليقين بخلافه. (الفراهيدي، 1410، ج 3، ص 72؛ ابن عباد، 1414، ج 2، ص 395؛ الحميري، 1420، ج 2، ص 2001؛ المصري، 1414، ج 3، ص 106).
بناءً على النظرية الأولى التي تعتبر الجحود مصحوباً باليقين القلبي، يبدو أن تحقق الجحود يتطلب الإظهار، وما لم يُظهر الإنكار، لا يتحقق الجحود. بينما وفقاً للمعنى الثاني، يمكن أن يكون الإنكار قلبياً، كما ورد في بعض الروايات أن من مراتب مواجهة المنكر ‘أنكره بقلبه’ (النوري، 1408، ج 12، ص 190)؛ وكذلك ما قيل عن النفاق أنه ‘أقرّ لسانه… وأنكر قلبه’. (المازندراني، 1382، ج 5، ص 173).
على أي حال، النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن إنكار شيء ما لا يستلزم اليقين بعدم حقيته؛ بل قد ينكر الفرد شيئاً بدافع العداوة واللجاجة أو لأهداف أخرى، مع وجود التردد أو حتى اليقين به. ولهذا يقول القرآن الكريم عن قوم فرعون: ‘وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ’، أي أنهم أنكروا الآيات الإلهية وهم على يقين بأنها (الآيات والمعجزات) من عند الله تعالى وليست سحراً. (النمل: 14).
2. أدلة كفر الشاكّ
بشكل عام، يمكن التمسك بأربعة أدلة لإثبات كفر الشاك في ألوهية أو رسالة النبي الخاتم: روايات كفر الشاك، وأدلة اعتبار الشهادتين، والإجماع.
2-1. الاستدلال بالروايات الخاصة
- ‘مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى عَن أَحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى (الأشعري) عَنِ بنِ مَحبُوبٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: مَن شَكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله فَهُوَ كَافِرٌ’؛ ينقل عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: ‘من شك في الله أو في رسوله فهو كافر’. (الكليني، 1407، ص 386).
- ‘علِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَن صَفْوَانَ عَن مَنصُورِ بنِ حَازِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَن شَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله؟ قَالَ: كَافِرٌ. قُلتُ: فَمَن شَكَ فِي كُفِرِ الشَّاكِّ فَهُوَ كَافِرٌ. فَأَمْسَكَ عَنِّى. فَرَدَدتُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَاسْتَبَنتُ فِي وَجْهِهِ الغَضَب’؛ يقول منصور بن حازم: ‘قلت للإمام الصادق عليه السلام: من شك في رسول الله صلى الله عليه وآله [ما حكمه]؟ قال: كافر. قلت: فمن شك في كفر الشاك فهو أيضاً كافر؟ فامتنع الإمام عن الإجابة، وكررت عليه سؤالي ثلاث مرات، فرأيت آثار الغضب قد ظهرت في وجهه’. (الكليني، 1407، ص 387).
سند الرواية الأولى صحيح ومعتبر، وجميع رجال السند معروفون ومشهورون.
الرواية الثانية أيضاً تعد صحيحة، ورجالها المذكورون – باستثناء إبراهيم بن هاشم – لهم توثيق خاص. وإبراهيم بن هاشم، وإن لم يكن له توثيق خاص، إلا أنه موثوق به استناداً إلى قرائن متعددة؛ منها أن أصحاب الكتب الرئيسية للشيعة قد رووا عنه آلاف الأحاديث، كما روى عنه العديد من الرواة الأجلاء وكثيري الرواية مثل علي بن إبراهيم، وأحمد بن محمد بن عيسى، وسعد بن عبد الله القمي، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن حسن الصفار، وابن محبوب.
الرواية الأولى تتعلق بالشك في الله ورسالة النبي الخاتم؛ أما الرواية الثانية فتتعرض فقط لحكم الشاك في رسالة نبي الإسلام. دلالة هاتين الروايتين على كفر الشاك واضحة، وفي كلتيهما ذُكر صراحةً كفر الشاك.
على الرغم من استخدام حرف العطف ‘الواو’ في الرواية الأولى بين ‘شك في الله’ و ‘شك في الرسول’؛ إلا أنه من الواضح أن الواو هنا ليست للجمع، وكما يُستفاد من روايتين أخريين، فإن وجود أي من هذين الشكين كافٍ لتحقق الكفر. كما أن فهم الفقهاء – الذين اعتبروا الشك في أي من الأمرين سبباً للكفر بمفرده – يؤيد هذا الادعاء. (الحلّي، 1408، ج 4، ص 154؛ الآبي، 1417، ج 2، ص 567؛ السيوري، 1404، ص 364؛ العلامة الحلّي، 1420، ج 5، ص 396؛ الحلّي، 1407، ج 5، ص 75؛ المكي العاملي، 1413، ج 14، ص 453؛ النجفي، 1404، ج 41، ص 441 وآخرون).
- ‘عِدَّةٌ مِن أَصْحَابِنَا عَن أَحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَن خَلَفِ بنِ حَمَّادٍ عَن أَبِي أَيُّوبَ الخَزَّازِ عَن مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ قَالَ: كُنتُ عِندَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام جَالِساً عَن يَسَارِهِ وزُرَارَةُ عَن يَمِينِهِ؛ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَصِير. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مَا تَقُولُ فِيمَن شَكَ فِي اللَّهِ؟ فَقَالَ: كَافِرٌ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَشَكَ فِي رَسُول اللَّهِ؟ فَقَالَ: كَافِرٌ. قَالَ: ثُمَّ التَفَتَ إِلَى زُرَارَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفُرُ إِذَا جَحَد’؛ يقول محمد بن مسلم: ‘كنت جالساً عن يسار الإمام الصادق عليه السلام وزرارة عن يمينه، فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن شك في الله؟ فقال الإمام: كافر يا أبا محمد. قال أبو بصير: فإن شك في رسول الله [فكيف]؟ قال: كافر. [يقول محمد بن مسلم]: ثم التفت الإمام إلى زرارة وقال: إنما يكفر إذا جحد’. (الكليني، 1407، ج 2، ص 399).
هذه الرواية أيضاً معتبرة من حيث السند. في هذه الرواية، اعتُبر الشك في الله وكذلك الشك في رسالة النبي الخاتم موجباً للكفر؛ ولكن كفر الشاك مشروط بالجحود (الإنكار). ومن الواضح أن المقصود بالكفر في هذه الرواية ليس الكفر العملي؛ فقد سبق بيان أن ملاك الكفر العملي إما أن يكون ناتجاً عن معصية عملية، كترك الصلاة؛ أو بسبب خلل في غير أصول الدين، كإنكار الإمامة. بينما الحديث هنا عن كفر من لا يؤمن بأركان الدين، أي الألوهية أو الرسالة؛ بالإضافة إلى أنه يرتكب الجحود أيضاً.
أهم الأحاديث الدالة على كفر الشاك هي الروايات التي تم بيانها؛ ورغم وجود روايات أخرى هنا، إلا أنها لا تتمتع بصحة السند ووضوح الدلالة التي تتمتع بها الروايات السابقة، والبحث فيها سيؤدي إلى إطالة البحث. (للاطلاع على نموذج، راجع: الكليني، 1407، ج 2، ص 388 و 45؛ الفيض الكاشاني، 1406، ج 4، ص 232).
2-1-1. نقد الاستدلال بالروايات
تدل الروايتان الأوليان بوضوح وبشكل مطلق على كفر الشاك؛ ولكن في الرواية الثالثة، استُخدمت أداة الحصر، وحُصر كفر الشاك، في كلام الإمام عليه السلام، بتحقق قيد ‘الجحود’. ومن هنا، فإن الرواية الأخيرة تستدعي تأملاً أكبر؛ فهذه الرواية، لوجود ذلك القيد، تؤدي إلى تقييد إطلاق الروايتين الأوليين وتضييق دائرتهما.
وقد قُدمت تفسيرات مختلفة لمعنى هذه الرواية:
الأول: عبارة ‘يُكَفَّر’ فعل مضارع من باب التفعيل ويجب أن تُقرأ بالتشديد. والمقصود من الرواية هو أن التكفير (الحكم بكفر الشاك) لا يتم إلا إذا جحد الألوهية أو الرسالة. بناءً على هذا التفسير، فإن الشاك، وإن كان كافراً ثبوتاً، إلا أن الحكم بكفره منوط بالجحود. (الموسوي الخميني، بلا تا، ج 3، ص 427).
بشكل عام، الوجود الحقيقي لموضوع ما شيء، وإثبات الموضوع – الذي يتم لترتيب الآثار الشرعية – شيء آخر. وهنا أيضاً، إثبات الموضوع يتطلب الجحود.
سيتم طرح مزيد من التوضيح حول هذا التفسير ضمن تقييم التفاسير وعرض الرأي المختار.
الثاني: المقصود من ‘إذا جحد’ في هذه الرواية هو الشك المصحوب بالإنكار؛ أي أن الفرد، رغم تردده بشأن وجود الله وعدم يقينه بعدم وجوده، ينكر وجود الله.
وقد أُشير إلى هذه الفئة في بعض آيات القرآن أيضاً: ‘وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ’ (الجاثية: 24). ويمكن استنباط هذا الاحتمال من رواية ذُكرت فيها أقسام الكفر. (الكليني، 1407، ج 2، ص 389).
بناءً على هذا، فإن إطلاق صدر هذه الرواية، وكذلك الروايتين السابقتين، يُقيّد بذيل هذه الرواية، والنتيجة هي أن الشك في الألوهية والرسالة لا يوجب الكفر؛ إلا إذا كان مصحوباً بالجحود.
الثالث: قيد ‘إنما يكفر’ يرجع فقط إلى إجابة السؤال الأخير، أي أن الشك في النبي إذا كان مصحوباً بالإنكار، يسبب الكفر. (المازندراني، 1382، ج 5، ص 85).
بناءً على هذا الاحتمال، فإن معنى الرواية هو أنه بمجرد الشك في وجود الله، يتحقق الكفر؛ لأنه لا مجال لأي تردد في الله؛ كما أشار القرآن الكريم إلى هذه النقطة: ‘قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ’ (إبراهيم: 10)؛ ولكن بالنسبة لرسالة النبي، وإن كان حدوث الشك والتردد بعد قيام الحجة والدليل ليس معقولاً؛ إلا أن حصول الشك قبل قيام الحجة له ممكن. ومع ذلك، فإن الشك في الرسالة هنا لا يوجب الكفر بمفرده؛ بل هو مرتبط بأن يكون مصحوباً بالإنكار، بالبيان الذي مر في الرأي الأول.
الرابع: المقصود من الجحود هنا هو أن يُظهر الفرد بوضوح أن هذه الأمور غير ثابتة لديه وأنه لا يتدين ويعتقد بها. بناءً على هذا المعنى، فإن الحديث يعني أن مجرد الشك الداخلي لا يسبب الكفر، وإنما يوجب الكفر فقط إذا تم الإفصاح عن هذا الشك وعدم الاعتقاد الناشئ عنه بوضوح. (الموسوي القزويني، 1427، ص 445).
2-1-2. تقييم ونقد التفاسير
التفسيران الثالث والرابع كلاهما يخالفان ظاهر الرواية. بالإضافة إلى أن الإشكال الذي سيُذكر لاحقاً بشأن التفسير الرابع يرد أيضاً على التفسير الثالث. إشكال التفسير الرابع هو أن الجحود يعني الإنكار؛ لا إظهار عدم الاعتقاد. بناءً على هذا، فإن المهم هو المقارنة والمحاكمة بين التفسيرين الأول والثاني.
يبدو أن التفسير الثاني لا يوافق الفهم العرفي للرواية. التقييد والتخصيص وإن كانا من قواعد علم الأصول المسلّمة؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن التقييد والتخصيص ليسا من القواعد النحوية، ولا يمكن الحكم بالتقييد أو التخصيص بمجرد ملاحظة علاقة العموم والخصوص بين دليلين. بشكل عام، ملاك الجمع بين روايتين هو أن يكون موافقاً للفهم العرفي. (الأنصاري، 1428، ج 4، ص 24).
في روايتي عبد الله بن سنان ومنصور بن حازم اللتين مرتا سابقاً، اعتبر الإمام عليه السلام الشاك في الألوهية والرسالة كافراً. وفي هذه الرواية أيضاً، اكتفى الإمام في إجابته على سؤال أبي بصير – كما في الروايتين السابقتين – بالقول بأن الشاك كافر. ومع ذلك، فإنه في تتمة الرواية، التفت إلى زرارة الذي كان يجلس عن يمينه، وذكّر بقيد الجحود. السؤال الذي يُطرح هنا هو أن هذا الأسلوب (الذي لا يتذكر الكاتب له مثالاً في روايات أخرى، أو على الأقل موارده قليلة) بأن يُذكر حكم الموضوع كما في سائر الروايات، ثم يلتفت الإمام إلى شخص واحد فقط – مع أن محمد بن مسلم كان أيضاً عن يسار الإمام وأبو بصير أمامه – ويذكر قيداً، يجعل التقييد بعيداً عن الذهن.
قد يزيل إلحاق بعض الروايات بزرارة هذا الإبهام حول سبب قول الإمام عليه السلام في هذه الرواية لزرارة: ‘إنما يكفر…’. بناءً على هذه الروايات، كان لزرارة تشدد خاص تجاه المنحرفين عقائدياً.[2]
من ناحية أخرى، فإن تحقق الكفر بالنسبة لمن يصرح بأنه لا يعتقد بالألوهية أو الرسالة، وهو متردد وشاك في هذه الأمور، ليس بعيداً عن الذهن. ومقارنة الشاك بالمنافق غير صحيحة؛ لأن المنافق يظهر الاعتقاد بالألوهية والرسالة ولا يوجد دليل إثباتي على كفره، وإلا لَحُكم بكفره؛ خلافاً لمن يصرح بأنه لا يعتقد بأركان الدين وهو شاك.
إن وضع هذه القرائن بجانب بعضها البعض يشير إلى أن كلام الإمام عليه السلام في نهاية هذه الرواية ناظر إلى جانب تكفير الشاك، أي أنه على الرغم من أن من لا يعتقد بالألوهية أو الرسالة وهو متردد وشاك في هذه الأمور، يُعتبر كافراً في الحقيقة؛ ولكن لا ينبغي الاستعجال في تكفير هذه الفئة؛ بل لا يُحكم بالتكفير إلا إذا ارتكبوا الجحود.
النتيجة هي أنه بناءً على القرائن والفهم العرفي، يبدو أن عبارة ‘إنما يكفر إذا جحد’ ناظرة إلى جانب تكفير الشاك، لا إلى جانب تحقق الكفر ثبوتاً.
نعم، إذا لم يُقبل ما قيل، فإن العبارة المذكورة تكون مجملة ويجب الأخذ بالقدر المتيقن، ونتيجته تحقق الكفر ثبوتاً في فرض الجحود. بناءً على هذا الفرض، فإن قبول تدخل قيد الجحود في تحقق الكفر ثبوتاً، يرجع إلى نكتة الأخذ بالقدر المتيقن، لا من باب تقييد الإطلاق.
2-2. أدلة اعتبار الشهادتين
ذكر بعض الكتّاب أدلة اعتبار الشهادتين في تحقق الإسلام كأحد أدلة كفر الشاك؛ بتوضيح أن مفاد الشهادتين هو الإقرار بالوحدانية والرسالة، وهذه الحقيقة لا تجتمع مع الشك في الألوهية والرسالة. ثم انتقدوا ذلك وحوّلوا البحث إلى هذا الاتجاه: هل يُشترط في الشهادتين الاعتقاد القلبي أم لا. ثم سعوا لإبطال هذا الاستدلال بإثبات أن الموافقة الباطنية ليست لازمة مع الشهادتين. (محبّي فردويي وحاجي ده آبادي، 1400، ص 33 و 38).
نقد أدلة اعتبار الشهادتين
يبدو أن طرح هذا الاستدلال هنا غير صحيح من جهة أخرى؛ لأن الكلام ليس عن شخص أسلم بالشهادتين ثم أصابه الشك والتردد، أو على الأقل لا ينحصر البحث هنا. البحث الرئيسي يدور حول الذين حُكم بإسلامهم تبعاً لوالديهم؛ ولكنهم أصيبوا بالتردد في الألوهية أو الرسالة. مثل هؤلاء الأفراد لم يُحكم بإسلامهم بسبب إظهار الشهادتين حتى يُقال إن الشك في أركان الدين ينافي شهادتهم السابقة.
بالإضافة إلى أنه على فرض كفاية مجرد إظهار الشهادتين، فهذا في حال احتُملت الموافقة القلبية؛ بحيث تكون الشهادتان أمارة على الاعتقاد الباطني (فرائد الأصول، 1428، ج 1، ص 571)، ولكن حيثما يوجد يقين بخلافه؛ كمن ينكر ضروريات الدين مع علمه بكونها ضرورية، فهل يمكن القول بأن مجرد إظهار الشهادتين كافٍ؟
فيما يتعلق بالشاك أيضاً، متى ما صرح بوضوح بأنه متردد في الألوهية أو الرسالة، فإن إظهار الشهادتين ليس له أي أمارية. نعم، للحكم بالكفر، يجب أن تكتمل الأدلة الإثباتية. والحكم بعدم كفر المنافق هو أيضاً لأن الأدلة الإثباتية ليست تامة في حقه، وإنكاره قلبي (مازندراني، 1382، ج 5، ص 173)؛ ولكن إذا أنكر الألوهية أو الرسالة أو إحدى الضروريات علانية، فإنه يُحكم بكفره بلا تردد.
2-3. الاستدلال بالإجماع
الإجماع – أو على الأقل الشهرة الفتوائية – هو الدليل الثاني الذي يمكن التمسك به هنا لإثبات كفر الشاك.
بعد الحديث عن وجوب قتل مدعي النبوة، ألحق المحقق الحلي المترددين في رسالة نبي الإسلام بمدعي النبوة. (الحلّي، 1408، ج 4، ص 154). ويرى بعض الفقهاء أن المحقق الحلي هو لسان القدماء، وفتاواه – باستثناء موارد خاصة ثبت خلافها – تحكي عن آراء القدماء والفقهاء الذين سبقوه. (الأنصاري، 1415، ص 467؛ المامقاني، 1350، ص 255).
الفاضل الآبي، والعلامة الحلي، والفاضل المقداد، وابن فهد الحلي، والشهيد الثاني من بين الفقهاء الذين يرون أن من أظهر الشك في رسالة النبي صلى الله عليه وآله يُلحق بمدعي النبوة الكاذب ويُحكم بقتله. وبشكل عام، فإن العديد من الفقهاء المتأخرين وافقوا المرحوم المحقق الحلي في هذه المسألة وحكموا بكفر الشاك. (الفاضل الآبي، 1417، ج 2، ص 567؛ السيوري، 1404، ج 4، ص 364؛ العلامة الحلي، 1420، ج 5، ص 396؛ الحلّي (ابن فهد)، 1407، ج 5، ص 75؛ العاملي، 1413، ج 14، ص 453 وآخرون).
نقد الاستدلال بالإجماع
اعتبار الإجماع هو من جهة كشفه القطعي عن رأي المعصوم. ولهذا السبب، فإن آراء الفقهاء المتقدمين لها دور مهم جداً في تحقق الإجماع. هذا في حين أنه قبل زمن المحقق الحلي، لم يُلاحظ بحث خاص حول كفر الشاك في كتب الفقه. وهذا البحث، بعد طرحه في كتاب شرائع الإسلام – ونظراً للمكانة الخاصة لهذا الكتاب لدى الفقهاء المتأخرين – دخل بشكل خاص في مباحث الفقه. بناءً على هذا، فإن ادعاء وجود إجماع أو حتى شهرة قدماء لأي من النظريتين: كفر الشاك أو عدم كفره، ليس ثابتاً.
بالإضافة إلى ذلك، في عبارة صاحب الشرائع التي وردت في ذيل كتاب الحدود والتعزيرات، لم يُشر إلى كفر من أظهر الشك، واكتُفي بحكم قتله. (المحقق الحلّي، 1408، ج 4، ص 154). ليس بعيداً أن يكون مقصود المحقق الحلي من الحكم بقتل من أظهر الشك في الرسالة، هو بيان عقوبته الحدية، وهو مستفاد من رواية نُقلت في الكافي: ‘عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن عَبدِ الرَّحْمَنِ الأَبْرَارِي الكُنَاسِي عَنِ الحَارِثِ بنِ المُغِيرَةِ قَالَ: قُلتُ لِأَبِى عَبدِ اللَّهِ عليه السلام: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أدرى أ نَبِيٌّ أَنتَ أَم لَا كَانَ يَقْبَلُ مِنهُ. قَالَ: لَا وَلَكِن كَانَ يَقْتُلُهُ إِنَّهُ لَو قَبْلَ ذَلِكَ مِنهُ مَا أَسْلَمَ مُنَافِقٌ أبداً’ (الكليني، 1407، ج 7، ص 258).
وكما هو متفق عليه بين الفقهاء في بحث ساب النبي صلى الله عليه وآله، فإن قتله واجب، لا الحكم بارتداده؛ إذ لا توجد ملازمة بين السب والارتداد. ومن هنا، فإن أحكام الارتداد الخاصة، مثل استتابة المرتد الملي، لا تجري هنا، ويُحكم بوجوب قتل الساب بشكل مطلق. (البغدادي العكبري، 1413، ص 743؛ علم الهدى، 1415، ص 480 – 482؛ الحلّي، 1420، ج 2، ص 237؛ الفاضل الهندي، 1416، ج 10، ص 544 وآخرون).
وكذلك، بالنظر إلى بيان حكم الشاك في الألوهية والرسالة في النصوص الدينية، فإن الإجماع يكون مدركياً أو محتمل المدرك. بناءً على هذا، لا يمكن ادعاء أن هذا الإجماع كاشف قطعي عن رأي المعصوم، وبالتالي لا يمكن أن يكون حجة على الحكم الشرعي. (التبريزي، 1427، ج 5، ص 51؛ فاضل اللنكراني، 1428، ج 2، ص 472).
3. الرأي المختار
في تفسير روايات كفر الشاك، بُيّن أن التفسير الأول كان خالياً من الإشكالات التي وردت على سائر التفاسير. وبناءً على ما بُيّن في هذا التفسير، يمكن الإجابة على الأسئلة الفرعية الأخرى المتعلقة بموضوع الشاك. الإجابة على هذه الأسئلة ستؤدي في النهاية إلى حل الجوانب المختلفة للمسألة الرئيسية.
3-1. المقصود من الكفر في الروايات الخاصة
تُستخدم كلمة ‘الكفر’ أحياناً في مقابل كلمة ‘الإسلام’ ويكون معناها هو الكفر المصطلح، وأحياناً تُستخدم في مقابل ‘الإيمان’. (الكليني، 1407، ج 2، صص 26 – 28).
نفي الإيمان لا يلازم نفي الإسلام وتحقق الكفر المصطلح؛ لأن محدودية مفهوم الإيمان بالنسبة للإسلام تجعل من الممكن سلب كلا المعنيين، الإيمان والكفر (بالمعنى الخاص، أي في مقابل الإيمان)، عن الفرد. ويُستفاد أيضاً من روايات مختلفة أن هناك واسطة بين الإيمان والكفر. ينقل المرحوم الكليني في الكافي روايات متعددة ومعتبرة يعتبر فيها الإمام عليه السلام فئة من الناس مستضعفين، ليس لديهم سبيل للابتعاد عن الكفر ولا سبيل للهداية والإيمان؛ مثل الذين عقولهم في مستوى عقول الأطفال. (الكليني، 1407، ج 2، ص 404).
ويرى آية الله السبحاني أنه يُستفاد من هذه الطائفة من الروايات أن كفر الشاك والمنكر يتعلق بمن تمكنوا من المعرفة والإيمان؛ ولكن من هو عاجز عن اكتساب المعرفة والاعتقاد الصحيح؛ لا يُعد مؤمناً ولا كافراً. (السبحاني، 1414، ج 3، ص 319 – 320). بناءً على هذا، يجب البحث عن حكم الكفر في روايات الشاك بالنسبة لغير المستضعفين.
يبدو أن كلمة ‘الكفر’ في الروايات التي وردت بشأن الشاك، قد استُخدمت بالمعنى الفقهي المصطلح، أي الكفر الأكبر أو الكفر الاعتقادي؛ لأنه سبق الإشارة إلى أن الكفر الأصغر يقع في مقابل الإيمان، وهو لا يخرج عن الإسلام، وهو نفسه من مراتب الإسلام. ومن هنا، في الروايات، حُكم بالكفر على الذين ارتكبوا من الناحية العملية كبائر مثل ترك الصلاة، وشرب الخمر، والسحر، وما إلى ذلك. (الحميري، 1413، ص 152؛ الكليني، 1407، ج 1، صص ج 1، ص 333، 413، 537، ج 2، ص 279، 360، ج 6، ص 405، ج 7، ص 408).
هذا في حين أنه في هذه الروايات، حُكم بالكفر على شخص أصابه خلل من ناحية الاعتقاد بأصول الدين الأساسية، أي وجود الله أو الرسالة. وقد حكم كثير من فقهاء الشيعة أيضاً، تأثراً بهذه الروايات، بكفر الشاك. (الحلّي، 1408، ص 154؛ الفاضل الآبي، 1417، ج 2، ص 567؛ السيوري، 1404، ج 4، ص 364؛ العلامة الحلّي، 1420، ج 5، ص 396؛ الحلّي (ابن فهد)، 1407، ج 5، ص 75؛ العاملي، 1413، ج 14، ص 453 وآخرون).
3-2. الشمولية بالنسبة لطالبي الحقيقة
سبق القول إن استعمال ‘الجحود’ لدى كثير من أهل اللغة يكون في حال أنكر الشخص شيئاً مع اعتقاده القلبي به. وهذا هو عين العناد واللجاجة وعدم الميل إلى الحقيقة.
بطبيعة الحال، فإن من يدخل ميدان الدراسة والبحث بدافع كشف الحقيقة، إذا أصابه الشك والتردد، فإنه لا يلجأ إلى الإنكار؛ بل يواصل بحثه لرفع الشبهات. وفي النهاية، وعلى فرض استقرار الشك، فإنه يسكت. إنكار شيء مع استمرار التردد فيه ليس حكيماً ولا مستحسناً. بناءً على هذا، فإن قيد ‘إذا جحد’ لا يشمل طالبي الحقيقة، وهو في مقابل من يلجأ إلى الإنكار والجحود مع وجود التردد وعدم اليقين، فهذا ليس طالب حقيقة. بهذا البيان، تتضح الإجابة على الشبهة التي طُرحت في بداية البحث.
3-3. الشمولية أو عدمها بالنسبة للشبهة
تُستخدم الشبهة حيث تختلط الأمور ببعضها البعض. (الفراهيدي، 1410، ج 3، ص 404). ومن هنا، فإن لها علاقة وثيقة بمفهوم الشك. ومع ذلك، هناك فرق بين وجود الشك ووجود الشبهة؛ لأن الشك لا يجتمع مع اليقين، بخلاف الشبهة التي يمكن أن تجتمع مع الاعتقاد واليقين. ومن هنا، فإن هذا الاستعمال شائع: ‘شبهة مقابل البديهة’ (البهبهاني، 1419، ج 1، 324؛ السبزواري، 1413، ج 2، ص 343 و…)؛ أي مع أن المسألة واضحة للإنسان، إلا أنه يطرأ عليها سؤال وإبهام؛ مثل الشبهة العلمية في الجبر مع وجود العلم الحضوري بالاختيار.
هنا، لا ينبغي الخلط بين الشاك ومن أصابته شبهة فقط؛ لأنه من الممكن أن يصاب الإنسان، مع إيمانه القلبي بالله والرسالة، بشبهة يعجز عن الإجابة عليها. مثل هذا الفرد لا تشمله الروايات ولا يُحكم بكفره. (الحلّي، 1379، ج 2، ص 555). يقول المحقق الحلي عن وجود الشبهة في العقائد: ‘إذا شك شخص في عقائده الإيمانية، وجب عليه السعي والاجتهاد لإزالتها. فإذا قصّر في رفع الشك (الشبهة)؛ ولكنه ظل متمسكاً بعقائده السابقة، فقد عصى، وإذا أدى الشك إلى زوال إيمانه، فهو كافر’. (الحلّي، 1413، ص 293). يُستنتج من كلامه أن ليس كل شك يزيل الإيمان.
نتيجة الكلام هي أنه على الرغم من أن الكفر في الروايات استُخدم بمعنى الكفر المصطلح؛ إلا أن التكفير (الحكم بالكفر في مقام الإثبات) لا يشمل إلا تلك الفئة من الناس الذين يرتكبون الجحود. بناءً على هذا، كلما شك فرد في ألوهية أو رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وفقد إيمانه القلبي، فإنه يُعتبر كافراً من الناحية الثبوتية، استناداً إلى رواية منصور بن حازم وابن سنان؛ ولكنه لا يُحكم بتكفيره (من الناحية الإثباتية) إلا إذا أقدم على الإنكار.
الخاتمة
الكفر في الروايات الناظرة إلى كفر الشاك هو بمعنى الكفر الاعتقادي الذي يقابل الإسلام؛ لا الكفر العملي الذي يقابل مراتب الإيمان.
الكفر له بعدان: ثبوتي وإثباتي. الشاك في الألوهية أو الرسالة (باستثناء المستضعفين) من الناحية الثبوتية يُعتبر كافراً لعدم اعتقاده بالله أو النبي؛ ولكن تكفير الشاك (من جهة الإثبات) مرتبط بالجحود.
طالبو الحقيقة والذين يصيبهم الشك في مسيرة دراسة وبحث دين الإسلام بسبب وجود الشبهات، ويفقدون إيمانهم القلبي، لا يشملهم التكفير والارتداد ما لم ينكروا الألوهية أو الرسالة.
يجب التفريق بين من يصيبه الشك والتردد في الألوهية أو الرسالة ويفقد إيمانه، وبين من تصيبه شبهة علمية ولكنه لا يزال يؤمن بأركان العقيدة الإسلامية. الحكم بالكفر يخص الفئة الأولى.
الهوامش
- باحث في مركز الفقه والعلوم الإسلامية للأبحاث؛ mjmohammadi@gmail.com
- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَن هِشَامِ بنِ سَالِمٍ عَن زُرَارَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَحْمَرَانُ أَو أَنَا وبُكَيرٌ عَلَى أَبي جَعْفَرَ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَمْدُّ المِطْمَارَ قَالَ: وَمَا المِطْمَارُ؟ قُلتُ: التَّرُّ فَمَن وَافَقَنَا مِن عَلَوِيٍّ أَو غَيْرِهِ تَوَلَّيْنَاهُ وَمَن خَالَفَنَا مِن عَلَوِيٍّ أو غَيْرِهِ بَرِئَنَا مِنهُ. فَقَالَ لِي: يَا زُرَارَةُ! قَولُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِن قولَكَ. فَأَينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ – إِلَّا المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الولدان لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أينَ المُرجَونَ لِأَمْرِ اللهِ أَينَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً أَينَ أصحاب الأعراف أينَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم. الرواية صحيحة. (الكافي، ج ٢، صص ٨٢-٨٣؛ وراجع أيضاً: المصدر نفسه، صص ٤٠٣-٤٠٤). وَزَادَ حَمَّادٌ فِي الحَدِيثِ: قَالَ: فَارتَفَعَ صَوتُ أَبِي جَعْفَرِ عليه السلام وَصَوتِي حَتَّى كَانَ يَسْمَعُهُ مَن عَلَى بَاب الدَّار. (الكليني، ١٤٠٧، ٣٨٢) وكذلك في رواية أخرى، دار حوار بين الإمام الباقر عليه السلام وزرارة حول المؤمنين والكفار. وفي نهايتها، خاطب الإمام عليه السلام زرارة قائلاً: يَا زُرَارَةٌ إِنَّنِي أَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنْتَ لَا تَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ. أَمَا إِنَّكَ إِنْ كَبِرْتَ رَجَعْتَ وَتَحَلَّلَتْ عَنْكَ عُقَدُكَ. (الكليني، ١٤٠٧، ج ٢، ص ٤٠٣) وهذه الرواية ليست معتبرة لوجود راوٍ مجهول (…عن يونس عن رجل)؛ إلا بناءً على قبول مرسلات يونس.