الملخص
تسالم الفقهاء هو عبارة عن اتفاق يمكنه إثبات حكم شرعي معين. بعبارة أخرى، هو أمر مسلّم وبديهي لا يمكن أن يقع فيه خلاف بين الفقهاء. في هذا المقال، تم بحث مصطلح تسالم الفقهاء وتعريفه، وخلفيته التاريخية، وتمايزه عن الإجماع وعدم الخلاف والشهرة. كما تم استعراض أدلة حجيته وخصائصه وآثاره. وفي هذا السياق، تمت الإشارة إلى بعض الآراء والمباني، وفي النهاية، قُدّمت صورة واضحة وشاملة وموثقة عن تسالم الفقهاء. كما أُشير إلى دور تسالم الفقهاء في عملية استنباط الأحكام الشرعية، وفي الختام، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن تسالم الفقهاء أمر أسمى من تسالم الأصحاب والإجماع والشهرة والعناوين المشابهة، وأنه يتحقق عندما يتجه جميع الفقهاء في كل الطبقات نحوه ويفتون على أساسه، بحيث يصبح من ضروريات المذهب.
مقدمة
كما أن الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (ع) له القدرة على تبيين الأحكام الشرعية، فإن لتسالم الفقهاء أيضًا، مقارنة بالإجماع، تأثيرًا أفضل في استنباط الأحكام الشرعية، وسيُعدّ أحد أدلة إثبات الأحكام الشرعية. من المنطقي أن قبول تسالم الفقهاء كدليل معتبر يمكن أن يكون مفتاحًا لحل العديد من المسائل الفقهية المستنبطة.
تاريخ البحث
استخدم صاحب مفتاح الكرامة عنوان “تسالم الناس” لأول مرة (الحسيني العاملي، 1419هـ: 3/ 148) و”تسالم الأصحاب” (نفس المصدر: 7/ 561)، وبعد ذلك استُخدم تدريجيًا عنوانا “تسالم الفقهاء” و”تسالم الأصحاب” في كثير من متون الفقه (كاشف الغطاء، 1422هـ: 303؛ النجفي، 1404هـ: 3/ 1404؛ الأنصاري، 1411هـ: 1/ 309؛ النائيني، 1411هـ: 1/ 298؛ الحكيم، 1416هـ: 4/ 361؛ الخميني، بلا تا: 2/ 182). يمكن القول إن هذا المقال هو أول بحث يسعى لبيان هذا المبحث بشكل تفصيلي، ويتناول تفاوته عن الإجماع وعدم الخلاف، وأدلة حجيته وخصائصه وآثاره، ويعدّ التسالم من أهم أدلة حجية المسائل الشرعية.
التسالم في اللغة
التسالم في اللغة يعني الاتفاق (ابن فارس، 1404هـ: 3/ 90؛ ابن منظور، 1414هـ: 12/ 293)، والصلح، والمسالمة، والتوافق (الجوهري، 1410هـ: 5/ 952). في آيات القرآن، استُخدمت كلمات متجانسة مع التسالم مثل “سلام” بمعنى “الاتفاق والصلح والمسالمة”: «وَ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ» (هود: 69)؛ جاءت رسلنا إلى إبراهيم بالبشرى، فقالوا: سلامًا! قال: سلام.
وقد قيل في تفسيرها: إن جملة «قالوا سلاما قال سلام» تفيد التسالم (أي إلقاء السلام على بعضهم البعض) (الطباطبائي، 1382ش: 10/ 479). كما يقول في موضع آخر: «لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (مريم: 62)؛ هناك لا يسمعون كلامًا لغوًا وباطلًا، وليس هناك سوى السلام، ورزقهم مقرر لهم في الجنة كل صباح ومساء. السلام بمعناه الواسع للكلمة يدل على سلامة الروح والفكر واللسان والسلوك والأخلاق لأهل الجنة، مما يجعل تلك البيئة جنة، وتزول منها كل أذى وإيذاء، وهي علامة على بيئة آمنة ومطمئنة، مليئة بالصفاء والمودة والنقاء والتقوى والسلام والهدوء (مكارم الشيرازي، 1380ش: 8/ 113).
التسالم في الاصطلاح
في تعريف التسالم اصطلاحًا، قدّم الفقهاء آراء متنوعة: يرى البعض أن التسالم هو اتفاق من يعتبر قولهم معتبرًا في الفتاوى الشرعية. ويرى آخرون أن التسالم يعني الصلح والتوافق بين الفقهاء (الأنصاري، نفسه: 1/ 309)، وهو ما يتماشى مع معناه اللغوي. وقال فقيه آخر في هذا الصدد: التسالم هو اتفاق يمكن أن يثبت حكمًا شرعيًا معينًا، أي أنه أمر مسلّم وبديهي لا يمكن أن يقع فيه خلاف بين الفقهاء (المصطفوي، 1388ش: درس خارج الفقه). هذا الاتفاق في الرأي بين الفقهاء في مسألة شرعية هو أسمى من الإجماع؛ لأنه اتفاق جميع الفقهاء، وهذا الاتفاق في حد ذاته دليل عظيم (البجنوردي، 1401هـ: 1/ 176). لذلك، كما صُرّح، فإن المقصود بالفقهاء في التسالم هم جميع الفقهاء من القدماء والطبقة الوسطى والمتأخرين منهم (السيستاني، 1414هـ: 275).
التسالم من وجهة نظر بعض الفقهاء هو أقوى دليل على حجية المسألة الشرعية (البجنوردي، نفسه: 1/ 357؛ محقق داماد، 1406هـ: 4/ 48). بل ادُّعي أن حجية التسالم مرتبطة بحجية المذهب نفسه (المصطفوي، نفسه). التسالم يعني اتفاق من يعتبر قولهم في الفتاوى الشرعية معتبرًا، وآراء أولئك الذين ليس لديهم تخصص في هذا المجال لا تؤثر في تحققه وعدم تحققه. بالطبع، هناك حالات في الشرع يكون فيها العمل متفقًا عليه بين جميع الناس، من العامي إلى العالم – مثل الاتفاق على تفاصيل أعمال الحج والعمرة التي لا تستند بالتفصيل إلى أي آية أو حديث – وهذه هي أهم وأعلى مراحل التسالم.
تفاوت تسالم الفقهاء مع تسالم الأصحاب
يختلف تسالم الأصحاب عن تسالم الفقهاء؛ فالتسالم الذي هو أسمى من أي نوع من الإجماع (سواء كان منقولًا أو محصلًا) هو تسالم الفقهاء، أما تسالم الأصحاب فهو في حدود الشهرة. لذلك، فإن تسالم الأصحاب يعني توافق أغلبية الفقهاء وليس جميعهم (المصطفوي، نفسه). ولهذا السبب، في عبارات الفقهاء عندما يُذكر تسالم الأصحاب، يُشار أيضًا إلى وجود عدد قليل من الفقهاء المخالفين لهذا التسالم (الحسيني العاملي، 1419هـ: 7/ 361).
1. اصطلاحات مرتبطة بـ«تسالم الفقهاء»
في دراسة آثار الفقهاء، نواجه أحيانًا تعابير مثل «الإجماع»، «الاتفاق»، «عدم الخلاف»، و«الشهرة» بدلًا من التسالم، ومن المناسب دراسة هذه المصطلحات ووجه تمييزها عن التسالم.
أ. الإجماع والتسالم
يختلف التسالم عن الإجماع من وجوه متعددة:
أولًا: بحسب رأي الأصوليين الإمامية، يكون الإجماع «حجة» من حيث كونه كاشفًا عن رأي المعصوم (ع) (الأنصاري، نفسه: 1/ 180)؛ فهو ليس حجة بذاته، واتفاق العلماء حاكٍ وكاشف عن نظر المعصوم. بينما التسالم هو اتفاق جميع الفقهاء والمجتهدين، ويُعد من بديهيات الدين. علاوة على ذلك، في الإجماع، لا يلزم اتفاق الكل (المصطفوي، نفسه).
ثانيًا: في الإجماع، عدم كونه مدركيًا أمر مهم جدًا، وإذا كان الإجماع مدركيًا فليس بحجة، ولكن في التسالم، لا معنى لكونه مدركيًا أو غير مدركي، والتسالم حجة بأي حال من الأحوال (مكارم الشيرازي، نفسه: 3/ 502)؛ لأنه إذا كان للتسالم مستند معين، فيجب الالتزام بالتسالم بسبب توافق الكل، وإذا لم يكن معينًا، فيجب أيضًا قبول التسالم الذي ارتبطت حجيته بالمذهب (المصطفوي، نفسه)؛ لأن الحكم المتسالم عليه له مأخذ حتمًا، ولا يمكن أن يفتي جميع الأكابر بشيء دون دليل ومأخذ. إذن، بالحكم الذي يُتوصل إليه بهذه الطريقة، يحصل الجزم أو الاطمئنان. على سبيل المثال، على الرغم من ادعاء الإجماع على جواز بيع الوقف، إلا أن هذا الإجماع اعتُبر مدركيًا، ولكن وجود تسالم الفقهاء في هذه المسألة اعتُبر سندًا محكمًا ومتينًا (السيفي المازندراني، 1430هـ: 530).
بهذا الترتيب، يمكن القول إن العلاقة بين التسالم والإجماع هي علاقة العموم والخصوص المطلق؛ أي أن كل تسالم هو إجماع، ولكن ليس كل إجماع تسالمًا؛ لأن التسالم أثمن من الإجماع (المصطفوي، نفسه).
قد يُطرح هذا السؤال: ما هو دور تسالم الفقهاء في الفقه مع وجود مفهوم مقبول باسم الإجماع؟ يبدو أن هذا السؤال يرجع إلى عدم التفريق بين الإجماع وتسالم الفقهاء، في حين أن هناك فروقًا متعددة بين الإجماع وتسالم الفقهاء، وهذه الفروق تدل على الدور والمكانة المستقلة لتسالم الفقهاء في الاستنباطات الفقهية. بالإضافة إلى أنه قد يكون الإجماع في موضع ما مخدوش الحجية بسبب عدم اكتمال شروط حجيته أو أدلة أخرى، ولكن وجود تسالم الفقهاء يكفي للدلالة في مسألة ما؛ مثل وجوب إزالة النجاسة من المسجد، وهو حكم يتسم تسالم الفقهاء عليه بوضوح وجلاء بحيث لا يحتاج إلى أدلة قابلة للنقاش والإشكال (السبزواري، 1413هـ: 1/ 462).
ب. الاتفاق والتسالم
مصطلح «الاتفاق» في استعمالاته المختلفة متنوع. أحيانًا يكون قصد المتكلم معنى غير «التسالم» و«الإجماع» و«عدم الخلاف»؛ مثلًا، قال فقيه: «في المسألة الفلانية لا يوجد خلاف، بل ادُّعي فيها الاتفاق، بل قيل إن هذه المسألة إجماعية» (النجفي، نفسه: 42/ 424؛ الحكيم، 1416هـ: 8/ 296). يُستفاد من هذه العبارة أن «الاتفاق» في الكشف عن الواقع له مرتبة بين «الإجماع» و«عدم الخلاف». ربما يكون المقصود من هذا المصطلح معنى مرادفًا لـ«عدم الخلاف»؛ مثل أن يُنسب إلى شخص لا يوجد في عباراته سوى مصطلح «عدم الخلاف» أنه ادعى «الاتفاق» (الطباطبائي، 1418هـ: 8/ 208). وأحيانًا يكون المقصود بالاتفاق، الإجماع الكاشف عن قول المعصوم؛ مثل أن يستخدم المتكلم في مقام نقل وحكاية الإجماع عن الآخرين مصطلح «الاتفاق» (الحكيم، نفسه: 3/ 262)؛ لأنه في عبارات بعض الفقهاء، لا يوجد شيء سوى كلمة «الاتفاق» (المحقق الحلي، 1407هـ: 1/ 215). وفي حالات نادرة أيضًا، استُخدمت كلمة «الاتفاق» وقصد المتكلم مرتبة أعلى من الإجماع. كأن الاتفاق لا يحصل إلا بوفاق تام، بخلاف الإجماع الذي قد يكون كاشفًا عن رأي المعصوم وفي نفس الوقت يوجد مخالف غير مهم.
يعتقد بعض المحققين أنه إذا لم توجد قرينة صارفة، فإن كلمة «الاتفاق» تنصرف إلى الإجماع الكاشف عن الحكم الشرعي، وهذا ربما بسبب كثرة استعمال الاتفاق بهذا المعنى (الساعدي، 1384ش: 154)؛ مثلًا، هذا الأمر مشهود في كلام البهبهاني، في بحث المعاملات يقول: «ربما يُستفاد من أصل اللغة أن العرية تشمل النخيل داخل البستان، وفي هذه الحالة، تشمل النخيل داخل البستان إطلاق بعض الأخبار، وربما يكون مستند اتفاق الفقهاء هو نفس أصل اللغة هذا، مع أن الاتفاق كافٍ؛ لأنه يبدو أن هذه المسألة إجماعية» (البهبهاني، 1417هـ: 158 و 159).
ج. الشهرة والتسالم
«الشهرة الفتوائية» تختلف أيضًا عن «الإجماع» و«التسالم». الشهرة الفتوائية هي: شيوع فتوى لم تصل إلى حد الإجماع ويقابلها فتوى شاذة. يعتقد بعض أصوليي الإمامية أنه على الرغم من أن فتوى فقيه واحد ليست حجة لفقيه آخر، إلا أن هذه الفتوى عندما تصل إلى حد الشهرة ويكثر المفتون بها، يمكن أن تكون دليلًا على الحكم لفقيه آخر، ويستنبط هو أيضًا الحكم منها (الشهيد الأول، 1419هـ: 1/ 52). بشكل عام، يمكن القول: الإجماع هو تراكم الآراء الذي له مراحل: 1. الشهرة، 2. الشهرة العظيمة، 3. نفي الخلاف، 4. الإجماع، 5. التسالم.
تعريف الإجماع (تراكم الآراء) أولى مراحله الشهرة. المقصود بالشهرة هو معناها العرفي في الأصول، أي حكم كان له شهرة عرفية بين الفقهاء، ولكن إذا كانت شهرة حكم في حد تأييد الأغلبية وكان مخالفوه في الأقلية، فهي شهرة، وإذا كان الحكم في حد أن تؤيده الأغلبية ويكون الرأي المخالف شاذًا ونادرًا، فهذه مرحلة الشهرة العظيمة. أما مصطلح نفي الخلاف، فيعني اتفاق نظر عدد من الفقهاء على حكم فقهي بحيث لا يكون خلافه مشهودًا بين أصحاب النظر الآخرين. يُطلق على هذا النوع من تراكم الآراء نفي الخلاف، وبتعبير الميرزا القمي بدلًا من هذا التراكم (نفي الخلاف)، يُستخدم تعبير الإجماع السكوتي أيضًا (المصطفوي، نفسه). وأعلى من ذلك هو حيث يقوم المحقق والباحث بدراسة جميع آراء أصحاب النظر ويحصل بشكل محدد على توافق جميع أهل الفتوى على حكم واحد. هذا هو الإجماع الذي يقال فيه: «ما أجد خلافًا فيه بل الإجماع». أما إذا بلغ توافق الآراء ذروته وأصبح واضحًا وجليًا وقطعيًا، ووصل إلى مستوى عالٍ من التأييد والاتفاق بحيث لا تُطرح أي شبهة، في هذه الحالة يُقال تسالم الفقهاء. لهذا السبب، فإن الفقهاء بعد أن اعتبروا دليل مسألة ما شهرة، أشاروا إلى ما هو أعلى من ذلك وقالوا: بل إن الفقهاء متسالمون عليه (الصدر، 1420هـ: 2/ 102).
أحد الفروق المهمة بين الشهرة وتسالم الفقهاء هو أن الشهرة يجب أن تكون بين القدماء (شهرة قديمة) لتكون حجة، وإذا لم تكن لمسألة شهرة بين المتأخرين، فهناك خلاف مصنّف حسب وجهات النظر؛ قال بعض الفقهاء: فقط الشهرة بين القدماء حجة. والبعض يعتبر الشهرة حجة مطلقًا، والبعض لا يعتبرها حجة مطلقًا (مكارم الشيرازي، نفسه: 2/ 381)، ولكن في تسالم الفقهاء، إذا أفتى الفقهاء المتأخرون بخلاف الفقهاء المتقدمين، فلن يكون هناك تسالم بعد الآن ويسقط عن الحجية.
أدلة حجية تسالم الفقهاء
لا يتردد أصوليو الإمامية في قبول فكرة التسالم والاستدلال بها في كثير من مباحث الفقه، وفي كتب علماء الشيعة الفقهية ومستنداتهم، يوجد استدلال بالتسالم بكثرة. يمكن الاستدلال على حجية تسالم الفقهاء الذي هو بمنزلة الإجماع من الأدلة اللبية (الصدر، 1417هـ: 3/ 69)، بأدلة مثل الكتاب، والسنة، والعقل (فحوى الخطاب)، وسيرة العقلاء.
1. الاستدلال بالكتاب (آية النفر)
يقول الله تعالى في القرآن: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (التوبة: 122)؛ وليس من الصواب أن يخرج المؤمنون جميعًا [للجهاد]، فلماذا لا تخرج من كل فرقة منهم طائفة [ليبقوا] ويتفقهوا في الدين وينذروا قومهم عندما يعودون إليهم! لعلهم يحذرون [من عقاب الله].
يمكن الاستدلال بهذه الآية على حجية تسالم الفقهاء على النحو التالي: على الرغم من أن ضرورة الذهاب إلى النبي ﷺ وتعلم أحكام الدين وتعاليمه لكل شخص أمر عقلي، إلا أن مثل هذا الأمر إذا كان ممكنًا، فإنه يسبب مشقة كبيرة. لهذا السبب، أراد الله من باب الرحمة للمؤمنين أن يرفع هذه المشقة عنهم وينفي ضرورة حركة جميع الناس إليه لتعلم أحكام الدين؛ لكن معنى التخفيف ليس أن أصل تعلم أحكام الدين يسقط. لذلك، يبين الله طريقًا آخر، بأن تأتي جماعة إلى النبي ﷺ، ويتعلموا أحكام الدين وتعاليمه، ثم يعودوا ويبينوها للآخرين. هذا الطريق الذي بينه الله، يستلزم أن يكون كلام الذاهبين حجة على قومهم، وإلا فإن تشريع ذهاب جماعة من الناس من كل طائفة سيكون لغوًا وعديم الفائدة (الأنصاري، نفسه: 1/ 277؛ المحمدي، 1375ش: 1/ 405 و 406). وبما أن حجية الخبر لها فردان: أحدهما أن يخبر كل منهم بشكل فردي، والآخر أن يتفق جميع الفقهاء وينقلوا مسألة، في هذه الحالة أيضًا يكون قولهم حجة، وهذا الفرض هو نفسه تسالم الفقهاء.
الإشكالات التي وردت على الاستدلال بالآية لإثبات حجية خبر الواحد (الأنصاري، نفسه: 1/ 279)، لا ترد هنا؛ لأنه في أخبار الآحاد قد يكون هناك صوت واحد ولا يوجد تنسيق، ولكن في تسالم الفقهاء، يبين الجميع حكمًا شرعيًا واحدًا دون خلاف، من الطبيعي أن يكون على الجميع واجبًا وضروريًا قبول تسالم الفقهاء هذا وعدم مخالفته.
2. الاستدلال بالأخبار (السنة) في إثبات حجية تسالم الفقهاء
إثبات حجية تسالم الفقهاء عن طريق الاستناد إلى الروايات يواجه مشكلة جدية؛ لأن الاستناد إلى الروايات يعتمد على وجود رواية قطعية الصدور، ولهذا السبب لا يمكن الاستناد إلى غيرها (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 302). بالإضافة إلى ذلك، الروايات التي استُند إليها لإثبات حجية تسالم الفقهاء كلها أخبار آحاد.
بوضع هاتين المسألتين معًا، نصل إلى نتيجة أنه لإثبات تسالم الفقهاء عن طريق الأخبار، يجب أن نجد طريقة تسمى التواتر الإجمالي (نفسه). وينقسم إلى ثلاثة أنواع: لفظي، معنوي، وإجمالي. على الرغم من عدم وجود رواية متواترة من النوع اللفظي والمعنوي لحجية تسالم الفقهاء، إلا أن هناك أخبارًا متعددة بألفاظ ومضامين مختلفة حول حجية خبر الواحد، وبطريق أولى، حجية تسالم الفقهاء، والتي تؤدي إلى التواتر الإجمالي. تنقسم هذه الروايات إلى أربع فئات (الأنصاري، نفسه: 1/ 297)، وفي هذا المقال، سنشير إلى بعضها المتعلق بضرورة اتباع فقهاء الشيعة. الأحاديث التي تدل على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقات والعلماء، بحيث يتضح من لسان هذه الأخبار أنه لا يوجد فرق بين فتاوى العلماء بالنسبة لمن يستفتونهم وبالنسبة للأشخاص الذين يعملون بالرواية.
1. قال الإمام الحجة (عج) لإسحاق بن يعقوب: «أما الحوادث الواقعة (لمعرفة حكمها) فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم» (الحر العاملي، 1416هـ: 7/ 1416). الظاهر أن صدر هذه الرواية يختص بالرجوع إلى الرواة والاستفتاء منهم، ولكن هذه العلة (في ذيل الحديث) وهي أنهم حجتي عليكم، تدل على وجوب قبول خبرهم كما تدل على فتاواهم.1
2. ورد في رواية: «…فأما من كان من الفقهاء، صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأما من ركب من القبائح والفواحش – كارتكابها من الفقهاء الفسقة العامة – فلا تقبلوا منا عنه شيئاً ولا كرامة له….» (الطبرسي، 1403هـ: 2/ 458).2
دلالة الحديث على وجوب اتباع علماء الشيعة تامة وكاملة، وبطريق أولى عندما يتسالم جميع علماء الشيعة على حكم شرعي، فإن مخالفتهم تكون حرامًا بيّنًا وواضحًا، وتؤدي إلى الفسق بل والخروج من الدين.
3. قال الإمام (ع) في رده على رسالة سئل فيها عمن يجب الاعتماد عليه في أمر الدين: «اعتمد في أمر دينك على كل من تقدم في حبنا وصداقتنا، وخطا خطوات واسعة في أمرنا» (الحر العاملي، نفسه: 27/ 151).3
4. تروي مرفوعة الكناني عن الإمام الصادق (ع) في تفسير الآية الشريفة «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» أنه قال: «هؤلاء طائفة من شيعتنا الضعفاء، ليس لديهم ما يمكنهم من الوصول إلينا، فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا. لذا، ترحل طائفة تفوقهم من الناحية المالية، ينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم، حتى يدخلوا علينا، فيسمعون حديثنا، ثم يعودون إلى تلك الطائفة الضعيفة من شيعتنا، فيروون لهم الأخبار. هم يعملون بتوجيهاتنا، ولكن هؤلاء الذين سمعوا أخبارنا بأنفسهم يضيعونها ولا يعملون بها».4
جميع الروايات المذكورة، ضمن مدح فقهاء الشيعة، تدل على وجوب اتباعهم، ولا يوجد أي إشكال في أنه كلما تسالم وتوافق جميع فقهاء الشيعة على موضوع شرعي، فإن اتباعهم واجب على الجميع، وهذا ليس مثل الإجماع وخبر الواحد الذي يمكن الطعن فيه. في هذا الصدد، لا فرق أيضًا في أن يكون الحكم موضع تسالم الفقهاء له مدرك ودليل آخر أم لا.
يبدو أنه يمكن الإشارة إلى الأدلة المذكورة كمدارك لحجية تسالم الفقهاء، ولكن الدليل والمدرك الأهم من هذا هو قطعية تسالم الفقهاء؛ بمعنى أنه إذا أدى تسالم الفقهاء على مسألة فقهية إلى قطعنا بالحكم، ففي هذه الحالة، لا حاجة لدليل على حجية هذا التسالم؛ لأن القطع حجة. كما أشار بعض الفقهاء إلى هذه النقطة وفي بحث شرطية الذكورة للقاضي قالوا: تسالم جميع الفقهاء السابقين والحاليين على هذه المسألة، يكشف أن الحكم كان قطعيًا لديهم، وهذا مستند محكم لهذا الحكم بدلًا من أن نستند إلى أدلة أخرى (السيفي المازندراني، نفسه: 138)، وهو ما يُذكر في بعض المواضع كتسالم قطعي، وإن كان إثباته صعبًا (المروجي، 1410هـ: 12/ 110). بالطبع، من جهة بعض الفقهاء، يُعتبر قطعيًا عندما يتفق علماء وفقهاء الإسلام – شيعة وسنة – على شيء، وفي هذه الحالة سيكون ضمن المبادئ والأحكام التي يعرفها كل من له أدنى معرفة بالفقه والأحكام (الخوئي، 1414هـ: 2/ 140).
3. الاستناد إلى العقل على مبنى فحوى الخطاب في حجية تسالم الفقهاء
فحوى الخطاب أو قياس الأولوية، هو قياس يُسرى فيه الحكم إلى الفرع ويُستنبط حكمه عن طريق كون وجود العلة (مناط حكم الأصل) في الفرع أقوى وأشد. بناءً على ذلك، في الحالات التي تكون فيها علة الحكم في الفرع أقوى من الأصل، يُحمل حكم الأصل على الفرع بطريق أولى ويُسرى إليه، وهذا النوع من القياس حجة (مكارم الشيرازي، نفسه: 2/ 474؛ مجاهد الطباطبائي، 1396ش: 667). على الرغم من وجود خلاف في حجية هذا النوع من القياس، إلا أن معظم الفقهاء اعتبروه حجة واستثنوه من القياس الباطل.5 بالطبع، يتحقق قياس الأولوية عندما يتوفر شرطان:
1. أن يكون الحكم في الأصل والفرع من سنخ واحد؛ فمثلًا إذا كان الحكم في الأصل وجوبًا، ففي الفرع أيضًا وجوب، وإذا كان حرمة، ففي الفرع أيضًا حرمة، ويكونان متساويين من حيث الإيجاب والسلب.
2. أن يكون ملاك الحكم في الفرع أقوى من ملاك الحكم في الأصل (المظفر، 1430هـ: 2/ 184). يمكن دراسة فحوى الخطاب لإثبات حجية تسالم الفقهاء بالنسبة لبحث الإجماع وخبر الواحد والشهرة الفتوائية.
4. الإجماع
الإجماع أحد الأدلة المهمة لحجية التسالم. الإجماع يعني إثبات حكم شرعي بسبب اتفاق جماعة من الفقهاء عليه، مع توضيح أن الإمامية لا يعدون الإجماع دليلًا مستقلًا مقابل الكتاب والسنة؛ بل يتمسكون به بقدر ما يكشف عن السنة وقول المعصوم (ع). لذلك، الحجية ليست متعلقة بالإجماع؛ بل بقول المعصوم الذي يُكشف عنه بواسطة الإجماع (الأنصاري، نفسه: 1/ 180 و 185؛ السبحاني، 1388ش: 2/ 31).
يعتقد بعض الفقهاء أنه لا مانع من القول بأن تراكم الحالات المحتملة قد يسبب قطع الإنسان بالواقع بسبب كثرتها. وفقًا لهذه الرؤية، كلما زاد عدد المجمعين، زاد احتمال قربهم من الواقع ورأي المعصوم (ع). هذا البرهان، المعروف ببرهان حساب الاحتمالات، لا يقيم ملازمة بين فتوى المجمعين ورأي المعصوم؛ لأن المقصود من الملازمة هو عدم إمكانية الانفصال بين اللازم والملزوم، وهو ما لا يمكن إحرازه؛ لأننا في كثير من الأحيان نحصل على قطع بشيء ثم يثبت خلافه (الصدر، 1417هـ: 9/ 451-459). بشكل عام، الإجماع مقبول بين أصوليي الشيعة، وإن كان الأخباريون قد ردوا حجيته (الأسترآبادي، 1426هـ: 265).
على أي حال، حجية الإجماع قطعية عند أصوليي الشيعة، وفي التسالم أيضًا، الذي هو مرحلة عليا من الإجماع وأرقى من الإجماع الاصطلاحي بين الأصوليين، كلما أفتى جميع العلماء المعاصرين في زمن غيبة الإمام المعصوم (ع) بحكم معين وتشكل التسالم، فهو حجة لنا، سواء كان مستند تلك الفتوى متاحًا لنا أم لا.
5. الأولوية من حجية خبر الواحد
خبر الواحد الذي لا يصل إلى حد التواتر (مجاهد الطباطبائي، 1396ش: 328)، يكون أحيانًا مفيدًا للعلم.6 لا شك أن مثل هذا الخبر حجة باعتقاد جميع الأصوليين والأخباريين (الأنصاري، نفسه: 1/ 240). فيما يتعلق بحجية هذا الخبر، لا يوجد نقاش، لكن هناك قسم آخر من أخبار الآحاد بدون قرينة، والتي ليست حجة مطلقًا من وجهة نظر الأخباريين وأمثال السيد المرتضى (علم الهدى، 1405هـ: 3/ 309)، ولكن من وجهة نظر مشهور الأصوليين، هي حجة وفقًا للأدلة (الأنصاري، نفسه: 1/ 254).
الآن، من الواضح تمامًا أن التسالم أثمن بكثير من أخبار الآحاد، وبطريق أولى يجب أن يكون حجة. إذا لم يوجد في التسالم قطع ويقين، فإن درجة كشفه عن الواقع أقوى بكثير من أخبار الآحاد، وملاك حجية خبر الواحد أقوى بكثير في تسالم الفقهاء.
6. الأولوية من حجية الشهرة الفتوائية
الشهرة الفتوائية هي الفتوى المشهورة غير المستندة إلى رواية، ولا فرق في أن يكون عدم الاستناد هذا بسبب عدم وجود رواية في المسألة، أو لوجود دليل آخر (مكارم الشيرازي، 1428هـ: 2/ 381). الشهرة الفتوائية حجة؛ لأن عدالة الفقهاء تمنعهم من الإفتاء بدون دليل، وعدم علمنا به ليس دليلًا على عدم وجود دليل شرعي في الواقع، والظن الموجود في جانب الشهرة قوي (الشهيد الأول، نفسه: 1/ 52؛ مكارم الشيرازي، 1380ش: 2/ 381؛ النائيني، 1376ش: 3/ 155). بالنظر إلى أن التسالم أثمن بكثير من الشهرة الفتوائية، فبطريق أولى يجب أن يكون تسالم الفقهاء حجة. إذا لم يوجد في التسالم قطع، فإن الظن الحاصل منه أقوى بكثير من الشهرة الفتوائية.
على أي حال، عندما تكون الظنون المعتبرة الأدنى من الإجماع (مثل خبر الواحد)، والشهرة الفتوائية، وبعض الظنون المعتبرة الأخرى التي هي أدنى من التسالم، حجة على مبنى فحوى الخطاب، فإن تسالم الفقهاء أيضًا حجة بطريق أولى.
إذا لم نعمل بالتسالم، فإن لازم ذلك هو أن يكون للتسالم قيمة أقل من الإجماع وأخبار الآحاد أو الشهرة الفتوائية، في حين ثبت أن التسالم أعلى من هذه، وفي هذه النتيجة التي هي حكم العقل، لا يوجد أي شك.
7. الاستدلال بسيرة العقلاء
أولًا: بالنظر إلى هذه السيرة، يتضح بجلاء أن العقلاء، على الرغم من اختلاف آرائهم في مسائل مختلفة، إلا أنهم دائمًا يسلمون لرأي الكل وجميع المتخصصين المعنيين بتلك المسألة، ولا يعتنون بالاحتمالات الضعيفة التي تشكك في صحتها. هذه المسألة متجذرة وعميقة لدرجة أنها أدت إلى تشكيل واستقرار النظام الاجتماعي على أساسها، بحيث لا يرون مخالفتها صحيحة لأنفسهم.
ثانيًا: المسلمون أيضًا، مثل سائر العقلاء، كانوا دائمًا يستخدمون خبر الثقة للحصول على الأحكام الشرعية، بحيث أن المقلدين اليوم يتلقون فتاوى مرجع تقليدهم عن طريق أشخاص ثقات ويعملون بها فورًا. الآن، إذا تسالم جميع فقهاء الشيعة على حكم شرعي، فإن سيرة العقلاء ستحكم بوجوب اتباعه قطعًا. عندما استقرت سيرة العقلاء بما هم عقلاء على العمل بخبر الثقة ولم يردعها الشارع، فإن اتباع حكم اتفق عليه جميع فقهاء الشيعة بشكل استغراقي، واجب، وبلا شك، هذا حكم الشارع المقدس أيضًا؛ لأنه من المستحيل أن يتفق جميع فقهاء الشيعة الذين مُدحوا في أحاديث متعددة (الطبرسي، نفسه: 2/ 458؛ الكليني، نفسه: 8/ 178؛ الحر العاملي، نفسه: 27/ 151) على مطلب كاذب. لهذا السبب، في الموضع الذي يوجد فيه تسالم الفقهاء، قيل: «لا يعتريه الريب» (الطباطبائي القمي، 1400هـ: 4/ 138).
خصائص تسالم الفقهاء
بالنظر إلى الدراسة المستفيضة حول تسالم الفقهاء في هذا المقال، يمكن تصور الخصائص التالية للموضوع قيد البحث:
1. لأنه حاصل اتفاق جميع الفقهاء (المصطفوي، نفسه)، فإن قيمته أعلى من الإجماع.
2. كون التسالم مدركيًا أو غير مدركي ليس شرطًا، خلافًا للإجماع (مكارم الشيرازي، 1427هـ: 3/ 502).
3. اختلاف الفقهاء فيه غير ممكن (المصطفوي، نفسه).
4. التسالم أقوى دليل على حجية المسألة الشرعية (البجنوردي، نفسه: 1/ 357؛ محقق داماد، نفسه: 4/ 48 و 140).
5. حجية التسالم مرتبطة بحجية المذهب نفسه (المصطفوي، نفسه)، وهي من ضروريات المذهب.
6. من الخصائص الأخرى لتسالم الفقهاء أن مخالفته مشكلة، إلا إذا كان هناك دليل قطعي على خلافه؛ مثلًا، يجب أن يكون رأس مال ومال المضاربة عينًا (السيفي المازندراني، نفسه: 41).
عدة مصاديق من تسالم الفقهاء
بالأدلة التي تم بها بحث حجية تسالم الفقهاء، نستنتج أن تسالم الفقهاء أفضل من الشهرة الفتوائية وأخبار الآحاد وحتى أفضل من الإجماع في الفقه واستنباط الأحكام الشرعية، ويؤدي دوره، وفي أي مكان لا يكون هناك دليل على المسائل الشرعية أو أعرض عنه الفقهاء (الخميني، 1376ش: 3/ 597)، يُستخدم، وتُشاهد آثاره بوضوح في جميع أبواب الفقه. هناك أمثلة كثيرة من الأحكام الشرعية التي تستند إلى تسالم الفقهاء تُرى في متون الفقه، ونشير إلى بعضها:
1. جميع فقهاء الإمامية قبلوا هذا المعنى وقالوا: كل حكم يوجب علو وسبيل الكافر على المسلم، ذلك الحكم منفي؛ أي أن قاعدة نفي السبيل ليست فقط موضع تسالم أصحاب الإمامية، بل هي موضع تسالم جميع فقهاء الإسلام، وهذا أكبر دليل على حجية حكم شرعي (البجنوردي، نفسه: 1/ 358)، على الرغم من أن مستند قاعدة نفي السبيل هو آية «لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» (النساء: 141)، ولكن أقل فائدة للتسالم في هذا المورد هو أنه يغلق الطريق على تفاسير أخرى لهذه الآية، وحتى لو لم تكن هذه الآية موجودة، لكان التسالم أهم مستند لهذا الحكم.
2. من وجهة نظر جميع فقهاء الإمامية، التقية جائزة في كل شيء إلا في الدم.
3. يتسالم الفقهاء على هذه الفتوى بأنه إذا تباينت اشتغالات الذمم، فإن صاحب العين مطلقًا (في الدين وغيره) مقدم على الآخرين (الحسيني الشيرازي، نفسه: 9/ 45).
4. عدم جواز بيع الوقف في الجملة من الموارد التي تسالم عليها الفقهاء ولم يشك فيها أحد (الطباطبائي القمي، 1400هـ: 3/ 209).
5. في بحث القمار (الفرع الأول: اللعب بالآلات المعدة للقمار مع الرهن من حيث الحكم التكليفي)، ورد: حرمته موضع تسالم جميع علماء الإسلام، وحرمته في الجملة تُعد من ضروريات مذهب الإسلام (نفسه: 1/ 318).
6. إذا تولى شخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو غير عالم بموازينهما، فإذا كان هذا الأمر والنهي مخالفًا للواقع، ففي هذه الحالة يكون قد ارتكب عملًا حرامًا. هذه الحرمة تستند فقط إلى تسالم الفقهاء على أن تولي الأمور الحسبية للجاهل في الفرض المذكور حرام (السبزواري، نفسه: 15/ 260).
7. لهذه المسألة وهي أن الحيلولة سبب للضمان، استُند إلى أدلة، وردت على هذه الأدلة إشكالات كثيرة، ولكن يبدو أن تسالم الفقهاء وحده كدليل كافٍ في إثبات سببية الحيلولة للضمان (المروج الجزائري، 1416هـ: 3/ 615).
8. يتسالم الفقهاء في باب البيع على هذه المسألة وهي إسقاط شيء من المالية بيد الشارع (البحراني، 1423هـ: 262).
9. يتسالم الفقهاء على هذه المسألة وهي أنه إذا حبس شخص إنسانًا حرًا وسجنه، فإنه لا يضمن منافعه (الشاهرودي، 1423هـ: 11/ 521).
10. إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم يخالف خبرًا صحيحًا أو موثقًا، فإنه يحصل لنا من هذا التسالم علم أو اطمئنان بأن هذا الخبر إما لم يصدر عن المعصوم (ع) أو صدر على نحو التقية. في هذه الحالة، يؤدي وجود هذا التسالم إلى سقوط الخبر المذكور عن الحجية (الخرازي، 1422هـ: 5/ 406). بعبارة أخرى، هذا التسالم يمنع من الإفتاء على أساس ظاهر تلك الرواية؛ مثلًا، قيل: ظاهر الرواية يدل على أن الحاج يحرم عليه أن يخرج من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس، ولكن بما أن تسالم الفقهاء على استحباب الخروج بعد طلوع الشمس، فإن هذا يمنع من الإفتاء بحرمة الحركة نحو عرفات قبل طلوع الشمس بناءً على الرواية (الطباطبائي القمي، نفسه: 3/ 12).
11. حق الخيار ينتقل إلى الورثة بشكل مجموعي، وهذا الحكم بسبب الإجماع وتسالم الفقهاء (الخوئي، 1417هـ: 7/ 423).
النتيجة
من خلال دراسة المواضيع المتعلقة بالتسالم، يُستنتج أن التسالم ليس فقط أسمى من أخبار الآحاد والشهرة الفتوائية، بل هو أسمى حتى من الإجماع. في التسالم، يكون الاختلاف بين الفقهاء غير ممكن عادةً؛ لأن التسالم إرسال مسلم، أي أنه مسجل كأمر مسلم به بين كل الفقهاء، حيث قبله جميع الفقهاء الحاضرين والغائبين، والماضين والحال، كإرسال مسلم لا خلاف فيه. عندما يكون هناك تسالم، يخرج الأمر من مرحلة المدركية والتعبدية؛ لأن مرحلة التعبدية هي الإجماع، الذي يحتاج إلى إحراز قول المعصوم، وإلا فإن الإجماع الآخر ليس له حجية، ولكن في التسالم لا حاجة لذلك. حجية التسالم مرتبطة بحجية المذهب نفسه. التسالم جزء من أدلة استنباط الأحكام الشرعية، ويحل محل الإجماع الذي لا يمتلك القدرة على الوقوف بجانب سائر الأدلة الشرعية في كثير من المواضع؛ خاصة أنه لا توجد فيه إشكالات الإجماع.
الهوامش
- «عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِي أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً – قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ فَوَرَدَ التَّوْقِيعُ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ الزَّمَانِ (ع) – أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَ ثَبَّتَكَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا – فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللَّهِ».
- «وَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي مَضَى ذِكْرُه عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِي (ع) …. فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً عَلَى هَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا جَمِيعَهُمْ فَإِنَّهُ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَالْفَوَاحِشِ مَرَاكِبَ فَسَقَةِ الْعَامَّةِ فَلَا تَقْبَلُوا مِنَّا عَنْهُ شَيْئاً وَ لَا كَرَامَةَ …».
- «وَ عَنْ جَبْرَئِيلَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمِ بْنِ مَاهَوَيْهِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ الثَّالِثَ (ع) – أَسْأَلُهُ عَمَّنْ آخُذُ مَعَالِمَ دِينِي – وَ كَتَبَ أَخُوهُ أَيْضاً بِذَلِكَ – فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُمَا فَاصْمِدَا فِي دِينِكُمَا عَلَى كُلِّ مُسِنٍّ فِي حُبِّنَا وَ كُلِّ كَثِيرِ الْقَدَمِ فِي أَمْرِنَا – فَإِنَّهُمَا كَافُوكُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى».
- «عَلِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ شِيعَتِنَا ضُعَفَاءُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَتَحَمَّلُونَ بِهِ إِلَيْنَا فَيَسْمَعُونَ حَدِيثَنَا وَ يَقْتَبِسُونَ مِنْ عِلْمِنَا فَيَرْحَلُ قَوْمٌ فَوْقَهُمْ وَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ وَ يُتْعِبُونَ أَبْدَانَهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا عَلَيْنَا فَيَسْمَعُوا حَدِيثَنَا فَيَنْقُلُونَهُ إِلَيْهِمْ فَيَعِيهِ هَؤُلَاءِ وَ تُضَيِّعُهُ هَؤُلَاءِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لَهُمْ مَخْرَجاً وَيَرْزُقُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ …».
- اعتبره بعض علماء الأصول من الشيعة وأهل السنة، كالمرحوم العلامة الحلي والمحقق القمي والغزالي، من باب حجية ظهور اللفظ – لا من باب القياس – وعبروا عنه بمفهوم الموافقة ولحن الخطاب وفحوى الخطاب (الحائري الأصفهاني، 1404هـ: 386؛ المظفر، 1430هـ: 2/ 200).
- وهذا في حال كان الخبر مقترناً بقرائن توجب العلم بصدقه (الحكيم، 1418هـ: 197).
- قد تَرِد هذه الشبهة بأن مقصود آية الله الخوئي في مباحثه الفقهية من تسالم الفقهاء هو الإجماع نفسه، ولكن هذا الفهم غير صحيح؛ لوجود فرق بين الإجماع والتسالم في نظره؛ ذلك أنه لا يرى الإجماع من المسلّمات الفقهية، بينما يرى أن التسالم يفضي إلى المسلّمات. وكما هو الحال في بحث القنوت، حيث يرى أن الدعاء المحرّم في القنوت غير جائز وهو حرام، ويستدل على ذلك بقوله: «فيستدل على الحرمة بدعوى الإجماع بل التسالم عليها بحيث تعد من المسلمات» (الخوئي، 1418هـ: 15/ 392).