ملخص
إن وصف النساء بـ«نقصان الإيمان والعقل والإرث» في إحدى خطب نهج البلاغة، قد استرعى انتباه الشارحين منذ القدم، ولكنه في العصر الراهن أصبح موضع نقد أحياناً، تأثراً بالخطابات الحديثة المستجدة في حقوق المرأة، ولا سيما من جانب التيارات التنويرية. تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مقولة «نقصان العقل» في هذه الخطبة، استناداً إلى تتبع مصادرها في التراث الروائي والتاريخي، وبالاعتماد على تحليل السياق الخطابي لصدورها، بغية التوصل إلى قراءة مغايرة لهذا المقطع. تُظهر الدراسات أن الرؤية المستجدة التي تدعو إلى عدم اعتبار هذه الخطبة نابعة في الغالب من الخطابات الحديثة، والقراءة غير الدقيقة للخطبة، وقلة الاهتمام بسياقها الخطابي، بينما نجد أن نقل الكليني، وابن رستم، وابن الجوزي، وشهرة الخطب والمقاطع الموازية لخطبة النقصان، يعزز من احتمال صدورها. وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى الانتقادات الموجهة للآراء المطروحة، والسياق الخطابي لصدور الخطبة بعد حرب الجمل، والمقاطع المنسجمة معها في خطب أخرى، فإن الإمام (ع) في هذه الخطبة كان في مقام توبيخ أولئك الذين أطاعوا عائشة في محاربتهم له. وبما أن الركن الأساسي في هذه الحرب كان عائشة، فقد سعى الإمام (ع) بأسلوب خاص، عبر توظيف مفهوم النقصان في وصف النساء، استناداً إلى المجاز والاستعارات الأدبية اللطيفة في إعادة قراءة بعض المقاطع القرآنية المتعلقة بالشهادة والإرث وعادة النساء، أو استناداً إلى النظرة العرفية السائدة تجاه النساء، إلى إيقاظ الضمير الكامن لدى أولئك المحاربين وتنبيههم إلى خطئهم الجسيم. كما أن عائشة نفسها تُلام ضمنياً بسبب إشعالها نار الحرب.
1. طرح الإشكالية
حظي «نهج البلاغة» منذ القدم بمكانة خاصة لدى العلماء، إلا أن مقاطع منه تعرضت للنقد من قبل بعض المفكرين والتيارات الفكرية، كالخطبة التي ذُكرت فيها النساء بنواقص ثلاث في الإيمان والعقل والإرث: «مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ، فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَ لَا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ» (السيد الرضي، دون تاريخ، 105-106؛ وهو نفسه، 1406هـ، 100).
ويتضح من عنوان الخطبة «وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَرْبِ الْجَمَلِ فِي ذَمِّ النِّسَاءِ بِبَيَانِ نَقْصِهِنَّ» أن السيد الرضي اعتبر هذه الخطبة كلاماً للإمام (ع) في ذم النساء.
من بين الدراسات المنجزة، يرى البعض أن الخطبة المذكورة لم تصدر عن الإمام علي (ع)، بل هي تقرير للشعبي نقلاً عن شريح بن هانئ من رسالة للإمام علي (ع)، وهي مردودة لضعف سندها. وعليه، فإن الشبهات المبنية على هذه الرسالة أو الخطبة لا أساس لها بعد إثبات عدم صدور الكلام عن الإمام (الطيبي، 1395ش). ويعتقد البعض أن النساء لا يعانين من نقصان في العقل الذاتي مقارنة بالرجال، خاصة بالنظر إلى تهميش المرأة وظلمها في عصر الجاهلية، ويرون أن فهم نقصان العقل المكتسب لدى نساء ذلك العصر من كلام الإمام هو فهم منطقي وعقلاني (قربان نيا وحافظي، 1392ش).
فسّر البعض «النقص» بمعنى الضعف، و«العقل» بمعنى الذاكرة. فالنساء بسبب بعض الخصائص الجسدية والنفسية، قد لا يتذكرن بعض تفاصيل حدث ما (بورمولا وأفسردير، 1393ش). وعزا البعض نقصان عقل النساء إلى ضلالهن عند الشهادة. كما اعتبروا قلة حضور النساء في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وعدم مواجهتهن للمشكلات، سبباً في قلة معلوماتهن وتجاربهن، مما يؤدي إلى نقص عقلهن (أميني وإبراهيمي، 1392ش).
ويرى البعض أيضاً أن هدف الإمام (ع) هو بيان الفروق بين النساء والرجال في أداء العبادات، والشهادة في المحكمة، والإرث (رضائي وناطقي، 1398ش). وفي مقالة «روايات نقصان عقل وإيمان زنان در بوته اعتبارسنجی» (دراسة اعتبار روايات نقصان عقل وإيمان النساء)، أُشير إلى احتمالين: الأول، صعوبة فهم الخطبة بسبب التقطيع؛ الثاني، فهم النقص بمعنى الاختلاف، وأن الإمام (ع) قصد بيان الاختلافات التكوينية والطبيعية بين الرجل والمرأة، وأن هذه الاختلافات لا تدل على أفضلية أحدهما على الآخر، وأن مراده في النهاية هو ذم كل رجل وامرأة لا يدرك هذه الفروق (دياري وجعفري، 1395ش، 6-24).
نظراً للتوجهات السلبية التي تضع أحياناً اعتبار الخطبة والكتاب، وأحياناً رؤية الإمام نفسه موضع النقد، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة أكثر واقعية لهذه الخطبة.
إن المنهج النقدي للآراء المطروحة، وتتبع مصادر الخطبة في التراث الروائي والتاريخي، والاهتمام بطبيعة نشوء حرب الجمل، ومنشأها وسياقها الخطابي لصدور الخطبة بحضور الإمام لشهر واحد بعد الحرب في البصرة، والالتفات إلى الخطب الموازية لخطبة النقصان، وإعادة قراءة توظيف النقصان في وصف النساء «على أساس المجاز والاستعارات الأدبية اللطيفة في إعادة قراءة المقاطع القرآنية وحقائق الخلق» أو «على أساس النظرة العرفية»، والتمييز بين الرؤية المختارة وبقية الأبحاث في هذه الخطبة، كلها تمثل الابتكارات العلمية في إعادة قراءة هذه الخطبة.
2. دراسة مصادر الخطبة
نُقل المقطع الافتتاحي الذي يتناول أنواع النقصان الثلاثة ضمن رسالة طويلة في كتاب «المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (ع)» للطبري عن طريق الشعبي عن شريح بن هانئ (1415هـ، 408-418). كما نقل ابن طاووس في «كشف المحجة لثمرة المهجة» هذه الرسالة نفسها من «رسائل الكليني» بإسناد علي بن إبراهيم مع اختلاف طفيف (ابن طاووس، 1375ش، 235-253). وفي هذه الرسالة، ورد ذكر «النقصان الثلاثة» في سياق الحديث عن نكث طلحة والزبير بيعتهما وذهابهما إلى عائشة لإشعال الحرب: «… وَ كَانَ طَلْحَةُ يَرْجُو الْيَمَنَ وَالزُّبَيْرُ يَرْجُو الْعِرَاقَ، فَلَمَّا عَلِمَا أَنِّي غَيْرُ مُوَلِّيهِمَا اسْتَأْذَنَانِي لِلْعُمْرَةِ يُرِيدَانِ الْغَدْرَ، فَأَتَيَا عَائِشَةَ وَ اسْتَخَفَّاهَا مَعَ كُلِّ شَيْءٍ فِي نَفْسِهَا عَلَيَّ، وَ النِّسَاءُ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصَّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَلَا شَهَادَةَ لَهُنَّ إِلَّا فِي الدَّيْنِ وَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، وَقَادَهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَ ضَمِنَ لَهُمَا الْأَمْوَالَ وَ الرِّجَالَ…» (ابن طاووس، 1375ش، 235-253). وبما أن طريق الكليني بعد علي بن إبراهيم لم يُذكر في نقل هذه الرسالة، وطريق ابن رستم إلى الشعبي وشريح بن هانئ لم يُنقل أيضاً، فإن التكهن باتحاد الطريق في نهاية السند أمر صعب، ولكن بالنظر إلى الاختلافات بين الرسالتين، يتبادر إلى الذهن احتمال تعدد النقل من مصدرين مختلفين. ورغم أن «رسائل الكليني» غير متاحة، إلا أنه بالنظر إلى جلالة ابن طاووس واطلاعه عليها، وكذلك جلالة قدر الكليني وعلي بن إبراهيم، فإن الشك في نسبة هذه الرسالة إلى الإمام علي (ع) لا يبدو وجيهاً.
بما أن الجزء الثاني من خطبة السيد الرضي «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ…» لم يرد في الرسالة المذكورة، فيبدو أن السيد الرضي لم ينقل الخطبة من تلك الرسالة، كما أن الرسالة صيغت بسياق الغيبة في شرح الواقعة، بينما الخطبة المذكورة جاءت في قالب الخطاب. وكذلك، بالنظر إلى أن هذه الخطبة أُلقيت بعد حرب الجمل، فمن المحتمل جداً أن يكون الإمام قد ألقاها أولاً بعد حرب الجمل سنة 36 هـ، ثم كرر المضمون نفسه سنة 38 هـ في قالب رسالة بعد احتلال مصر على يد عمرو بن العاص (حسيني خطيب، 1367ش، 2: 82-83). وبعد السيد الرضي، نقل معظم الكتّاب والعلماء هذه الخطبة من نهج البلاغة.
إن نقل «تذكرة الخواص» يحظى بأهمية كبيرة بسبب تشابهه الأكبر مع خطبة السيد الرضي. فقد نقل سبط ابن الجوزي (ت 654 هـ) كلا جزأي الخطبة مع اختلاف طفيف: «ذَكَرَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَنَّ عَلِيّاً (ع) لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْجَمَلِ صَعِدَ مِنبَرَ الْبَصْرَةِ فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ أَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ شَطَرَ أَعْمَارِهِنَّ؛ وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ وَ لَا تُطِيعُوهُنَّ فِي مَعْرُوفٍ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي مُنْكَرٍ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَا جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ يَا أَتْبَاعَ كُلِّ نَاعِقٍ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَ دِينَكُمْ نِفَاقٌ، دَعَاكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَجَبْتُمْ، وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ… خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَ سَفِهَتْ أَحْلَامُكُمْ…»» (سبط ابن الجوزي، 1418هـ، 79). يتطابق المقطع الإضافي من سبط ابن الجوزي مقارنة بالسيد الرضي مع جزء من الخطبتين 13 و 14 من نهج البلاغة:
الخطبة 13: «وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ ع فِي ذَمِّ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلَاقُكُمْ دِقَاقٌ وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَ دِينَكُمْ نِفَاقٌ…».
الخطبة 14: «وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ ع فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ…»» (السيد الرضي، دون تاريخ، 55-56).
من ظاهر نقل سبط ابن الجوزي، يتضح أن مقطع «النواقص الثلاث» ومقطع «جند المرأة» هما جزءان من خطبة واحدة (حسيني خطيب، 1367ش، 2: 82-83). ويبدو أن السيد الرضي قد نقل الخطبتين 13 و 14 من مصدر، وخطبة النواقص من مصدر آخر. يحظى مقطع ذم أهل البصرة لاتباعهم عائشة «يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ يَا أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ…» بشهرة أوسع (ابن قتيبة، 1418هـ، 1: 315-316؛ أبو حنيفة الدينوري، 1368ق، 151-152؛ القمي، 1404هـ، 2: 339-340؛ ابن عبد ربه، 1404هـ، 4: 170؛ المسعودي، 1409هـ، 2: 368؛ ابن الفقيه، 1416هـ، 238؛ المفيد، 1413هـ، الجمل، 407؛ الآبي، 1424هـ، 1: 214؛ الطوسي، 1414هـ، 702-703؛ القيسي الشريشي، 1427هـ، 3: 460؛ الزمخشري، 1412هـ، 1: 253؛ الخوارزمي، 1411هـ، 189؛ الحموي، 1995م، 1: 436؛ الطبرسي، 1403هـ، 1: 171).
وقد أورد ابن ميثم مقطع «يا جند المرأة…» بتفصيل أكبر (المجلسي، 1404هـ، 32، 253-258 نقلاً عن ابن ميثم، 1362ش، 3: 15-17). ومن خلال juxtaposition للعبارات المتنوعة في جزء «جند المرأة…»، يتضح أن هذه الخطبة نُقلت بأشكال متعددة، مما يدل على شهرة الرواية بطرق متعددة، حيث نقل كل راوٍ أجزاء من هذه الخطبة. وعلاوة على ذلك، فإن شهرة مقطع «جند المرأة» واتصاله بمقطع «النواقص الثلاث» بناءً على نقل سبط ابن الجوزي، يجعل من غير المستبعد أن المؤرخين والرواة لم يميلوا كثيراً إلى نقل مقطع «النواقص الثلاث» الذي يشير إلى ذم عائشة، فلجأوا إلى تقطيعه.
كما أن حرب الجمل التي استمرت يوماً واحداً وقعت في العاشر أو منتصف جمادى الآخرة سنة 36 هـ، وبقي الإمام (ع) في البصرة أقل من شهر ثم توجه إلى الكوفة ودخلها في الثاني عشر من رجب (الدينوري، 1368ش، 147 و 152؛ المسعودي، 1409هـ، 2: 368؛ المقدسي، دون تاريخ، 5: 212؛ الطبري، 1407هـ، 4: 542؛ ابن كثير، 1407هـ، 7: 238). لذا، فإن خطب الإمام في البصرة، التي أوردها السيد الرضي أيضاً في عدة خطب، أُلقيت بعد حرب الجمل خلال فترة بقائه التي تقل عن شهر في البصرة. وقد صدرت في سياق توبيخ أهل البصرة الذين نكثوا بيعتهم للإمام علي (ع) واتبعوا عائشة وحاربوا الإمام في حرب الجمل، خاصة خطبة «النواقص الثلاث في النساء».
لقد وصف الإمام في مقطع «خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ» عقول أهل البصرة بالخفة والسفاهة، مما يوضح أن هذه الخطبة جاءت في مقام توبيخ أولئك الذين أطاعوا عائشة وأشعلوا حرب الجمل ضد الإمام.
يحظى مقطع «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ..» بشهرة أوسع في المصادر الروائية:
- نقل عن رسول الله (ص) (الكليني، 1365ش، 5: 516-517).
- نقل عن أمير المؤمنين (ع) (ابن حمدون، 1996م، 1: 360؛ الكليني، 1365ش، 5: 517؛ الصدوق، 1376ش، 304؛ المفيد، الاختصاص، 226).
- نقل عن الإمام الصادق (ع) (الكليني، 1365ش، 5: 517-518؛ ابن شعبة، 1404هـ، 368).
- عن لقمان الحكيم (أبو طالب المكي، 1417هـ، 2: 400؛ الغزالي، دون تاريخ، 4: 139).
- عن عمر بن الخطاب (الجاحظ، 2002م، 199؛ الثعالبي، دون تاريخ، 165؛ ابن عبد البر، 1981م، 3: 33).
- عن رسول الله (ص) في خطابه للنساء بشأن نقصان العقل والدين (أحمد بن حنبل، 1416هـ، 9: 245-246 و 14: 449؛ الدارمي، 1421هـ، 1: 683-684؛ البخاري، 1410هـ، 1: 211؛ مسلم، 1412هـ، 1: 86-87؛ أبو داود، 1420هـ، 4: 1999؛ الترمذي، 1419هـ، 4: 436؛ النسائي، 1411هـ، 5: 400-401؛ ابن ماجه، 1418هـ، 5: 479-480). وقد ورد ما يشبهه في بعض مصادر الإمامية أيضاً (الصدوق، 1413هـ، 3: 391؛ الطبرسي، 1412هـ، 202).
لذا، فإن الرؤية المستجدة التي تدعي عدم اعتبار الخطبة نابعة في الغالب من الخطابات الحديثة، والقراءة غير الدقيقة للخطبة، وقلة الاهتمام بسياقها الخطابي، بينما نجد أن تتبع مصادرها من خلال نقل الكليني، وابن رستم، وابن الجوزي، وشهرة الخطب والمقاطع الموازية لخطبة النقصان، يعزز من احتمال صدورها.
3. دراسة ونقد أهم الآراء حول «نواقص العقول»
فيما يلي ندرس وننقد أهم الآراء المتعلقة بخطبة نقصان العقل في نهج البلاغة:
3-1. عدم نسبتها إلى أمير المؤمنين علي (ع)
يُسمع أحياناً من أفواه بعض المعاصرين عدم نسبة هذه الخطبة إلى أمير المؤمنين (ع). لكن بالنظر إلى تتبع مصادر الخطبة، سواء من رسائل الكليني وابن رستم الطبري، وكذلك تقرير سبط ابن الجوزي عن «علماء السير» الذي يشمل على الأقل عدداً من كتّاب السيرة، وأيضاً تكرار نقل الرواية بواسطة السيد الرضي في «خصائص الأئمة»، وجلالة قدر السيد الرضي، ودقته الخاصة في اختيار الرواية ونقلها، وكذلك اعتبار «نهج البلاغة»، فإن احتمال عدم صدور الخطبة عن الإمام الهمام يبدو بعيداً. خاصة أنه بعد السيد الرضي، لم تكن هذه الخطبة موضع هجوم، إلا في العصر الحديث. في الواقع، إن فكرة عدم اعتبار هذه الخطبة ليست قديمة، بل إن القراءات غير الدقيقة للخطبة، التي تأثرت أحياناً بالأجواء التنويرية والخطابات العصرية، هي التي أدت إلى الحكم بعدم نسبة هذه الخطبة إلى أمير المؤمنين.
3-2. في توبيخ عائشة بعد حرب الجمل
اعتبر بعض المفكرين هذه الخطبة موجهة لتوبيخ عائشة. وبحسب ابن أبي الحديد، فإن هذا الفصل بأكمله يشير إلى عائشة، والمعتزلة متفقون على أن عائشة أخطأت في قيامها ضد الإمام (ابن أبي الحديد، 1430هـ، 6: 214). وبحسب ابن ميثم: «لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْحَرْبُ مِنَ الوَقَائِعِ الْكِبَارِ وَ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى هَلَاكِ جَمْعِ عَظِيمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَأْيِ امْرَأَةٍ، أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى وَجْهِ نُقْصَانِ النِّسَاءِ وَ أَسْبَابِهِ، لِيُتَجَنَّبَ مُتَابَعَتُهُنَّ وَ لِذَلِكَ حَذَّرَ بَعْدَهُ مِنْ شِرَارِهِنَّ وَ أَمَرَ بِالْكَوْنِ مَعَ خِيَارِهِنَّ عَلَى الْحَذَرِ…» (ابن ميثم، 1366ش، 188). لكن تجدر الإشارة إلى أن: هذه الخصائص الثلاث ليست خاصة بعائشة، ووجه الاستدلال في الخطبة يشمل عموم النساء أو أغلبهن. على الرغم من أن التزامن الزمني لصدور الخطبة مع الفراغ من حرب الجمل يعزز احتمال توبيخ عائشة، إلا أن هذه الرؤية لا تتمتع بالشمولية الكافية لتفسير سبب هذه المقاطع. إذا كانت تهدف إلى توبيخ عائشة، فليس ذلك لتمتعها بالخصائص التكوينية والتشريعية الثلاث الموجودة في النساء، بل هو توبيخ ضمني لها بسبب إشعالها للحرب ومحاربتها للإمام المعصوم.
3-3. النقصان في مقام بيان الفروق بين الرجل والمرأة
يعتقد البعض أن أمير المؤمنين (ع) كان بصدد بيان الفروق بين الرجل والمرأة؛ لذا، فإن المقصود بالنقصان هو الاختلاف (دشتي، 1384ش، 90). فالرجال الذين يمتلكون عقلاً أكبر يفهمون الأمور بشكل أعمق. ووظيفة النساء في عالم العمل تختلف عن وظيفة الرجال. ويبدو أن قضية عائشة هي التي دفعت الإمام إلى طرح هذا الاختلاف في الخلق. فمن حيث الخلق، عقل الرجل أكبر من عقل المرأة، وعاطفة المرأة أقوى من عاطفة الرجل (قرشي، 1377ش، 2: 1034-1036). يرى ابن ميثم أن نقص عقل النساء يعود إلى سببين: سبب داخلي هو ضعف مزاج المرأة وعدم قدرتها على قبول تصرف العقل، على عكس الرجل الذي مزاجه مهيأ لذلك. وسبب خارجي هو قلة معاشرة النساء لأهل الحكمة وقلة اهتمامهن بتعويد قواهن على الالتزام بالقوانين العقلية في تدبير أمور المعاش والمعاد (ابن ميثم، 1362ش، 2: 224). لقد خلق الله المرأة لشؤون المنزل، بين إدارة البيت، والحمل، والولادة، وتبعاً لهذه العاطفة القوية التي وضعت في المرأة، لتتولى أمور المنزل والأبناء، وبنفس مقدار قوة العاطفة، تتمتع بقوة عقلية أقل مقارنة بالرجل (حسيني شيرازي، دون تاريخ، 1: 303). إن الاختلاف في الخلق بين الرجل والمرأة قضية منفصلة، لكن هذه الرؤية لا تتناسب مع سياق صدور الخطبة بعد حرب الجمل. فبعد وقوع فتنة الجمل وانحراف كثير من الصحابة والتابعين ومحاربة الإمام المعصوم، فإن الحديث عن اختلاف خصائص الرجل والمرأة لا يتناسب مع أجواء الفتنة المغبرة.
3-4. في مذمة وتوبيخ النساء بسبب النواقص الثلاث
يعتقد البعض أن هذه الخطبة صدرت لتوبيخ النساء، ومنهم السيد الرضي بناءً على العنوان الذي وضعه لها: «وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَرْبِ الْجَمَلِ فِي ذَمِّ النِّسَاءِ بِبَيَانِ نَقْصِهِنَّ» (السيد الرضي، دون تاريخ، 105-106). وبحسب بعض الشارحين، فإن نقصان إيمان النساء يعود إلى تركهن للصلاة في أيام الحيض والنفاس، حيث إن دخولهن المساجد وقراءة العزائم، مما له مدخلية في كمال الإيمان، غير جائز لهن. ورغم أنهن يقضين صيام الأيام الفائتة، فإنهن يُحرمن من فضل رمضان، والصلاة الفائتة لا قضاء لها (الشوشتري، 1376ش، 14: 320). وفي نقد هذه الرؤية، يبدو أن التوبيخ لا يكون مبرراً إلا إذا ارتكب الشخص عملاً سيئاً باختياره وإرادته، وإلا فإن التوبيخ من الأساس غير معقول ومنطقي ومقبول. لذا، فإن توبيخ النساء هنا يواجه إشكالين: النساء، بناءً على الأمر والإرادة الإلهية، يكون وضع صلاتهن في أيام خاصة، وكذلك شهادتهن ومقدار إرثهن، على هذا النحو، فهن لم يفعلن شيئاً يستوجب التوبيخ. بعبارة أخرى، في مسألة الإرث والصلاة والشهادة، لا يمكن توبيخ المرأة أصلاً، بل لأنهن يمتثلن لهذه الأوامر الإلهية الثلاثة، فإنهن ينلن أجر الامتثال طبعاً. فالإشكال الموجه للنساء بسبب الخصائص الثلاث التي تعود إلى الأمر والحكمة الإلهية هو إشكال على الله، وهو غير جائز أصلاً. كما أن النقص نوعان: الأول: النقص بمعنى النقصان الذي يجب أن يكون موجوداً وليس كذلك، وهو أحياناً عيب (مثل المولود ناقص الخلقة الذي يُعتبر في نظر العرف نقصاً وعيباً)، وأحياناً ليس فقط ليس عيباً بل هو وسام فخر عند الله، مثل نقص العضو بسبب التضحية في الجهاد. الثاني: النقص الذي ليس عيباً بل هو من لوازم الخلق وشرط الصحة والسلامة والكمال والجمال لذلك الشيء، وقد يُطلق عليه مجازاً اسم النقص، مثل مقارنة صوت الرجل بصوت المرأة المختلف كماً وكيفاً، وكذلك قوة المرأة مقارنة بقوة الرجل. لذا، ليس كل نقص أو نقصان عيباً، بل بعض النواقص هي من لوازم الصحة والكمال والجمال والسلامة لذلك الشيء، وهذا الأمر نابع من تدبير الله الحكيم العادل، خاصة وأن وضع النساء في الصلاة والصيام هو أمر إلهي، وامتثاله يستوجب الأجر طبعاً. فلا يُعتبر نقصاً بالنسبة للنساء (فإذا لم تحض الفتاة في سن البلوغ، أو أصيبت المرأة باليأس المبكر في سن الإنجاب، فإن ذلك يدل على عدم سلامتها الجسدية، وكلا الأمرين نقص، وكلاهما يحتاج إلى علاج)، ولكنه في مقارنة بالرجال يبدو للبعض كذلك. لذا، فإن الخلق في حد ذاته للنساء ليس نقصاً بالمعنى الحقيقي، أي العيب في نظام خلق المرأة، لأسباب منها: استناداً إلى قوله تعالى «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، فإن الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، هو في حد ذاته من أحسن المخلوقات، ويسلك في الدنيا مسار السعادة والكمال جنباً إلى جنب. كما يمكن من تعبير «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ» الإشارة إلى دور «التغطية والتكميل» لكل من الزوجين تجاه الآخر في الوصول إلى الكمال والسعادة الدنيوية والأخروية. وكذلك الآية «…مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتْ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ» (الملك: 3). وبناءً على تفسير الفطور بالعيب والنقص والخلل (ابن كثير، 1419هـ، 8: 197)، فإن الإنسان، رجلاً وامرأة، من مصاديق «خلق الرحمن». لذا، خلافاً لتصور السيد الرضي وكثير من المفكرين، فإن الإمام علي (ع) في هذه الخطبة لم يكن في مقام توبيخ النساء (انظر: السطور التالية للرؤية المختارة).
4. الرؤية المختارة في خصوص «نواقص العقول»
تُظهر دراسة مصادر الخطبة وإعادة قراءتها على ضوء السياق الخطابي والجوانب الصدورية أن الإمام كان في مقام توبيخ الأفراد الذين أطاعوا عائشة في محاربة الإمام، وبما أن محور وركن الحرب الأساسي كان عائشة، فقد أراد الإمام بأسلوب مبتكر، من خلال توظيف النقصان في وصف النساء، استناداً إلى الاستعارات الأدبية اللطيفة في إعادة قراءة بعض الحقائق أو بناءً على النظرة العرفية، أن يوقظ الضمير الكامن لدى أولئك المحاربين وينبههم إلى خطئهم الجسيم. كما أن عائشة تُلام ضمنياً، ليس لامتلاكها الخصائص الثلاث للنساء، بل بسبب إشعالها للحرب. وفيما يلي بيان الرؤية المختارة بالتفصيل:
4-1. ظهور التفاوت في مقام المقارنة بين الرجل والمرأة
اعتبر البعض أن شهادة المرأة «فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ» تعود إلى كثرة عاطفتها وقلة تعقلها مقارنة بالرجل، وبالتالي فإن «نَاقِصَاتُ الْعُقُولِ» أمر طبيعي، و«نَاقِصَاتُ الْإِيمَانِ» واقع في محله، لأن الإمام يعتبر العمل جزءاً من الإيمان، وفي هذه الحالة يكون عمل النساء أقل من عمل الرجال. وهذه القضية، التي هي أمر إلهي، لا تعتبر نقصاً بالنسبة للنساء، ولكنها تبدو كذلك في مقارنة بالرجال (قرشي، 1377ش، 2: 1034-1036). في مقام المقارنة، يُقارن شيئان متناظران، مثل مقارنة رجل برجل آخر، أو امرأة بامرأة أخرى، إلا إذا كانت هناك ضرورة أو محذور أو غرض خاص لمقارنة الرجل بالمرأة، وفي هذه الحالة تظهر بعض الفروق الطبيعية والتكوينية. بناءً على ذلك: نصيب المرأة من الإرث، من حيث كونها امرأة ومن حيث مقارنة نصيبها بنصيب امرأة أخرى، لا نقص فيه في حد ذاته، بل هو نصيب محسوب، وهو موضوع بهذه القيمة في التدبير الإلهي. أما في مقارنة بنصيب الرجل، فيبدو نصفاً وناقصاً. ولعل سر تعبير «فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» هو هذا، وكأن نصيب «الأنثى» يعتبر نصيباً كاملاً، ونصيب الرجل يُحسب ضعف نصيب المرأة، لذا لا تتبادر إلى الذهن شائبة النقصان الحقيقي مع عبارة «فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». أما بعبارات مثل «للأنثى نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ»، أو «حَظُّ الْأُنْثَى نِصْفُ حَظِّ الرَّجُلِ»، فإن شائبة النقصان تتبادر إلى الذهن. وبالطبع، من الناحية العددية، نتيجة كلتا العبارتين في مقام العمل واحدة، ولكن بطريقة البيان القرآني، لا تتبادر شائبة النقصان إلى الذهن. وكما أن المعصومين (ع) اعتبروا نصيب المرأة سهماً واحداً ونصيب الرجل سهمين. قال ابن أبي العوجاء: «مَا بَالُ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ الضَّعِيفَةِ تَأْخُذُ سَهْماً وَاحِداً وَيَأْخُذُ الرَّجُلُ سَهْمَيْنِ؟» فقال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا جِهَادٌ وَلَا نَفَقَةٌ وَلَا مَعْقُلَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ وَلِذَلِكَ جَعَلَ لِلْمَرْأَةِ سَهْماً وَاحِداً وَلِلرَّجُلِ سَهْمَيْنِ» (الكليني، 1365ش، 7: 85؛ الطوسي، 1365ش، 9: 275 وانظر الكليني، 1365ش، 7: 85؛ الطوسي، 1365ش، 9: 274-275). في النظرة العرفية، غالباً ما تتبادر شائبة النقصان، حيث إن نصيب المرأة نصف نصيب الرجل. لذا، فإن مقطع «نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ» في حال ثبوت نسبته إلى أمير المؤمنين (ع) يُحمل إما على النظرة والتصور العرفي لغرض خاص هو إيقاظ ضمير (المحاربين مثيري الحرب المطيعين لعائشة في حرب الجمل)، أو يُحمل على التعبير الاستعاري المجازي لغرض خاص هو إيقاظ ضمير أولئك المحاربين مثيري الحرب المطيعين لعائشة.
4-2. الارتباط بعلم نفس الرجل والمرأة
مقدار تمتع الرجل والمرأة بالعقل والإحساس من حيث الخلق متساوٍ ومتناسب مع نوع الخلق ودور كل منهما. ولكن بناءً على التدبير الإلهي في مواجهة المسائل المختلفة: في الرجال عادةً أو غالباً، تبدأ القوة العاقلة بالعمل أولاً ويقومون بتحليل عقلي، وقد لا يلتفتون أصلاً إلى عنصر الإحساسات إلا إذا تذكروا بأنفسهم أو ذُكّروا به. في النساء عادةً أو غالباً، تبدأ قوة الإحساسات والعواطف بالعمل أولاً وتُقدَّم نظرة وتحليل إحساسي وعاطفي، وبالطبع بعد ذلك أو إلى جانبه يمكن تفعيل القوة العاقلة، سواء انتبهت بنفسها أو نبهها الآخرون إلى ضرورة وجود نظرة عقلية أيضاً. ليس من المستبعد أن يكون العقل والإحساس بمقدار واحد في الرجل والمرأة، ولكن الفرق يكمن في أيهما يبدأ بالعمل أولاً، ثم أيهما يغلب على الآخر. المقصود بالإحساس (حالات أعم من العاطفة، والمودة، والرحمة، والقسوة، والتشاؤم، والحقد، والعداوة، والحسد، وغيرها…).
4-3. توبيخ النساء أم توبيخ مثيري الحرب المطيعين لعائشة في محاربة الإمام (ع)
سياق صدور الخطبة وسائر بيانات الإمام في البصرة أو في ذكرى واقعة الجمل يوضح أن الإمام في هذا المقطع كان يوبخ مباشرة الأفراد الذين أطاعوا عائشة وأشعلوا حرب الجمل. إن ذم المحاربين المطيعين لعائشة في حالة معينة لا يتنافى مع مقطع «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ»، لأن الإمام أراد أن يقدم نتيجة عامة تناسب جميع الرجال. لقد أيقظ الإمام جوهر الرجولة والغيرة النائمة لدى أولئك الرجال مثيري الحرب في اتباعهم الأعمى لعائشة، حتى لا يقدموا أبداً على فتن وأعمال شنيعة أخرى، خاصة وأن التاريخ يشهد بأنها أثارت فتناً أخرى بعد الجمل. في هذا المقطع، يُفهم ضمناً ذم عائشة، ولكن ليس لامتلاكها ثلاث خصائص بتدبير وأمر إلهي، بل بسبب إشعالها للحرب. المؤيد لاحتمال توبيخ المحاربين المطيعين لعائشة هو المقطع التالي في توبيخ وتأنيب الأفراد الذين أطاعوا عائشة في واقعة الجمل وأشعلوا الحرب: «وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ ع فِي ذَمِّ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ» «كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلَاقُكُمْ دِقَاقٌ وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَ دِينَكُمْ نِفَاقٌ…» (السيد الرضي، دون تاريخ، 56). عمق مقطع «كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ» يفهمه الرجال الذين أطاعوا عائشة، خاصة أنهم لم يبتعدوا كثيراً عن التصورات الجاهلية. مؤيد آخر هو المقطع الختامي: «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ كُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ…» المخاطب هنا هم عموم المحاربين المطيعين لعائشة. وكأن الإمام يحذر الرجال من أن يحفظوا أنفسهم من النساء السيئات دائماً، وحتى من النساء الصالحات أن يكونوا على حذر. في الواقع، المقطع الختامي الذي يناقش طاعة النساء يتناسب مع المقام المذكور، لأن حرب الجمل قامت على طاعة فئة من الرجال لامرأة واحدة، لذا حذرهم الإمام من تكرار مثل هذه الطاعة، خاصة أنه كان يتوقع من عائشة فتناً لاحقة.
4-4. حكمة التعبير بالنقصان / التعبير المجازي أو المواكبة اللغوية لغرض تقديم مقدمة استدلالية
في استخدام مصطلح النقصان في الخطبة، يمكن تصور الرؤى التالية: الرؤية الأولى: من باب النقصان بمعنى التعبير الاستعاري المجازي (الذي يشمل ثلاثة احتمالات): الاحتمال الأول: استخدام النقصان على أساس البيان الاستعاري نظراً لظهور التفاوت بين الرجل والمرأة في مقام المقارنة في ثلاث مقولات: الإيمان، والعقل، والإرث، والتي مر بيانها. الاحتمال الثاني: عادةً ما تغلب الإحساسات في النساء، والعقل في الرجال على القوة الأخرى، لذا يمكن الإشارة إلى هذا الأمر مجازاً بالنقصان، وكأن هذا النقص موجود بينما هو غير موجود (التفاوت في أي القوتين تبدأ بالعمل أولاً أو أي منهما تغلب على الأخرى). الاحتمال الثالث: إعادة تفسير استعاري ومجازي لطيف لمقطع «أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» (انظر: تتمة المقال). الرؤية الثانية: استخدام تعبير النقصان من باب المواكبة اللغوية ومسايرة الناس والجري على معتقداتهم وتصوراتهم على اللسان دون الإيمان بها، واستخدام تلك التصورات والمعتقدات كصغرى استدلالية لغرض إثبات مطلب صحيح آخر، وهو تنبيه أولئك المحاربين إلى خطئهم الجسيم في إقامة حرب الجمل من خلال إيقاظ ضميرهم الكامن، مما له تأثير عميق بالطبع. مثل مسايرة ومواكبة النبي إبراهيم (ع) في ربوبية الشمس والقمر والكوكب، والتي كانت مجرد مواكبة لغوية وليست إيماناً قلبياً، ثم بإفول كل منها، أعلن بطلان ربوبية الأجرام الثلاثة وطرح ربوبية الله. إن قول «هَذَا رَبِّي» من جانب إبراهيم (ع) في إثبات التوحيد أمام عبدة النجوم والقمر والشمس، هو من باب التسليم والجري على لسان الخصم والعدو، حيث أظهر نفسه ظاهراً واحداً منهم وافترض صحة معتقداتهم الخرافية، ثم ببيان مستدل أثبت فسادها. هذا النوع من الاحتجاج هو أفضل طريق يمكن أن يجلب إنصاف الخصم ويمنع طغيانه وتعصبه ويهيئه لسماع الحق (الطباطبائي، 1417هـ، 7: 177). وأمير المؤمنين (ع) أيضاً بيّن مطلباً حقاً حول خصائص المرأة ببيان مجازي أو بتعبير يمتزج بالرؤية الغالبة لهذه المقولة وكأنها نقص، لا ليثبتوا النقص بل ليوقظوا الغيرة بهذا النوع من النظرة، ويوبخوا بشدة مثيري حرب الجمل الذين انخرطوا في القتال ومحاربة الإمام بطاعة امرأة.
4-5. إعادة قراءة آية شهادة المرأتين
مقطع نقصان العقل متناظر مع آية «فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى…»، لذا فإن إعادة قراءة الآية الشريفة تكشف عن إعادة تفسير استعاري ومجازي لطيف لهذا المقطع القرآني. إذا انحرفت إحدى السيدتين لأي سبب عن مسار الشهادة (نسيت أو خافت أو تعاطفت أو ضلت أو طُمّعت أو غير ذلك من الأحداث)… فإن المرأة الأخرى تذكرها وتوجهها إلى الشهادة الصحيحة. وبالطبع، احتمال الزلل في الشهادة موجود لدى الرجال أيضاً ولكنه عادة أقل، وعلى أي حال، شهادة رجل واحد لا تكفي، وضرورة شهادة رجل إلى جانب رجل آخر أو شهادة امرأتين إلى جانب رجل واحد هي لتقليل احتمال وقوع الزلل والخطأ أو لتقليل معامل الخطأ في الشهادة إلى الحد الأدنى. في الوهلة الأولى، يبدو أن وجود امرأتين بدلاً من رجل واحد في الشهادة يعود إلى نقصان عقل كل منهما، لكن القرآن الكريم يذكر أن سبب ذكر امرأتين هو الوقاية من وقوع الزلل والخطأ من جانب إحداهما. بعبارة أخرى، فلسفة وجود امرأتين للشهادة ليست أن قيمة شهادة كل امرأة نصف شهادة الرجل، بحيث تُعتبر شهادتان نصفيتان شهادة كاملة، وتُصوَّر القيمة العقلانية للنساء نصف قيمة الرجال. كلا، فالقرآن الكريم يرى فلسفة هذا الحكم هي أنه إذا أرادت إحدى المرأتين، طوعاً أو كرهاً، أن تضل أو تخطئ أو تنسى في الشهادة، فإن المرأة الثانية تذكر المرأة الأخرى بالحقيقة وتعينها على الشهادة بالحق. إن هذا الأسلوب من بيان الإمام علي (ع) هو نوع من إعادة تفسير الآية الشريفة في قالب جديد، إعادة تفسير استعاري مجازي لمقطع «أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» بهدف أن يكون سلاحاً وصدمة لعامة المحاربين المطيعين لعائشة في حرب الجمل، ولإيقاظ ضميرهم وغيرتهم الكامنة.
4-6. الوضع العلمي والثقافي للنساء في ذلك العصر
كان عدد المتعلمين الذين يجيدون القراءة والكتابة قليلاً، ولم تكن للنساء غالباً مشاركة في المجالات الاجتماعية، لذا فإنهن بطبيعة الحال لم يكن لديهن تجربة معيشية وسياسية واقتصادية كبيرة. ليس المقصود عقل الفهم وإدراك الحقيقة، بل العقل المعيشي والتدبيري والتجريبي، الذي كانت النساء في ذلك الزمان عادةً أقل حظاً فيه من الرجال. وبالطبع، لا يُتوقع من المرأة أن تجرب الكثير من أمور المجتمع. فالنساء من حيث عقل الفهم وإدراك الحقيقة، متساويات مع الرجال. والفتيات عادةً، من الناحية الشرعية، يُكلفن قبل حوالي 6 سنوات من الفتيان، ويبدو أنهن من الناحية العقلية والمنطقية يبلغن هذا الإدراك قبل عدة سنوات من الرجال ليكنّ مستعدات لقبول الإسلام.
4-7. الاهتمام ببيانات الإمام الأخرى في وصف النساء
لقد قدم الإمام علي (ع) في مواضع متعددة توجيهات حول مكانة المرأة والسلوكيات الواجبة في التعامل معهن، والتي يجب النظر إليها إلى جانب العبارات الأخرى: «وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا» (السيد الرضي، دون تاريخ، 405). «فَسَأَلَ عَلِيّاً كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَ سَأَلَ فَاطِمَةَ فَقَالَتْ: خَيْرَ بَعْلٍ» (ابن شهر آشوب، 1379ق، 3: 356). وكما أن وجود نساء يتمتعن بالعقل وبعض النساء الصالحات في ذلك العصر مثل السيدة الزهراء والسيدة زينب والسيدة مريم وأمهات أهل البيت (ع) كلهن نماذج لنساء صالحات. في خصوص جانب الصدور لـ «ضعيفات العقول» في نهج البلاغة: «… العدو حين انهزم بإذن الله، لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، «فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَ الْأَنْفُسِ وَ الْعُقُولِ» لأن قوتهن وأنفسهن وعقولهن ضعيفة…» (السيد الرضي، دون تاريخ، 373؛ نصر بن مزاحم، 204؛ الكليني، 1365ش، 5: 39؛ الطبري، 1387ق، 5: 11؛ مسكويه، 1379ق، 1: 518؛ الزمخشري، 1412ق، 5: 251؛ ابن الأثير، 1385ق، 3: 293). هذا المقطع صدر بخصوص النساء الساكنات في نفس مناطق الصراع التي كانت تحت سيطرة جيش الشام، أو النساء اللاتي كنّ على نفس فكر أو برفقة جيش معاوية قبل حرب صفين. وعلى أي حال، يُقارن الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، إلا لضرورة أو غرض خاص، لذا فإن مقطع «فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَ الْأَنْفُسِ وَ الْعُقُولِ» صدر لضرورة أو غرض خاص من الإمام، ويبدو أنه في بيان تعليل عدم إيذاء النساء وهو أمر شنيع. من الواضح أن مقطع «النواقص الثلاث في النساء» صدر في سياق مرتبط بحرب الجمل، ومقطع «ضعيفات… العقول» صدر في سياق حرب صفين. إن رأي العلامة المجلسي «الغَرَضُ ذَمُّ عَائِشَةَ وَ تَوْبِيخُ مَنْ تَبِعَهَا وَ إِرْشَادُ النَّاسِ إِلَى تَرْكِ طَاعَةِ النِّسَاءِ» (المجلسي، 1404ق، 32: 248) هو الأقرب إلى الرؤية المختارة من سائر الآراء. ولكنه لم يتطرق بالتفصيل إلى بيان وسبب التعبير اللطيف «النقصان» ولم يدرس ارتباطه بآية شهادة النساء، واعتبر النقص المذكور حقيقياً، ولم يشر إلى الجانب الاستعاري وارتباطه القرآني وأبعاده.
5. الخلاصة
1- إن الرؤية المستجدة التي تدعي عدم اعتبار الخطبة نابعة في الغالب من الخطابات الحديثة، والقراءة غير الدقيقة للخطبة، وقلة الاهتمام بسياقها الخطابي، لأن خطب الإمام في البصرة، التي أوردها السيد الرضي في عدة خطب، أُلقيت بعد حرب الجمل خلال حوالي ثلاثة أسابيع قضاها الإمام هناك، في توبيخ مثيري حرب الجمل. ومن حيث تتبع المصادر أيضاً، فإن مقطع «النواقص الثلاث» ورد ضمن رسالة لابن رستم عن طريق الشعبي عن شريح بن هانئ، وكذلك بواسطة ابن طاووس من «رسائل الكليني» بإسناد علي بن إبراهيم، من مصدرين مختلفين، وبسبب عدم وجود مقطع «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ…» في الرسالة وسياق الغيبة فيها تمييزاً عن الخطاب في الخطبة، فإن السيد الرضي لم ينقل الخطبة من الرسالة المذكورة. من ظاهر نقل سبط ابن الجوزي، يتضح أن مقطع «النواقص الثلاث» ومقطع «جند المرأة» هما جزءان من خطبة واحدة، ولكن يبدو أن المؤرخين لم يميلوا إلى نقل مقطع «النواقص الثلاث» الذي يشير إلى توبيخ عائشة، فلجأوا إلى تقطيعه. لذا، بالنظر إلى نقل ابن رستم، وابن طاووس، والكليني، وعلي بن إبراهيم، ونقل ابن الجوزي، وكذلك شهرة الخطب والمقاطع الموازية لخطبة النقصان، فإن صدورها يترجح.
2- في نقد رؤية توبيخ النساء، تجدر الإشارة إلى أن التوبيخ لا يكون مبرراً إلا إذا قام الشخص بعمل سيء باختياره وإرادته، وإلا فإن التوبيخ غير معقول ولا جائز. لكن هنا، توبيخ النساء يواجه إشكالين: فالنساء، بناءً على الأمر الإلهي، يكون وضع عبادتهن في أيام خاصة، وكذلك شهادتهن ومقدار إرثهن، على هذا النحو، فهن لم يفعلن شيئاً يستوجب التوبيخ، بل لأنهن يمتثلن لهذه الأوامر الإلهية الثلاثة المليئة بالرحمة والحكمة الإلهية، فإنهن ينلن أجر الامتثال. وعلاوة على ذلك، فإن الإشكال الموجه للنساء بسبب هذه المقولات التكوينية والتشريعية التي تعود إلى الأمر والحكمة الإلهية هو إشكال على الله، وهو غير جائز أصلاً.
3- النقص نوعان: الأول، النقص بمعنى النقصان الذي يجب أن يكون وليس كذلك. في بعض الحالات يكون عيباً، وفي بعضها لا يُعد عيباً. الثاني، النقص الذي ليس عيباً بل هو من لوازم الخلق وشرط الصحة والسلامة والكمال والجمال لذلك الشيء، وقد يُطلق عليه مجازاً اسم النقص. لذا، ليس كل نقص ونقصان عيباً، بل بعض النواقص هي من لوازم الصحة والكمال والجمال والسلامة لذلك الشيء. إن هذا التدبير الحكيم والعادل في أصل خلق ونظام تكوين الرجل والمرأة واستمراره في دفع عجلة الخلق الجميلة، وإقامة الأنس والمودة والرحمة بين الزوجين، هو لدفع نظام الأسرة المقدس واستمرار النسل البشري.
4- في استخدام مصطلح النقصان في هذه الخطبة، يمكن تصور الرؤى التالية: الرؤية الأولى: من باب النقصان بمعنى التعبير الاستعاري المجازي الذي يشمل ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: استخدام النقصان على أساس البيان الاستعاري نظراً لظهور التفاوت بين الرجل والمرأة في ثلاث مقولات: الإيمان، والعقل، والإرث. في مقارنة المرأة بالمرأة، لا يوجد نقص حقيقي وتكويني، لذا فإن الخلق في حد ذاته للنساء ليس نقصاً بالمعنى الحقيقي أي العيب في نظام خلق المرأة، أما في مقارنة النساء بالرجال، فيظهر النقص مجازاً، حيث استُخدم هذا المحمل في سياق توبيخ الرجال مثيري الحرب في حرب الجمل بطاعة امرأة واحدة ببراعة خاصة. الاحتمال الثاني: من الناحية النفسية للرجل والمرأة، حيث تغلب عادة الإحساسات في النساء والعقل في الرجال على القوة الأخرى، يمكن الإشارة إلى هذا الأمر مجازاً بالنقصان، بينما لا يوجد نقص، بل الفرق في أي القوتين تبدأ بالعمل أولاً أو أي منهما تغلب على الأخرى. الاحتمال الثالث: إعادة تفسير استعاري ومجازي لطيف لمقطع «أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى». بالنظر إلى ظهور النقص على أساس ثلاثة احتمالات للتعبير المجازي والاستعاري، دون نسبة النقص الحقيقي إلى النساء، يمكن الأخذ بعين الاعتبار نظرة المخاطبين، وهم مثيرو حرب «جند المرأة» الذين لم يبتعدوا بعد عن التصورات العربية، فتم توبيخهم بطريقة تجعلهم يندمون على إقدامهم على المحاربة في الجمل بطاعة امرأة، ويحذرون من الفتنة المحتملة لاحقاً. الرؤية الثانية: استخدام النقصان من باب المواكبة اللغوية ومسايرة الناس والجري على معتقداتهم وتصوراتهم على اللسان دون الإيمان بها، واستخدام تلك التصورات والمعتقدات كصغرى استدلالية لغرض إفهام مثيري الحرب المطيعين لعائشة بخطئهم الجسيم في إقامة حرب الجمل وتوبيخهم من خلال إيقاظ ضميرهم الكامن، وبهدف الوقاية من الفتن اللاحقة.
5- في النظرة الأولى إلى آية شهادة المرأتين، يبدو أن وجود امرأتين بدلاً من رجل واحد يعود إلى نقصان عقل كل منهما، لكن القرآن الكريم يذكر أن سبب ذلك هو الوقاية من وقوع الزلل والخطأ من جانب إحداهما. إن هذا الأسلوب من بيان الإمام علي (ع) هو نوع من إعادة تفسير الآية الشريفة في قالب جديد، إعادة تفسير استعاري ومجازي لطيف لمقطع «أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» ليكون بمثابة صدمة للمحاربين المطيعين لعائشة في حرب الجمل وإيقاظ ضميرهم وغيرتهم الكامنة.
المصادر
- القرآن الكريم.
- الآبي، منصور بن حسين، نثر الدر في المحاضرات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424هـ.
- ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، بيروت، أعلمي، 1430هـ.
- ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1385هـ.
- ابن حمدون، محمد بن حسن، التذكرة الحمدونية، بيروت، دار صادر، 1996م.
- ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، قم، جامعة المدرسين، 1404هـ.
- ابن شهر آشوب المازندراني، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب (ع)، قم، علامة، 1379هـ.
- ابن طاووس، علي بن موسى، كشف المحجة لثمرة المهجة، قم، بوستان كتاب، 1375هـ.
- ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، بهجة المجالس وأنس المجالس، بيروت، دار الكتب العلمية، 1981م.
- ابن عبد ربه، أحمد بن محمد، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1404هـ.
- ابن الفقيه، أحمد بن محمد، كتاب البلدان، بيروت، عالم الكتب، 1416هـ.
- ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، عيون الأخبار، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ.
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 1407هـ.
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1419هـ.
- ابن ماجه القزويني، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، لبنان، دار الجيل، 1418هـ.
- ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي، اختيار مصباح السالكين، مشهد، بنياد پژوهشهاي اسلامي آستان قدس رضوي، 1366هـ.
- ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغة، قم، دفتر نشر الكتاب، 1362هـ.
- أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، القاهرة، دار الحديث، 1420هـ.
- أبو طالب المكي، محمد بن علي، قوت القلوب في معاملة المحبوب، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ.
- أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، لبنان، مؤسسة الرسالة، 1416هـ.
- أميني، سيده زهرا، وحسن إبراهيمي. “عقل زنان از منظر نهج البلاغه”. كتاب وسنت، 1(1392ش): 33-50.
- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، القاهرة، وزارة الأوقاف، 1410هـ.
- بورمولا، سيد محمد هاشم، وحسين أفسردير. “معناشناسی «عقل» در روایات «إنّ النساء نواقص العقول»”. پژوهشنامه علوی 5، 2(1393ش): 19-48.
- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، القاهرة، دار الحديث، 1419هـ.
- الثعالبي، عبد الملك بن محمد، اللطائف والظرائف، بيروت، دار المناهل، د.ت.
- الجاحظ، عمرو بن بحر، المحاسن والأضداد، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 2002م.
- حسيني خطيب، سيد عبد الزهراء، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، بيروت، دار الزهراء، 1367هـ.
- حسيني شيرازي، سيد محمد، توضيح نهج البلاغة، طهران، دار تراث الشيعة، د.ت.
- الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، 1995م.
- الخوارزمي، موفق بن أحمد، المناقب، قم، جامعة المدرسين، 1411هـ.
- الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، سنن الدارمي، الرياض، دار المغني، 1421هـ.
- دشتي، محمد، ترجمه نهج البلاغه، قم، مشهور، 1384هـ.
- دياري بيدگلي، محمد تقي، وأسمر جعفري. “روايت نقصان عقل وإيمان زنان در بوته اعتبارسنجي”. پژوهش ديني 15، 32(1395ش): 5-25.
- الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال، قم، الرضي، 1368هـ.
- رضائي، مائده، وراضيه ناطقي. “بررسي تفاوتهاي زن ومرد در خطبه 80 نهج البلاغه”. ميراث طاها، 5(1398ش).
- الزمخشري، محمود بن عمر، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1412هـ.
- سبط بن الجوزي، تذكرة الخواص، قم، منشورات الشريف الرضي، 1418هـ.
- السيد الرضي، محمد بن حسين، خصائص الأئمة (ع)، مشهد، مجمع البحوث آستان قدس رضوي، 1406هـ.
- السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، قم، دار الهجرة، د.ت.
- الشوشتري، محمد تقي، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، طهران، أمير كبير، 1376هـ.
- الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، طهران، كتابجي، 1376هـ.
- الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم، جامعة المدرسين، 1413هـ.
- الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي، 1417هـ.
- الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، مشهد، مرتضى، 1403هـ.
- الطبرسي، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، قم، شريف رضي، 1412هـ.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار الكتب العلمية، 1407هـ.
- الطبري، محمد بن جرير، المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (ع)، قم، كوشانبور، 1415هـ.
- الطوسي، محمد بن حسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414هـ.
- الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1365هـ.
- طيبي، ناهيد. “بازپژوهي ديدگاه إمام علي (ع) درباره عقل زنان با تأكيد بر خطبه 80 نهج البلاغه”. مطالعات إسلامي زنان وخانواده، 5(1395ش): 75-94.
- الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، بيروت، دار الكتاب العربي، د.ت.
- قربان نيا، ناصر، ومعصومه حافظي. “نقد وبررسي ديدگاههاي مربوط به خطبه هشتادم نهج البلاغه”. مطالعات راهبردي زنان 15، 60(1392ش).
- قرشي بنابي، سيد علي أكبر، مفردات نهج البلاغه، به کوشش محمد حسن بكائي، طهران، قبله، 1377هـ.
- القمي، علي بن إبراهيم، تفسير منسوب به علي بن إبراهيم، قم، مؤسسه دار الكتاب، 1404هـ.
- القيسي الشريشي، أحمد بن عبد المؤمن، شرح مقامات الحريري، بيروت، دار الكتب العلمية، 1427هـ.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1365هـ.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1404هـ.
- المسعودي، علي بن حسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، قم، دار الهجرة، 1409هـ.
- مسكويه، أحمد بن محمد الرازي، تجارب الأمم، طهران، سروش، 1379هـ.
- مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، القاهرة، دار الحديث، 1412هـ.
- المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص (منسوب به شيخ مفيد)، قم، كنگره شيخ مفيد، 1413هـ.
- المفيد، محمد بن محمد، الجمل، قم، كنگره جهاني شيخ مفيد، 1413هـ.
- المقدسي، مطهر بن طاهر، البدء والتاريخ، بي جا، مكتبة الثقافة الدينية، د.ت.
- النسائي، أحمد بن علي، السنن الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ.
- نصر بن مزاحم، بن سيار منقري، وقعة صفين، قم، كتابخانه آية الله مرعشي، 1403هـ.
الهوامش
- أستاذ مشارك بجامعة علوم ومعارف القرآن الكريم. dimeh@quran.ac.ir