ملخص
من المباحث المطروحة في علم الأصول هو السؤال عن تعلق الأوامر والنواهي بالطبائع أو بالأفراد. وقد اعتبر البعض هذا النزاع لفظياً، بينما رأى آخرون أنه ناشئ عن النزاع في التخيير العقلي والشرعي. ولكن بالنظر إلى الرؤى الفلسفية التي طُرحت قبل قرون في باب كيفية تحقق الكلي الطبيعي، يمكن إرجاع هذا النزاع ابتداءً إلى النزاع في المسألة الفلسفية المذكورة، حيث وقف الرجل الهمداني في مقابل قاطبة الحكماء الذين كانوا يرون أن الطبيعي يوجد في الخارج بوجود أفراده ويعتقدون بعلاقة الآباء والأبناء بين الطبيعي والأفراد، فاعتقد أن الطبيعي أمر واحد وعلاقته بالأفراد هي علاقة أب الأبناء. وقد تأثر المحقق العراقي برأي الهمداني، وقدم تحليلاً مبنياً على أصالة الوجود، فأسس نظرية تحت عنوان نظرية الحصة، والتي على أساسها يوجد الكلي السعيي كأمر وجودي الحصص بتقيده بالخصوصيات الفصلية. في هذا المقال، وبعد شرح نظرية المحقق العراقي وتبيين آراء المحقق الخوئي وآية الله السبحاني بوصفهما من المحشين على هذه النظرية، سيتم الإثبات بالمنهج الوصفي-التحليلي أنه على الرغم من عدم صحة هذه النظرية من الناحية العقلية، إلا أنها قابلة للدفاع والتثبيت من الناحية العرفية-العقلائية، ولإثبات هذا الأمر تم الاستناد إلى ثلاث مسائل من مسائل علم الأصول.
المقدمة
إن الأصوليين في كل مسألة ترتبط بنحو ما بوجود أمر كلي وشامل لمصاديق مختلفة موضوع البحث، يلتفتون بشكل لا شعوري إلى مسألة فلسفية وهي: هل الأمر الكلي متحقق في الخارج أم لا؟ هذه المسألة، وفي الواقع النزاع الفلسفي، تضمنت نظريتين فلسفيتين؛ النظرية الأولى (تحقق الطبيعي بتحقق الأفراد) كانت مقبولة لدى قاطبة الأصوليين. وقد قدم المرحوم العراقي، بناءً على الرؤية الفلسفية للرجل الهمداني المبنية على علاقة “أب الأبناء” بين الطبيعي والأفراد (تحقق الطبيعي الخارجي المتميز عن تحقق الأفراد)، وكذلك بناءً على أصالة الماهية في منهج الحكماء، نظرية أصولية مبتنية على أصالة الوجود أطلق عليها اسم “نظرية الحصة”. لقد اعتقد في هذه النظرية بتحقق الحصة كأمر وسيط بين الطبيعي والأفراد، واستخرج واستنبط العديد من المسائل الأصولية والثمرات الفقهية من هذه الرؤية. ومع ذلك، بالإضافة إلى الإشكالات الواردة على الرجل الهمداني في رؤيته، فإن القواعد العقلية والفلسفية الدقيقة لا تجري في علم الأصول (الذي يتعامل مع نظام العقلاء)، ونتيجة لذلك، يجب إعادة النظر في النظريات والابتكارات الأصولية مجدداً بناءً على الفهم العرفي-العقلائي (الذي هو أحد مصادر استنباط القواعد الأصولية لاستنباط المسائل الفقهية). في هذا المقال، الذي كُتب بالمنهج التحليلي-النقدي، يُسعى إلى تحليل ونقد ثم تقديم حلول لمسألة النظرية قيد البحث، والإجابة عن أسئلة التحقيق المطروحة. وضمن تبيين نظرية المحقق العراقي، يتم الإجابة عن هذا السؤال: ما هو مصير نظرية الحصة التي، بحسب ادعاء مقدمها، مبنية على سلسلة من المباحث العقلية، بناءً على الفهم العرفي العقلائي؟ وكيف تُحلل هذه النظرية بناءً على الفهم العرفي العقلائي؟
المسألة قيد البحث في هذا التحقيق ضرورية ومهمة من الجهات التالية: “تبيين وشرح نظرية الحصة كنظرية أصولية لم يتم تبيينها حتى الآن في أي من الآثار بشكل مستقل ومفصل”، “تبيين الخلفيات التاريخية والفلسفية للأسس المبنائية للنظرية الأصولية المذكورة”، “نقد بنائي ومبنائي للنظرية”، و”تثبيت النظرية على أساس الفهم العرفي-العقلائي”.
١. السير التاريخي لتشكل نظرية الحصة
الأصولي في معرفة متعلق الأوامر والنواهي، وفي مقام الإجابة عن سؤال «هل يتعلق الأمر والنهي بالطبيعي أم بالفرد؟»، لا بد له من معرفة وتصنيف أقسام الواقع المختلفة. وهو في هذا المسار وفي مواجهته للواقعيات الخارجية، يجد أفراداً يشتركون في ماهية واحدة، ويسمي تلك الماهية “الماهية”. الماهية (بالحمل الشائع) عبارة عن مفهوم كلي قابل للصدق على كثيرين، ويطلق عليه أيضاً “المعقول الأولي”. كلية هذا المفهوم تظهر في بنية قضية بمفاد “ألف كلي”. في مثل هذه القضية، المعروض (الماهية – موضوع القضية) هو “الكلي الطبيعي”، والعارض (الكلي – محمول القضية) هو “الكلي المنطقي”، ومجموع المعروض والعارض (موضوع ومحمول القضية) الذي هو الماهية بقيد الكلية، هو “الكلي العقلي” الذي موطنه الذهن. بناءً على أن المعروض “الكلي” هو “طبيعي”، فإن تعاملنا في بحث تحقق الطبيعي في الخارج وتعلق أو عدم تعلق الأوامر والنواهي به، هو مع المعروض (الماهية) فقط، لا مع كلمة “كلي” (المعقول الثاني المنطقي) ولا مع جمع الماهية والكلية والماهية بقيد الكلية (الكلي العقلي).
١-١. النظريات في باب تحقق الطبيعي في الخارج
فيما يتعلق بتحقق الطبيعي في الخارج، توجد رؤيتان:
١-١-١. نظرية الآباء والأبناء
يعتقد الحكماء أن “الطبيعي” موجود في الخارج بوجود أفراده، بمعنى أنه يوجد “طبيعي” بعدد “الأفراد”، وكل فرد هو طبيعي واحد، وبالتالي، يتكثر الطبيعي بتكثر أفراده. ثم واجه الحكماء المسلمون هذا السؤال: «إذا كان الطبيعي موجوداً في الخارج بوجود أفراده، فما الفرق بين “الطبيعي” و”الفرد”؟!» كان القدماء، على الرغم من عدم التفاتهم إلى مرحلة الأمر بين “التحقق الخارجي للوجود” و”التحقق الخارجي للماهيات”، ينظرون غالباً من منظور ماهوي، ويعتقدون أن “الطبيعي”، بخلاف “الفرد” المتشخص، لا تشخص له، والفرد يتشخص بعوارضه المشخصة؛ لذا، في حال وجود N فرد، يوجد N تشخص للطبيعي الذي تفرد بناءً على عوارضه؛ إذن، أولاً “الطبيعي” موجود في الخارج، وثانياً كل “فرد” هو “طبيعي” واحد، وثالثاً الطبيعي مع العوارض المشخصة هو نفس الفرد. بناءً على ذلك، نسبة الطبيعي إلى الفرد هي نسبة الآباء إلى الأولاد، بمعنى أن كل “فرد” يشتمل على “الطبيعي” و”العوارض المشخصة”. كما أن “الطبيعي”، بناءً على كونه لا بشرط من التحقق الخارجي والذهني، متوافق مع جميع المراتب؛ أي أن تحققه الخارجي يكون ضمن الفرد، وتحققه الذهني يكون بالكلية؛ لذا يوجد الطبيعي في الخارج بواسطة الأفراد.
٢-١-١. نظرية الأب والأبناء
وفقاً لبيان ابن سينا (٣٧٠-٤٢٨هـ)، لم يكن “الرجل الهمداني” يعتقد أن كل “فرد” هو “طبيعي” واحد، بل كان يعتقد أن “الطبيعي” هو بمثابة “كل” وأن كل فرد هو جزء من ذلك الكل؛ وبالتالي، نسبة “الطبيعي” إلى “الفرد” هي نسبة “الكل والجزء” التي يُعبّر عنها بنسبة “الأب” و”الأبناء”. وقد أنكر الحكماء هذه النظرية، خاصة بعد إشكال ابن سينا على رؤية الرجل الهمداني.
٢-١. طرح المسألة بناءً على أصالة الوجود
إن “أصالة الوجود”، التي طُرحت كنظرية مبنائية فلسفية وفي معرض الإجابة عن سؤال مرحلة الأمر بين التحقق الخارجي للوجود أو التحقق الخارجي للماهية بناءً على استحالة تحقق كليهما أو عدم تحقق أي منهما، طرحت هذا السؤال أمام الحكماء: كيف تكون نسبة الاعتقاد بتحقق الطبيعي في الخارج وتشخصه بواسطة العوارض المشخصة مع أصالة الوجود؟ بعبارة أخرى؛ ألا يعني تحقق الطبيعي في الخارج القول بأصالة الماهية وتحقق الماهية المحققة، وهو ما يعتقده القائلون بأصالة الماهية؟ من الضروري الانتباه إلى أن “اعتبارية الماهية من حيث هي” متفق عليها بين القائلين بأصالة الوجود وأصالة الماهية، وأن الماهية المحققة والمجعولة هي التي يعتقد القائلون بأصالة الوجود باعتباريتها والقائلون بأصالة الماهية بأصالتها. و”الوجود بالحيثية التقييدية” يُضاف إلى “الماهية من حيث هي” ويجعلها موجودة، ولكن في النظرة الدقيقة، حقيقة الحيثية التقييدية ليست تقييداً ليكون لدينا قيد ومقيد، بل “التقييد” هو تمام الموضوع. بعبارة أخرى؛ أصالة الوجود، خلافاً لأصالة الماهية التي تعتقد بتحقق الماهية المحققة والمجعولة، تؤمن بأن الماهية لا خارجية لها. امتداد هذه النظرة يطوي بساط الوجود الذهني أيضاً، لأنه لا يوجد تشخص في الذهن ولا يمكن التعامل مع الماهية في أي وعاء كان.
٣-١. ارتباط مبحث الحصة بالمباحث الأصولية والفقهية
كما سيتم شرحه بالتفصيل في القسم التالي، فإن نظرية “الحصة” طرحها المرحوم المحقق العراقي “الآقا ضياء” (١٢٧٨-١٣٦١هـ) في كتابه الأصولي. وقد أدخل أعلام مثل المحقق الخوئي هذا المصطلح في المباحث الأصولية والفقهية متأثرين به. كما أن الإمام الخميني قد أفرد فصلاً تحت هذا العنوان في بحث متعلق الأوامر والنواهي، وذكر آية الله السبحاني في تقرير مباحثه الأصولية في تهذيب الأصول، خلاصة بحث ونقاش مفصل له معه في حاشية مفصلة. لذلك، للعثور على إجابة لهذا السؤال، من الضروري أن نعرف ما هي سابقة هذا المبحث والنظرية بدقة؟ هل هي المباحث التي طرحها الرجل الهمداني، أم رؤية الآقا ضياء القائمة على أصالة الوجود، أم يمكن افتراض احتمال آخر؟
٢. الآراء في نظرية الحصة
١-٢. تبيين نظرية الحصة من وجهة نظر المرحوم الآقا ضياء العراقي
يسعى المرحوم المحقق العراقي في كتاب “مقالات الأصول” إلى تأسيس الإجابة عن سؤال تحقق الطبيعي في الخارج على أساس أصالة الوجود. في هذا القسم، بعد بيان مقدمة، نتناول طرح نظريته وثمراتها الأصولية:
١-١-٢. تحقق الكلي الطبيعي على مبنى أصالة الوجود
يتفق المحقق العراقي مع الحكماء في مواجهة الرجل الهمداني. ولكنه ينفصل عنهم في مواجهة رؤية الحكماء القائمة على أصالة الوجود؛ بعبارة أخرى، من جهة، كان من الضروري توضيح المقصود بـ”الفرد” و”الحصة” في مواجهة الرجل الهمداني، ومن جهة أخرى، بناءً على أصالة الوجود حيث إن الماهية (الطبيعي) ليست موجودة في الخارج، يجب أن نرى ما هو مصير هذه المسألة؟ يرى أن رؤية الفلاسفة في باب كيفية تحقق الكلي الطبيعي (وهي أن الطبيعة المخلوطة في الخارج توجد بوجود أفرادها وفي ضمنها بوصف الكثرة لا بشكل وجود مستقل) مبنية أولاً على منهج أصالة الماهية، لأنه في هذه الرؤية، يُثبت للطبيعي بما هو ماهية نوع من الوجود الحقيقي، وثانياً، إذا وُجد الطبيعي بشكل متعدد، فهذا يعني أن طبائع متعددة متحققة في الخارج، وفي هذه الحالة، ينشأ إشكال في ناحية تشكل الماهية والطبيعة المذكورة في الذهن كطبيعة واحدة من طبائع خارجية متعددة. بناءً على هذين الإشكالين، سعى إلى تقديم رؤيته المختارة المبنية على منهج أصالة الوجود، ويعتقد أنه في منهج الحكمة المتعالية حيث الأصالة للوجود، تكون الماهية أمراً اعتبارياً ينتزعه العقل من كل مرتبة وجودية من مراتب الوجود ومن الحدود الخارجية للوجودات؛ ومن ثم، فإن الماهية مجرد عنوان يُشار به إلى المرتبة الوجودية، لا أنها تُطرح كشيء في الخارج وفي مقابل الوجود. من ناحية أخرى، إذا كان اتصاف الطبيعي بالوجود على نحو الوحدة العددية، ففي هذه الحالة لا يحدث تخلل للعدم بين مراتب الوجود (الوجود الطبيعي ووجود الأفراد)؛ أي أن الوجود الطبيعي يقع في عرض سائر وجودات الأفراد التي هي جميعها وجودات شخصية وتتمتع بوحدة عددية؛ ومن ثم، يجب القول بأن الكلي الطبيعي، بناءً على منهج أصالة الوجود، يتمتع بوجود سعيي هو مرتبة من مراتب الوجود، وهذا الوجود السعيي له وحدة ذاتية (لا وحدة عددية)، لذا فهو يتحقق بشكل منتشر وفي ضمن وجودات الأفراد، بحيث يكون وجود كل فرد من أفراد هذا الطبيعي بمثابة جزء وحصة من الوجود السعيي للطبيعي.
بناءً على البيان أعلاه: أولاً: يثبت وجود الطبيعي (لا الطبيعي نفسه) في الخارج. ثانياً: الطبيعي الذي كان في لسان الحكماء موجوداً بشكل متعدد وبنعت الكثرة في الخارج وضمن الأفراد، يتمتع في هذا البيان بوجود سعيي واحد منتشر ضمن الوجودات الشخصية للأفراد. ثالثاً: يرتفع إشكال عدم تحقق ما بإزاء الواحد للماهية والطبيعي (لا بشرط)، ويصبح الكلي الطبيعي ذا ما بإزاء واحد في الخارج ويحكي عن وجود سعيي واحد؛ بينما في لسان الحكماء، كان الطبيعي لا بشرط يتحقق في الخارج بشكل متكثر ومخلوط، وكان يرد إشكال انتزاع مفهوم واحد من متكثر. رابعاً: نسبة الطبيعي إلى الأفراد (التي بُينت في لسان الحكماء على نحو الآباء والأبناء)، ستبقى محفوظة في هذه الرؤية أيضاً، لأن وجودات الأفراد كمجموعة من الحصص الوجودية للوجود السعيي الواحد بالوحدة الذاتية، وهذه الحصص الوجودية التي هي في الواقع إضافة بين وجود كل فرد والوجود الطبيعي، ستُطرح كآباء للأفراد (بمثابة أبناء).
بالإضافة إلى النتائج المذكورة، تترتب نتيجة وأثر مهم آخر على هذا البيان، وهو ما أصبح المادة الأساسية للمرحوم المحقق العراقي في تبيين رؤيته حول بعض المسائل الأصولية. وهو أنه بالنظر إلى إثبات وجود “الطبيعي” السعيي في الخارج الذي يتمتع بوحدة ذاتية (بمعنى أن هذا الوجود يتحقق ضمن الوجودات الشخصية والعددية للأفراد)، فإن هذه الجهة المشتركة الوجودية، تُفصل وتُعزل مرة بواسطة العقل عن جميع الخصوصيات والمشخصات الفردية والوجودية للأفراد وتنعكس في الذهن؛ أي بناءً على منهج أصالة الوجود حيث تنتزع الماهية من حد كل مرتبة من مراتب الوجود في الذهن، يُنتزع من حد الوجود السعيي والجهة المشتركة الوجودية السارية في الوجودات الشخصية، بقطع النظر عن الخصوصيات والمشخصات الخارجية المقترنة بوجودات الأفراد، عنوان خاص هو نفس الكلي الطبيعي. ومرة أخرى، تنعكس هذه الجهة المشتركة في الذهن ضمن خصوصيات ومشخصات الأفراد، بحيث يدخل هذا المعنى المشترك إلى الذهن مع صور الأفراد؛ بعبارة أخرى، يلحظ العقل صورة لهذه المرتبة من الوجود السعيي السارية في وجودات الأفراد الشخصية واقترانها بالمشخصات الجزئية في الذهن. في هذا الفرض، كما أن هذه الجهة المشتركة الوجودية متحدة مع وجودات الأفراد في الخارج، فإن هذه الجهة المشتركة في الذهن أيضاً تكون حاضرة ومنعكسة مع الخصوصيات الوجودية للأفراد. بناءً على ذلك، تكون الصورة الذهنية للجهة المشتركة الوجودية حاكية عن الجهة المشتركة الخارجية والوجود السعيي؛ وحاكية أيضاً عن خصوصيات ومشخصات الأفراد الخارجية، وفي هذه الحالة، ستكون حكائية هذه الصورة الذهنية عن الخارج تامة وكاملة.
وفقاً للمطالب المتقدمة، يكون معنى الكلي الطبيعي والفرد من وجهة نظر المرحوم الآقا ضياء العراقي على النحو التالي: أ: الكلي الطبيعي بناءً على منهج أصالة الوجود، هو عنوان منتزع من مرتبة خاصة من الوجود، أي الوجود السعيي المنتشر ضمن الوجودات الشخصية لأفراد ذلك الطبيعي، والذي يتطابق مع هذا العنوان، أي الوجود السعيي، وله وحدة ذاتية، في مقابل الوجودات الشخصية لأفراده التي لها وحدة عددية. ب: بناءً على التفسير أعلاه للكلي الطبيعي، فإن فرد هذا الطبيعي هو نفس الوجود الشخصي الذي له في الخارج خصوصيات ومشخصات شخصية. والآن بعد أن اتضحت رؤيته في باب الكلي الطبيعي، ننتقل إلى بيان “الحصة” من وجهة نظره.
٢-١-٢. الحصة من وجهة نظر المحقق العراقي
يعتقد المحقق العراقي أن الطبيعي، الذي هو في حد ذاته واحد، يتكون من حصص تتشكل بإضافة الطبيعي إلى خصوصيات ومشخصات كل فرد، والتي تتحقق بشكل متفرق في الوجودات الشخصية؛ وبهذا النحو، فإن هذا المعنى الوحداني للطبيعي بإضافته إلى خصوصية وجود زيد، يُشكل حصة من الطبيعي تتميز عن الحصة التي تنشأ من إضافة هذا المعنى إلى خصوصية وجود شخص عمرو؛ إذن، يصبح الطبيعي ذا حصص متعددة بسبب ورود الخصوصيات الوجودية للأفراد، حيث تكون كل حصة متميزة عن الحصص الأخرى. ويتخصص الطبيعي بواسطة هذه الإضافات إلى الخصوصيات الوجودية للأفراد، وبإلغاء هذه الإضافات يجد معنى متحداً؛ بعبارة أخرى، بما أن هذه المرتبة من الوجود السعيي التي تسري في الوجودات الشخصية للأفراد، تكون في حال سريانها في الوجودات الشخصية مقترنة بالمشخصات الجزئية لهذه الوجودات، فمن ثم، فإن هذا الوجود السعيي في إضافته وتقارنه بخصوصيات كل فرد، يجد حصة؛ أي أن الطبيعي في تقارنه بخصوصيات وجود كل فرد، يشكل حصة.
هنا يجب القول: عناوين “الطبيعي”، “الفرد” و”الحصة” هي مفاهيم ماهوية تصدق على ما بإزائها الخارجي. “الحصة” تمثل ارتباطاً وجودياً وانحصارياً، وبالتالي، مفهوماً بين هذا الوجود الشخصي وذلك الوجود السعيي بوصفه طبيعياً، لأن كل وجود سعيي كطبيعي واحد، يسري فقط ضمن وجودات شخصية منحصرة به، ويأخذ خصوصيات هذه الوجودات الشخصية لنفسه. بناءً على ذلك: أولاً: كل حصة من هذا الطبيعي ستكون بمنزلة “أب” لفردها الخاص بوصفه “ابناً”، لأن هذا الفرد مشتمل على حصة من الطبيعي تحققت من إضافة الطبيعي إلى مشخصات وجود الفرد. ثانياً: النسبة بين الطبيعي والأفراد في هذه الرؤية هي نفس نسبة الآباء والأبناء التي قال بها الفلاسفة؛ مع هذا الفارق أن “الأب” هنا هو نفس الحصة، والفرد الذي هو نفس الوجود الشخصي، باعتبار اشتماله على حصة من الطبيعي، أصبح فرداً لذلك الطبيعي، وسيكون بمثابة “ابن” لتلك الحصة. والطبيعي كمفهوم وحداني منتزع من الوجود السعيي، يكون بمنزلة “أب” للحصص بوصفها “آباء”. إذن، الطبيعي، مثل الإنسان، والفرد مثل زيد، وحصة الإنسانية المقارنة لخواص زيد وعمرو.
٣-١-٢. تصوير نظرية الحصة للمحقق العراقي في ثلاث مسائل أصولية
المرحوم المحقق العراقي، بناءً على رؤيته حول كيفية وجود الكلي الطبيعي في الخارج وتصوير حاكمية الكلي الطبيعي عن الخارج على أساس منهج أصالة الوجود، يرسم مصير بعض المسائل الأصولية بشكل مختلف:
١-٣-١-٢. مبحث الوضع العام – الموضوع له العام
بعد تبيين رؤيته حول كيفية وجود الكلي الطبيعي والأفراد في الخارج بناءً على أصالة الوجود، يستفيد من هذه الرؤية في تصوير قسم الوضع العام والموضوع له العام من أقسام الوضع. يرى أنه بناءً على الفرض الثاني من الصورة الذهنية (التي فيها تنطبع الصورة الذهنية للوجود السعيي مع مشخصات وتعينات الأفراد الخارجية في الذهن)، يوضع اللفظ العام لهذا المعنى الشامل للجهة المشتركة مع مشخصات الأفراد؛ بحيث يكون هذا المعنى العام مجملاً ومرآة لتلك الجهة المشتركة الوجودية التي تتحقق في ضمن الأفراد الخارجيين. بعبارة أخرى، في هذا التصوير للوضع العام، يكون الموضوع له معنى الموضوع له، أي الصورة الذهنية للجهة المشتركة الوجودية مع خصوصيات الأفراد، حيث تتحقق هذه الجهة المشتركة في الذهن وفي الخارج ضمن الأفراد والخصوصيات. أما في التصوير المشهور للوضع العام – الموضوع له العام، ففي الواقع يُلحظ نفس الفرض الأول (الذي فيه تُلحظ الصورة الذهنية للجهة المشتركة بدون لحاظ خصوصيات الأفراد وبشكل مستقل)، ويكون معنى الموضوع له معنى مستقلاً عن خصوصيات الأفراد. بعبارة أخرى، يتصور “الواضع” معنىً وحدانياً كلياً وعاماً انتزعه من أمور مختلفة، ثم يضع اللفظ الطبيعي لهذا المعنى. ينتقد المرحوم المحقق العراقي هذا التصوير قائلاً إن هذه الرؤية لا تستند إلى منهج أصالة الوجود؛ لأنه بناءً على أصالة الوجود، تتمتع الطبيعة بوجود واحد ضمن سائر الأفراد الخارجيين، ونفس هذا الوجود الساري ضمن الأفراد ينعكس في الذهن أيضاً، بينما في الرؤية المشهورة، تُلحظ الصورة الذهنية للطبيعة الخارجية بشكل مستقل عن خصوصيات الأفراد، وهذا التصور والاستقلالية في لحاظ خصوصيات الأفراد في الذهن غير ممكن، لأنه من وجهة نظره، لا يمكن إيجاد الطبيعة في الذهن إلا بإيجاد الخصوصيات الفردية في الذهن، أي بإحضار وتصور الخصوصيات الفردية في الذهن، يتحقق تصور الجهة المشتركة.
٢-٣-١-٢. المعاني الحرفية
بناءً على التحليل المتقدم في الوضع العام – الموضوع له العام، يرى المرحوم المحقق العراقي أن الوضع في المعاني الحرفية هو أيضاً من هذا القسم. يعتقد أن الموضوع له في كل صنف من أصناف الحروف مثل “الروابط الابتدائية”، “الروابط الانتهائية”، و”الروابط الظرفية” هو المعنى الجامع بين أشخاص كل صنف والروابط التي يتميز بها كل صنف من الحروف عن الصنف الآخر بواسطة هذا الجامع؛ ومن ثم، في مقام وضع الحروف، على الرغم من أن هذا المعنى الجامع لا يتمتع بوجود مستقل في الذهن، إلا أنه يمكن في حين الوضع وضع اللفظ على هذا المعنى الجامع، بحيث تكون خصوصيات الأفراد والأشخاص خارج نطاق هذا المعنى، لأنه بناءً على ما مر في الرؤية المختارة في قسم الوضع العام – الموضوع له العام، يعتقد أن لحاظ المعنى العام بشكل إجمالي ولو ضمن أفراده وأشخاصه في مقام وضع اللفظ لذلك المعنى كافٍ؛ وبالتالي، الموضوع له في الحروف، هو نفس الوضع في ذلك العام.
٣-٣-١-٢. متعلق الأوامر والنواهي (التخيير الشرعي بين الحصص)
تحليل المرحوم العراقي في كتاب “مقالات الأصول” تحت مبحث “أقسام الوضع”، مؤثر في مبحث “متعلق الأوامر والنواهي”. يحكم الآقا ضياء، بناءً على ذلك التحليل، في هذا المبحث بـ”التخيير الشرعي”. وهو في بحث متعلق الأوامر والنواهي، ضمن قبوله للقول بأن متعلق الأوامر هو نفس الطبيعي وأن الطلب يسري من الطبيعي إلى الخصوصيات الفردية لا إلى حصص الطبيعي المقارنة للأفراد، يتطرق مجدداً إلى تبيين رؤيته حول وجود الطبيعي ونسبته إلى الأفراد وكيفية تشكل الحصص. يذكر في هذا المبحث في كتاب “نهاية الأفكار” مقدمة لإثبات التخيير الشرعي، وعلى أساسها: أولاً: يبين مختاره. ثانياً: يصبح من القائلين بـ”التخيير الشرعي”. في هذه المقدمة، يوجز المحقق العراقي المطالب المبينة تحت مبحث أقسام الوضع في كتاب مقالات الأصول، ولكنه هنا لا يبين المقدمات الفلسفية بالتفصيل، لأنها بُينت سابقاً والآن هو بصدد استنتاج واستخدام نتيجتها. يذكر الآقا ضياء في هذه المقدمة ثلاثة احتمالات لمتعلق الطلب: أ: الطبيعي. ب: الخصوصيات الفردية. ج: الحصة. مختار المحقق العراقي هو تعلق الطلب بـ”الطبيعي”، لا بالحصص والخصوصيات الفردية. الدليل الأساسي لهذه الرؤية هو الوجدان؛ مثلاً، بما أن “الوجود السعيي للماء” هو منشأ انتزاع مفهوم واحد هو “الماء”، و”طبيعي الماء” له خصوصيات فردية وحصص وجودية، فإن “الوجود السعيي” له نسبة وإضافة إلى الخصوصيات الفردية (مثل ماء الكوب ألف وماء الكوب باء) وهي التي تشكل حصص الوجود السعيي (كيفية تحليل الخصوصيات الفردية بناءً على أصالة الوجود بحث مستقل يتطلب مقالاً آخر). يقول: الوجدان يحكم بمطلوبية صرف الطبيعي والقدر المشترك بين الحصص، والخصوصيات الفردية لا مدخلية لها. دليل استخدام تعبير “القدر المشترك بين الحصص” (الذي هو نفس الوجود السعيي) هو ماهوية تعبير “صرف الطبيعي”. يعتقد أن عدم سريان الطلب من الطبيعي نحو الحصص بسبب خروج الحصص من دائرة المصلحة والمطلوبية، يجري فقط بين أفراد نوع واحد، أي إذا اعتبرنا متعلق الأوامر هو صرف الوجود الطبيعي الجامع بين الأفراد، ففي هذا الفرض، لا يسري الحكم من الطبيعي إلى الحصص وإلى الأفراد أيضاً. وصرف الوجود الطبيعي يصدق فقط على أول وجود طبيعي في الخارج. أما إذا اعتبرنا متعلق الأوامر هو الطبيعي الساري في الأفراد والحصص، ففي هذه الحالة سيسري الحكم من الطبيعي إلى الحصص التي هي ضمن الأفراد، وبما أن الحصص واقعة تحت الأمر والمطلوبية الشرعية، فإن التخيير بين الحصص والأفراد سيكون تخييراً شرعياً، لا تخييراً عقلياً.
٤-١-٢. إشكال الآقا ضياء على نفسه والجواب عنه
يطرح المحقق العراقي (ره) في سياق المباحث إشكالات على نفسه ثم يجيب عليها، وفي هذا القسم، نطرح أهم إشكال يساعد تحليله ودراسته على فهم أفضل وأدق لنظرية الحصة. يقول: في العلم الإجمالي – العلم بالجامع والشك (الوجداني) في الخصوصية الفردية – بنجاسة أحد الإناءين والنهي عن شرب النجس، يتعلق الأمر بأحد الإناءين (لاحظ أن تكليف حرمة شرب النجس يتعلق بالجامع). في هذه الحالة، ليس لدينا جامع متحد مع جميع الأفراد؛ وبالتالي، ليس لدينا هنا تخيير شرعي، لأن تصوير التخيير الشرعي يكون في حالة اتحاد الجامع مع جميع الأفراد. بعبارة أخرى، بسبب وجود الشك الوجداني هنا، لا يمكن الجمع بين الشك الوجداني وتعلق التكليف بالوجود السعيي (المتحد مع جميع الأفراد)؛ وبالتالي، ينقض العلم الإجمالي الادعاء المذكور. (نفسه).
في الجواب، يجب القول: المحقق العراقي لا يُدخل الخصوصيات الفردية في البحث أيضاً، وحتى الطلب لم يتعلق بالتقيد بخصوصية زيد أو عمرو؛ بل تعلق الطلب بالجامع صرفاً. وبالتالي، إذا كان المقصود من “الخصوصية الفردية لإناء ألف أو باء” أو “تقيد الوجود السعيي بخصوصية إناء ألف أو باء” من العلم الإجمالي (في بحث العلم الإجمالي)، فإنه ليس متعلق الطلب. بل بناءً على منهج أصالة الوجود، “طبيعي الإنسان” له “وجود سعيي” في حال لحاظ خصوصية الفصل بالنسبة للحيوان أو تقيد وجود سعيي الحيوان بخصوصيات مثل الناهقية، الناطقية، إلخ، فينشأ نوع الإنسان، الفرس، إلخ. ونتيجة لذلك، فإن تقيد الناطقية في وجود الإنسان السعيي موجود. بناءً على ذلك، لا يتعلق الطلب بالخصوصية الفردية ولا بالتقيد بالخصوصية الفردية، بل يتعلق بـ”تقيد الوجود السعيي بالخصوصيات النوعية” و”الخصوصيات النوعية” (الخصوصيات المقومة للطبيعي)؛ لذا، في العلم الإجمالي، لم يتعلق الطلب بخصوصيات “إناء ألف” و”إناء باء” الفردية، بل يتعلق بالخصوصيات المقومة للجامع الذي له واقعية خارجية وهو عبارة عن الوجود السعيي المتحد مع الحصص. (نفسه). بناءً على المطالب المذكورة، فإن لازم مبنى أصالة الوجود هو تعلق التكليف بالوجود السعيي، والوجود السعيي متحد مع الحصص. ومعنى تكليف الشارع بإتيان إحدى الحصص هو التخيير الشرعي (الإيجاب الناقص من جانب الشارع)؛ بعبارة أخرى، في حال لحاظ الوجود السعيي، لدينا وجوب تعييني وإيجاب تام، وفي حال لحاظ الحصص، لدينا وجوب تخييري وإيجاب ناقص؛ ونتيجة لذلك، في حال لحاظ الوجود السعيي، لا يمكن نفي التكليف، وفي حال لحاظ الحصص في ظرف قبل الانطباق، في ظرف فعل إحدى الحصص، يمكن ترك سائرها، وفي ظرف ترك سائر الحصص، لا يمكن ترك الحصة الباقية، وهذا هو نفس التخيير الشرعي.
ولكن يبدو للكاتبين أنه يمكن القول: على الرغم من أن نظرية الآقا ضياء (ره) في باب الحصة تؤيد من منظور عرفي عقلائي وتطبق على موارد مثل استصحاب الكلي في القسم الثاني والقسم الثالث، إلا أنه حتى مع فرض قبول كبرى الاستدلال، قد يُناقش في صغراه، أي خلافاً لادعاء وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة في هذين الاستصحابين، يمكن القول بنظرة عرفية دقيقة أنه لو شُرحت المسألة للعقلاء، لما حكموا ببقاء الموضوع في الزمن اللاحق، إلا من باب النظرة العرفية المسامحية التي لا يُعتد بها.
٢-٢. تبيين معنى الحصة من وجهة نظر المحقق الخوئي ونقد آية الله السبحاني له
١-٢-٢. تبيين الرؤية
يرى المرحوم المحقق الخوئي في بحث متعلق الأوامر والنواهي أن الحصة مفهوم ينحل بالتحليل العقلي إلى ماهية وإضافة، أي إضافة الماهية الفردية إلى الوجود الشخصي الذي بواسطته تنشأ الحصة والفرد، بحيث يكون ملاك فردية زيد للإنسان وكذلك كونه حصة لطبيعي الإنسان فقط بسبب إضافة الوجود إلى الفرد والحصة. لذا، ينشأ مفهوم الحصة من إضافة الوجود إلى الماهية الفردية. ويعتبر هذا المعنى للحصة وملاك فردية الفرد غير مرتبط بالوجود الحقيقي للطبيعي أو عدم وجوده في الخارج، ويقر ويعترف بأن القائلين بكلا القولين يرون أن الحصص والأفراد في الخارج يتمتعون بوجود حقيقي؛ لذا، في مقام تبيين ادعاء القائلين بوجود الطبيعي في الخارج، يقولون إن الوجود الذي أُضيف إلى الفرد وحققه في الخارج، هو نفسه الذي أوجد الطبيعي في الخارج. وبالتالي، يُتصور لهذا الوجود إضافتان: الأولى: إضافته إلى الحصة، التي بواسطتها يصبح ذلك الوجود وجوداً للفرد؛ أي أن الحصة، التي هي نفسها إضافة الماهية الفردية إلى شيء، عندما تضاف إلى الوجود، يتحقق منها وجود الفرد والفرد في الخارج. الثانية: إضافة ذلك الوجود إلى الطبيعي، التي بواسطتها يصبح ذلك الوجود وجوداً للطبيعي ويوجد الطبيعي به. بناءً على ذلك، القائل بوجود الطبيعي في الخارج، يرى الوجود المضاف إلى الفرد وجوداً مضافاً إلى الطبيعي على نحو حقيقي؛ فمثلاً، وجود زيد كما هو وجود لنفسه، هو حقيقةً وجود للإنسان أيضاً.
٢-٢-٢. مقارنة بين رؤية المحقق الخوئي والمحقق العراقي
المعنى الذي يقدمه المحقق الخوئي للحصة يبدو ظاهرياً مختلفاً عن التصوير الذي قدمه المحقق العراقي للحصة. توضيح ذلك أن مفهوم الحصة في نظر المحقق العراقي في منهج أصالة الوجود وفي عملية وجود الطبيعي والفرد في الخارج، كان بمعنى أنه عندما يُنتزع عنوان الطبيعي من مرتبة الوجود السعيي السارية في الوجودات الشخصية، فعندما يسري هذا الوجود السعيي ضمن وجود شخصي خاص ويقترن بخصوصياته الشخصية، فبسبب إضافة هذا الوجود السعيي إلى الخصوصيات الجزئية لوجود شخصي خاص، يُنتزع منه مفهوم الحصة، أي أن الطبيعي بتقيده بهذه الخصوصيات الوجودية الشخصية يتحول إلى قسم وحصة منه؛ وبالتالي، مفهوم الحصة في بيان المحقق العراقي: أولاً: يُطرح في عملية وجود الطبيعة إلى جانب الوجود الخارجي للفرد. ثانياً: الحصة في الواقع تُنتزع من إضافة واقتران الوجود السعيي والطبيعي بالخصوصيات الجزئية لكل وجود شخصي للفرد في الخارج. بينما مفهوم الحصة في لسان المحقق الخوئي، يتكون من مفهومي الماهية والإضافة، فعندما يضاف الوجود الشخصي المتحقق في الخارج، وهو نفس وجود الفرد، إلى الماهية الفردية أي زيد، ينشأ مفهوم الحصة. وبالتالي، مفهوم الحصة في هذا البيان، ناظر فقط إلى وجود الفرد في الخارج وإضافة الوجود إلى ماهية الفرد، وبإضافة كل وجود شخصي في الخارج إلى الفرد، تتحقق حصة من ذلك الطبيعي في الخارج، وكذلك يتحقق الفرد المضاف إليه في الخارج. وهذه العملية لا ارتباط لها بالوجود الطبيعي وإضافته إلى خصوصيات الوجود الشخصي للفرد في الخارج؛ ومن ثم، بعد تحقق مفهوم الحصة، يُطرح بحث تحقق الطبيعي في الخارج أو عدمه في بيان المحقق الخوئي.
٣-٢-٢. نقد آية الله السبحاني لرؤية المحقق الخوئي
آية الله السبحاني في بداية دخوله في تبيين نظرية الحصة، يسمي المحقق العراقي والمحقق الخوئي كقائلين بنظرية الحصة، ولكنه في ادامه وفي مقام النقل والنقد، يتناول فقط تصوير معنى الحصة من منظور المحقق الخوئي، وما يقدمه كمعنى للحصة، يتطابق مع رؤية المحقق الخوئي لا المحقق العراقي. وهو في مقام نقد رؤية المحقق الخوئي، يرى أنه في الخارج، يتحقق فقط الطبيعة والفرد، ولا يوجد أثر للحصة في الخارج أساساً، لأنه لا يمكن تصوير إضافة للطبيعي إلى الوجود، والطبيعي يوجد في الخارج فقط بواسطة الوجود.
٣. الاتجاه العرفي في عملية تحقق الطبيعي والأفراد
يمكن تحليل وتقييم نظرية الحصة بصورتين، وهذا المقال يسعى إلى إنكار النظرية بناءً على رؤية وتثبيتها بناءً على رؤية أخرى:
١-٣. التحليل العقلي
اعتماد كاتبي هذا المقال في تحليل وتقييم النسبة بين الطبيعي والفرد والقول بالجامع الخارجي، ليس على الاستدلالات العقلية؛ لسببين:
١-١-٣. عدم اتكاء المباحث الأصولية على الدقائق العقلية والفلسفية
المباحث العقلية والفنية لا جدوى لها في هذه المباحث؛ ولتوضيح الادعاء أكثر، نذكر مثالاً: من أدلة إثبات الوجود السعيي، قاعدة الواحد. من الواضح أن أحد وجهي قاعدة الواحد هو ضرورة أن يكون للمعلول الواحد علة واحدة، والوجه الآخر هو الصدور الضروري للمعلول الواحد من العلة الواحدة. بناءً على ذلك، رفع حجر واحد بواسطة عشرة أشخاص، هو معلول واحد له بالضرورة علة واحدة، وهي عبارة عن الجهة الجامعة المشتركة بين هؤلاء العشرة. إذا لم تكن هناك علة واحدة لتوجيه تحقق المعلول الواحد، تنهار هذه القاعدة. ولكن الدقة في القاعدة المذكورة تضع ثلاثة إشكالات أمام هذا الاستدلال: أ: هذه القاعدة تجري فقط في البسيط الحقيقي (ذات الواجب) الذي هو واحد حقيقة. ب: حتى في حالة التنازل وقبول جريان القاعدة في الفواعل والعلل الإلهية (الموجدة) لتبيين صدور مراتب الوجود، فإنها لا تجري في الفواعل الطبيعية، لأنه لا وجود للإيجاد في عالم الطبيعة، والعلل الطبيعية ليست موجدة، لأنه بناءً على لزوم تحصيل الحاصل المحال في حال تحقق المعلول قبل أخذ الوجود من العلة، فإن الآخذ (للوجود) والشيء المعطى (الوجود) في الإيجاد شيء واحد، والقابض هو نفس الشيء المفاض من قبل العلة، و”الوجود الرابطي ذو الطرف الواحد” وكون المعلول عين الربط يعني هذا أيضاً. ج: حتى في حال التنازل وتجاهل الإشكالين السابقين ودراسة الطبيعة، نجد أنه بناءً على عدم البساطة والإيجاد في عالم الطبيعة، فإن الحقائق في هذا العالم لها كثرة وامتداد، ومن ثم، فإن تأثير العلل الطبيعية هو من سنخ تأثير الكثير في الكثير، والمعلول له قابلية الارتباط بعلل مختلفة غير موجدة.
٢-١-٣. عدم صحة نظرية الحصة بناءً على الرؤية العقلية
حتى مع تجاهل هذا المبنَى، فإن التحليل العقلي للمحقق العراقي لنظرية الحصة يواجه إشكالات من الناحية العقلية، لأنه على الرغم من تصريح المحقق العراقي بإنكار قول الرجل الهمداني، فإن اعتقاده بوجود السعي وتقيده بالخصوصيات الفصلية، ينسجم مع اعتقاد الرجل الهمداني، لأن النسبة في هذه النظرية بين الوجود السعيي (الذي هو “أب” للحصص النوعية) والحصص النوعية (التي هي “آباء” للأفراد) هي نسبة “أب الآباء”، وهذا في الواقع هو نفس اعتقاد الرجل الهمداني القائم على نسبة أب الأبناء بين الطبيعي والأفراد، مع هذا الفارق أن الرجل الهمداني بالنظر الماهوي يرى “الأب” هو “الطبيعي”، والآقا ضياء بناءً على نظرة أصالة الوجود يرى “الأب” هو “الوجود السعيي”. وإشكالات الحكماء على نظرية الرجل الهمداني ترد على المحقق العراقي أيضاً، ولا مجال لتناولها في هذا المقال.
٢-٣. التحليل العرفي-العقلائي
على الرغم من عدم جدوى التحليل العقلي-الفلسفي في تحليل هذه المسألة، يمكن الاستفادة من التحليلات العرفية لحل المسألة؛ بمعنى أن رؤية المحقق العراقي والرجل الهمداني تُترك جانباً من الناحية العقلية بناءً على الإشكالات الواردة، ولكن في الوقت نفسه في فضاء الفهم العرفي، يمكن الاستفادة منها بترك الأدلة العقلية لهذه النظرية. في هذا المقال، ضمن بيان بعض المصاديق، سنثبت جدوى نظرية الحصة بناءً على التحليل العرفي-العقلائي.
١-٢-٣. العلم الإجمالي
لنتصور إناءين فيهما سائلان. لدينا علم إجمالي بتكليف مثل «لا تشرب النجس» الذي يتعلق بأحد هذين الإناءين، وفي الواقع أحدهما نجس قطعاً وحكم «لا تشرب النجس» سيشمله. هذا العلم بالكلي والشك في الخصوصية الفردية نسميه علماً إجمالياً. في المثال أعلاه، التكليف بحرمة شرب النجس، متوجه إلى ذلك الكلي والجامع الذي نعلم به ولكن لا نعلم أي إناء هو فرد هذا الجامع. في ما نحن فيه، بالوجدان لدينا شك في أحد أطراف الموضوع ولا يمكن تصور «كلي» متحد مع جميع الأفراد. وبالتالي، لا يمكن إجراء التخيير الشرعي؛ لأن مجرى التخيير هو في حالة اتحاد الجامع مع جميع الأفراد. بعبارة أخرى، لأننا هنا بالوجدان نشك، لا يمكننا جمعه مع تعلق التكليف بالوجود السعيي المتحد مع الأفراد، فبالتالي، يُنقض ادعاؤكم بالعلم الإجمالي. في الجواب، يقول الآقا ضياء إننا نُخرج هذه الخصوصيات الفردية من البحث أيضاً. فمثلاً، إذا كان «جامع الإنسان» و«الوجود السعيي لطبيعي الإنسان» متعلق الأمر أو الطلب، فلا علاقة لنا أساساً بخصوصية زيد وعمرو اللذين هما أفراد هذا الجامع. حتى التقيد بخصوصية زيد أو عمرو ليس متعلق الأمر. من هنا يتضح أن متعلق الطلب هو نفس «الجامع» و«الكلي». ومن هنا يتضح أنه لا خلاف بيننا في هذه الجهة. لذا، في ما نحن فيه، إذا كان المقصود من العلم الإجمالي «الخصوصية المعينة للإناء الأيسر أو الأيمن» أو «تقيد الوجود السعيي بخصوصية الإناء الأيمن أو الأيسر»، فالطلب قطعاً لم يتعلق به. بياننا هو أنه بناءً على قاعدة أصالة الوجود، فإن «الطبيعي (الكلي) للإنسان» له «وجود سعيي». أي في حالة لحاظ خصوصية «الفصل» بالنسبة لـ«الحيوان»، أو مثلاً وجود سعيي الحيوان إذا تقيد بخصوصية «الناطقية» أو «الصاهلية» أو أي خصوصية أخرى، ينشأ «نوع الإنسان» و«نوع الفرس»… وبالتالي، في «الوجود السعيي للإنسان» يوجد تقيد بالناطقية. بشكل عام، الخصوصيات الفردية والتقيد بالخصوصيات الفردية ليست متعلق الطلب قطعاً. ولكن تقيد الوجود السعيي بالخصوصيات النوعية و«الخصوصيات النوعية» هي متعلق الطلب. بعبارة أخرى، تلك الفئة من الخصوصيات التي تقوّم الطبيعي هي متعلق الطلب، لا الخصوصيات التي تشكل الفرد. للمطابقة بين هذه المسألة والعلم الإجمالي، يجب أن نقول: الإناء الأيسر والإناء الأيمن بسبب خصوصيتهما الفردية ليستا متعلق الطلب، ولكن «الكلي» له واقعية خارجية وهو عبارة عن «الوجود السعيي» المتحد مع الحصص. النتيجة هي أن الخصوصيات المقومة لـ«الجامع» هي متعلق الطلب.
٢-٢-٣. استصحاب الكلي في القسم الثاني والثالث
في بحث أقسام استصحاب الكلي، يمكن تقديم تصور عرفي وعقلائي لتحقق الطبيعي والفرد في الخارج. المشكلة في هذين القسمين هي إثبات وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. هذه المشكلة في القسم الثاني بسبب تفاوت طبيعي الحيوان ضمن الفرد قصير العمر مع طبيعي الحيوان ضمن الفرد طويل العمر، لأنه (كما بُين) الطبيعي في الخارج متكثر عددياً وفي الذهن واحد نوعي، وطبيعي الحيوان ضمن الفيل يغاير طبيعي الحيوان ضمن البعوضة؛ وبالتالي، القضية المتيقنة والقضية المشكوكة لا وحدة بينهما، لأن طبيعي الحيوان لا يمكن أن يكون في السابق وفي اللاحق معاً. بالنظر الدقيق العقلي، يرد الإشكال المذكور، ولكن عرفاً لا وجود لمثل هذه الكثرة، و”العرف” في هذا الفضاء لا يجد أكثر من طبيعي واحد، وبالتالي، تتحقق وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. هذه المسألة موجودة أيضاً في استصحاب الكلي في القسم الثالث؛ فمثلاً، العلم بوجود «الكلي للإنسان» بواسطة وجود عمرو والخروج القطعي لعمرو من الغرفة موجود، ولكن الشك في دخول زيد متزامناً مع خروج عمرو. في هذا الفضاء، لا يمكن أيضاً تصوير وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بناءً على الدقة العقلية، لأن الإنسان ضمن عمرو يغاير الإنسان ضمن زيد، ولكن بالنظر العرفي الدقيق هو صحيح.
النتيجة
كان للأصوليين في مسألة متعلق الأوامر والنواهي رؤيتان. البعض كانوا يرون أن الأوامر والنواهي تتعلق بالأفراد، والبعض الآخر يعتقدون أنها تتعلق بالطبيعة. أصل هذا النزاع هو اختلاف الحكماء ثم أصوليي الحكمة المتعالية في مسألة نسبة الكلي الطبيعي وأفراده وكيفية تحققه في الخارج، والثقل المركزي لهذا الاختلاف هو مقابلة الرجل الهمداني للحكماء الذين يعتقدون بتحقق الطبيعي بتحقق الأفراد. يعتقد الهمداني أن الوحدة هي مقتضى ذاتي لكلية الطبيعي، وبناءً على ذلك ليس لدينا “طبائع”. من بين الأصوليين، كان المحقق العراقي من جهة يرى هذا النزاع مبنياً على أصالة الماهية، ومن جهة أخرى، بالإضافة إلى تأثره برؤية الحكماء، متأثراً بالرجل الهمداني، كان يعتقد أن ثلاثة أمور متحققة في الخارج: الكلي السعيي وهو أمر وجودي والطبيعي في الذهن الحاكي عنه، الأفراد والمتشخصات الخارجية، والحصص التي تنشأ بتعلق الكلي السعيي بالخصوصيات الفصلية وهي بمنزلة أبناء للكلي السعيي وبمنزلة آباء للأفراد. وبهذه المناسبة، سُميت هذه النظرية “نظرية الحصة”. النتيجة التي تم التوصل إليها في هذا البحث وبعد دراسة آراء صاحب نظرية الحصة والمحشين عليها هي أن رؤية الرجل الهمداني ثم نظرية المحقق العراقي غير صحيحة بناءً على النظرة العقلية، ولكنها صحيحة بالنظرة العرفية، وبالتالي، لا تعارض بين الإنكار العقلي لهذه النظرية وإثباتها العرفي. وهذا يعتمد على المسألة التي نواجهها ونريد تطبيق النظرية عليها، وهذا الأمر المهم قد ظهر وبرز في ثلاث مسائل أصولية.
المصادر
* القرآن الكريم
- ابن سينا، الحسين بن عبد الله (د.ت). رسائل ابن سينا. قم: بيدار.
- الآخوند الخراساني، محمد كاظم (د.ت). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
- التفتازاني، مسعود بن عمر؛ اليزدي، عبد الله بن حسين (١٣٨٠ش). الحاشية لملا عبدالله نجم الدين بن شهاب الدين حسين الشهابادي على تهذيب المنطق للسعد الدين التفتازاني. قم: شريعت.
- الخوئي، أبو القاسم (١٤١٠ق). محاضرات في أصول الفقه. مصحح محمد فياض. قم: أنصاريان.
- السبحاني التبريزي، جعفر (١٤١٤ق). المحصول في علم الأصول. مقرر محمود جلالي مازندراني. قم: مؤسسة إمام صادق (ع).
- الطباطبائي، محمد حسين (١٤٢٠ق). بداية الحكمة. تصحيح وتعليق عباس علي زارعي سبزواري. ط١٧. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الطباطبائي، محمد حسين (١٣٨٨ش). نهاية الحكمة. مصحح عباس علي زارعي سبزواري. ط٤. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- العراقي، علي بن الآخوند ملا محمد كبير (آقا ضياء الدين) (١٣٧٠ق). بدائع الأفكار في الأصول. النجف: المطبعة العلمية.
- العراقي، علي بن الآخوند ملا محمد كبير (آقا ضياء الدين) (١٤١٤ق). مقالات الأصول. تحقيق محسن عراقي. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- العراقي، علي بن الآخوند ملا محمد كبير (آقا ضياء الدين) (د.ت). نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ. مقرر محمد تقي بروجردي. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- فاضل اللنكراني، محمد (١٣٨٨ش). أصول الشيعة لاستنباط أحكام الشريعة. مصحح محمد حسين يوسفي گنابادي. قم: مركز فقه الأئمة الأطهار (ع).
- فاضل اللنكراني، محمد (١٣٨١ش). أصول فقه شيعة. قم: مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
- فاضل اللنكراني، محمد (١٣٧٩ش). سيري كامل در أصول فقه. گردآورنده محمد دادستان. قم: فيضيه.
- مكارم الشيرازي، ناصر (١٤١٦ق). أنوار الأصول. مقرر أحمد القدسي. قم: نسل جوان.
- الموسوي الخميني، روح الله (د.ت). تهذيب الأصول. مقرر جعفر سبحاني. قم: إمام صادق (ع).
- الموسوي الخميني، روح الله (١٤١٥ق). مناهج الوصول إلى علم الأصول. محقق محمد فاضل لنكراني. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (ره).
- النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش). فوائد الأصول. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم.