الملخص
إن نظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث» التي طُرحت في السنوات الأخيرة حول تقييم الروايات، قد استقطبت اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإسلامية. على الرغم من وجود أعمال قدّمها مبتكر النظرية وتلامذته، إلا أنه للأسف لم يتم حتى الآن تقديم عرض واضح للنظرية، ولم ينجح أي من تلك الأعمال في شرحها بشكل جامع ومانع. يسعى الكُتّاب في هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى تقديم عرض شامل للنظرية من خلال جمع وتصنيف وتحليل آراء أنصارها، وفي النهاية، بيان بعض الإشكالات الموجودة في النظرية دون إثباتها أو نفيها. تعتمد نظرية التحليل الفهرستي على ثلاثة أسس: عدم حجية الخبر، ومنهج انتقال التراث الحديثي الشيعي بالكتابة، ومنهج القدماء القائم على محور الكتاب في تقييم الروايات. هذا المنهج يرى أن الطريقة الصحيحة لتقييم الروايات ليست المنهج الرجالي المألوف، بل هي العودة إلى منهج القدماء ودراسة الكتاب الذي هو محور الروايات. تحتوي هذه النظرية على إشكالات أساسية يجب على أنصارها الإجابة عنها.
1. طرح المسألة
تُعد الأحاديث، التي تنقل أقوال المعصومين (ع) وأفعالهم وتقريراتهم، أوسع مصدر للمعارف الإسلامية. ولهذا السبب، كان تقييم الروايات من المسائل التي شغلت أذهان العلماء المسلمين منذ بداية تعليمها ونشرها، وقد استخدم المحدثون في مختلف العصور معايير ومقاييس متنوعة للحكم بحجية الروايات أو عدمها؛ وهي معايير اختلفت بين القدماء والمتأخرين؛ منها: شهرة الرواية، واعتبار المصادر، وطريقة النقل وتحمل الرواية، وعدالة الرواة أو وثاقتهم، وتلقي الأصحاب بالقبول، وعمل القدماء، وغيرها. ومع تقسيم الأخبار إلى الأنواع الأربعة: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف على يد العلامة الحلي (ره)، أصبحت دراسة اعتبار وحجية الروايات تعتمد بشكل أساسي على فحص أحوال رجال السند، وما زال هذا المنهج قائمًا إلى حد كبير حتى الآن. في السنوات الأخيرة، قدم آية الله السيد أحمد المددي (المولود عام 1330هـ.ش) نظرية جديدة في هذا المجال بعنوان «التحليل الفهرستي للأحاديث»، حيث شكك في بعض المعايير المتداولة لتقييم الروايات، وبهدف إحياء منهج القدماء، استبدلها بمعايير أخرى. ترى هذه النظرية أن المنهج الصحيح لتقييم الروايات يكمن في دراسة اعتبار وحجية الكتب الحديثية، وتعتبر معايير مثل اعتبار الكتاب، واعتبار النسخة، وغيرها، هي المعتبرة في هذا المسار. يرى المددي أن منهجه مستقى من طريقة أصحاب الأئمة (ع) والمحدثين المتقدمين، التي تراجعت لأسباب منذ زمن الشيخ الطوسي (ره) وحل محلها منهج آخر. لقد تابع تلاميذ آية الله المددي هذه النظرية وأثمرت عن تأليف عدة مقالات وكتب في هذا المجال. من بينها: «نظرة إلى البحر» تأليف آية الله المددي، و«إعادة بناء النصوص الشيعية القديمة» تأليف السيد محمد العمادي، و«فهارس الشيعة» تأليف مهدي خداميان، وكذلك كتابة مقدمة وتحقيق حول كتابي «آداب أمير المؤمنين (ع)» و«فهرست النجاشي» بواسطة مهدي خداميان ومحمد باقر ملكيان. وبغض النظر عن صحة أو خطأ نظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث»، يمكن لهذا الرأي أن يقدم نقاطًا مبتكرة في مختلف مجالات علم الحديث، مثل تاريخ الحديث، والرجال، والدراية، والببليوغرافيا، وغيرها. ويرى الكُتّاب أنه على الرغم من الأعمال التي ألفها مبتكر النظرية وتلامذته، إلا أنه للأسف لم يتم حتى الآن تقديم عرض واضح لها، ولم ينجح أي من الكتب المذكورة في شرح نظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث» بشكل جامع ومانع؛ بل قدم كل منها نقاطًا مختلفة حول هذا الموضوع بشكل متفرق وانتقائي. كما أن جزءًا من النصوص المتاحة هو عبارة عن تدوين لمحاضرات آية الله المددي في دروسه، وعدم الانسجام فيها واضح تمامًا. لهذا السبب، لا تزال جوانب مختلفة من هذه النظرية، مثل المباني والمنهج التنفيذي وعلاقتها بعلم الرجال وغيرها، غير واضحة لكثير من الباحثين. إن أهمية هذا الرأي ونتائجه من جهة، وعدم وضوح بعض جوانبه من جهة أخرى، بالإضافة إلى الإقبال الجماعي من العلماء والباحثين عليه، تزيد من ضرورة شرح وتقديم عرض شامل لهذه النظرية. تهدف هذه المقالة إلى تقديم عرض جامع لنظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث» بأسلوب وصفي-تحليلي من خلال جمع وتصنيف وتحليل آراء أنصارها. المسألة الرئيسية في هذا البحث هي: ما هي نظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث»؟ ما هي خلفيتها ومبانيها ومنهجها في التقييم؟ ما علاقتها بعلم الرجال، وما هي نقاط الإبهام التي تلاحظ فيها؟ من الجدير بالذكر أن هذا البحث لا يهدف إلى إثبات أو نفي النظرية، بل يقتصر على شرحها، وفي النهاية يشير إلى بعض النقاط المهمة التي يجب على أنصار النظرية اتخاذ موقف دقيق بشأنها.
2. الكليات والمفاهيم النظرية
أول موضوع يجب تناوله لتعريف نظرية التحليل الفهرستي هو التعريفات التي يقدمها أنصار النظرية لمفاهيم مثل كتب الفهرست، وعلم الفهرسة، ورواية الكتاب. وفيما يلي نتناول هذا الموضوع باختصار:
1-2. كتب الفهرست
الفهرست هو كتاب يذكر فيه المؤلف الكتب التي وصل إليها وحصل على إجازة روايتها؛ دون أن يكون له مخاطب معين، على عكس الإجازة التي تتم لمخاطب معين (انظر: المددي، 1393ش، 371). الهدف الأساسي من تأليف كتب الفهرست هو دراسة حجية أو عدم حجية الكتب الحديثية (المصدر نفسه، 368، 371؛ العمادي، 1388ش، 79، 174، 207؛ الراشدي، 1395ش، 10؛ خداميان، 1395ش، 1: 3). كان وصول صاحب الفهرست إلى الكتب يتم عبر ثلاث طرق. المصدر الأول هو الفهارس السابقة. على سبيل المثال، قبل الشيخ الطوسي والنجاشي، كانت هناك فهارس مكتوبة كانا ينقلان عنها أحيانًا؛ مثل فهرست ابن بطة (كمثال انظر: النجاشي، 1418ق، 190، الرقم 507؛ 375، الرقم 1023)، أو فهرست ابن النديم (انظر: الطوسي، 1435ق، 90، الرقم 136؛ 228، الرقم 651). المصدر الثاني هو الإجازات التي كان أصحاب الفهارس يحصلون عليها من مشايخهم، وأحيانًا يستندون إليها في أقوالهم (كمثال انظر: النجاشي، 1418ق، 398، الرقم 1066؛ الطوسي، 1435ق، 3، الرقم 37). المصدر الثالث هو الكتب التي كانت في حوزة أصحاب الفهارس عن طريق الوجادة، وقد قاموا بوصفها. ووفقًا لرأي المددي، فإن الجذور الأولى لإنتاج الفهارس بدأت من وصف الأصول، ثم انتقل الأصحاب لاحقًا إلى وصف المصنفات. ووفقًا له، فإن أول من وضع فهرسًا مدونًا لأصول ومصنفات الأصحاب هو حميد بن زياد (ت 310هـ)، ويعود جزء كبير من مباحث النجاشي والشيخ في الفهرست إلى فهرست حميد (انظر: المددي، 1393ش، 368؛ المصدر نفسه، 1396/7/29، www.ostadmadadi.ir).
2-2. علم الفهرسة
علم الفهرسة هو علم يبحث في الكتب الحديثية وطرق الوصول إليها. غاية هذا العلم هي تمييز الكتب الحديثية المعتبرة عن الكتب غير المعتبرة. في هذا العلم، تُطرح مسائل مثل: اسم الكتاب، شهرة الكتاب أو عدم شهرته، وصف الكتاب، انتساب الكتاب، اختلاف النسخ وتحريراتها، النسخ المبوبة وغير المبوبة، حجية الكتاب والنسخة أو عدمها، طريق الوصول إلى الكتاب، علم المخطوطات، وغيرها. سبب ظهور هذا العلم أيضًا هو طريقة تعامل القدماء مع الروايات، حيث كانت حجية الأخبار تدور حول الوثوق بالنسخة والكتاب (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 2-3، 10؛ العمادي، 1388ش؛ 209-230؛ خداميان، 1395ش، 1: 31-44).
3-2. رواية الكتاب
يقصد أنصار النظرية برواية الكتاب أو النسخة الحديثية إحدى هذه الحالات الأربع: سماع روايات الكتاب من المؤلف أو الراوي، قراءة روايات الكتاب على المؤلف أو الراوي، استلام الكتاب من المؤلف أو الراوي ونسخه، أخذ إجازة الكتاب دون سماع أو قراءة. لقد تم انتقال الكثير من كتب الشيعة الحديثية بالطريقة الأخيرة، أي بمجرد الإجازة دون سماع أو قراءة أو نسخ. ومثال ذلك ما ينقله النجاشي عن علي بن أسباط أنه في يوم الأربعاء 4 شعبان سنة 230هـ، حدّث بكتاب محمد بن حمران للآخرين في جلسة واحدة (انظر: النجاشي، 1418ق، 359). يبدو أن المقصود بالتحديث هنا هو الإجازة العامة للكتاب؛ لأنه لا يمكن في جلسة واحدة نقل جميع أحاديث كتاب ما بطريقة السماع أو القراءة (انظر: العمادي، 1388ش، 161-164). حتى أنه قد يحصل شخص على إجازة لبعض الكتب أو النسخ الحديثية من مؤلفها أو راويها، لكنه لا يملك الكتاب أو النسخة نفسها، بل لم يرها قط. ومثال ذلك ما ينقله النجاشي عن الحسن بن حمزة أن علي بن إبراهيم أرسل إليه رسالة وأجازه بكتبه وأحاديثه (انظر: النجاشي، 1418ق، 260). بالإضافة إلى ذلك، قد يجيز شخص ما لآخر دون أن يمتلك الكتاب أو النسخة، معتمدًا فقط على الإجازة التي لديه. ومثال ذلك الإجازة التي أعطاها ابن الغضائري للنجاشي بكتب عبد العزيز بن يحيى الجلودي؛ بينما لم يكن ابن الغضائري يمتلك جميع كتب الجلودي (انظر: المصدر نفسه، 247). إن وظيفة هذا النوع من الإجازات هي في الغالب «تأكيد وجود الكتاب وتعريف نسخة منه عند الحاجة، وتوثيق النسخة، وكذلك تأكيد نسبة الكتاب إلى مؤلفه». وفي الحقيقة، هذا هو المعنى الشائع لرواية الكتاب. كما أن هذه الإجازة تدل على ثقة المجيز بالمجاز له. (انظر: العمادي، 1388ش، 161-164).
3. خلفية النظرية
من وجهة نظر القائلين بنظرية التحليل الفهرستي، فإن نقد ودراسة الروايات المتمحورة حول الكتاب كان منهج المحدثين الشيعة المتقدمين، وله تاريخ طويل في الحديث الشيعي. ولهذا السبب، سيتم في هذا القسم دراسة خلفية هذه النظرية.
1-3. المنهج الفهرستي عند القدماء في تقييم الروايات
وفقًا لعقيدة أنصار النظرية، فإن أساس نقد الحديث لدى محدثي الشيعة في القرون الأولى، بدلًا من أن يكون قائمًا على إثبات وثاقة النقل الشفهي لمتن الحديث، كان يرتكز على اعتبار المصادر المكتوبة للحديث. بعبارة أخرى، كان قدماء الأصحاب عند تقييم الروايات، قبل النظر إلى وثاقة الراوي، يعتمدون على اعتبار الكتاب، وإذا عملوا برواية من كتاب معتبر، حتى لو كان الراوي ضعيفًا، فإنهم كانوا يفعلون ذلك بسبب اعتبار ذلك الكتاب (انظر: المددي، 1393ش، 361؛ العمادي، 1388ش، 14؛ النجاشي، 1394ش، 1: 10؛ الراشدي، 1395ش، 7). كان قدماء الأصحاب، بدلًا من التحليل الرجالي، يقابلون النسخ المختلفة للكتب الحديثية ببعضها البعض ويرجحون النسخة المعتبرة. كان كبار المحدثين مثل الكليني وابن الوليد والشيخ الصدوق ينتخبون الروايات على هذا الأساس. والسبب في أن الكثير من روايات الكتب الحديثية لم ترد في آثار الشيخ الصدوق، بينما نقلها الكليني في الكافي والشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار، هو أن الصدوق لم يقبل هذه النسخ وأسقط رواياتها. إن الاهتمام بعلم المخطوطات كأحد معايير العمل بالروايات ينعكس بوضوح في نقل عن النجاشي (انظر: النجاشي، 1418ق، 60). وكما نقل عنه، فإن ابن نوح يذكر خمس نسخ من كتاب الحسين بن سعيد مع أسانيدها، ويؤكد على ضرورة عدم الخلط بين هذه النسخ؛ لأنها تختلف فيما بينها. كانت ظاهرة تعدد النسخ منتشرة إلى درجة أنه حتى بعض الكتب المشهورة جدًا كانت لها نسخ متعددة ومختلفة (انظر: المددي، 1393ش، 362، 396؛ النجاشي، 1394ش، 1: 11).
2-3. سبب اتجاه الشيعة إلى المباحث الفهرستية
في فترة إنتاج التراث الحديثي الشيعي، كان رواة الأئمة (ع) في أجواء من القمع، مضطرين للعمل بسرية، ولم يتمكنوا من ترويج أحاديث مذهبهم بحرية كما فعل رواة أهل السنة. في أوساط أهل السنة، عندما كان أفراد مثل أحمد بن حنبل (ت 241هـ) ينشغلون بقراءة الحديث، ربما كان يستمع إليه عشرة آلاف شخص؛ في تلك الظروف، كانت كثرة النقول والرواة كافية لدراسة الروايات والاعتماد عليها. أما الشيعة فلم تكن لديهم هذه الإمكانية، وبسبب قلة العدد وكثرة الأعداء، لم تكن الظروف تسمح بكثرة النقول. على سبيل المثال، كتاب حريز، الذي يعد من أهم كتب الشيعة في باب الصلاة، لم يروه إلا شخصان أو ثلاثة، أو ابن أبي عمير، الذي هو من أشهر الأصحاب وكتابه من أشهر المدونات، لم ينقله إلا أقل من عشرة أشخاص. لذلك، فإن علماء الشيعة، الذين لم يتمكنوا من اكتساب الثقة من كثرة النقول، ركزوا على دقة الكتابات واتجهوا نحو العمل على الفهارس ودراسة النسخ المعتمدة (انظر: المددي، 1393ش، 365؛ المددي، 1385/3/17؛ 1396/7/29، www.ostadmadadi.ir).
3-3. سبب تحول رؤية الشيعة من المباحث الفهرستية إلى علم الرجال
لا شك أن أي تحول في الرؤى العلمية لا يحدث فجأة وبدون سبب. إن تحول النظرة الفهرستية إلى المنهج الرجالي قد حدث تدريجيًا على مر الزمن، وكان نتيجة لأسباب مختلفة. منها:
1-3-3. الزوال التدريجي للمصادر الأولى
إن وجود كتابات حديثية شيعية كثيرة، معظمها دون في زمن الصادقين (ع)، أدى إلى انتشار المباحث الفهرستية من سنة 200 إلى 220. ولكن مع تدوين الكتب الأربعة والزوال التدريجي للكتب الحديثية الأخرى، تضاءل العمل الفهرستي. حتى أنه في زمن العلامة الحلي، حوالي سنة 700 هـ، وبسبب فقدان معظم تلك الكتب، ازدهر العمل الرجالي (انظر: المددي، 1393ش، 365). إن ضبط وتثبيت الروايات في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المؤلفة في تلك العصور، وفقدان الكثير من الكتب المستقلة السابقة، أدى إلى تنحية البحث في اختلاف النسخ جانبًا. هذا الأمر دفع فقهاء الإمامية إلى التفكير في حل لتقييم الروايات، ولم يكن هذا الحل سوى إحلال التحليل الرجالي محل التحليل الببليوغرافي (انظر: العمادي، 1388ش، 44؛ الراشدي، 1395ش، 10).
2-3-3. اختيار الروايات في الكتب الفقهية
كانت كتب فقهاء الشيعة القدماء مستمدة من نص الأحاديث الفقهية، وكان اختيار الروايات وترتيبها ونوع الاستنباط منها يُعد فتوى المؤلف. إن تثبيت ألفاظ رواية ما في كتاب مثل «من لا يحضره الفقيه» والإفتاء على أساسها، كان يؤدي حتمًا إلى نسيان الاختلافات في نسخ النص الواحد، ويُرسخ ذلك الضبط من النص الذي أُفتي على أساسه. وهذا الأمر جعل تحليل الروايات ببليوغرافيا والبحث عن مصدرها المكتوب أمرًا زائدًا (انظر: العمادي، 1388ش، 44-45).
3-3-3. طرح مبحث حجية الخبر التعبدية
لعب الشيخ الطوسي (ره) دورًا أساسيًا في تحول النظرة من التحليل الفهرستي إلى التحليل الرجالي. ذلك أن مبحث حجية الخبر التعبدية قد طُرح بواسطته بين علماء الإمامية ولقي قبولًا. قبل الشيخ، كان علماء الشيعة يحاولون إثبات حجية الأخبار بالاستعانة بالشواهد والقرائن، ويرفضون حجية الخبر التعبدية. وكان السيد المرتضى يصرح برفض حجية الخبر التعبدية ويعتبرها باطلة كالقياس (انظر: علم الهدى، د.ت، 1: 202). وقد قوّى الشيخ، بقبوله حجية الخبر التعبدية، التحليل الرجالي وأضعف التحليل الفهرستي (انظر: العمادي، 1388ش، 117-118). وقد بلغ البحث في حجية الخبر التعبدية ذروته لاحقًا في المدرسة الرجالية بالحلة وفي آراء ابن طاووس الحلي والمحقق الحلي وابن داود الحلي والعلامة الحلي. ويُعتبر ابن طاووس مبتدئ تقسيم الخبر باعتبار حال الرواة، حيث أحدث بفكرته تحولًا أساسيًا في تقييم وثاقة الحديث (انظر: العمادي، 1388ش، 40). ومنذ ذلك الحين، مع هيمنة المدرسة الرجالية بالحلة، أصبحت أحوال الرجال هي أساس قبول الأحاديث ورفضها. وفي هذه الفترة نفسها، وتحت تأثير هذا التوجه الرجالي، اشتهر فهرست النجاشي خطأً بأنه كتاب رجال، وتم تجاهل الفلسفة الوجودية للفهارس الشيعية القديمة (انظر: المصدر نفسه، 41-42).
4-3-3. تلخيص كتابي فهرست النجاشي والشيخ الطوسي
إن أساس بناء النجاشي والشيخ الطوسي في كتابيهما هو النظرة الفهرستية، والتوضيحات الرجالية الموجودة فيهما هي في الغالب بمثابة جملة اعتراضية. يميز النجاشي بين النقاط الرجالية والمطالب الفهرستية بجملة «ذكره أصحاب الرجال» (كمثال انظر: النجاشي، 1418ق، 19، الرقم 24؛ 24، الرقم 41). وقد انعكس هذا الموضوع في كتاب «خلاصة الأقوال» للعلامة الحلي. فقد نقل في كتابه فقط التوضيحات الرجالية للنجاشي، ومع حذف طرق النجاشي إلى أصحاب الكتب، أهمل المباحث الفهرستية، أي أن الجمل الاعتراضية في فهرست النجاشي أصبحت أساس كتاب العلامة الحلي. وكذلك المحقق الحلي الذي قام بتلخيص «الفهرست» للطوسي، حوّله إلى فهرست رجال. فقد اقتصر على ذكر أسماء وخصائص بعض الرجال وأصحاب الكتب الذين صرح الشيخ الطوسي بتوثيقهم أو جرحهم، ومع حذف أسماء الكتب وطرق الشيخ إليها، أخرج من «الفهرست» كتابًا رجاليًا صرفًا لا يوجد فيه أي ملمح ببليوغرافي (انظر: العمادي، 1388ش، 41؛ المددي، 1396/7/23؛ 1396/7/26، www.ostadmadadi.ir).
4-3. أقوال كبار المحدثين الشيعة حول المنهج الفهرستي
يستند القائلون بالنظرية إلى أقوال من كبار علماء الشيعة لإثبات ادعاءاتهم، ويعتبرون مثل هذه العبارات كاشفة عن النظرة الفهرستية في تقييم الروايات. من ذلك قول الشيخ الطوسي حول منهج أصحاب الإمامية في عملية استنباط الأحكام الفقهية، حيث يذكر أن عادتهم منذ عصر المعصومين (ع) كانت أنهم كلما استند شخص في فتواه إلى رواية منقولة من كتاب معروف أو أصل مشهور لراوٍ ثقة، قبلوا تلك الفتوى وسلموا لها (انظر: الطوسي، 1389ش، 1: 126-127). وفي موضع آخر، عند بحث المرجحات، يكتب أن الرواية بطريق السماع أو القراءة تُرجح على الرواية بطريق الإجازة؛ إلا إذا كانت الإجازة من أصل معروف أو مصنف مشهور، ففي هذه الحالة يسقط الترجيح (انظر: المصدر نفسه، 1: 153). نتيجة كلام الشيخ هي أن الشيعة في الاستنباط الفقهي لم يكونوا يعملون بأي رواية؛ بل كان العمل بالروايات يدور حول نقلها من الكتب المعروفة والأصول المشهورة. بالطبع، مع إضافة شرط آخر وهو وثاقة مؤلف الكتاب أو صاحب الأصل (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 12). ابن الغضائري في ترجمة ابن أخي طاهر، يصفه بأنه كذاب وواضع للحديث لا يمكن الاعتماد على رواياته؛ إلا الروايات التي ينقلها من كتب جده أو المصنفات المشهورة الأخرى (انظر: الغضائري، 1422ق، 1: 54). وكذلك العلامة الحلي يكتب عن أحمد بن هلال العبرتائي أن ابن الغضائري توقف في نقل رواياته؛ إلا ما رواه من كتاب مشيخة الحسن بن محبوب ونوادر ابن أبي عمير. وذلك لأن الكثير من علماء الحديث قد اعتمدوا على هذين الكتابين (الحلي، 1418ق، 320). ما يُستفاد من مجموع هذه الكلمات هو أن الراوي، وإن كان ضعيفًا، فاسد المذهب، أو حتى واضعًا للحديث، إذا نقل أحد الكتب الحديثية المشهورة، تُقبل روايته ولا تخضع للنقاشات الرجالية (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 13). كلام الطبرسي في مقدمة «الاحتجاج» يشير إلى هذا أيضًا، حيث أن روايات ذلك الكتاب تُنقل بدون ذكر السند؛ إلا ما جاء من تفسير الإمام العسكري (ع)؛ لأن تلك المنقولات لم تكن ذات شهرة واسعة (انظر: الطبرسي، 1386ق، 1: 14). إذن، شهرة الكتب هي سبب عدم الحاجة إلى ذكر سند الروايات.
5-3. نماذج من عمل القدماء على الروايات الضعيفة بناءً على التحليل الفهرستي
من الشواهد التي تُذكر لإثبات الرؤية الفهرستية بين القدماء هو نقل روايات محمد بن علي الصيرفي. لقد وصفه الرجاليون بالغلو والاشتهار بالكذب (انظر: الطوسي، د.ت، 545). وهو لم يسمع من الإمام مباشرة، ولكنه راوي كتاب. سبب عمل القدماء بروايته هو أنه ليس منتجًا للعلم، بل هو مجرد ناشر للعلم. كان الرواة يأتون بنسخة من كتابه إلى قم، وكان الأصحاب يقبلون بعض رواياته بعد دراستها ومقارنتها بالنسخ الأخرى. إذن، إثبات كذب محمد بن علي الصيرفي لا يؤدي إلى إسقاط اعتبار جميع روايات كتابه؛ فقبول رواية سهل بن أحمد الديباجي من كتاب الأشعثيات ورواية حسن بن أسد الطفاوي من كتاب علي بن إسماعيل بن شعيب (انظر: الغضائري، 1422ق، 1: 52، 67)، هي من النماذج الأخرى التي قُبلت فيها رواية الرواة من هذين الكتابين على الرغم من ضعفهم وحتى فساد مذهبهم، فقط بسبب شهرة الكتاب (انظر: المددي، 1393ش، 362-363؛ النجاشي، 1394ش، 1: 13).
4. المباني النظرية
تقوم نظرية التحليل الفهرستي على ثلاثة أسس:
1-4. عدم قبول حجية الخبر التعبدية
يدعي المددي أن ابتكار منهجه يكمن في تقليل حد التعبد في المعارف الإسلامية. بمعنى أنه لا تبقى أي نقطة غامضة، وكل مسألة في العلوم الدينية يتم تأصيلها؛ لا أن يكون ملاك اتباع مسألة ما هو العمل المشهور. وبما أن الرؤية المعتمدة على الشواهد والقطع العرفي والوثوق والاطمئنان تقابل الرؤية التعبدية، فإن منهجه يقوم على مراجعة النصوص الأولية ومقارنتها ببعضها البعض (انظر: المددي، 1393ش، 353-355، 362). وهو يرى أن أحد العوامل المهمة جدًا في معضلات النص أو السند في الخبر هو حجية الخبر التعبدية. ويقرر ثلاث رؤى أساسية في مبحث حجية الخبر بالترتيب التالي (انظر: المصدر نفسه، 418-419؛ العمادي، 1388ش، 118؛ المددي، 1396/7/25؛ 1397/10/3؛ 1397/10/9؛ 1397/10/17، www.ostadmadadi.ir):
1-1-4. حجية الخبر التعبدية
مبنى حجية الخبر التعبدية يعني أن الشارع المقدس قد وضع معيارًا واحدًا لحجية الخبر، وكل خبر يستوفي ذلك المعيار فهو حجة. تقوم الحجية التعبدية على هذا الأساس، وهو أننا مكلفون من قبل الشارع بقبول الخبر؛ سواء أدى ذلك الخبر إلى الوثوق والاطمئنان أو العلم العرفي وفقًا للشواهد والقرائن العقلائية أم لا. ولكن إذا حدث اختلاف وتعارض في الوثوق أو العلم العرفي، فلا تعود هناك حجية. نقطة أخرى هي أنه بناءً على مبنى حجية الخبر التعبدية، يُقبل محتوى الخبر نفسه على أنه كلام الإمام المعصوم، ولهذا السبب تنشأ إشكالية «الأخبار مع الواسطة» المعروفة. [1] وصل مبنى حجية الخبر التعبدية إلى درجة أن بعض علماء أهل السنة قبلوا حتى الخبر المخالف للمسلمات التاريخية. على سبيل المثال، في صحيح البخاري، توجد روايات ينقلها مسروق عن أم رومان، والدة عائشة (كمثال انظر: البخاري، 1422ق، 4: 150؛ 5: 55، 120؛ 6: 76). هذا في حين أنه عندما دخل مسروق المدينة، كانت والدة عائشة قد توفيت (انظر: العسقلاني، 1379ق، 7: 438). ومع ذلك، قبلها البعض بسبب نقل البخاري وصحة السند. وفيما يتعلق بالمعيار الذي حدده الشارع لحجية الخبر، هناك اختلاف. المشهور عند أهل السنة، بناءً على آية النبأ: «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا» (الحجرات: 6)، يعتبرون المعيار هو عدالة الراوي. ابن حزم – من معاصري الشيخ الطوسي – يعتبر رواية العدل الضابط ذات السند المتصل والخالية من الشذوذ والعلة، مثل القرآن ومصداق الذكر، ويحفظها بناءً على آية: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (الحجر: 9) (انظر: الأندلسي، د.ت، 1: 98). بعضهم يعتبر المعيار وثاقة الراوي؛ ومنهم آية الله الخوئي، الذي اعتبر معيار الوثاقة من سيرة العقلاء التي أمضاها الشارع (انظر: واعظ حسيني، 1417ق، 2: 240). سيرة العقلاء تعني أنه إذا كان الوصول إلى نقطة الاطمئنان بالحديث يتطلب مثلًا 90 بالمئة من الوثوق، فإن كون الراوي ثقة يوفر 70 بالمئة من الوثوق، و20 بالمئة المتبقية تؤمنها سيرة العقلاء، لأن العقلاء عادة لا يعتنون بتلك الـ 20 بالمئة. بالطبع، بعضهم اعتبر هذا التتميم الكشفي من خلال الروايات، مثل الرواية الواردة في كتاب الكافي التي جاء في جزء منها: «فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ؛ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ المَأْمُونُ» (انظر: الكليني، 1363ش، 1: 330).
2-1-4. حجية الخبر العقلائية
يقوم هذا المبنى على أساس جمع الشواهد والقرائن التي يكون ما لا يقل عن 90 بالمئة منها مقبولًا لدى العقلاء لتحصيل الاطمئنان والوثوق بصدور الخبر. في هذا المبنى، لا يوجد معيار خاص للحجية مثل الوثاقة والعدالة وغيرها؛ بل يجب أن توجد شواهد مختلفة للوثوق بصدور الرواية ليُحكم بحجية المتن. في مبنى الحجية العقلائية، تكون أحوال الراوي مجرد طريقية. بمعنى آخر، لا يهتم العقلاء بما إذا كان الراوي قد قال الصدق أم كذب. في سيرتهم، لا ينظرون إلى ما شأنه الطريقية؛ بل ينظرون إلى المطروق والمسلوك. إنهم يجمعون مجموعة الشواهد من أي طريق يجدونه، وبواسطتها يصلون إما إلى الاطمئنان والوثوق بنسبة 90 بالمئة أو لا.
3-1-4. عدم حجية الخبر
في هذا المبنى، بدلًا من الوثوق والاطمئنان بالخبر، يُنظر إلى الوثوق والاطمئنان بالحكم ومحتوى الخبر؛ أي يُعامل الخبر معاملة الدليل اللبي. [2] النقطة المشتركة بين المبنيين الأولين هي أنهما يقبلان الخبر كدليل لفظي ويتمسكان بإطلاقاته وعموماته. واختلافهما أيضًا كان في أن المبنى الأول يقبل الخبر بالتعبد، بينما المبنى الثاني يقبله بجمع الشواهد والقرائن. أما المبنى الثالث فلا يقبل الخبر كدليل لفظي. هذا المبنى يبحث عن الوثوق والاطمئنان بالنسبة للحكم، لا للخبر نفسه. في هذا المبنى، يمكن للخبر نفسه أن يكون أحد شواهد الوثوق بالحكم. من بين أنصار هذا المبنى السيد المرتضى، الذي أظهر في مواضع مختلفة معارضته لحجية الخبر، ويعتبر التعبد بالخبر أمرًا غير ممكن (انظر: علم الهدى، د.ت، 1: 202؛ 3: 309-310). من وجهة نظر أنصار المنهج الفهرستي، الخبر ليس حجة، والفرضية الأولية للتحليل الببليوغرافي للحديث هي تنحية حجية الخبر التعبدية جانبًا (العمادي، 1388ش، 68). يقوم مبنى عدم حجية الخبر على هذا الاستدلال: أولًا؛ شأن الخبر هو الطريقية الصرفة؛ ثانيًا؛ ما شأنه الطريقية قد يصيب الواقع أحيانًا وقد لا يصيبه. لأنه طريق، فهو لا يغير الواقع. وبما أنه من الممكن ألا ينتهي هذا الطريق إلى الواقع، فلا يبقى مجال للحجية.
2-4. منهج نقل الحديث القائم على الكتابة
تقوم وجهة نظر أنصار نظرية التحليل الفهرستي على أن مسار انتقال التراث الروائي الشيعي كان مكتوبًا وليس شفهيًا. كان الكثير من رواة الشيعة الأوائل يدونون الروايات التي يسمعونها من الأئمة (ع) أو رواتهم بشكل مكتوب ويسجلونها في دفاتر بعنوان «نسخة، جزء، كتاب أو أصل». انتشرت هذه الأحاديث طبقة بعد طبقة عن طريق نقل الكتب. بعبارة أخرى، الأسماء الموجودة في سلسلة السند هي معرفة بمؤلفي الأعمال السابقة أو رواة تلك الأعمال، وحتى تعابير مثل «حدثنا وأخبرنا» في معظم الحالات تدل على إجازة رواية كتاب، وليس إخبارًا شفهيًا (انظر: المددي، 1393ش، 396؛ الراشدي، 1395ش، 9؛ خداميان، 1395ش، 1: 15؛ العمادي، 1388ش، 156). إن اعتبار نقل الحديث من مصدر مكتوب، بل وترجيحه على النقل الشفهي للحديث، كان له أثر في دراسة وثاقة الأحاديث، ودفع الشيعة إلى التقييم بناءً على حجية المكتوبات وصحة الطرق؛ وليس كما فعل أهل السنة بالاعتماد على الراوي. بناءً على ذلك، وبما أن المنهج الغالب لنقل الروايات عند الشيعة كان قائمًا على المكتوبات والنسخ الحديثية، فإن منهج تقييم الروايات يجب أن يُبنى على أساس التحليل الببليوغرافي للحديث، أو ما يُعرف بمنهج التحليل الفهرستي (انظر: المصدر نفسه، 31؛ خداميان، 1395ش، 1: 16).
3-4. أداء قدماء الأصحاب في تقييم الروايات
بالإضافة إلى التأكيد على انتقال تراث الحديث الشيعي على أساس الكتابة، يطرح القائلون بنظرية التحليل الفهرستي أداء قدماء الأصحاب في تقييم الروايات كأحد المباني النظرية لهم. كان قدماء الأصحاب، بدلًا من إثبات وثاقة النقل الشفهي، يصرون على إيجاد طريق موثوق إلى الكتب الحديثية. هذا المنهج هو الذي أدى إلى ازدهار كتابة كتب الفهارس بين محدثي الشيعة القدماء. يعتقد أنصار نظرية التحليل الفهرستي، بناءً على هذا المبدأ، أن المنهج الصحيح لتقييم الروايات هو دراستها بالمنهج الفهرستي، أي تقييم وثاقة المكتوبات الحديثية والرجوع إلى الفهارس، وليس تقييم وثاقة الرواة والمنهج الرجالي [3] (انظر: العمادي، 1388ش، 14؛ 35-36؛ الراشدي، 1395ش، 9-10؛ خداميان، 1395ش، 1: 16). إنهم يعتبرون هذا المنهج مماثلًا لتوجهنا الحالي نحو روايات الكتب الأربعة. وبما أن الكتب الأربعة من الكتب المشهورة، فإن التقييم الرجالي في هذه الكتب يقتصر على الأسانيد المنقولة فيها، ولا حاجة للتقييم الرجالي بيننا وبين الكتب الأربعة. النقاشات الرجالية حول روايات الكتب الحديثية المشهورة هي أيضًا خلاف المنهج المتعارف عليه بين محدثي الشيعة المتقدمين. الشاهد على هذا الادعاء هو أن الشيخ الطوسي ينقل بعض الروايات من كتاب الكافي، وهذه الروايات ترد بسندين في الكافي؛ أحدهما ضعيف والآخر صحيح حسب اصطلاح المتأخرين. ومع ذلك، ينقل الشيخ السند الضعيف، وهو ما لا يبدو له تبرير سوى الأداء الفهرستي في هذا الشأن. الشاهد الآخر هو أنه في الكتب والمصادر الرجالية، معظم التوثيقات والتضعيفات تتعلق بالمؤلفين والمصنفين. من ناحية أخرى، لا نجد توثيقًا أو تضعيفًا لكثير من الرواة الذين ليس لهم مؤلفات، بل يقتصرون على نقل كتب ومصنفات الآخرين. مثل: أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، وأحمد بن محمد بن يحيى العطار، وحسين بن الحسن بن أبان (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 13-15). لإثبات مبنى القدماء في تقييم الروايات، يُشار إلى نماذج مختلفة. منها قول الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب «من لا يحضره الفقيه» (انظر: الصدوق، د.ت، 1: 3). أو قوله في كتاب «المقنع» حيث يقول إنه حذف أسانيد الروايات للاختصار؛ لأن ما أورده في هذا الكتاب مأخوذ من كتب مشهورة لفقهاء موثوق بهم (انظر: المصدر نفسه، 1415ق، 3). ويكتب المحقق المجلسي في هذا الصدد: «ظاهر القدماء أنهم كانوا ينقلون مطالبهم من كتب معتبرة مشهورة، فعندما يكون صاحب الكتاب ثقة، يكون الخبر صحيحًا ولا حاجة لدراسة السند؛ لأن نقل السند إلى الكتب المشهورة هو فقط للتبرك والتيمّن» (المجلسي، د.ت، 1: 3). هذه الأقوال كلها تؤيد حقيقة أن ذكر الأسانيد والطرق لروايات الكتب المشهورة بين القدماء كان فقط من باب التبرك والتيمّن، وليس بهدف التقييم. وكذلك قول الشيخ الطوسي في مشيخة كتاب «تهذيب الأحكام» (انظر: الموسوي الخرسان، 1382ق، 1: 5)، يبين أن الهدف الآخر من ذكر الطرق للكتب المشهورة هو إخراج الروايات من الإرسال. في المقابل، ما كان له أهمية في تقييم الروايات هو وجود الرواية في الكتب المشهورة، وصحة نسبة الكتاب إلى المؤلف، وتحمل الكتاب من قبل المشايخ، ووجود طريق معتبر إلى الكتاب (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 16-17؛ الراشدي، 1395ش، 12؛ خداميان، 1395ش، 1: 18). ويذكر أحمد آل طعان في هذا الصدد أن نتيجة التتبع في منهج القدماء هي أن مدار عملهم، خاصة أصحاب الكتب الأربعة، كان الاعتماد على الكتب المشهورة والأصول المعتبرة، وذكر السند كان للتبرك ودفع توهم الإرسال (انظر: البحراني، 1419ق، 2: 98).
5. منهج تقييم الروايات
أهم مسألة يجب توضيحها بخصوص نظرية التحليل الفهرستي للأحاديث هي منهج هذه النظرية في تقييم الروايات. بالطبع، لم يكرس أنصار هذه النظرية اهتمامًا كافيًا لبيان منهجهم العملي في تقييم الروايات بالقدر الذي اهتموا به في شرح خلفيتهم ومبادئهم الفكرية، والتي جاءت هي الأخرى بشكل متفرق وغير منسجم. ومع ذلك، يمكن استخلاص النقاط التالية حول توجههم المنهجي من خلال المباحث المتنوعة المتاحة عنهم.
1-5. العوامل المؤثرة في اعتبار الرواية
من منظور المنهج الفهرستي، هناك عوامل مختلفة تؤثر في تقييم الروايات، مثل: اعتبار الكتاب، اعتبار النسخة، زمن كتابة النسخة أو الكتاب، واعتبار مؤلف الكتاب أو النسخة.
1-1-5. اعتبار الكتاب
كما أشير، فإن أحد أسس نظرية التحليل الفهرستي هو أداء قدماء الشيعة الذين كانوا يقبلون روايات كتاب ما بناءً على اعتباره وشهرته؛ حتى لو كان راوي تلك الروايات شخصًا ضعيفًا. من هذا المنطلق، فإن أهمية شهرة كتاب ما تصل إلى حد لا يعود فيه مجال لطرح النقاشات السندية حول الكتب المشهورة وطرق الوصول إليها. في مقابل الروايات التي تُنسب إلى كتاب معين، توجد الروايات المفردة التي لا وجود لها في كتاب المؤلف أو الراوي. هذه المسألة، التي قد تشير إلى النقل الشفهي لتلك الرواية، يمكن أن تثير الشك في اعتبارها، أو على الأقل تقلل من اعتبارها مقارنة بالروايات المنقولة من أثر مكتوب للراوي. إلى جانب اعتبار الكتاب، هناك مسائل مثل «صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف، وتحمل الكتاب من قبل المشايخ، وكذلك اعتبار الطريق إلى الكتاب» لها أهمية خاصة (انظر: المددي، 1393ش، 361؛ النجاشي، 1394ش، 1: 12؛ خداميان، 1395ش، 1: 23-24).
2-1-5. اعتبار النسخة
بالإضافة إلى اعتبار الكتاب، يمكن لاعتبار النسخة أن يكون مؤثرًا في إضفاء الاعتبار على الرواية. في التحليل الفهرستي، تعتبر دراسة اعتبار نسخة الكتاب التي روى بها الراوي أمرًا مهمًا جدًا. مثلًا، قد لا تكون وثاقة شخص مثل النوفلي ثابتة؛ ولكن نقل النوفلي عن السكوني مقبول. سبب ذلك هو أن الأصحاب قد اعتمدوا على نسخة النوفلي من كتاب السكوني. أو كتاب يونس بن عبد الرحمن وطريق محمد بن عيسى، كلاهما واجه تشكيكًا بين محدثي قم. ولكن الشيخ الصدوق قد روى من كتاب يونس نفسه. هذا يدل على أن الرواية التي أوردها الشيخ الصدوق منقولة من نسخة لم تكن فيها مشكلة. إذن، في المنهج الفهرستي، بالإضافة إلى معرفة الكتاب، يجب دراسة صحة وسلامة النسخة أيضًا (انظر: المددي، 1393ش، 362؛ الراشدي، 1395ش، 12؛ خداميان، 1395ش، 1: 18؛ المددي، 1385/3/17، www.ostadmadadi.ir).
3-1-5. زمن الكتابة
لتقييم النسخ، يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية زمن كتابة الكتاب أيضًا. مثلًا، يمكن اعتبار أحاديث كتاب رواه الراوي في حضور الإمام أكثر اعتبارًا من أحاديث كتاب سمعه تلامذته من شيخهم. يمكن لزمن كتابة الأحاديث أن يكون مؤثرًا في «صحة المتن، ودقة نقل الحديث، والقيمة التاريخية، وكذلك في علم المخطوطات». هناك رواة مشهورون جدًا، على الرغم من شهرتهم في الحديث، لم يكونوا مؤلفين؛ مثل عمر بن حنظلة أو زرارة بن أعين. لذا، يمكن استنتاج أن الروايات التي وصلتنا منهما هي روايات شفهية، ويجب دراسة آثار تلامذتهما والمؤلفين اللاحقين. الآن، لو كان زرارة مثلًا مؤلف كتاب، لكان وضع رواياته من حيث حفظ ألفاظ المتن والتعابير التي سمعها من الإمام مختلفًا تمامًا. بالإضافة إلى ذلك، في النقل الشفهي للروايات، يُطرح موضوع النقل بالمعنى والنقل باللفظ؛ لذا، فإن دراسة الكتب والنسخ الحديثية من حيث زمن الكتابة لها أهمية بالغة (انظر: المددي، 1393ش، 397).
4-1-5. اعتبار المؤلف
عندما يكون الحديث عن الكتاب والنسخة، فمن الطبيعي أن تكون أحوال المؤلف مؤثرة أيضًا في تحديد اعتبار الروايات. هنا، يمكن لذاكرة الراوي، وذاكرة الكاتب، وذاكرة المؤلف، وحفظهم أن تكون مؤثرة في تحديد أصالة متن الرواية. بعبارة أخرى، يمكن ترجيح روايات راوٍ مؤلف على روايات راوٍ آخر بسبب التفوق العلمي أو قوة الذاكرة والمعرفة الكتابية (انظر: المصدر نفسه).
2-5. المنهج العام في دراسة الروايات
في البداية، تُدرس الروايات واحدة تلو الأخرى، ويُحدد وضع سندها من الناحية الفهرستية (الطريق إلى صاحب الكتاب) والرجالية (سلسلة الرواة). ثم، في بعض الحالات، يتضح أن تلك الرواية وردت في كتاب معين. الآن، بالرجوع إلى كتب الفهارس، يمكن إبداء الرأي حول شهرة الكتاب، واعتبار النسخة، وسائر الشواهد والقرائن المؤثرة في اعتبار الرواية. في فهرستي النجاشي والطوسي، تظهر تعابير يمكن من خلالها استظهار شهرة بعض الكتب؛ مثل: «له كتاب كثير الرواة» (انظر: النجاشي، 1418ق، 20، 361)، «له كتاب يرويه عنه جماعة» (انظر: المصدر نفسه، 72، 231، 305)، «له كتاب بروايات كثيرة» (انظر: المصدر نفسه، 54)، «له كتاب قد رواه جماعات من الناس – أصحابنا» (انظر: المصدر نفسه، 116، 118، 127)، «له كتاب رواه غير واحد» (انظر: المصدر نفسه، 164، 183)، «رواه هذا الكتاب كثيرون» (انظر: المصدر نفسه، 49، 61)، «له كتاب تكثر الرواة عنه» (انظر: المصدر نفسه، 222)، «وكذلك توجد تعابير يمكن من خلالها استنباط عدم شهرة بعض الكتب؛ مثل: «له كتاب لم يروه إلا فلان». ولكن في بعض الحالات، لا يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الرواية تتعلق بأي كتاب. في هذه الحالة، يتم اللجوء إلى العمل الرجالي (انظر: المددي، 1393ش، 367؛ النجاشي، 1394ش، 1: 18). ونتيجة لذلك، بناءً على النظرية الفهرستية، إذا ثبت أن رواية ما تتعلق بكتاب مشهور، فلا حاجة بعد ذلك إلى دراسة سندها رجاليًا. وفي غير هذه الحالة، لا بد من اللجوء إلى التحليل الرجالي.
6. نسبة التحليل الفهرستي إلى علم الرجال
أحد أهم الأسئلة التي تدور حول نظرية التحليل الفهرستي هو: كيف تكون علاقة هذا المنهج بالمنهج المتداول في دراسة أسانيد الرجال؟ هل المنهج الفهرستي مطروح كبديل لعلم الرجال أم كمكمل له؟ وفي الحالة الثانية، هل الأولوية للدراسة الفهرستية أم للدراسة الرجالية؟ في هذا القسم، ضمن البحث عن إجابة لهذه الأسئلة في كلام أنصار النظرية، تم بيان بعض الفروق بين المنهجين الفهرستي والرجالي من وجهة نظرهم.
1-6. نسبة المنهجين الفهرستي والرجالي من حيث الأهمية والمكانة
على الرغم من أنه حتى الآن لم يتخذ القائلون بنظرية التحليل الفهرستي موقفًا صريحًا ومحددًا حول نسبة هذا المنهج إلى المنهج الرجالي، إلا أنه يمكن من خلال تحليل كتاباتهم وآرائهم الوصول إلى النتيجة العامة التالية. من وجهة نظرهم، في المرحلة الأولى، ما له الأولوية في تقييم الروايات هو التحليل الفهرستي للروايات، وبما أن أحوال مؤلف الكتاب يمكن أن تكون مؤثرة في إضفاء الاعتبار على الكتاب، فإن علم الرجال يلعب دور الأداة للتحليل الفهرستي. أي أن الأصل هو المنهج الفهرستي وعلم الرجال مكمل له، وذلك فقط في دراسة أحوال مؤلف الكتاب؛ فإذا كانت الرواية في كتاب مشهور حظي بقبول القدماء، حتى لو أدت الدراسة الرجالية إلى جرح المؤلف، فإن الرواية تُقبل بسبب شهرة الكتاب ومقبوليته. كذلك، إذا لم يكن لشخص مؤلفات وكان مجرد ناقل لكتاب مؤلف آخر، فإن وثاقته أو عدمها ليست ذات أهمية كبيرة. على الرغم من أن بعض أنصار النظرية يعتقدون بعكس هذا الموضوع ويعتبرون المنهج الفهرستي مكملًا لعلم الرجال، وحتى كتب الفهرست يعتبرونها نوعًا من الكتب الرجالية (انظر: العمادي، 1388ش، 79؛ 207؛ النجاشي، 1394ش، 1: 9-10؛ الراشدي، 1395ش، 13؛ خداميان، 1395ش، 1: 3، 19). أما في المرحلة الثانية، إذا كانت الرواية تتعلق بكتاب غير مشهور، أو لم يتم إحراز انتسابها إلى كتاب معين، أو كانت الرواية في الأصل جزءًا من المكتوبات ونُقلت شفهيًا، فلا بد من اللجوء إلى المنهج الرجالي لدراسة اعتبار الرواية. لذا، من هذه الجهة، فإن المنهج الفهرستي ليس مستغنيًا عن علم الرجال (انظر: المددي، 1393ش، 362، 367؛ العمادي، 1388ش، 59). بناءً على ذلك، من هذا المنظور، تكون مكانة الدراسة الرجالية في 3 حالات فقط: أ. صاحب الكتاب، ب. الرواة الوسطاء من صاحب الكتاب إلى الإمام المعصوم (إن وجد)، ج. رواة الكتب غير المشهورة. ومن الواضح أنه في حالة شهرة الكتاب بين القدماء، يُتغاضى عن ضعف صاحب الكتاب أو رواته (انظر: النجاشي، 1394ش، 1: 13).
2-6. الفرق بين المنهجين الفهرستي والرجالي في طريقة النقل ودراسة السند
في التحليل الفهرستي، نقل السلسلة السندية بأكملها له أهمية؛ لأنه من خلال السلسلة السندية يمكن الوصول إلى الكتاب. أما في التحليل الرجالي، فنقل السلسلة السندية بأكملها ليس له أهمية، والمهم فقط هو طبقة الرجال، أي من أي راوٍ نقل كل راوٍ. بعبارة أخرى، ينتهي البحث السندي في طبقات الرجال عند الراوي والمروي عنه (انظر: المددي، 1393ش، 378). الفرق الأساسي والمهم الآخر بين التحليل الفهرستي والتحليل الرجالي هو أنه في علم الرجال لا فرق بين بداية السند ونهايته، ولحجية الرواية يجب توثيق جميع الرواة المذكورين في السلسلة السندية. أما في علم الفهرسة، فما له أهمية هو دراسة حجية الأثر المكتوب. لذا، في هذا المنهج، تكون وثاقة الراوي الأول فقط – أي الراوي بدون واسطة عن الإمام ومؤلف الكتاب – هي المهمة، ويجب التأكد من أنه لم يكذب (انظر: العمادي، 1388ش، 107).
3-6. الفرق بين المنهجين الفهرستي والرجالي في دراسة حجية الخبر
الفرق الأساسي بين التحليل الفهرستي والتحليل الرجالي يكمن في مبنى ومعيار حجية الخبر. يقوم التحليل الرجالي على حجية الخبر التعبدية. كما أن معيار هذه الحجية يقوم على أساس دراسة أحوال الرجال. أما التحليل الفهرستي فهو من الأساس مخالف لمبنى الحجية التعبدية، ومعيار حجية الخبر في هذا المنهج يقوم على أساس دراسة المدونات والآثار المكتوبة. بناءً على ذلك، فإن علم الرجال يتناول دراسة حجية الخبر عن طريق الراوي، وعلم الفهرسة عن طريق المصدر (انظر: العمادي، 1388ش، 79-80؛ المددي، 1396/8/2، www.ostadmadadi.ir).
4-6. الفرق بين المنهجين الفهرستي والرجالي في النتيجة
بطبيعة الحال، عندما يكون مبنى ومعيار الحجية في المنهج الفهرستي مختلفًا عن المنهج الرجالي، فمن الممكن أن تكون نتيجة الدراسة مختلفة أيضًا. أحيانًا، يُعتبر حديث ما معتبرًا من الناحية الرجالية، ولكنه لا يكون مقبولًا من الناحية الفهرستية، والعكس صحيح. على سبيل المثال، نُقلت عدة روايات في الكافي بسند «حسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب (غير شيعي) عن إسحاق بن عمار». ومن ناحية أخرى، لدينا مئات الروايات عن إسحاق بن عمار الجليل القدر، لم تُروَ أي منها بهذه الطريقة. يبدو أن الروايات التي بهذا السند لا تتوفر فيها شروط الاعتبار. لأن طريقة انتقالها لا تشبه طريقة روايات إسحاق. من المحتمل أن إسحاق كان لديه مجموعة من الروايات أعطاها لذلك الشخص العامي ولم يعطها للأصحاب. ولكن لأن هذه الروايات أخذها الحسن بن موسى عن غياث بن كلوب، والحسن بن موسى من أجلاء شيعة الكوفة، فقد انتشرت هذه الأحاديث بين الأصحاب، والصفار وسعد وآخرون في رحلتهم إلى الكوفة أخذوها من الحسن بن موسى، وبهذا الطريق وصلت إلى الكافي. وأحيانًا بالعكس، روايات تُرد بالنظر الرجالي، تُعتبر معتبرة بالنظر الفهرستي؛ مثل روايات حفص بن غياث (المددي، 1385/3/17، www.ostadmadadi.ir).
7. تحليل ودراسة
كما أشير في بداية البحث، ليس هدف هذه الكتابة إثبات أو نفي نظرية التحليل الفهرستي للأحاديث. لذا، بعد تقديم عرض وشرح للنظرية، يُشار في هذا القسم إلى بعض الأسئلة والإشكالات الموجودة حولها لكي يقدم أنصار النظرية إجابات واضحة في هذا الصدد.
– بناءً على نظرية التحليل الفهرستي، إذا وُجد راوٍ في مسار انتقال كتاب أو نسخة حديثية مشهورة، فإن وثاقته أو عدمها لا دور لها في اعتبار الرواية. السؤال هنا هو: إذا كانت رؤية القدماء كذلك، وكان ملاكهم مجرد شهرة الكتاب أو النسخة، فما أهمية ذكر أسماء الرواة الوسطاء في الطريق؟ بعبارة أخرى، ما هو الدور الذي يلعبه الرواة الموجودون في سلسلة السند بالضبط؟
– وفقًا لتعريف رواية الكتاب، يضع الراوي الكتاب أو النسخة في متناول الجيل التالي بثلاث طرق: إما شفهيًا، أو بنسخ الكتاب، أو بتسليم الكتاب للتلاميذ. في الحالة الثالثة، عندما تثبت صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه، لا تعود هناك حاجة لذكر اسم الراوي. فلماذا كان القدماء يذكرون اسم الراوي في الطريق؟ وفي الحالتين الأخريين، من الواضح أن وثاقة الراوي لها دور مباشر في النقل الصحيح للروايات. لأنه كما أن الدخل والتصرف في الرواية الشفهية ممكن، فالتصرف في الروايات عند النسخ ممكن أيضًا، كما فعل أبو الخطاب وتلامذته. بل، بسبب الاطمئنان الأكبر للنقل المكتوب، قد يكون الدافع للتلاعب في المكتوبات أكبر من التصرف في النقل الشفهي. إذن، كيف يمكن قبول هذا الادعاء بأن أحوال الرواة لا دور لها في اعتبار الكتب؟
– يدعي أنصار النظرية أن الفهارس كُتبت بدافع دراسة حجية الآثار المكتوبة. السؤال هنا هو: أولًا؛ لماذا لم يصرح النجاشي والشيخ الطوسي بهذا الموضوع، بل طرحا في مقدمة فهرستيهما دوافع أخرى؟ يذكر النجاشي أن دافعه هو الرد على المخالفين الذين يصفون الشيعة بأنهم بلا سلف وبلا تأليف (انظر: النجاشي، 1418ق، 3). أما الشيخ، فيذكر أن هدفه هو جمع واستيفاء جميع كتب الشيعة قدر الإمكان (انظر: الطوسي، 1435ق، 32). ثانيًا؛ لو كان دافعهما تقييم الكتب، لكان عليهما ذكر جميع طرقهما إلى الكتب، لا أن يذكرا جزءًا من طرقهما للاختصار. هذا الاختصار يقوي احتمال أن هدف النجاشي والشيخ كان في الغالب تعريف كتب الشيعة وليس تقييمها. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم إبداء أي رأي بتأييد أو رفض الكثير من الكتب المذكورة في الفهرستين. ثالثًا؛ وفقًا للنظرية، كان ملاك النجاشي والشيخ لحجية الكتب هو شهرتها أو صحة الطريق إليها. نحن الآن لا نملك قرائن الشهرة أو صحة الطريق التي كانت في حوزة النجاشي والشيخ، ومضطرون لقبول قولهما في هذا المجال. أليس هذا تعبدًا برأي أصحاب الفهارس؟
– إذا كان أصحاب الكتب الأربعة يقبلون الروايات على أساس شهرة الكتاب أو النسخة، فما هو الدافع لاختيار الروايات من قبلهم؟ لماذا لم ينقلوا جميع روايات كتاب أو نسخة مشهورة ولجأوا إلى الانتقاء؟ بالطبع، من الممكن أن يكون اختيارهم موضوعيًا. ولكن يمكن أيضًا افتراض أنه بالإضافة إلى شهرة الكتاب أو النسخة، كانت هناك معايير أخرى لتقييم الروايات.
– كما يذكر القائلون بالنظرية، فإن عددًا كبيرًا من الرواة الموجودين في أسانيد الروايات هم من أصحاب الكتب. مثلًا، من الممكن في رواية واحدة أن يكون أربعة من الرواة أصحاب مؤلفات. ما هو السبيل لتحديد أن الرواية تتعلق بكتاب أي راوٍ؟ بالإضافة إلى ذلك، لو كانت رؤية القدماء هي التحليل الفهرستي، لكان المنهج التحقيقي يقتضي أن يعمل أصحاب الكتب الأربعة بطريقة تحدد بدقة أن الرواية الفلانية تتعلق بأي كتاب أو نسخة، لا أن ينقلوا الأسانيد بطريقة تجعل القارئ في حيرة من أمره في إيجاد مصدر الرواية.
– إذا كان الشيخ الطوسي قد كتب «الفهرست» لتقييم الكتب، فكيف جعل هو نفسه الحجية التعبدية أساسًا لقبول الروايات؟ كيف يمكن الجمع بين هذين الأمرين؟
– بخصوص الادعاء بأن مبنى القدماء كان مقابلة ودراسة النسخ، أولًا، بماذا كانوا يقابلون النسخ؟ هل كانوا يملكون النسخة الأصلية؟ إذا كانت النسخة الأصلية في حوزتهم، فما الحاجة لدراسة النسخ الأخرى؟ ثانيًا، ما هي الشواهد والمعايير التي كانوا يعتمدونها لقبول نسخة ما؟ ثالثًا، الآن بعد أن لم تعد تلك الشواهد والمعايير في متناولنا، كيف يمكننا العمل بمنهج القدماء؟
8. الخاتمة
- نظرية «التحليل الفهرستي للأحاديث»، التي تتناول منهج تقييم الروايات، تقوم على ثلاثة أسس: عدم حجية الخبر، ومنهج انتقال التراث الحديثي الشيعي بالكتابة، ومنهج القدماء القائم على محور الكتاب في التقييم.
- يعتقد أنصار هذه النظرية أن المنهج الصحيح لتقييم الروايات ليس المنهج الرجالي المألوف، بل هو العودة إلى منهج القدماء ودراسة الكتاب الذي هو محور الروايات، أو ما يُعرف بالمنهج الفهرستي. وهذا يعني أن اعتبار الرواية تابع لشهرة أو اعتبار الكتاب والنسخة؛ وليس تابعًا لوثاقة رواة سلسلة السند. فإذا كانت رواية ما متعلقة بكتاب مشهور أو معتبر، حتى مع وجود راوٍ متهم بالكذب في سندها، فإن تلك الرواية مقبولة. بالطبع، في بعض الحالات، يساعد علم الرجال التحليل الفهرستي؛ منها: دراسة أحوال مؤلف الكتاب، ودراسة روايات الكتب غير المشهورة، وغيرها.
- في المنهج الفهرستي، لدراسة اعتبار رواية ما، يجب دراسة أمور مثل: اعتبار الكتاب، وزمن الكتابة، واعتبار النسخة، واعتبار المؤلف.
- لهذا المنهج فروقات مع المنهج الرجالي. منها: الفرق في المكانة والأهمية، والفرق في دراسة حجية الخبر، والفرق في نقل ودراسة السند، والفرق في النتيجة.
- هذه النظرية، إلى جانب النقاط المبتكرة التي تحملها، تحتوي على إشكالات يجب على أنصارها الإجابة عنها.
المصادر
القرآن الكريم.
الأندلسي، علي بن أحمد، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت، دار الآفاق الجديدة، (د.ت).
البحراني، أحمد آل طعان، الرسائل الأحمدية، قم، دار المصطفى (ص) لإحياء التراث، 1419 هـ.
البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع المسند الصحيح، دمشق، دار طوق النجاة، 1422 هـ.
الحلي، حسن بن يوسف، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، قم، فقاهت، 1418 هـ.
خداميان، مهدي، «فهارس الشيعة»، الموقع الشخصي لمهدي خداميان آراني: www.nabnak.ir، 1395 هـ.ش.
الراشدي، قاسم بن يحيى، «آداب أمير المؤمنين (ع)»، تحقيق: مهدي خداميان، الموقع الشخصي لمهدي خداميان آراني: www.nabnak.ir، 1395 هـ.ش.
الصدوق، محمد بن علي، المقنع، قم، مؤسسة الإمام الهادي (ع)، 1415 هـ.
________، من لا يحضره الفقيه، قم، جامعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الثانية، (د.ت).
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، النجف، مطابع النعمان، 1386 هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، اختيار معرفة الرجال، مشهد، مركز تحقيقات كلية الإلهيات بجامعة مشهد، (د.ت).
____________، الفهرست، قم، فقاهت، 1435 هـ.
________، عدة الأصول، قم، بوستان كتاب، 1389 هـ.ش.
العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري، بيروت، دار المعرفة، 1379 هـ.
علم الهدى، السيد المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، قم، دار القرآن الكريم، (د.ت).
العمادي، السيد محمد، بازسازي متون كهن حديث شيعه (إعادة بناء نصوص الحديث الشيعية القديمة)، طهران، مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي، 1388 هـ.ش.
الغضائري، حسين بن عبيد الله، رجال ابن غضائري، قم، دار الحديث، 1422 هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة، 1363 هـ.ش.
المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين، قم، كوشانبور، الطبعة الثانية، (د.ت).
المددي، السيد أحمد، «بيانات درس خارج فقه»، موقع نشر آثار آية الله المددي: www.ostadmadadi.ir.
_________، نگاهي به دريا (نظرة إلى البحر)، قم، مؤسسة كتاب شناسي شيعه، 1393 هـ.ش.
المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، الطبعة الرابعة، 1370 هـ.ش.
الموسوي الخرسان، السيد حسن، شرح مشيخة تهذيب الأحكام، النجف، نعمان، 1382 هـ.
النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، بوستان كتاب، 1394 هـ.ش.
______، فهرست أسماء مصنفي الشيعة، قم، نشر إسلامي، 1418 هـ.
واعظ حسيني، السيد محمد، مصباح الأصول، قم، داوري، الطبعة الخامسة، 1417 هـ.
الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود، بحوث في الأصول، قم، الغدير، الطبعة الثانية، 1417 هـ.
الهوامش
- الخبر الذي يُنقل بأكثر من واسطة واحدة عن المعصوم. بمعنى أن مضمون خبر الراوي الثاني فصاعدًا ليس كلام المعصوم؛ بل هو كلام الراوي السابق. وفي مقابل «الأخبار مع الواسطة»، توجد «الأخبار بلا واسطة»، أي الخبر الذي يُنقل بواسطة واحدة فقط عن المعصوم، ويكون مضمون خبر الراوي هو كلام المعصوم. ولهذا السبب، في كتب الأصول، تحت بحث حجية خبر الواحد، يُختلف حول حجية «الأخبار مع الواسطة» مقارنة بـ«الأخبار بلا واسطة» (للمثال، انظر: الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، 4: 363).
- الأدلة اللبية تقابل الأدلة اللفظية، والمراد بها الأدلة التي توصل المكلف إلى الحكم الشرعي عن طريق غير اللفظ؛ بعبارة أخرى، الأدلة التي يُستفاد منها الحكم الشرعي إما من سنخ اللفظ أو غير اللفظ؛ فالأدلة التي ليست من سنخ اللفظ ولكنها توصل المكلف إلى الحكم الشرعي، تسمى الأدلة اللبية. مثل: الإجماع، والدليل العقلي، والسيرة، وغيرها (انظر: المظفر، 1370هـ.ش، 1: 140).
- بالطبع، هذا لا يعني الاستغناء عن علم الرجال من وجهة نظر هذه المجموعة، وفيما يلي سيتم تناول نسبة المنهج الفهرستي إلى علم الرجال.