نقد ودراسة المستندات الروائية لازدواجية السيرة والخُلق عند الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)

ملخص

توجد في المصادر الروائية تقارير وروايات تشير إلى وجود اختلافات جوهرية بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، بحيث كان لهذه الفروقات تأثير بالغ على توجهات وأهداف كل منهما. هذه الروايات تعتبر الإمام الحسن (ع) شبيهاً بالنبي (ص) والإمام الحسين (ع) شبيهاً بالإمام علي (ع)، أو تنسب الإمام الحسن (ع) إلى النبي (ص) والإمام الحسين (ع) إلى الإمام علي (ع). وبناءً على ذلك، يُعتقد أن الإمام الحسن (ع) كان ذا روح مسالمة، بينما كان الإمام الحسين (ع) ذا روح ثورية وجهادية. إن نقد ودراسة هذه الروايات من حيث السند والدلالة، بمنهج تحليلي-نقدي، هو عمل لم يسبق له مثيل ويتناوله هذا البحث. بعض الروايات غير مقبولة لوجود إشكالات فيها؛ وبعضها الآخر يشتمل على تعارض يمكن الجمع بينه، وبعضها على تعارض مستقر؛ في حين يمكن تفسير بعضها بنظرة أعمق، فلا تُظهر أي اختلاف في المنهج بين الإمامين. النتيجة هي أن الاختلاف في الرأي والخصائص بين الحسنين (عليهما السلام) كإمامين لا يمكن إثباته، والمتوسلون بذلك لا يملكون دليلاً راسخاً في هذه القضية، كما أن تراكم الأدلة والشواهد يثبت خلاف ذلك.

۱. طرح المسألة

من المشهور بين علماء الشيعة أن اختلاف سلوك الأئمة (عليهم السلام) في كل زمان كان بناءً على الظروف الخاصة بذلك العصر، وفي الوقت نفسه، لم يكن الهدف سوى إعلاء شأن الإسلام. لذا، على الرغم من اختلاف المناهج في مواجهة الحكام والخلفاء، كان هدفهم واحداً، واتبعوا حلولاً متنوعة بناءً على الظروف المختلفة؛ على سبيل المثال، في حال الحاجة إلى القيام والثورة، كانوا يبادرون إليها، وإذا اقتضت الظروف الحفاظ على كيان الشيعة باللجوء إلى التقية – كعنصر رادع – كانوا يلتزمون بها، وبدلاً من القيام والثورة السياسية، كانوا يهتمون بالأنشطة الثقافية والتربوية والتعليمية في قوالب مختلفة، بل وحتى يهتمون بالصلح عند الحاجة.

في هذا السياق، توجد روايات وتقارير حول الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) تُظهر فرقاً أساسياً وجوهرياً بينهما. من البديهي أن للروايات دوراً لا يمكن إنكاره في القراءات التاريخية، وبوصفها عنصراً حاسماً، يمكنها أن تساعد التاريخ وتكشف عن بعض القضايا والتحديات. من ناحية أخرى، لا يمكن قبول أي رواية أو إنكارها بسهولة؛ بل يجب دراستها من حيث السند والمتن.

في هذا البحث، تم وضع أربع روايات وتقارير أساسية يمكن أن يُستشف منها نوع من الاختلاف في الخلق والسيرة بين الإمامين المذكورين، وذلك تحت مجهر النقد والدراسة، ولفهم كل منها، تم أيضاً دراسة تقارير أخرى أثناء البحث. الرواية الأولى تعتبر الإمام الحسن (ع) من النبي (ص) والإمام الحسين (ع) من الإمام علي (ع). الرواية الثانية تذكر شبه الإمام الحسن (ع) بالنبي (ص) وتشير إلى نفي شبهه بأمير المؤمنين (ع). تقرير آخر يحكي عن قوة قلب الإمام الحسين (ع) ولسان الإمام الحسن (ع) اللين والهادئ. وأخيراً، وفقاً للرواية الرابعة، أودع النبي (ص) هيبته وعظمته للإمام الحسن (ع)، وجرأته وشجاعته للإمام الحسين (ع).

وقد أدت الروايات المذكورة إلى ظهور تفسيرات مختلفة لقضية صلح الإمام الحسن (ع)، واعتبر فريقٌ الإمام الحسين (ع) معارضاً لهذه المسألة؛ بحيث اعتبروا امتلاكه لروح قتالية مانعاً من قبول الصلح من قبله. لدرجة أن جماعة من الشيعة، بقياس صلح الإمام الحسن (ع) وقيام الإمام الحسين (ع)، تحيروا في سبب هذا الاختلاف في سلوك الإمامين المعصومين وخرجوا من التشيع (راجع: پاكتچي و همکاران، ۱۳۶۷ش، ۲۰: ۵۵۷). كما كان للمستشرقين رد فعل مماثل، متأثرين بهذه الروايات؛ فجوستاف ويل، وموير، ودوزي، ولامنس، وفاليري، ودونالدسون يرون أن الإمام الحسن (ع) كان، على عكس أبيه، شخصاً مسالماً ومحباً للراحة، لم يكن له اهتمام كبير بالحرب والقضايا السياسية (أحمدي ندوشن، ۱۳۹۴ش، ۶۴). كما يسعى ويلفريد مادلونغ في دائرة المعارف الإيرانية وفي كتاب ‘خلافة محمد (ص)’ إلى إظهار أن الإمام الحسن (ع) كان يتمتع بخلق النبي (ص) وكان معارضاً لسياسات أبيه.

في هذا السياق، قام بعض الباحثين بالبحث في هذه القضية من زوايا تاريخية وسعوا إلى عدم قبول هذا النوع من الاستنتاجات؛ فرسول جعفريان يعتبر الروايات التي تقدم الإمام الحسين (ع) شبيهاً بالإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع) شبيهاً بالنبي (ص) مزورة، ويرى أن الصورة المقدمة في هذه الروايات كان يمكن أن تستخدم لتشويه صورة علي (ع) وعاشوراء، وتخدم مصالح أولئك الذين يميلون إلى الاتجاهات العثمانية (جعفريان، ۱۳۸۹ش، ۲: ۳۶۱). ولكن بما أن هذه الآراء تستند عموماً إلى نظرة تاريخية مجردة من الدراسات الحديثية الخاصة، فإنها لا تبدو كافية، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث في هذه القضية وجمع الروايات ذات الصلة ودراستها بالتفصيل، ويجب تحديد صحة كل منها على حدة؛ لذلك، فإن هذا البحث قد جعل مهمته رهناً بهذه القضية الهامة.

تجدر الإشارة إلى أن قضية صلح الإمام الحسن (ع) قد طرحت كنقطة تحول في الدراسات التاريخية، وهناك أعمال متاحة: كتاب «صلح الحسن (ع)» للشيخ راضي آل ياسين، الذي ترجمه إلى الفارسية آية الله خامنئي باسم ‘صلح امام حسن (ع)’. وكتاب «صلح الامام الحسن (ع)» لمحمد جواد فضل الله كُتب أيضاً في هذا المجال. مقالة ‘دراسة ونقد صلح الإمام الحسن (ع) من وجهة نظر ويلفريد مادلونغ’ لسيمين قربانبور دشتكي بمنهج ‘اجتماعي’ تناولت نقد ودراسة آراء مادلونغ. مقالة ‘دراسة نقدية لوجهة نظر المستشرقين حول السيرة الحكومية للإمام الحسن (ع)’ لأحمدي ندوشن ومحمد حسن زماني تناولت وجهات نظر المستشرقين حول الإمام الحسن (ع). مقالة ‘بحث في مواجهة الإمام الحسين (ع) مع صلح الإمام الحسن (ع)؛ المنهج والفعل’ لسيد عليرضا واسعي توضح جيداً دور الإمام الحسين (ع) في إثمار وتكوين الصلح. ‘بحث في أسباب صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية بن أبي سفيان’ لمجيد علي بور ومحمد حسين عليزاده، ومقالات أخرى حول موضوع الصلح، هي أعمال تحمل طابعاً تاريخياً أكثر من كونها ذات منهج حديثي ونقدي للحديث.

۲. الحديث الأول: «الحسن (ع) مني والحسين (ع) من علي (ع)»

ورد حديث بهذا المضمون في المصادر أن رسول الله (ص) قال: «الحسن (ع) مني والحسين (ع) من علي (ع)». إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا الحديث حقيقياً؟ وهل هو صحيح من حيث الصدور أم لا؟ وفي حال صحة صدوره، على أي معنى يدل؟

هنا نشير إلى أصل هذا الحديث ونقوم بنقده ودراسته:

۱-۲. نقد ودراسة الحديث في مصادر أهل السنة

«حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِرْقٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفّى، ثنا بَقِيَّة، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَسَنٌ مِنِّي، وَ حُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٌّ» (الطبراني، ۱۴۰۴هـ، ۲: ۲۶۸).

أقدم مصدر ذكر هذا الحديث هو معجم الطبراني. وفي موضع آخر، لم يذكر الطبراني اسم حسين بن إسحاق ونقل الحديث عن إبراهيم بن محمد ومن بعده (نفسه، ۲: ۱۷۰). يقول الذهبي في ميزان الاعتدال عن إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، أحد رواة الحديث وشيخ الطبراني: «شيخ للطبراني غير مُعتَمَدٍ»، ثم ينقل عنه حديثاً أخطأ فيه (الذهبي، ۱۳۸۲هـ، ۱: ۶۳). ورغم أن الذهبي في موضع آخر يعتبر سند هذا الحديث قوياً (نفسه، دون تاريخ، ۵: ۲۵۱)؛ إلا أن اعتباره قوياً لا يبدو صحيحاً؛ لأنه لم يذكر سنداً آخر لهذا الحديث ونقله بنفس السند. علاوة على ذلك، هو نفسه صرح بعدم اعتماد إبراهيم بن محمد، كما أن ابن حبان استخدم تعبير «يُخطئ» في حق محمد بن مصفى. وقال العقيلي أيضاً: «أنكَرَ عليه أحمد بن حنبل حديثًا»؛ وقال آخر: «لَهُ مَنَاكِيْرُ وَ أَرْجُو أَنْ يَكُوْنَ صَادِقاً»، وبعضهم مثل أبي حاتم، اعتبره «صدوقاً» (ابن حجر العسقلاني، ۱۴۰۴هـ، ۹: ۴۰۶). «خالد بن معدان» أيضاً، رغم أنه عُدّ ثقة، إلا أن معظم أحاديثه عن الصحابة منقولة بشكل مرسل (الذهبي، دون تاريخ، ۸: ۱۰۴). مجموع القرائن المذكورة يجعل هذه الرواية غير معتمدة من الناحية السندية.

۲-۲. نقد ودراسة الحديث في المصادر الشيعية

«الْإِحْيَاءِ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَ الْفِرْدَوْسِ عَنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ النَّبِيُّ حَسَنٌ مِنِّي وَ حُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ وَ قَالَ (ص) هُمَا وَدِيعَتِي فِي أُمَّتِي» (ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹هـ، ۲: ۳۸۷).

ينقل ابن شهر آشوب الحديث عن إحياء علوم الدين للغزالي، الذي أورد هذا الحديث في قسم كتاب آداب النكاح. يعتبر الغزالي كثرة زيجات الإمام الحسن (ع) ناتجة عن شبه الإمام (ع) بالنبي (ص) واقتدائه به، ويقول: «كان الحسن بن علي (ع) كثير الزواج؛ حتى تزوج بأكثر من مائتي امرأة، وأحياناً كان يعقد على أربع نساء في وقت واحد، ويطلق أربع نساء في وقت واحد». ثم يقول إن هذا الحديث نُقل عن طريق «مِقْدَادُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ» وسنده «جيد» (الغزالي، دون تاريخ، ۲: ۳۰).

كما مرّ، هذا الحديث ضعيف السند وليس له سند جيد؛ بالإضافة إلى ذلك، لا علاقة لهذا الحديث بكثرة زيجات الإمام الحسن (ع)؛ أولاً، كثرة الزواج وكونه ‘مطلاقاً’ أمر غير قابل للإثبات وقد نُقد كثيراً، ولسنا هنا بصدد نقده؛ ثانياً، لا يوجد أي شاهد أو دليل آخر على صحة نسبة زيجاته إلى زيجات النبي (ص)، ومن هذا الحديث أيضاً لا يُستفاد من وجود تشابه بين زيجات هذين العظيمين، وهو ادعاء بلا دليل.

۳-۲. نقد ودراسة دلالة الحديث

يهدف هذا القسم إلى إظهار أن تعبير «مني» أو «منا» من طرف رسول الله (ص) لم يأتِ فقط بحق الإمام المجتبى (ع)؛ بل يصدق هذا الأمر على أشخاص آخرين أيضاً، وبالتالي فإن الرواية المذكورة، بما أنها تحمل نوعاً من الازدواجية، تتعارض مع هذه الروايات. وفي روايات كثيرة، ذُكر الإمام علي (ع)، الإمام الحسين (ع)، الإمام المهدي (ع)، وحتى جبريل بلفظ «مني» أو «منا»، وسنذكرها.

۱-۳-۲. تعبير «مني» أو «منا» لباقي الأئمة (ع)

هناك أحاديث كثيرة في مصادر الشيعة وأهل السنة منقولة عن النبي (ص) أنه كان يعتبر الإمام علي (ع) من نفسه. روى الترمذي في صحيحه، والنسائي في خصائصه، وأحمد بن حنبل في مسنده، وكثير من المحدثين المشهورين الآخرين أن النبي (ص) أرسل آيات «البراءة» مع أبي بكر إلى أهل مكة، ولكن في منتصف الطريق، بأمر من الله وإبلاغ جبريل، عدل عن هذا الأمر وقال: «لاَ يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي» (الترمذي، دون تاريخ، ۱۱: ۳۴۶). «جِبْرِیل جَاءَنِي فَقَالَ لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ» (أحمد بن حنبل، ۱۴۲۱هـ، ۲: ۴۲۷). «إِنَّهُ لَا يُؤَدِّي عني إلَّا أنا أو رجل منّي» (النسائي، دون تاريخ، ۹۳)، أي أن لا أحد غير علي (ع) يستحق تبليغ هذا الأمر. ووفقاً لنقل آخر، قال النبي (ص): «عَلِيٌّ مِنِّي وَ أَنَا مِنْ عَلِيٍّ وَلاَ يُؤَدِّى عَنِّى إِلا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ» (الترمذي، دون تاريخ، ۱۳: ۳۲۶)، وبالتالي فإن استخدام لفظ «مني» أو «منا» ليس محصوراً بالإمام الحسن (ع).

۲-۳-۲. النبي (ص) يعتبر الإمام علي (ع) والحسنين (ع) من نفسه

في حديث منقول عن أهل السنة، يعتبر النبي (ص) الإمام علي (ع) والحسنين (ع) من نفسه ويعتبر نفسه منهم، فيقول: «إنكم مني وأنا منكم» (الطبري، دون تاريخ، ۱: ۲۷۰). وفي هذا السياق، توجد رواية في كتب أهل السنة تقول: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْمَهْدِيُّ مِنِّي» (السجستاني، دون تاريخ، ۴: ۱۷۴). وفي نقل آخر، بعد إصابة النبي (ص) في معركة أحد ونصرة ومساعدة الإمام علي (ع) له، قال النبي (ص): «إنه مني وأنا منه»، ثم قال جبريل: «وأنا منكما»؛ أي أنا أيضاً منكم (الطبري، ۱۴۰۷هـ، ۲: ۶۵؛ ابن الأثير، ۱۴۱۵هـ، ۲: ۴۹). من البديهي أن جبريل لم يكن بشراً ولا ابن عم أو قريباً للنبي (ص) ليفسر «وأنا منكما» بالقرابة الظاهرية. صلته الوحيدة بالنبي (ص) كانت التعاون في تبليغ الرسالة الإلهية (العسكري، ۱۳۹۲ش، ۱: ۸۴).

في هذا السياق، هناك تقرير آخر قد يكون في الوهلة الأولى له نفس معنى رواية «حسن مني وحسين من علي»، وهو أنه في معركة الجمل، بعد عجز محمد بن الحنفية عن إسقاط الجمل، أخذ الإمام الحسن (ع) الرمح منه وقتل الجمل، ثم خاطب أمير المؤمنين (ع) محمداً قائلاً: «لَا تَأْنَفْ فَإِنَّهُ ابْنُ النَّبِيِّ وَأَنْتَ ابْنُ عَلِيٍّ»؛ لا تخجل، فهو ابن النبي وأنت ابن علي (ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹ش، ۴: ۲۱). المصدر الأصلي لهذا التقرير هو «المناقب»، ونقله آخرون عنه. هذا التقرير فاقد للسند ولكن متنه قابل للتوجيه: أولاً؛ هذا التقرير ليس في مقام بيان الفرق بين الحسنين (ع)؛ بل هو مقارنة بين الإمام الحسن (ع) ومحمد بن الحنفية اللذين يشتركان في الأب فقط. ثانياً؛ معناه ليس أن الإمام الحسن (ع) هو فقط ابن النبي ولا صلة له بالإمام علي (ع)؛ بعبارة أخرى، إثبات بنوة الإمام الحسن (ع) للنبي (ص) لا ينفي نسبة بنوته لأبيه ونسبة بنوة شخص آخر للنبي (ص)، وبالتالي فإن معناه ليس أنه يشبه الإمام علي (ع) في القتال. ثالثاً؛ معنى هذا التقرير ليس أن محمد بن الحنفية، لكونه ابن الإمام علي (ع)، ضعيف في الحرب؛ بل شجاعة وقتالية الإمام علي (ع) متفق عليها بين الشيعة والسنة. الإمام علي (ع) لا ينسب عجز محمد إلى نفسه، بل يطرح قدرة الإمام الحسن (ع) بربطه بالنبي (ص) من جهتين؛ الجهة الأولى؛ أنه حفيد النبي (ص) ومن هذه الجهة هو قوي ومقاتل؛ الجهة الثانية؛ أنه ابن الإمام علي (ع) أيضاً؛ ولكن محمداً له جهة واحدة فقط، وبالتالي فإن قدرة الإمام الحسن (ع) ليست فيه. بالإضافة إلى ذلك، هناك تقرير آخر حول معركة الجمل يفيد بأن الإمام الحسن (ع) حشد أهل الكوفة إلى ميدان المعركة، وبأمر من أبيه، ألقى خطبة بليغة أمام أهل البصرة رداً على كلام عبد الله بن الزبير الذي وصف الإمام علي (ع) بأنه قاتل عثمان. وقد شبهه عمرو بن الأحيجم أثناء خطبة الحسن بن علي (ع) بأبيه وقال: «حسن الخير يا شبيه أبيه قمتَ فينا مقام خير خطيب» (ابن أبي الحديد، ۱۴۰۴هـ، ۱: ۱۴۶).

۳. الحديث الثاني: «الإمام الحسن (ع) شبيه بالنبي (ص) لا بالإمام علي (ع)»

۱-۳. نقد ودراسة الحديث في مصادر أهل السنة

الحديث المذكور نُقل في مصادر أهل السنة عن شخصين: ۱- أبو بكر ۲- السيدة الزهراء (س)، حيث نذكر أولاً قول أبي بكر ثم قول السيدة الزهراء (س):

جاء في صحيح البخاري: «حَدَّثَنا عبدان أخبرنا عبد الله قال أخبرني عمر بن سعيد بن أبي حُسَين عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال رأيت أبابكر و حَمَلَ الحَسَنَ وَ هُوَ يَقولُ بأبي شبيه بالنبي ليس شبيه بعلي و علي يضحك» (البخاري، ۱۴۲۳هـ، ۸۷۴).

ويروي مسند أحمد: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَهُ أَخْبَرَنِي عُقْبَهُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ صَلَاهُ الْعَصْرِ بَعْدَ وَفَاه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَام يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ فَمَرَّ بِحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَلْعَبُ مَعَ غِلْمَانٍ فَاحْتَمَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ وَا بِأَبِي شَبَهُ النَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهَا بِعَلِيَّ قَالَ وَ عَلِيٌّ يَضْحَكُ» (أحمد بن حنبل، ۱۴۲۱هـ، ۱: ۴۲؛ المتقي الهندي، ۱۴۰۱هـ، ۱۳: ۶۴۶).

وينقل مسند أحمد الرواية المنسوبة إلى السيدة الزهراء (س) على النحو التالي: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا زَمْعَه عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَهُ قَالَ كَانَتْ فَاطِمَه تَنْقُرُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَتَقُولُ بِأَبِي شَبَهُ النَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيها بِعَلِي» (أحمد بن حنبل، ۱۴۲۱هـ، ۵۷: ۲۸۹).

في سند كل رواية، يوجد ابن أبي مليكة وهو من الطبقة الوسطى من التابعين (ابن حجر العسقلاني، ۱۴۰۶هـ، ۶۲۳). يذكره ابن أبي حاتم؛ ولكنه لا يورد أي جرح أو تعديل بحقه (الرازي، ۱۲۷۱هـ، ۹: ۳۴۶). بالطبع يوثقه الذهبي (الذهبي، ۱۴۱۳هـ، ۲: ۴۱۱) ويرجح ابن حجر قبوله (ابن حجر العسقلاني، ۱۴۰۶هـ، ۶۲۳)، ولكن إذا كان من الطبقة الوسطى من التابعين، فلا يمكنه أن يكون شاهداً وراوياً للحادثة عن السيدة الزهراء (س)؛ لأن الفاصل الزمني بينهما يمنع ذلك، ولذا يقول ابن حجر: «فيه إرسال» (نفسه، ۱۳۷۹هـ، ۷: ۹۶)؛ والحديث مرسل. وفيما يتعلق بالرواية الأخيرة، قيل إن إسنادها ضعيف بسبب ضعف زمعة (أحمد بن حنبل، ۱۴۲۱هـ، ۶: ۲۸۳). بالطبع، وفقاً للرواية الأولى، هناك احتمال أن يكون ابن أبي مليكة قد سمع الحديث من عقبة بن الحارث؛ ولكن في هذه الحالة يجب أن يذكر اسم عقبة في الرواية الثانية أيضاً. أسلم عقبة بن الحارث يوم فتح مكة ولم يذكره الرجاليون إلا بصفة الصحابي ولم يرد فيه جرح أو تعديل (ابن عبد البر، دون تاريخ، ۴: ۱۶۶۷)، ولكن قيل إنه كان ممن شرب الخمر في مصر مع عبد الرحمن بن عمر (أبو نعيم، ۱۴۱۹هـ، ۴: ۲۱۵۴). ورغم أن مجرد الصحبة يعتبر كافياً للعدالة والوثاقة عند جمهور أهل السنة؛ إلا أن هذا الأمر غير مقبول عند الشيعة، ووثاقته غير ثابتة.

المسألة الأخرى هي أنه من غير المعلوم ما إذا كان عقبة قد سمع من أبي بكر أو من السيدة الزهراء (س)، ولذا هناك اختلاف في قائل هذا القول. قيل: أي أن هذه الجملة قالها كل من أبي بكر والسيدة فاطمة (س)، أو أن أبا بكر قالها تبعاً للسيدة فاطمة (س)؛ أو أن أحدهما تلقاها من الآخر (ابن حجر العسقلاني، ۱۳۷۹هـ، ۷: ۹۶). هذا التقرير يتعارض مع ما قاله الإمام علي (ع) في نفي الشبه الظاهري للنبي (ص) بشخص آخر[1]، إلا أن البعض حاول رفع هذا التعارض.[2]

۲-۳. نقد ودراسة الحديث في المصادر الشيعية

حديث «بِأَبِي شَبَهُ النَّبِيِّ…» لا وجود له في المصادر الشيعية، بل ورد خلافه؛ حيث نُقل شعر عن السيدة الزهراء (س) شبيه بالشعر السابق؛ مع فارق أن السيدة الزهراء (س) تشبه الإمام الحسين (ع) بالنبي (ص) والإمام الحسن (ع) بالإمام علي (ع): «كَانَتْ فَاطِمَه (ع) تُرَقِّصُ ابْنَهَا حَسَناً (ع) وَ تَقُولُ: أَشْبِهُ أَبَاكَ يَا حَسَنُ وَاخْلَعْ عَنِ الْحَقِّ الرَّسَنَ وَ اعْبُدْ إِلَهَا ذَا مِنَن وَ لَا تُوَالِ ذَا الْإِحَنِ وَ قَالَتْ لِلْحُسَيْنِ (ع): أَنْتَ شَبِيهٌ بِأَبِي لَسْتَ شَبِيها بِعَلِي» (ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹ش، ۳: ۳۸۹).

بالطبع، ينقل ابن شهر آشوب في ‘المناقب’ عن مسند الموصلي نفس الرواية التي يرويها أبو بكر، حيث يشبه الإمام الحسن (ع) بالنبي (ص) (نفسه)، وبعد ابن شهر آشوب، نقلت الكتب المتأخرة عنه؛ لذا، لا مكانة لهذه الرواية في المصادر الشيعية. ومن المثير للعجب أن كتب أهل السنة تنقل مثل هذه الرواية بكثرة كفضيلة؛ ولكن الكتب الشيعية لم تكتفِ بعدم نقلها؛ بل نرى عكسها تماماً، وإذا وردت في كتب الشيعة، فإن مصدرها هو كتب أهل السنة.

۳-۳. أحاديث أخرى حول مسألة الشبه

لفهم الرواية قيد البحث، يجب التطرق إلى روايات أخرى وردت في هذا المجال وتساعد بالتأكيد على فهم الحديث المذكور. في الواقع، يتطلب هذا البحث تشكيل أسرة حديثية حتى تتضح معانيها بمساعدة بعضها البعض.

۱-۳-۳. الإمام الحسن (ع) أشبه الناس بالنبي (ص)

يروي صحيح البخاري: «أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَّ» (البخاري، ۱۴۲۳هـ، ۹۲۱).

إن إمعان النظر في سند هذا الحديث يؤكد صحته؛ كما يقول البغوي أيضاً: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ» (البغوي، ۱۴۰۳هـ، ۱۴: ۱۳۳). ومن الناحية الدلالية أيضاً، يمكن قبوله؛ لأنه أولاً، الفهم الأولي منه هو الشبه الظاهري، وأي استنتاج آخر يتطلب دليلاً آخر. ثانياً، لم يُنفَ شبهه بشخص آخر مثل أمير المؤمنين (ع)، بل ادُّعي فقط شبهه بالنبي (ص)، وكما سيأتي، توجد رواية مماثلة حول الإمام الحسين (ع). أما في الحديث السابق، فإن عبارة «لست شبيهاً بعلي» تنفي شبهه بأبيه، وهذا الأمر غير صحيح؛ لأنه من جهة، يمكن إثبات عكسه، ومن جهة أخرى، كل ابن يشبه أباه سواء ظاهرياً أو باطنياً (خلقياً وخُلقياً)، ونفي هذه المسألة ليس صحيحاً؛ ولكن إثبات شبه الإمام الحسن (ع) بالنبي (ص) لا يمنع ولا ينفي شبهه بشخص آخر؛ خاصة أبيه الإمام علي (ع). خلاصة القول إن هذا الحديث حتى في حال تعارضه مع روايات سنوردها لاحقاً، فهو مقبول؛ لأن هذا التعارض قابل للجمع ولا إشكال فيه.

توجد أحاديث في كتب الروايات تعرف أشخاصاً آخرين بأنهم أشبه الناس بالنبي (ص)، وهذه الأحاديث تواجه صحة بعض الأحاديث المذكورة بمشكلة، وسنشير إليها لاحقاً، كما ورد عن أشخاص من غير أهل البيت (ع) بأنهم أشبه الناس بالنبي (ص)؛ مثلاً: «جعفر بن أبي طالب»، «قثم بن العباس»، «أبو سفيان بن الحارث»، «سائب بن عبيدة»، ورجل من التابعين اسمه «كابس بن ربيعة السامي» (ابن الجوزي، دون تاريخ، ۱: ۴۲).

۲-۳-۳. الإمام الحسين (ع) أشبه الناس بالنبي (ص)

وفقاً لرواية في صحيح البخاري، ذُكر الإمام الحسين (ع) كأشبه الناس بالنبي (ص): «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ (ع) فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ، وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا. فَقَالَ أَنَسٌ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) ، وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَه» (البخاري، ۱۴۲۳هـ، ۹۲۱).

«رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يَقُولُ بِقَضِيبِهِ في أنفه، وَيَقُول : مَا رَأَيْت مثل هَذَا حسنا، فقلت: أما إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِي بْنِ هَانِي، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «الْحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» (البغوي، ۱۴۰۳هـ، ۱۴: ۱۳۳). وفي رواية أخرى، تذكر عائشة السيدة فاطمة (س) بأنها أشبه الناس برسول الله (ص): «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيثًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَه» (الحاكم النيسابوري، ۱۴۱۱هـ، ۳: ۱۷۴).

يقول ابن حجر في الجمع بين الأحاديث المذكورة: في حياة الإمام الحسن (ع) كان هو الأكثر شبهاً بالنبي (ص)، وبعده كان أخوه الإمام الحسين (ع) كذلك؛ أو المقصود أن الإمام الحسين (ع)، باستثناء أخيه، كان الأكثر شبهاً؛ أو أن كلاً منهما كان يشبه جده في جزء من أعضاء جسده أكثر من الآخر؛ كما جاء في الحديث: «الْحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَ الْحُسَيْنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» (البغوي، ۱۴۰۳هـ، ۱۴: ۱۳۳؛ ابن حجر العسقلاني، ۱۳۷۹هـ، ۷: ۹۶-۹۷). أو المقصود أنهم كانوا من الناحية الظاهرية أشبه بالنبي (ص).

۳-۳-۳. الإمام الحسن (ع) بعض وكل وجود الإمام علي (ع)

قال الإمام علي (ع) في جزء من وصيته لابنه الإمام الحسن (ع): «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي» (السيد الرضي، ۱۴۱۴هـ، ۳۹۱؛ ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹ش، ۴: ۳۷). تعبير الإمام (ع) بأنك بعض وجودي له تفسير واضح؛ لأن الابن يولد من الأب والأم وأجزاؤه مأخوذة من أجزائهما؛ أما قوله: وجدتك كل وجودي؛ فقد يكون إشارة إلى أنك الإمام من بعدي وخليفتي، وبالتالي فإن كل وجودي يتجلى فيك وأنت متجلى كل وجودي. ويحتمل أن تكون هذه الجملة إشارة إلى مجموعة الصفات الجسدية والروحية التي تنتقل بحكم قانون الوراثة من الآباء إلى الأبناء، والأبناء يمتلكون صفات آبائهم الروحية والجسدية (مكارم الشيرازي، ۱۳۸۳هـ، ۹: ۴۷۲). أي أن الإمام (ع) يعتبر ابنه الحسن (ع) تالياً له، ولا يرى أي فرق بينه وبينه من أي وجه.

۴-۳-۳. شبه الإمام الحسن (ع) بأبيه في كلام الإمام الحسن (ع) نفسه

ورد في رواية: «طَافَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) بِالْبَيْتِ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ هَذَا ابْنُ فَاطِمَهُ الزَّهْرَاءِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ قُلْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَبِي خَيْرٌ مِنْ أُمِّي» (ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹ش، ۴: ۲۱).

في هذه الرواية، يؤكد الإمام الحسن (ع) على نسبته إلى الإمام علي (ع). ليس ببعيد؛ أن تكون هذه الجملة ناظرة إلى رغبة الإمام (ع) في نسبة سيرته ومنهجه إلى أبيه. في الواقع، هذا التقرير يوضح أجواء ذلك الزمان وينقد أولئك الذين كانوا يعتبرون سلوك وخلق الإمام (ع) منفصلاً عن أبيه. دليل على هذا الفهم هو الاعتراضات على الإمام (ع) بشأن قبوله الصلح مع معاوية، ولذا كان من البديهي أن يقوم الإمام (ع) بالتوضيح؛ حيث كانوا يخاطبونه بلفظ «مذلّ المؤمنين»، وكان هو، مع نفي هذه القضية، يسعى إلى التوعية بأسباب قبول الصلح، فيقول: «مَا أَنَا بِمُذِلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنِّي مُعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكُمْ لَيْسَ بِكُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّه سَلَّمْتُ الْأَمْرَ لِأَبْقَى أَنَا وَأَنْتُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِم» (ابن شعبة الحراني، ۱۴۰۴هـ، ۳۰۸؛ المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۷۵: ۲۸۷).

۵-۳-۳. شبه الإمام الحسن (ع) بأبيه في كلام معاوية

في خضم معركة صفين، حاول عبيد الله بن عمر تحريض الإمام الحسن (ع) ضد أبيه؛ لكن الإمام رفضه بشدة، وبعد ذلك قال معاوية: «إِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ» أي هو أيضاً ابن علي (ع) (ابن شهر آشوب، ۱۳۷۹ش، ۴: ۳۷). من البديهي؛ أن معاوية كان يعرف جيداً نسبة هذين العظيمين؛ وعبد الله بن عمر أيضاً كان على علم بهذه المسألة؛ بل هذا اعتراف من طرفه بأن طريق وهدف الإمام الحسن (ع) هو نفس مسار ومقصد أبيه، أي الإمام علي (ع). ولذا لا يمكننا القول بوجود أي فرق أو انفصال بينه وبين أبيه.

۶-۳-۳. خلاصة بحث الشبه

الروايات المذكورة، فيها تضاد وتعارض قابل للجمع؛ لا يمكن رؤية جزء واحد وتقرير واحد وتجاهل البقية؛ لأن هؤلاء العظماء، خاصة في رؤية الشيعة، بالإضافة إلى كونهم من نسل رسول الله (ص)، ومن هذه الجهة، لهم شبه ظاهري بآبائهم وأجدادهم، لديهم أيضاً شبه باطني بالنبي (ص). أقوال وأفعال وسيرة أهل البيت (ع) هي نفسها أقوال وأفعال وسيرة رسول الله (ص)، ومن هذه الجهة لا فرق بينهم؛ لذلك، بما أن هذه الروايات لا تنسب الشبه إلى الإمام الحسن (ع) فقط، ورأينا تقارير عنها في حق الآخرين، وتطرح في الغالب مسألة الشبه الظاهري؛ فهي قابلة للجمع، ولا تدل على ادعاء من يقول بوجود فرق بين سيرة الأئمة (ع)؛ بل هدف أبناء رسول الله (ص) واحد؛ وإن كانت لهذا الهدف الواحد طرق ومناهج مختلفة. وفي رواية، يتجلى هذا المطلب بوضوح: سأل شخص الإمام الصادق (ع) عن أفضلية الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) على بعضهما البعض؟ فاعتبر الإمام الصادق (ع) فضل أهل البيت (ع) متساوياً، وفي الواقع نفى أي اختلاف بين الحسنين (ع) وقال: «إِنَّ فَضْلَ أَوَّلِنَا يَلْحَقُ فَضْلَ آخِرِنَا وَفَضْلَ آخِرِنَا يَلْحَقُ فَضْلَ أَوَّلِنَا فَكُلُّ لَهُ فَضْل»، ثم اعتبر الفضل والعلم واحداً ومن عند الله الذي أعطاهم إياه بالتساوي، وفي النهاية قال: نحن اثنا عشر، كلنا محمد (النعماني، ۱۳۹۷هـ، ۸۶)، ولذا يعتبرهم الإمام جميعاً من عند الله ومبعوثين لهدف واحد.

۴. الحديث الثالث: «ليت قلبي لك ولسانك لي»

۱-۴. نقد ودراسة الحديث

هناك حديث آخر قد يُظهر للوهلة الأولى فرقاً بين الإمامين (ع)؛ وهو أن الإمام الحسين (ع) خاطب الإمام الحسن (ع) يوماً فقال: «يَا حَسَنُ وَدِدْتُ أَنَّ لِسَانَكَ لِي وَ قَلْبِي لَكَ» (الإربلي، ۱۴۱۹هـ، ۲: ۳۱)؛ أي تمنيت أن يكون لسانك لي وقلبي لك. ويروي ابن عساكر هذا المطلب بطريقة أخرى: «كان الحسن (ع) يقولُ للحسين (ع): واللهِ لَوَدِدتُ أنّ لي بعض شدةِ قَلبِكَ فَيَقولُ له الحسين (ع): و أنا واللهِ وَدِدتُ أنّ لي بعض ما بَسَطَ لَكَ مِن لِسانِكَ» (ابن عساكر، دون تاريخ، ۲۰۹). يقول الإمام الحسن (ع) لأخيه: ليت بعضاً من شدة قلبك كان لي، وفي الجواب يقول له الإمام الحسين (ع): «ليت بعض ما يجري على لسانك كان لي».

بغض النظر عن التغيير الطفيف في رواية «الإربلي» ورواية «ابن عساكر»، فإن أقدم مصدر من أهل السنة هو ‘ترجمة الإمام الحسين (ع)’ لابن عساكر في القرن السادس، ومن الشيعة ‘كشف الغمة’ للإربلي في القرن السابع. لم يرد هذا الحديث قبل الزمن المذكور في أي من مصادر الرواية الشيعية، ولأول مرة يرويه الإربلي في «كشف الغمة» دون سند، وبعده نقلته كتب الرواية المتأخرة مثل «بحار الأنوار»، «رياض الأبرار»، «عوالم العلوم» عنه.

رغم عدم وجود خدش في رواة الحديث الذين نقل عنهم ابن عساكر؛ إلا أن هذا الحديث أولاً لم يرد في المصادر الأولية والمتقدمة. ثانياً، لا يتوافق مع بعض الأحاديث الصحيحة المذكورة والأحاديث الأخرى التي ستأتي. ثالثاً، من حيث الدلالة أيضاً لا يدل على معنى يوحي بازدواجية سلوك الإمامين.

۵. الحديث الرابع: «الإمام الحسن (ع) صاحب هيبة والإمام الحسين (ع) صاحب جرأة»

هناك حديث آخر تفوح منه رائحة الازدواجية والفرق بين الإمامين، يلفت الانتباه في هذا المجال، وهو أن النبي (ص) ورّث لكل من الإمامين سمتين من سماته؛ خصص الهيبة والعظمة والسيادة للإمام الحسن (ع)، ووهب الجود والعطاء والجرأة والشجاعة للإمام الحسين (ع). لذلك، نبحث عن هذا الحديث في المصادر الروائية السنية والشيعية.

۱-۵. نقد ودراسة الحديث في مصادر أهل السنة

«زينب بنت أبي رافع مولى رسول الله (ص) قالت رأيتُ فاطمة بنت رسول الله (ص) أتت بإبنيها إلى النبي (ص) في شكواه التي تُوُفِّيَ فيها فقلت يا رسول الله هذان ابناك فَوَرَّتْهُما فَقالَ أمَّا حَسَنٌ (ع) فإنَّ له هيبتي و سُؤدُدِي وَ أمّا حُسَينٌ (ع) فإِنَّ لَهُ جودي وجرأتي» (ابن عساكر، ۱۴۱۵هـ، ۱۳: ۲۳۰).

يقول ابن حجر عن هذه الرواية: «أخرَجَهُ بنُ مندةَ مِن رواية إبراهيم بن حمزة الزبيري عن إبراهيم بن حَسَنِ بنِ عَلى الرافعي عن أبيه عن جدته زينب»، وعن إبراهيم الرافعي يقول: إبراهيم ضعيف (ابن حجر العسقلاني، ۱۴۱۲هـ، ۷: ۶۷۴). يستخدم البخاري تعبير «فيه نَظَرُ» والدارقطني أيضاً يصفه بالضعيف (الذهبي، ۱۳۸۲هـ، ۱: ۴۹-۵۰). النقطة الأخرى هي أن زينب بنت أبي رافع تطلب من النبي (ص) أن يورث ولديها شيئاً، وهذا المطلب في حضور النبي (ص) ووجود أم الولدين، يثير التساؤل. بالطبع، وفقاً لتقارير منقولة عن الشيعة، فإن الطالبة في هذه المسألة هي السيدة الزهراء (س)، ويحتمل وجود تصحيف في فعل «قُلتُ» في الرواية المذكورة.

۲-۵. نقد ودراسة الحديث في مصادر الشيعة

«حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَهُ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ الرَّافِعِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ بِنْتِ أَبِي رَافِعٍ قَالَتْ أَتَتْ فَاطِمَه بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ص بِابْنَيْهَا الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (ع) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِي شَكْوَاهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَانِ ابْنَاكَ فَوَرَّتْهُمَا شَيْئاً قَالَ أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَ سُؤْدُدِي وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي» (الصدوق، ۱۳۶۲ش، ۱: ۷۷).

«حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ (ص) قَالَ: أَمَّا الْحَسَنُ فَأَنْحَلُهُ الْهَيْبَه وَ الْحِلْمَ وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَأَنْحَلُهُ الْجُودَ وَ الرَّحْمَه» (همان)

يروي الشيخ الصدوق هذا الحديث بطريق آخر أيضاً: «حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شَيْخِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَرْفَعُهُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ قَالَتْ فَاطِمَه (ع) يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) هَذَانِ ابْنَاكَ فَانْحَلْهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَمَّا الْحَسَنُ فَنَحَلْتُهُ هَيْبَتِي وَ سُؤْدُدِي وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَنَحَلْتُهُ سَخَائِي وَ شَجَاعَتِي» (همان، ۷۷-۷۸).

الأحاديث الثلاثة المذكورة نُقلت عن طريق حسن بن محمد بن يحيى، الذي يقول النجاشي عنه: «روى عن المجاهيل أحاديث منكرةً، رأيتُ أصحابنا يُضعفونه» (۱۳۶۵ش، ۶۴). ويقول الغضائري أيضاً: «كان كذاباً، يَضَعُ الحديث مجاهرة و يدعي رجالاً غرباء لا يُعرفون، ويعتمد مجاهيل لا يُذكرون» (۱۳۶۴ق، ۱: ۵۴). آية الله الخوئي أيضاً يضعفه (۱۴۱۳هـ، ۶: ۱۴۳). العلامة الحلي يرى أن القول الأقوى هو التوقف في رواياته (۱۴۰۲هـ، ۲۱۵). وفيما يتعلق بصفوان بن سليمان، استُخدم تعبير «لم يذكروه» (النمازي الشاهرودي، ۱۴۱۴هـ، ۴: ۲۶۴)، ولذا هو مجهول.

في الحديث الأخير، جاء للإمام الحسين (ع) بدلاً من «جرأتي» و«جودي» في الحديث السابق، «سخائي» و«شجاعتي»، ووفقاً لحديث في المعجم الأوسط للطبراني، جاء بدلاً من «جرأتي»، «حزامتي»، وفي هذه الحالة لا يمكن استنتاج أي ازدواجية: «حَدَّثَنا محمد بن علي الصائغ قال نا خالد بن يزيد العمري قال نا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بنِ حَسَنِ بنِ حَسَنِ بنِ علي بن أبي طالب عن أبي رافع قال جاءت فاطمة بنت رسولِ اللهِ (ص) بِحَسَنٍ وَ حُسَيْنٍ إلى رسول الله (ص) في مَرَضِه الذي قُبِضَ فيه فقالت هذان ابناكَ فَوَرَّتْهُما شَيئاً فَقالَ لَها أَمَّا حَسَنُ فَإِنَّ لَه ثباتي و سُؤدُدي وَ أمّا حُسَينٌ فَإِنَّ لَه حِزامَتي و جودي». هذه الرواية لم يروها أبو رافع إلا بهذا السند الذي تفرد به خالد بن يزيد (الطبراني، ۱۴۱۵هـ، ۶: ۲۲۲-۲۲۳).

الحديث المذكور، بالإضافة إلى ضعف سنده، يتعارض مع أحاديث صحيحة أخرى، ولذا فهو غير مقبول. وفقاً للرواية أعلاه، أحضرت السيدة فاطمة (س) ولديها؛ أي أنهما جاءا إلى النبي (ص) وهما طفلان، ومن المستبعد أن يكون النبي (ص) في فترة طفولتهما قد قصد توريث منهجين مختلفين وفكرين متباينين لولديه. ورغم ذلك، في هذه الرواية نفسها، فإن امتلاك الهيبة والسيادة لا يتنافى مع عدم امتلاك روح قتالية وثورية، وامتلاك الجرأة والشجاعة والرحمة لا يتعارض مع روح مسالمة، وحتى في الرواية الثانية التي أوردها الشيخ الصدوق، جاء عن الإمام الحسين (ع): «فَأَنْحَلُهُ الْجُودَ وَ الرَّحْمَه»؛ كما جاء في رواية الطبراني أيضاً بدلاً من «جرأتي»، «حزامتي»، وفي هذه الحالة، لا مجال للحديث عن الشجاعة والجرأة ليتنافى مع ما أُعطي للإمام الحسن (ع).

۶. سلوك الإمام الحسين (ع) في زمن معاوية

سيرة الإمام الحسين (ع) أيضاً تساعد على فهم هذه الروايات وصحتها وسقمها. كانت إجراءات الإمام الحسين (ع) تجاهلاً لأقوال وأفعال كان يقصد بها دفعه إلى معارضة موقف أخيه. لقد بقي إلى جانب أخيه حتى نهاية حياته، وظل على نفس الموقف في المدينة، حتى بعد استشهاد أخيه، طوال أحد عشر عاماً. هذه السيرة تظهر أنه لم يكن لديه أي معارضة لمسألة الصلح (جعفريان، ۱۳۸۹ش، ۲: ۳۹۰). الإمام الحسين (ع)، الذي لم يقبل يوماً بيعة يزيد، قضى عشر سنوات في حكومة معاوية مثل أخيه الإمام الحسن (ع)، ولم يعلن المعارضة قط (الطباطبائي، دون تاريخ، ۹۹).

۷. ثورات أبناء الإمام الحسن (ع)

إن الثورات التي وقعت بعد الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) هي نقطة أخرى يمكن أن تساعد في تحليل وبحث الموضوع الحالي. بعد ثورة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (ع)، كانت معظم الثورات التي قامت من قبل أسرة وأبناء الإمام الحسن (ع). لو لم يكن الإمام الحسن (ع) رجلاً مقاتلاً وكان معارضاً لسياسات أبيه وأخيه، لكان من المتوقع أن يستمر هذا الفكر في نسله، وأن يواصلوا هم أيضاً مسار الصلح؛ ولكن ثبت عكس ذلك. وفي هذا السياق، نشير إلى ثورة محمد النفس الزكية وإبراهيم بن عبد الله.

محمد، حفيد الإمام الحسن (ع)، شاع على ألسنة الناس أنه النفس الزكية، وهو المهدي؛ وأبوه عبد الله بن الحسن أيضاً بذل جهداً كبيراً في نشر هذه العقيدة. كان يقول إن ابنه محمداً هو المهدي الموعود الذي بشر به النبي (ص) (مختار الليثي، ۱۳۸۵ش، ۱۲۳). وقد اعتبر نفسه صاحب حق لدرجة أنه في رده على رسالة المنصور العباسي، كتب إليه رسالة وشبه ثورته بالثورة على فرعون، وطلب من المنصور أن يطيعه، وفي نفس الرسالة تفاخر بنسبه إلى النبي (ص)، والإمام علي (ع)، والإمام الحسن، والإمام الحسين (ع). استمرت هذه الرسائل، ورد المنصور أيضاً بأن محمداً ليس ابن النبي، وأشار هو أيضاً إلى جده الأكبر العباس بن عبد المطلب ومفاخره (راجع، نفسه، ۱۴۷-۱۴۹).

محمد، الذي يُعد حفيد الإمام الحسن (ع)، سعى من خلال نسبته إليهم إلى إضفاء الشرعية على ثورته، وسعى إلى توضيح هدفه في سياق نفس أهداف النبي (ص)، والإمام علي (ع)، والحسنين (ع)، ولم يقر بأي تفريق من هذه الجهة.

إبراهيم أيضاً هو ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن (ع)؛ من أحفاد الإمام المجتبى (ع)، وهو ثاني شخص ثار ضد العباسيين. قام بثورة في البصرة عام ۱۴۵هـ، وثورة زيد بن علي التي قامت على ثلاث ركائز، إحداها أن كل فاطمي زاهد شجاع يطالب بالإمامة، تجب طاعته؛ سواء كان من أبناء الحسن (ع) أو أبناء الحسين (ع) (الشهرستاني، ۱۳۶۸هـ، ۱: ۳۴۹). الجارودية أيضاً، وهي إحدى فرق الزيدية، أبدت استياءها من سياسة الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق (ع)، وكان هذا الاستياء بسبب اكتفاء هذين الإمامين بالزعامة الروحية وعدم قيامهما بثورة ومقاومة علنية ضد سلب الخلافة من آل علي (ع) على يد الأمويين ثم العباسيين (النوبختي، ۱۴۰۴هـ، ۵۴).

الإمام الصادق (ع) لم يحضر ذلك الاجتماع الشهير الذي عُقد في أواخر أيام الأمويين وحضره كثير من بني هاشم وبايعوا فيه «النفس الزكية»؛ كان معظم هؤلاء الهاشميين من آل العباس بن عبد المطلب وآل الحسن بن علي (ع) (مختار الليثي، ۱۳۸۵ش، ۲۰۴). لم يكن عبد الله بن الحسن راضياً عن عدم مشاركة الإمام الصادق (ع)؛ لأنهم كانوا يمثلون آل الحسين بن علي (ع)، بالإضافة إلى أنه كان في زمانه سيد بني هاشم جميعاً (ابن العماد، ۱۴۰۶هـ، ۱: ۲۲۰).

۸. الخلاصة

إن دراسة الروايات الواردة في موضوع اختلاف خلق وسيرة الحسنين (ع)، تعتبر الحكم الكلي على مجموع هذه الروايات أمراً غير كافٍ، واعتبار الرأي الواحد بشأن كليتها غير صحيح؛ أي أن جميع التقارير ليست مقبولة، واعتبار مجموعها مزوراً ليس صحيحاً أيضاً؛ بل يجب التمييز بينها، ووضع تلك التي لا يمكن قبولها من حيث السند والمتن جانباً، والسعي لإظهار المعنى الصحيح لبعضها. بالطبع، لا توجد رواية صحيحة وصريحة تدل على اختلاف الحسنين (ع) ويثبت من خلالها الاختلاف بين الإمامين.

في هذا البحث، تناولنا أربع روايات رئيسية وروايات أخرى ترتبط بها نوعاً ما وتندرج ضمن أسرة حديثية واحدة، وكانت النتيجة كالتالي:

۱. رواية «حسن مني وحسين من علي» لا يمكن أن تكون صحيحة لأنها تفتقر إلى سند صحيح، ومن حيث المتن تتعارض مع روايات أخرى أقوى منها.

۲. روايات الشبه، وردت أكثر في كتب أهل السنة ولا وجود يذكر لها في روايات الشيعة؛ رواية «بأبي شبيه بالنبي ليس شبيه بعلي» بالإضافة إلى ضعف سندها، يوجد عكسها في الروايات الشيعية. بالطبع، في أفضل الأحوال، يمكن توجيهها وحملها على الشبه الظاهري؛ كما وردت توجيهات من علماء أهل السنة في هذا المجال.

۳. رواية «وَدِدْتُ أَنَّ لِسَانَكَ لِي وَ قَلْبِي لَكَ» بالنظر إلى الدراسة التي أجريت؛ أولاً، لا وجود لها في المصادر الأولية والمتقدمة، وثانياً، من حيث الدلالة لا تدل على معنى يُستفاد منه ازدواجية سلوك الإمامين، وفوق ذلك لا تتوافق مع بعض الأحاديث الصحيحة المذكورة.

۴. حديث «أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَ سُؤْدُدِي وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتِي وَ جُودِي» أيضاً، بالإضافة إلى ضعف سنده؛ يتعارض مع أحاديث صحيحة أخرى، ولذا فهو غير مقبول. وإن كان امتلاك الهيبة والسيادة لا يتنافى مع عدم امتلاك روح قتالية وثورية، وامتلاك الجرأة والشجاعة والرحمة لا يتعارض مع روح مسالمة.

النقطة الأخيرة هي أن عموم الثورات التي تشكلت بعد الإمامين، كانت من قبل أبناء وأحفاد الإمام الحسن (ع)، وكانت سيرتهم مستندة إليهم. لذا، لو كان هو صاحب روح مسالمة فقط ولم يعتقد بالثورة والجهاد، لكانت هذه الروح قد سرت إلى نسله أيضاً، ولم يكونوا ليقوموا بثورات؛ ولكن الواقع يثبت عكس ذلك.

المصادر والمراجع

ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ١٤٠٤هـ.

ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٢٧١هـ.

ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤١٥هـ.

ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، كشف المشكل من حديث الصحيحين، الرياض، دار الوطن، د.ت.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٢هـ.

ــــــــــــــــــــ، تقريب التهذيب، سورية، دار الرشيد، ١٤٠٦هـ.

ــــــــــــــــــــ، تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٤هـ.

ــــــــــــــــــــ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة، ١٣٧٩هـ.

ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، قم، جامعة المدرسين، ط ٤، ١٤٠٤هـ.

ابن شهر آشوب المازندراني، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب (ع)، قم، علامة، ١٣٧٩ش.

ابن عساكر، علي بن حسن، تاريخ دمشق، بيروت، دار الفكر، ١٤١٥هـ.

ــــــــــــــــــــ، ترجمة الإمام الحسين عليه السلام، بيجا، بينا، د.ت.

ابن العماد، أبو الفلاح، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بيروت، دار ابن كثير، ١٤٠٦هـ.

أبو نعيم الأصفهاني، معرفة الصحابة، الرياض، دار الوطن، ١٤١٩هـ.

أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٢١هـ.

أحمدي ندوشن، محمد رضا، وزماني، محمد حسن، «بررسی انتقادی دیدگاه خاورشناسان درباره سیره حکومتی امام حسن مجتبی (ع)»، فصلنامه تاریخ اسلام، ١٣٩٤ش، شماره ٦٤، صص ٤٣-٦٧.

الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، تبريز، بني هاشمي، ١٤١٩هـ.

البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار ابن كثير، ١٤٢٣هـ.

البغوي الشافعي، أبو محمد، شرح السنة، بيروت، المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤٠٣هـ.

پاكتچي، أحمد، وزملاؤه، «مدخل حسن (ع) إمام»، دائرة المعارف بزرگ إسلامي، ج ٢٠، إيران، انتشارات مرکز دائرة المعارف بزرگ إسلامي، ١٣٦٧ش.

الترمذي، محمد بن عيسى، السنن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.

ــــــــــــــــــــ، الشمائل المحمدية، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤١٢هـ.

جعفريان، رسول، تاريخ سياسي إسلام، قم، دليل ما، ط ٨، ١٣٨٩ش.

الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ.

الحلي، محمد بن يوسف، رجال العلامة الحلي، قم، شريف رضي، ط ٢، ١٤٠٢هـ.

الخوئي، سيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث، بيجا، ١٤١٣هـ.

الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، د.ت.

ــــــــــــــــــــ، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ١٤١٣هـ.

ــــــــــــــــــــ، ميزان الاعتدال، بيروت، دار المعرفة، ١٣٨٢هـ.

السجستاني، أبو داود، السنن، بيروت، دار الكتاب العربي، د.ت.

السيد الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، قم، هجرت، ١٤١٤هـ.

السيوطي، جلال الدين، التوشيح، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤١٩هـ.

الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، القاهرة، طبعة محمد بن فتح الله بدران، ١٣٦٨هـ.

الصدوق، محمد بن علي، الخصال، قم، جامعة المدرسين، ١٣٦٢ش.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الشيعة في الإسلام، بيجا، بينا، د.ت.

الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، ط ٢، ١٤٠٤هـ.

ــــــــــــــــــــ، المعجم الأوسط، القاهرة، دار الحرمين، ١٤١٥هـ.

الطبري، أبو العباس، الرياض النضرة في مناقب العشرة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ٢، د.ت.

الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والرسل والملوك، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧هـ.

العسكري، سيد مرتضى، نقش أئمه (ع) در احياي دين، قم، نينوا، ط ٤، ١٣٩٢ش.

الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، بيروت، دار المعرفة، د.ت.

الغضائري، أحمد بن الحسين، رجال ابن الغضائري، قم، مؤسسة إسماعيليان، ١٣٦٤ق.

مادلونغ، ويلفرد، جانشيني حضرت محمد، مشهد، آستان قدس رضوي، ١٣٨٥ش.

المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٥، ١٤٠١هـ.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٢، ١٤٠٣هـ.

مختار الليثي، سميرة، مبارزات شيعيان در دوره نخست خلافت عباسيان، مشهد، به نشر، ١٣٨٥ش.

مكارم الشيرازي، ناصر، پیام إمام أمير المؤمنين (ع)، تهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٨٣ش.

النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة نشر إسلامي، ١٣٦٥ش.

النسائي، أحمد بن شعيب، الخصائص، بيروت، دار الكتاب العربي، د.ت.

النعماني، ابن أبي زينب، الغيبة، تهران، صدوق، ١٣٩٧ق.

النمازي الشاهرودي، علي، مستدركات علم رجال الحديث، تهران، فرزند مؤلف، ١٤١٤ق.

النوبختي، حسن بن موسى، فرق الشيعة، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٤ق.

الهوامش

1. «حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا ابو نعيم حدثنا المسعودي عن عثمان بن مسلم بــن هـر مــز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عنه قال لم يكن النبي بالطويل ولا بالقصير شثن الكفين والقدمين ضخم الرأس ضخم الكراديس طويلُ المَسرُبَةِ إذا مشى تَكَفَّأَ تكفؤاً كأنّما ينحط من صَبَب لم أرَ قبله ولا بعده مثله» (الترمذي، ١٤١٢هـ، ص ٣١).

2. «الجواب أن يحمل المنفي على عموم الشبه، والمثبت أصلُهُ أو مُعظمُهُ» (ابن حجر العسقلاني، ١٣٧٩هـ، ج ٧، ص ٩٦؛ السيوطي، ١٤١٩هـ، ج ٦، ص ٢٣٧٤).

Scroll to Top