مكانة قراءة أبان بن تغلب بين القراءات

الملخص

كان أبو سعيد أبان بن تغلب من الشخصيات البارزة في المجتمع الشيعي في عصره، وقد قدّم خدمات جليلة للقرآن الكريم. ويشير عنوان نصف مؤلفاته إلى أن العلوم القرآنية كانت تشكل جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان له ارتباط خاص بأهل البيت (عليهم السلام) وقد أدرك محضر ثلاثة من الأئمة العظام. وهو، بتصريح علماء الفريقين، في عداد كبار القراء، وصاحب قراءة مستقلة ومشهورة لديهم. منهج هذا البحث تحليلي وصفي، ويسعى للإجابة عن هذا السؤال: لماذا لم يختر ابن مجاهد – وهو شخصية فريدة حصرت القراءات في القرن الرابع، واعتبرت سبع قراءات فقط من بين جميع القراءات المشهورة قراءاتٍ مشهورة وما سواها شاذة – قراءةَ أبان بن تغلب ولم تُدرج ضمن القراءات المشهورة. وبالنظر إلى المصادر المتاحة والدراسات المنجزة، يمكن القول بأنه ربما لم تكن قراءته متوفرة بشكل كامل في القرن الرابع، ولهذا السبب لم تُدرَج ضمن القراءات المشهورة.

مقدمة

بناءً على الروايات التاريخية، كان لبعض الصحابة، ومنهم الإمام علي (عليه السلام)، وأُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مصاحف وقراءات خاصة للقرآن، وقد أصبحوا فيما بعد محوراً لأوجه القراءة المختلفة. وعلى هذا المنوال، استمر أمر تعليم القراءة في الطبقة التالية، أي التابعين. ومع اتساع رقعة الديار الإسلامية وزيادة عدد المسلمين من غير العرب الراغبين في تعلم القرآن، توسع نطاق نشاط قراء القرآن. فمنذ القرن الثاني الهجري، انبرى العلماء، باهتمامهم البالغ بأمر القراءة، لتنظيم وتنسيق علم القراءة. وفي خضم تقلبات علم القراءة، كان لإقرار القراءات السبع رسمياً في أوائل القرن الرابع الهجري على يد ابن مجاهد أثر بالغ الأهمية، مما أدى إلى تحول عظيم في هذا العلم. في هذا البحث، وبمنهج تحليلي وصفي، نسعى إلى تسليط الضوء على أحد مشاهير قراء القرن الثاني الهجري، وهو أبان بن تغلب، ودراسة قراءته وشموليته العلمية، لنبحث في سبب عدم إدراج قراءته ضمن القراءات المشهورة على يد ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري. أما عن سابقة البحث، فيجب القول بأنه لا يوجد في المصادر القديمة أي كتاب تناول شخصية أبان بن تغلب العلمية بشكل مستقل، وإنما توجد إشارات متفرقة في طيات كتب الحديث حول شخصيته العلمية وقراءته ومؤلفاته. ولم يُبحث في هذا الموضوع كثيراً، إلا إشارات في كتاب “ميراث قرآني أبان ابن تغلب” تحتاج إلى إكمال.

1. دراسة المصطلحات

القراءة

القراءة في اللغة تعني المطالعة. وقد ورد في اللغة العربية: قَرَأَ الكتابَ قراءةً: أي طالعه (القرشي، قاموس القرآن، 1386: 261/5). ومن المعاني الأخرى لهذه الكلمة، والتي يمكن جمعها مع المعنى الأول، ضم بعض الحروف والكلمات إلى بعضها الآخر، وهو ما يحدث في تلاوة القرآن. وبالطبع، لا يُطلق على كل تجميع اسم القراءة (الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن، 1355: 668). وإنما سُمي فعل المطالعة قراءة لأنه يجمع الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في النطق. ومثال ذلك، حين تجمع قوماً تقول: قرأتُ القوم (نفس المصدر). ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف/ 204). والقرآن، المشتق من الجذر نفسه، هو في الأصل مصدر. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة/ 17-18). ويمكن القول في وجه تسمية القرآن بهذا الاسم، إن القرآن كتاب يُقرأ، فيجب قراءته والتدبر في معانيه، وسبب تسمية هذا الكتاب العظيم بالقرآن هو أنه يُقرأ (القرشي، قاموس القرآن، 1386: 45). أما في اصطلاح علماء القراءة، فقد عُرّف بما يلي: «هو علم يُعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقاً واختلافاً مع عزو كل وجه لناقله». أي أن علم القراءة هو العلم الذي يُعرّف كيفية أداء ونطق كلمات القرآن الكريم وطريقة أدائها، سواء كانت متفقاً عليها بين القراء أو مختلفاً فيها، مع بيان إسناد كل وجه إلى ناقله (الباز، مباحث في علم القراءات مع بيان أصول رواية حفص، 1425: 39). وعرّفها البعض الآخر بقولهم: «القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة» (عتر، علوم القرآن الكريم، 1416: 147). وهذا التعريف لا يختلف عن الأول، ولكنه يتضمن مضامين التعريف الأول بشكل أوجز.

2. ترجمة أبان بن تغلب

أولاً: سيرته الذاتية

أبو سعيد أبان بن تغلب، من الأعضاء البارزين والمشهورين في المجتمع الشيعي في عصره. كان من الشخصيات الإسلامية الممتازة ومن خاصة أهل علوم القرآن.[4] عند النظر في مصادر تراجم الرواة، لا نجد أي أثر لتسجيل سنة ولادة أبان. لكن ما هو واضح أنه من الطبقة الخامسة من الكوفيين بعد الصحابة. وقد ذكر معظم العلماء أن تاريخ وفاته كان سنة 141 هـ في زمن إمامة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). كان لأبان علاقة خاصة بأهل البيت (عليهم السلام)، وقد أدرك محضر ثلاثة من الأئمة: الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق (عليهم السلام). ويكفي في عظمة شخصيته أنه حظي بمكانة ومنزلة خاصة عند الأئمة الثلاثة في عصره، حتى إن الإمام الصادق (عليه السلام) خاطبه بأنه من رؤساء الشيعة وأولاه اهتماماً خاصاً (المدني، ميراث قرآني أبان ابن تغلب، 1395).

ثانياً: شموليته العلمية

عندما كان يدخل المدينة، كانت تُخلى له سارية النبي الخاصة، وتُعقد حلقات الدرس حوله.[1] وعند وفاته، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أما والله لقد أوجع قلبي» (النجاشي، رجال النجاشي، 1407: 10). يصفه النجاشي بأنه كان متقدماً في كل فن من فنون العلوم في عصره، من قرآن وفقه وحديث وأدب ولغة ونحو، وله مصنفات كثيرة.[2] ويقول إبراهيم النخعي: كان أبان متقدماً في جميع العلوم، منها علوم القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة.[3] لقد قدم أبان بن تغلب خدمات جليلة للقرآن الكريم، لدرجة أن بعض أعماله لم تكن مسبوقة، أو كان من الأوائل في ذلك المجال. ويشير عنوان نصف مؤلفاته إلى أن المسائل القرآنية كانت تشكل جزءاً كبيراً من اهتماماته. كان أبان بن تغلب صاحب مؤلفات كثيرة، منها: كتاب غريب القرآن، الفضائل، معاني القرآن، القراءات، الأصول في الرواية على مذهب الشيعة. وكان له مناظرات كثيرة، وله عند سائر القراء قراءة منفردة. وقد وثقه جميع الرواة ما عدا البخاري (السبحاني، طبقات الفقهاء، 1418: 317). وله مؤلفات مثل: معاني القرآن، الفضائل، كتاب في تراجم.[5] (عمر كحالة، معجم المؤلفين، 1323). يقول آية الله الخوئي عنه: له مؤلفات كثيرة مثل معاني القرآن، الفضائل، كتاب في التراجم (الخوئي، معجم رجال الحديث، 1413).

3. أبان بن تغلب والقراءات

انشغل كثير من الناس في القرون الهجرية الأولى بمختلف مجالات علم القراءات. ومن بينهم، اشتهر البعض لأسباب متنوعة، كما قام آخرون بتأليف وتدوين القراءات في هذا المجال. ومن هؤلاء الأعلام الذين استطاعوا بتبحرهم في الأدب واللغة والنحو، وباستفادتهم من تعاليم أساتذتهم البارزين من قراء زمانهم، أن يصبحوا من رواد هذا الفن، أبان بن تغلب الكوفي. يعتقد السيد حسن الصدر (الصدر، تأسيس الشيعة، 1272) والشيخ آقا بزرك الطهراني (آقا بزرك الطهراني، الذرية إلى تصانيف الشيعة، 17/ 1255) أن أبان بن تغلب هو أول من دوّن في مجال قراءة القرآن. لكن الدراسات تظهر أن هناك من سبقه في التأليف. وفيما يلي قائمة بالمؤلفين في مجال القراءات حتى نهاية القرن الثاني الهجري، بناءً على تحقيق السيد عبد الهادي الفضلي: 1. يحيى بن يعمر (المتوفى 90 هـ). 2. أبان بن تغلب (المتوفى 141 هـ). 3. مقاتل بن سليمان (المتوفى 150 هـ). 4. أبو عمرو بن العلاء (المتوفى 154 هـ) من القراء السبعة. 5. حمزة بن الزيات (المتوفى 156 هـ) من القراء السبعة، وزائد بن قدامة الثقفي (المتوفى 161 هـ). ومع ذلك، لا يزال أبان بن تغلب يُعد من رواد علم القراءة. كان أبان بن تغلب، بتصريح علماء الفريقين كالنجاشي والشيخ الطوسي، من أبرز القراء، وله قراءة مستقلة ومشهورة عند القراء. وقد قال الشيخ الطوسي عنه: لأبان قراءة منفردة مشهورة عند القراء.[6] (الطوسي، رجال الطوسي، 1415: 17). وفي كتاب رجال النجاشي ورد: لأبان قراءة مشهورة عند سائر القراء.[7] (النجاشي، رجال النجاشي، 1407: 11/7). كان أبان قارئاً معروفاً لدى سائر القراء، وكان فقيهاً ولغوياً يسمع اللغات من العرب ويحكيها، وكان مقدماً في كل فن.[8] (السعيدان، اتحاف الفقهاء عوامل اختلاف القراءة القرآنية، بي تا: 4). هذه الروايات تدل على شهرة قراءة أبان، ويمكن الاستنتاج بأن قراءته كانت متداولة لفترة طويلة بعده. وتجدر الإشارة إلى أن عدم ذكر قراءة أبان ضمن القراءات المشهورة – على الرغم من استقلالها وتميزها – لا يتنافى مع شهرة قراءته في العصور المتقدمة.

4. دراسة شخصية ابن مجاهد

هو آخر من تولى رئاسة الإقراء في المدينة، شخصية لا نظير لها، ولم يكن أحد يجرؤ على منافسته. كان يسكن بغداد، وولد سنة 245 هـ وتوفي سنة 324 هـ (دهخدا، لغت نامه، 1372: ج1). من مؤلفاته كتاب “القراءات السبع”، أي أنه جمع قراءة ابن كثير، وقراءة عاصم، وقراءة نافع، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، وأبي عمرو، في كتاب واحد بعنوان “القراءات السبع”. وقد اختار من بين القراءات المتعددة والمتنوعة قراءات قراء الحرمين الشريفين، والعراقين (البصرة والكوفة)، والشام، لأن هذه القراءات كانت تُعد صحيحة وفقاً لمقاييسه. أهم أساتذته في القراءة هو أبو الزعراء عبد الرحمن بن عبدوس، الذي ختم عليه القرآن مراراً بقراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. لم يكن لأي من أساتذة القراءة تلاميذ بقدر ابن مجاهد، فقد كان يحضر حلقة درسه نحو ثلاثمائة من أعيان علم القراءة (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: 1/ 374).

4-1. نفوذ ابن مجاهد السياسي والاجتماعي

كان ابن مجاهد شيخ القراء في بغداد. ولا شك أن من العوامل التي أسهمت في إقرار نظرية القراءات السبع شخصيته الاجتماعية ونفوذه السياسي. كان معاصراً للخليفة العباسي الراضي بالله، الذي تميزت فترة خلافته بضعف بني العباس. وفي خضم ذلك، أصبح ابن مجاهد شخصية نافذة بفضل رئاسته العلمية وقربه من قادة الحكومة، مما مكنه من التأثير في الأحداث الاجتماعية في عصره (باكتجي، دائرة المعارف بزرگ إسلامي، 1370: 582/4؛ الذهبي، تفسير ومفسرون، 1961: 1/ 248). مثال ذلك محاكمة ابن شَنَبُوذ، أحد قراء بغداد المشهورين، الذي حوكم بسبب اختياره للقراءات الشاذة وخروجه عن القراءات المشهورة. وقد عُقدت جلسة محاكمة حضرها ابن مجاهد ومجموعة من قضاة وفقهاء بغداد. لم يتراجع ابن شنبوذ عن قراءته، ولكنه بعد أن تحمل عشر جلدات، تبرأ من فعله وكتب توبة بخط يده. (نفوذ ابن مجاهد أدى إلى محاكمة من كان من أساتذة علم القراءة وإجباره على التخلي عن قراءته).

4-2. مكانة بغداد السياسية والثقافية ومركزيتها في صناعة المدارس الفكرية في القرن الرابع

محاكمة ابن مِقْسَم، القارئ المصري النحوي المعروف في بغداد، كانت بسبب اعتقاده بجواز اختيار أي قراءة في الصلاة وغيرها، بشرط موافقتها لرسم المصحف وصحة توجيهها من حيث اللغة والأدب العربي. وبأمر من الخليفة القاهر بالله، ناظره ابن مجاهد وعدد من القضاة وأجبروه على التوبة وأحرقوا كتبه. طلب ابن مجاهد من الخليفة العفو عن تأديبه، لكن ابن مقسم استمر على طريقته بعد وفاة ابن مجاهد (الذهبي، تفسير ومفسرون، 1961: 1/ 248). لم تكن لهذه المدينة في القرنين الأول والثاني مكانة ثقافية وعلمية مميزة. ولكن في القرنين الثالث والرابع، بعد أن أصبحت بغداد عاصمة العباسيين، اكتسبت مكانة مرموقة. بالإضافة إلى ذلك، أدى حب الخلفاء العباسيين للعلم إلى أن تصبح بغداد مركزاً لاجتماع العلماء والمفكرين، وتأسست فيها مكتبات ضخمة. ولكن في القرن الرابع الهجري، شاع في جميع فروع العلوم الإسلامية تيار يهدف إلى سد باب الاجتهاد. فكما حُكم في الفقه بعدم تأسيس مذاهب فقهية جديدة وإلزام أهل السنة بالمذاهب الأربعة، سادت السياسة نفسها في علم القراءة. وقد وجّه شخصية نافذة مثل ابن مجاهد همته لمنع ظهور وانتشار أفكار قراء جدد، واختار بضع قراءات محددة بحجة أن اختلاف القراءات يسبب حيرة للناس. وفي حين كان يوجد في بغداد قراء آخرون بمعايير قراء آخرين، فقد سعى بكل وسيلة، حتى بنفوذه السياسي والقضائي، إلى إخراج منافسيه من الميدان وإقرار نظرية الاقتصار على سبع قراءات (إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، 1939: 2/ 316). لا يزال سبب اختيار ابن مجاهد للعدد سبعة لتحديد القراءات غير معروف. ولكن، نظراً لانتشار حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» بين الناس، وتفسيره في بعض التفاسير كتفسير الطبري على أنه القراءات السبع (الطبري، تفسير الطبري، بي تا: 1/ 5)، سرعان ما أدرك الناس هذه العلاقة، مما أدى إلى انتشار القراءات السبع. ومع ذلك، لم يذكر ابن مجاهد نفسه، بذكاء، أي شيء عن هذا الحديث لئلا يتعرض للنقد. ويبدو أن ابن مجاهد، في تحديده للقراءات واختياره قارئاً واحداً من كل مدينة لسبب غير معلوم، قد أولى أهمية خاصة لقراء مدينة الكوفة، واختار ثلاثة قراء من بين القراء السبعة من الكوفة (قراءة حمزة، عاصم، الكسائي)، على الرغم من أن القراءة الغالبة في الكوفة كانت قراءة حمزة. ومن ناحية أخرى، كان هناك أشخاص مثل أبي جعفر المخزومي في المدينة ويعقوب الحضرمي في البصرة لهم قراءات رائجة ومشهورة. لو كان ابن مجاهد يسعى لجمع القراءات المشهورة، لكان عليه أن يقر قراءاتهم أيضاً. ويبدو أن ابن مجاهد قد تأثر بشكل كبير بتعاليم الكوفة، وخاصة قراءها، وهذه الميول الكوفية هي التي دفعته إلى إيلاء أهمية أكبر لقراء هذه المدينة (باكتجي، أحمد، 1370: 583/4). على أي حال، يظهر عمل ابن مجاهد أنه كان يعتبر مخالفة المصحف وضعف السند من عوامل شذوذ القراءة، وقد أشار في كتابه “السبعة” مراراً إلى العامل الثالث، وهو مخالفة العربية. ويتضح من دراسة كتاب “السبعة” أن ابن مجاهد لم يكن مجرد ناقل للقراءة، بل كان ناقداً لها. لا شك أن رئاسة ابن مجاهد ونفوذه كانا من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى استقرار القراءات السبع بين أهل القراءة، لدرجة أنه في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، أُلفت عدة كتب في القراءات السبع (الفضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، بي تا: 143-144).

5. التحليل والدراسة

يسعى هذا البحث إلى إيجاد جواب لهذا السؤال: لماذا شخصية فريدة مثل أبان بن تغلب، الذي أدرك محضر ثلاثة من الأئمة العظام: الإمام زين العابدين، والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق (عليهم السلام)، وله كتاب في “القراءات”، لم يُدرج ضمن القراء السبعة؟ وبعبارة أخرى، في القرن الرابع عندما قرر ابن مجاهد تحديد القراءات، وعرف سبعة أشخاص كقراء سبعة (وقراءات مشهورة)، ما هو سبب عدم إدراج أبان ضمن القراء المشهورين؟ في ما يلي، سنتناول بعض الأدلة ونحاول الإجابة على هذا السؤال قدر الإمكان بناءً على المصادر المتاحة.

5-1. السؤال الأول: ما هي العوامل التي أثرت في تحديد ابن مجاهد للقراءات؟

الجواب: بناءً على دراسة سيرة ابن مجاهد وأسباب تحديده للقراءات، يمكن استنتاج أن العوامل المؤثرة في نشوء وإقرار القراءات السبع هي:
1. شخصية ابن مجاهد العلمية البارزة والممتازة.
2. التزام ابن مجاهد بمدرسة الكوفة في النحو والقراءات.
3. نفوذ ابن مجاهد السياسي وقربه من وزراء الدولة الإسلامية وميل الحكومة العام إلى منح أبان سلطة الاجتهاد في جميع العلوم.
4. مكانة مدينة بغداد وعلمائها المرموقة في توجيه سائر العلماء.
5. ذكاء وفراسة ابن مجاهد في معرفة واستغلال الظروف وفهم الميول النفسية والاجتماعية لأهل عصره.
6. الميل العام إلى إنهاء الخلافات في القراءات.

5-2. السؤال الثاني: هل يمكن القول بأن القراء السبعة أسبق تاريخياً من أبان بن تغلب، وأن السبب الحقيقي لاختيارهم وتفضيلهم عليه هو الأسبقية الزمنية؟

الجواب: القراء السبعة من الناحية التاريخية هم:
1. أبو عبد الله نافع، المتوفى سنة 176 هـ. 2. عبد الله بن كثير المكي، المتوفى سنة 120 هـ. 3. عاصم بن أبي النجود الأسدي، المتوفى سنة 131 هـ. 4. حمزة بن حبيب الزيات، المتوفى سنة 156 هـ. 5. أبو الحسن الكسائي، المتوفى سنة 179 هـ. 6. أبو عمرو بن العلاء البصري، المتوفى سنة 154 هـ. 7. ابن عامر الدمشقي، المتوفى سنة 118 هـ (الخوئي، البيان، 1384). 8. أبان بن تغلب، المتوفى سنة 141 هـ (البغدادي، هدية العارفين، 1920). في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، من الواضح أن جميع القراء السبعة كانوا يعيشون في القرن الثاني، وأبان بن تغلب أيضاً عاش في العصر نفسه. أي أنه لم يكن أبان لاحقاً للقراء السبعة، ليقوم ابن مجاهد باختيار هؤلاء السبعة لكونهم أسبق منه.

5-3. السؤال الثالث: هل يمكن الادعاء بأن قراءة القراء السبعة كانت مشهورة بين الناس، بينما لم تحظَ قراءة أبان بمثل هذه الشهرة؟

الجواب: كان أبان بن تغلب، بتصريح علماء الفريقين، في زمرة كبار القراء، وله قراءة مستقلة ومشهورة عند القراء. وفي هذا الصدد، ورد في رجال النجاشي: «لأبان بن تغلب قراءة مشهورة عند سائر القراء».[9] (النجاشي، رجال النجاشي، 1407: 11). وكذلك ذكر الشيخ الطوسي عن أبان بن تغلب: «ولأبان رضي الله عنه قراءة منفردة».[10] (الطوسي، رجال الطوسي، 1415: 17). كما يقول آية الله الخوئي: «لأبان بن تغلب قراءة منفردة، وهي مشهورة عند سائر القراء» (الخوئي، معجم رجال الحديث، 1413). وقد أخبرني أبو الحسن التميمي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن يوسف الرازي المقرئ بالقادسية سنة 281، قال: حدثني أبو نعيم الفضل بن عبد الله بن عباس بن محمد العضدي الطالقاني، ساكن سواد البصرة سنة 255، قال: حدثني محمد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ، قال: سمعت أبان بن تغلب، وهو أقرأ من رأيت، وذكر قراءته من أولها إلى آخرها.[11] (الخوئي، معجم رجال الحديث، 1413). كما وصف ابن الجزري أبان بن تغلب بأنه شخصية جليلة قرأ على عاصم، وأبي عمر الشيباني، وطلحة بن مصرف، والأعمش. وفي الوقت نفسه، يعده واحداً من ثلاثة قراء ختموا القرآن على الأعمش (المدني، ميراث قرآني أبان ابن تغلب، 1394).

5-4. السؤال الرابع: هل يمكن الادعاء بأن كتاب “القراءات” لأبان لم يبقَ حتى القرن الرابع، وأن اختيار ابن مجاهد للقراء السبعة كان لأن كتب قراءاتهم كانت موجودة ومكتوبة ومدونة، فبنى كتابه “السبعة” على أساس قراءاتهم؟

الجواب: أبان بن تغلب، الذي يُعد من مشاهير قراء زمانه، كان له، بحسب الوثائق الموجودة وقول ابن النديم، مصنف مستقل بعنوان كتاب “القراءات” (ابن النديم، الفهرست، 1377: 302). وقد ألف كتاب “غريب القرآن” (المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، 1416). ويكتب آية الله الخوئي عن أبان: «كان أبان مقدماً في كل علم من علوم القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو، وله كتب مثل غريب القرآن وكتاب فضائل».[12] (الخوئي، معجم رجال الحديث، 1413). ويقول الميرزا محمد المشهدي عن أبان بن تغلب: «له كتاب معاني القرآن، والقراءات، والألفاظ في قريب القرآن» (المشهدي، تفسير كنز الدقائق، 1386: 7). بناءً على كونه من قدماء التابعين، يمكن اعتباره من رواد التأليف في مجال القراءات. وبما أن ابن النديم صرح في كتابه “الفهرست” بوجود كتاب القراءات لأبان، فمن المؤكد أنه كان موجوداً في زمن ابن مجاهد أيضاً.

5-5. السؤال الخامس: هل يمكن الادعاء بأن قراءة أبان كانت تعاني من خلل من حيث الأدب والقواعد النحوية، ولهذا السبب لم يخترها ابن مجاهد لأنها لم تكن موافقة لقواعد العربية؟

الجواب: يذكر الأدباء أبان بن تغلب ضمن كبار الأدباء. وقد بلغ جهده في هذا المجال حداً جعل النجاشي يعده من اللغويين الذين كانوا يسمعون اللغات من صميم العرب ويحكونها (المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، 1416). «هو قارئ، محدث، أديب، لغوي، نحوي».[13] (عمر كحالة، معجم المؤلفين، 1323). إن امتلاك فكر ثاقب في علم القراءة وغريب القرآن يستلزم خلفية أدبية ولغوية ونحوية قوية ومتينة. وفي الروايات التي وصلتنا عن أبان، نجد شواهد كثيرة تؤيد هذا الأمر. ومنها أن الإمام الصادق (عليه السلام) أحال إليه رجلاً جاء من الشام يطلب المناظرة، وقد غلبه أبان (المجلسي، بحار الأنوار، 1392: 47 / 407).

الخاتمة

اختار ابن مجاهد في انتقائه للقراء من كل مدينة شخصاً أجمع أهل تلك المدينة على قراءته، كما فعل الأنطاكي الذي اختار من كل مدينة شخصاً واحداً. لكن ابن مجاهد أضاف من مدينة الكوفة، بالإضافة إلى قراءة حمزة، قراءتين أخريين هما قراءة عاصم والكسائي، رغم أن القراءة الغالبة في الكوفة كانت قراءة حمزة. ومن ناحية أخرى، كان هناك أشخاص مثل أبي جعفر المخزومي في المدينة، ويعقوب الحضرمي في البصرة، وكذلك أبان، لهم قراءات مشهورة. ولو كان ابن مجاهد يسعى لجمع القراءات المشهورة، لكان عليه أن يقر قراءاتهم أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن قراء من مدن مختلفة، بما في ذلك بغداد، عارضوا عمل ابن مجاهد هذا ولم يقبلوا بمعاييره في القراءة، وتعرض للانتقاد بسبب عمله. وبالنظر إلى أن ابن شنبوذ لم يشترط لصحة القراءة التوافق مع رسم الخط، وأن ابن مقسم لم يشترط صحة السند، ندرك أن هذين الشرطين كانا لازمين لصحة القراءة في نظره. ومن ناحية أخرى، كان يولي أهمية للتوافق مع قواعد النحو العربي. ولكن إذا كانت الشهرة المحلية للقارئ هي المعيار المهم في الاختيار لديه، فلماذا لم يختر قراءة يعقوب وأبي جعفر اللذين كانا يتمتعان بشهرة كبيرة في البصرة والمدينة؟ وهذا الأمر أثار اعتراضات عليه. كان المعارضون يتساءلون: ما الفرق بين قراءة يعقوب والكسائي من حيث استيفاء الشروط الثلاثة؟ وهناك انتقادات أخرى تتعلق بحصر القراءات المعتبرة في سبع، إذ لا يوجد دليل عقلي أو نقلي وجيه لذلك. والآن، يجدر بنا أن نسأل عن شخصية فريدة وعالمة مثل ابن مجاهد: لماذا قراءة أبان بن تغلب، الذي عاصر القراء السبعة، لا تشوبها أي شائبة من حيث السند، لأنه أدرك محضر ثلاثة من الأئمة العظام، ومن المؤكد أن سند قراءته يعود إلى الأئمة (عليهم السلام)، وهو قد تعلم القراءة منهم، والإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق (عليهم السلام) تعود قراءتهم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقراءة علي (عليه السلام) تعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ من المؤكد أن قراءته، بحسب دراسات هذا البحث، لا تعاني من أي إشكالات من حيث مطابقتها لقواعد النحو واللغة العربية. وكانت قراءة أبان موجودة بشكل مكتوب وكانت مشهورة أيضاً، لكن الإشكال يبقى قائماً: لماذا لم تكن قراءته رسمية في نظر ابن مجاهد ولم تُحسب ضمن القراءات السبع؟ الإجابة الوحيدة التي توصل إليها الباحث بعد دراسات مطولة في الكتب ذات الصلة هي أنه ربما لم تكن قراءة أبان موجودة بشكل كامل حتى القرن الرابع الهجري، بينما كانت قراءات القراء السبعة موجودة بشكل مكتوب وأكثر كمالاً من ابن مجاهد، وهذا الأمر هو الذي أدى إلى اختيار قراءات أبان والتعريف بها للجميع كقراءات مشهورة.

الهوامش

1. تقوضت إليه الحق وأخليت له سارية النبي ﷺ، وكانت حلقات الدرس تُعقد حوله.

2. وكان أبان مقدماً في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو وله كتب.

3. كان أبان مقدماً في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو.

4. وكان أبان من الشخصيات الإسلامية التي امتازت باتقاد الذهن والاختصاص بعلوم القرآن.

5. له من المؤلفات: معاني القرآن – الفضائل – كتاب في تراجم.

6. ولأبان رضي الله قراءة مفردة، مشهورة عند القراء.

7. ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء.

8. إنه كان قارئاً من وجوه القراء، فقيهاً لغوياً سمع من العرب وحكى عنهم، وكان مقدماً في كل فن من العلم في القرآن، ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء. أخبرنا أبو الحسن التميمي عن أحمد بن سعيد عن محمد بن يوسف الرازي عن أبي نعيم عن محمد بن موسى صاحب اللؤلؤ قال سمعت أبان بن تغلب وما رأيت أحداً أقرأ منه وذكر قراءته إلى آخرها.

9. ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القراء.

10. ولأبان رضي الله عنه قراءة مفردة.

11. أخبرنا أبو الحسن التميمي، قال حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن يوسف الرازي المقرئ بالقادسية سنة إحدى وثمانين ومائتين قال حدثني أبو نعيم الفضل بن عبد الله بن عباس بن محمد الأزدي الطالقاني ساكن سواد البصرة سنة خمس وخمسين ومائتين قال حدثنا محمد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ قال سمعت أبان بن تغلب: وما رأيت أحداً أقرأ منه قط وذكر قراءته إلى آخرها، تقرأ القرآن من أوله إلى آخره.

12. وكان أبان مقدماً في كل فن من العلوم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو وله كتب منها تفسير غريب القرآن وكتاب الفضائل.

13. هو قارئ، محدث، أديب، لغوي، نحوي.

Scroll to Top