مقاربة فقهية لتحدي التعارضات الظاهرية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الملخص

من واجبات الشريعة الإسلامية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تدل على وجوبها جملة من الأدلة النقلية وحكم العقل. ومع ذلك، توجد أدلة يستظهر منها البعض لإثبات عدم وجوب هذه الفريضة. يسعى هذا البحث، بأسلوب وصفي-تحليلي وبالاستفادة من المصادر الوثائقية، إلى دراسة الدلالات التفسيرية والفقهية لهذه الأدلة على المدعى المذكور. تحقيقًا لهذه الغاية، بعد ذكر الأدلة العامة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، تم بحث الآراء الفقهية والتفسيرية حول ثلاث آيات: الآية 105 من سورة المائدة، والآية 256 من سورة البقرة، والآية 108 من سورة يونس. وفي الخطوة التالية، تم تناول التحليل الدلالي لروايتين قد يُستدل بهما على عدم الوجوب. والنتيجة التي توصل إليها البحث هي أن أيًا من الأدلة المذكورة لا تملك القدرة على تقييد أو تخصيص فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبقى إطلاقات الأدلة الدالة على وجوب هذه الفريضة على حالها ما لم يقم اطمئنان معتبر بحكم العقل بعدم تأثيرها.

المقدمة

يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم واجبات شريعة الإسلام. وقد أوصت آيات قرآنية صراحة بالدعوة إلى الحق والحقيقة. (راجع: آل عمران: 104 و 110؛ يوسف: 108؛ لقمان: 17؛ الأعراف: 157 و 199). وتكمن أهمية هذه الفريضة في أن بعض أئمة الدين اعتبروها سبباً لتحقيق المصلحة العامة، واعتبروا تاركيها من أسوأ الناس. (راجع: ابن بابويه، 1413هـ، ج3، ص586؛ الحر العاملي، 1419هـ، ج16، ص118). ويقول الإمام علي (عليه السلام) عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ» (الشريف الرضي، 1414هـ، ص542). كما اعتبر سيد الشهداء (عليه السلام) إقامة هذه الفريضة وتطبيقها الخارجي الهدف الأسمى لثورته (المجلسي، 1403هـ، ج44، ص329).

وقد استند بعض العلماء وجوب الأمر بالمعروف إلى حكم العقل (ابن إدريس، 1387هـ، ج10، ص36؛ فخر المحققين، 1387هـ، ج1، ص398). وفي المقابل، يرى آخرون أنه لا يمكن إثبات وجوب الأمر بالمعروف إلا بالدليل الشرعي (علم الهدى، 1387هـ، ص39؛ العلامة الحلي، 1412هـ، ج15، ص237). ومع ذلك، هناك نظرية تقول بإمكانية الاستناد إلى الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع لإثبات وجوب هذه الفريضة العبادية-الاجتماعية (جعفري، 1377ش، ص231).

ومع ذلك، يمكن العثور بين الأدلة النقلية المتعلقة بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على موارد يستغلها البعض ويستظهرون منها لإثبات عدم وجوب هذه الفريضة. وقد أدى التمسك بمثل هذه الاستنباطات إلى انحراف الكثير من الأفراد، كما سعى بعض المعاندين من خلال إبراز هذه الفهم الخاطئ إلى إضلال المجتمعات الإسلامية وإلقاء الشك والشبهة في قلوبهم. حتى إنه تم الادعاء بوجود تضاد بين هذه الأدلة والأدلة الدالة على وجوب هذه الفريضة. ويظهر من بعض الروايات أن هذا الفهم الخاطئ كان له سابقة في عصر نزول الآية أيضاً. فعلى سبيل المثال، يروي جبير بن نفير: «كنت في حلقة مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت أصغرهم سناً. فتحدثوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتدخلت في حديثهم وقلت: ألم يقل الله في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)؟ فما لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ففوجئت بأنهم جميعاً وبصوت واحد قد وبخوني واعترضوا علي قائلين: أتقتطع آية من القرآن دون أن تعلم تفسيرها؟!» (الطبري، 1411هـ، ج7، ص130).

من بين الأدلة التي يستخدمها معارضو وجوب الأمر بالمعروف، تم الاستفادة بشكل أكبر من ثلاث آيات: الآية 105 من سورة المائدة، والآية 256 من سورة البقرة، والآية 108 من سورة يونس. وفيما يتعلق بالروايات، هناك روايتان، تم تسميتهما في هذا البحث بـ«كفاية الإنكار القلبي» و«عدم استساغة النصيحة»، ولهما وضع مشابه لدى المعارضين. ومع ذلك، فقد أبدى العلماء المسلمون آراءً حول الآيات الثلاث المذكورة وحلولاً لرفع التعارض بينها وبين الأدلة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فبناءً على روايات العامة، لا يكون تأويل الآية 105 من سورة المائدة إلا عند نزول عيسى (عليه السلام) إلى الأرض (السيوطي، 1404هـ، ج2، ص340). وظن البعض أن هذه الآية جاءت لرفع حكم الأمر بالمعروف في مواجهة أهل الكتاب (ابن الجوزي، 1422هـ، ص136). ووفقاً لروايات من العامة أيضاً، سيأتي زمان في مستقبل الإسلام لن يكون فيه الأمر بالأفعال الحسنة مقبولاً؛ وفي ذلك الزمان يجب على المرء أن يهتم بنفسه (راجع: السيوطي، 1404هـ، ج2، ص339). وبحسب رواية أخرى، فإن تأويل الآية يكون بأنه في زمن اختلاف الآراء والأهداف، يجب الاكتفاء بأمر النفس ونهيها (البيهقي، 1421هـ، ج6، ص83).

ووفقاً لرأي آخر، فإن الآية 105 من سورة المائدة، في مقام بيان أولوية الاهتمام بإصلاح النفس في واجبات الفرد المسلم (معرفت، 1384ش، ص46). وهناك اعتقاد أيضاً بأن الآية تتعلق بالزمان الذي يكون فيه الأمر بالمعروف مفسداً (أطفيش، 1425هـ، ج2، ص162). كما اعتبرها البعض دالة على وجوب الأمر بالمعروف (القرطبي، 1364ش، ج6، ص346). وفي روايات تفسيرية، فإن الآيات التي تبدو ظاهراً أنها تدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف، إنما هي تحذير من تتبع عيوب الناس الخفية (القمي، 1404هـ، ج2، ص189). وقد قيد البعض إطلاقات الأدلة بحكم العقل باحتمال تأثير الأمر والنهي (قرباني، 1391ش، ج4، ص193).

رغم كل هذا، لا يمكن العثور على مقاربة فقهية شاملة تدرس مجموع أدلة المعارضين. لذا، يسعى هذا البحث إلى الإجابة على الأسئلة التالية بناءً على المباني الفقهية لعلماء الإمامية: ما هي العلاقة بين الأدلة المدعاة لعدم وجوب الأمر بالمعروف والأدلة الدالة على وجوبه؟ ما هي المقاربات المتبعة لرفع التعارض البدوي بين هذه الأدلة وما هو الرأي المختار؟

لقد كُتبت مؤلفات عديدة في علوم الحديث والتفسير والفقه والكلام حول موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد خصص الفقهاء المسلمون، بعد بحث مسألة الجهاد، باباً فقهياً لهذا الموضوع. وفي الكتابات السابقة، عادة ما يُبحث في أدلة وجوب هذه الفريضة وفروعها استناداً إلى الأدلة اللفظية. ومن بين الكتابات التي تناولت هذا الموضوع بشكل مستقل: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (1429هـ) بقلم طالب الخليل العاملي، و«الأمر بالمعروف والنهي؛ أصوله وضوابطه وآدابه» (1415هـ) لخالد بن عثمان السبت، و«أمر به معروف و نهى از منكر» (1371ش) لآية الله حسين نوري همداني، و«فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (1396ش) بجهود حيدر حب الله، و«پژوهشی در امر به معروف و نهی از منکر از دیدگاه قرآن و روایات» (1374ش) بقلم محمد إسحاق مسعودي.

وبحسب بحث الكاتبين، تم العثور على المقالات التالية ذات الصلة بالموضوع المحوري لهذا البحث: في مقال «آية (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وصلتها بمقولتي بناء الذات وبناء الآخرين بالاعتماد على رأي العلامة الطباطبائي» (1392ش) بقلم مرتضى إيرواني نجفي، استناداً إلى الآية 105 من سورة المائدة، اعتُبر الأمر بالمعروف من شؤون الاشتغال بالنفس. وفي مقال «مدخل إلى معرفة المفاهيم الأخلاقية في القرآن؛ بحث في ضرورة معرفة حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاعتماد على الآية 105 من سورة المائدة» (1391ش) لسيد محمد صادق حسيني سرشت، تمحور المقال حول الإجابة على شبهة التعارض الظاهري بين الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والآيات التي تشير إلى عدم مسؤولية الأفراد عن أعمال الآخرين. في هذا البحث، تم استعراض أنواع الارتباط المحتمل بين الآية قيد البحث والآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النحو التالي: النسخ، التقييد، التباين، التساوي، كون الآية 105 واردة في سياق التقية، وفي مقام بيان الجانب الاجتماعي للدعوة. إن النقل المباشر والمطول للأقوال في هذا البحث وتخصيص أكثر من نصف المقال لعموميات حول الأمر بالمعروف، قد أضعف جانبه البحثي بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم التطرق إلى سائر الأدلة التي تثير تحدياً في بحث وجوب الأمر بالمعروف.

على الرغم من كل هذه الجهود المشكورة، لم يتم العثور على مؤلف يتناول بشكل مستقل الأدلة القرآنية والروائية التي يستند إليها معارضو وجوب هذه الفريضة ويقدم إجابات مناسبة. ومن جوانب التجديد في هذا البحث، الاستفادة من مصادر التفسير وفقه الحديث، وكذلك مراعاة الاستنباط الفقهي في مواجهة الأدلة ذات الصلة.

1. دراسة المفهوم

قبل البدء في السؤال الرئيسي والإجابة عنه، من الضروري توضيح المفاهيم كثيرة التداول في هذا البحث:

1-1. مفردتا الأمر والنهي

ذكر اللغويون أن كلمة «الأمر» لها معانٍ متعددة منها: الطلب، العمل، الشأن، الأمر العظيم، وما هو معروف ومقبول (راغب أصفهاني، 1412هـ، ص 88-89؛ ابن فارس، 1404هـ، ج1، ص137؛ الأزهري، 1421هـ، ج15، ص207؛ ابن دريد، 1988م، ج2، ص1069). والأمر في اصطلاح علم الأصول هو: طلب الفعل من الغير مع استعلاء الطالب، وطلب من هو في مرتبة أدنى أو مساوية لا يسمى أمراً إلا على سبيل المجاز (آخوند خراساني، 1410هـ، ص 61، 62 و 63).

أما النهي في اللغة فيعني «الزجر عن الشيء»، أي المنع منه (راغب أصفهاني، 1412هـ، ص 826)، وهو المعنى المقابل للأمر (في معناه الثاني: الطلب والفرمان) (فراهيدي، 1410هـ، ج4، ص93). وللتمثيل، تأمل كلمة «نهى» في هذه الآية: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) (النازعات: 40)، أو الآية الأخرى التي وردت فيها كلتا الكلمتين: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90). يُطلق على من ينهى «ناهٍ»، وعلى من يُخاطَب بالنهي «منهي»، والفعل الذي يُنهى عنه «منهي عنه».

1-2. عبارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عرّف اللغويون «المعروف» من جذر «عرف» بأنه ما يستحسنه العقل والشرع ويقبله الناس (راغب أصفهاني، 1412هـ، ص 561؛ مصطفوي، 1430هـ، ج8، ص118). وبناءً على ذلك، فإن كل عمل معروف يجلب الطمأنينة والسكينة للإنسان، وكل عمل منكر يسبب له النفور والاضطراب (ابن فارس، 1404هـ، ج4، ص281).

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحث على الخير والمنع من الشر. ومراد الفقهاء من الأمر والنهي هو مطلق التحريض على فعل شيء أو تركه، سواء كان بالقول أو بالفعل. والمراد بالمعروف في هذا التعريف كل فعل مستحسن عقلاً أو شرعاً، سواء كان واجباً أو مستحباً. والمراد بالمنكر كل فعل قبيح محرم (النجفي، 1981م، ج21، ص356؛ السبزواري، 1413هـ، ج15، ص213؛ الخوانساري، 1355، ج5، ص398).

1-3. مفردة التعارض

التعارض في اللغة من باب تفاعل ومادته «عرض». وقد ذكر البعض أن معنى هذه المادة هو الإظهار (الجوهري، 1374هـ، ج3، ص1082). ولكن بالنظر إلى الاستعمالات والارتكاز العرفي، يتضح أن هذه المادة تعني المنع، ومن هذا الباب جاءت كلمة «تعارض» بمعنى «منع كل من الطرفين للآخر» (الطباطبائي الحكيم، 1414هـ، ج6، ص100). والتعريف الاصطلاحي للتعارض عند المشهور هو تنافي مدلولي دليلين على نحو التناقض والتضاد؛ وهذا التعريف هو المشهور وقد قبله معظم المحققين (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص11).

2. أدلة المستند إليها من قبل القائلين بعدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لإثبات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يُستدل بآيات من القرآن الكريم (راجع: الحج: 41؛ آل عمران: 104؛ التحريم: 6؛ آل عمران: 113-114؛ التوبة: 71؛ المائدة: 63؛ لقمان: 17) (راجع: الثعلبي، 1423هـ، ج2، ص210؛ المقدس الأردبيلي، د.ت، ص572؛ فاضل، 1365ش، ج2، ص373؛ قرباني، 1391ش، ج4، ص41، 46، 50، 67 و 76؛ الجصاص، 1405هـ، ج2، ص315؛ ج5، ص219). ويقول الإمام الخميني في كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أن هناك 13 آية تدل صراحة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الخميني، 1392ش، ص525). كما يُستدل بمجموعة من الأخبار في هذا الباب (راجع: الحر العاملي، 1409هـ، ج16؛ صص117-126). ومع ذلك، هناك رأي يرى أنه يمكن استظهار عدم الوجوب من بعض الأدلة. وفي هذا الرأي، يُستند إلى ثلاث آيات من القرآن الكريم وعدد من الروايات، وهو ما سيأتي بيانه.

3. آيات عدم وجوب الأمر بالمعروف

في هذا القسم، سيتم بحث ادعاء دلالة ثلاث آيات على عدم وجوب الأمر بالمعروف.

3-1. آية 105 سورة المائدة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة: 105).

من وجهة نظر القائلين بعدم الوجوب، تدل هذه الآية فقط على إلزام النفس بأداء الأعمال الصالحة، وتمنع من إلزام الآخرين بها (راجع: القاضي عبدالجبار، د.ت، 124؛ الطريثيثي، 1436هـ، ص731؛ الماتريدي، 1426هـ، ج3، ص436). وفي تقريب استدلالهم على عدم وجوب الأمر بالمعروف من هذه الآية، قيل إن ظاهرها يدل على عدم الاهتمام بأعمال الآخرين (راجع: المنتظري، 1409هـ، ج2، ص240؛ الروحاني، 1435هـ، ج19، ص289).

وقد استُدل بالآية لإثبات عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النحو التالي: كلمة «عليكم» حلت محل الفعل، وكلمة «أنفسكم» مفعول به. وهذا يشبه عبارة «عندك زيداً» التي هي كناية عن الأخذ بزيد. وهنا أيضاً، تقول الآية: لا شأن لكم بالآخرين؛ أي اهتموا بأنفسكم (الطبرسي، 1372ش، ج3، ص154). ظاهر الآية هو أنه يجب على كل شخص حفظ نفسه بأداء الواجبات وترك المحرمات، ولا علاقة له بضلال وهداية الآخرين (راجع: المنتظري، 1409هـ، ج2، ص241).

ويستدل العلامة الطباطبائي للقائلين بعدم وجوب الأمر بالمعروف بالاستفادة من عبارة (مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) على النحو التالي: إن الآية بدلالة الاقتضاء تفيد أنها إخبار عن نفي الضرر، لأنه من المعلوم أنهم يضرون. وبما أن المعنى الأولي يخالف الواقع، فصوناً لكلام الحكيم عن الكذب، ومن جهة أخرى، فإن كلام الحكيم خالٍ من الكذب، يمكن أن نفهم بدلالة الاقتضاء أنها كناية عن أنه لا تكليف عليكم تجاه ضلالهم (الطباطبائي، 1390ش، ج6، ص167). وقد قدم بعض الفقهاء المعاصرين بياناً مختلفاً للاستدلال بالآية، حيث يقولون إنه عندما يدور الأمر بين حفظ النفس من المعاصي وهداية الآخرين، فإن حفظ النفس من المعصية مقدم. ودليل ذلك هو أن ضرر أهل الضلال والمعصية على المؤمنين يكون بسبب وسوستهم أو بسبب تركهم لواجب الهداية والإرشاد أو بسبب إنكارهم للمعاصي وتركهم للأمر بالمعروف. والآية المذكورة تشمل كلا الحالتين بإطلاقها (المازندراني، 1425هـ، ج3، ص191).

3-1-1. حلول التعارض الظاهري

قبل بيان الحلول المحتملة من قبل علماء الفريقين لحل التعارض الظاهري بين الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظاهر الآية المذكورة، من المناسب ذكر التقارير التاريخية والروائية حول شأن نزول هذه الآية، حتى يتسنى العثور على قرائن مناسبة لجو صدور الآية وبالتالي تفسيرها بشكل مناسب.

وفقاً لأحد التقارير، نزلت هذه الآية بعد الحادثة التالية: خيّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربع مجموعات من المشركين: العرب، واليهود، والصابئة، والمجوس، بين قبول الإسلام أو دفع الجزية. فأعرضت هذه المجموعات الأربع عن الإسلام وقبلت دفع الجزية. ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر مشركي العرب بقبول الإسلام. بعد صدور هذا الحكم، وصف المنافقون، بحجة البحث عن ذريعة، سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجاه غير المسلمين بأنه متعدد الأوجه (راجع: الواحدي، 1411هـ، ص25). وقد أدى قبول هذا الشأن للنزول إلى أن يظن البعض أن الآية تقتصر على بيان كيفية التعامل مع أهل الكتاب وعدم وجوب الأمر بالمعروف تجاههم (ابن الجوزي، 1422هـ، ص136). ووفقاً لتقرير آخر، نزلت هذه الآية لتبديد ظن بعض المؤمنين بتأثرهم المعنوي بضلال آبائهم المشركين (البقاعي، 1427هـ، ج2، ص553).

على الرغم من هذه التقارير، قدم العلماء المسلمون حلولاً لرفع التعارض البدوي، والتي ستأتي لاحقاً.

3-1-1-1. تقييد وتخصيص حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بواسطة الآية

سعياً من بعض الفقهاء لرفع التعارض الظاهري بين الآية والأدلة الدالة على الوجوب، قاموا بالجمع الدلالي، وأدت جهودهم إلى ظهور ثلاثة آراء، هي:

أ) يرى البعض أن ظاهرها الأولي يدل على عدم الوجوب، ويجعلون حكمها سارياً في الظروف التي لا يمكن فيها هداية الضالين بأي وسيلة (التهراني، 1393هـ، ص146). أو عندما لا يكون هناك تمكن من التكليف أو لا يكون للأمر بالمعروف تأثير، تبرأ ذمة الشخص من التكليف (مكارم الشيرازي، 1409هـ، ج5، ص110؛ الحسيني الشيرازي، 1426هـ، ص138). بعبارة أخرى، في الحالات التي يتوقف فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجود قوة مؤثرة على المخاطب وهذا الشرط غير متوفر، يُرفع الوجوب (التهراني، 1393هـ، ص155). وفي مثل هذه الظروف، تكون وظيفة الفرد هي حفظ نفسه (قرائتي، 1390ش، ج2، ص389).

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يؤيد هذا القيد والمعنى. يقول أبو ثعلبة الخشني إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن آية (عليكم أنفسكم)، فقال: «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ – يَعْنِي – بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» (المجلسي، 1403هـ، ج97، ص83). وفي مفهوم مشابه ورد في بعض روايات العامة: «أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم»؛ أي، أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يترتب على ذلك سوط أو سيف (كناية عن الأضرار الفردية المحتملة من أداء هذه الفريضة)؛ ففي هذه الحالة، اهتموا بإصلاح أنفسكم (السيوطي، 1404هـ، ج2، ص339). وبناءً على هذه الروايات، يُقيَّد حكم الآية بالوقت الذي لا يكون فيه للأمر بالمعروف أثر.

ب) وهناك رأي آخر يرى أن المجال البياني للآية يتعلق بالمجتمعات الغارقة في الفساد والانحراف. وفي مثل هذه الحالة، يكون السبيل الوحيد لإصلاح المجتمع هو البدء بإصلاح النفس وعدم توقع شيء من الآخرين (السبحاني، 1399ش، ج9، ص468). في مثل هذه الظروف، لا يستقر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ج) وقد قيّد البعض الآية على هذا النحو: بدون الإصلاح الشخصي وبناء الذات، لن يستقر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفرد (القشيري، 2000م، ج1، ص452) لأنه سيؤدي إلى الغفلة عن نفسه. وأضاف البعض، بالإضافة إلى الشرط المذكور، شرطاً ثانياً وهو تلقي أمر خاص من الله للقيام بالأمر بالمعروف (ابن عجيبة، 1419هـ، ج2، ص85).

دراسة ونقد

تجدر الإشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن تقسيمه إلى مجالين: فردي وحكومي. والمجال البياني للروايات التي تشير إلى تجنب نهي الظالمين يتعلق بالأمر بالمعروف الشخصي؛ لأنه في الظروف التي لا يكون فيها أداء هذه الفريضة مجدياً، بل يسبب هتك الأعراض أو إلحاق أنواع الأذى بالآمر والناهي، فإن ذلك لا يتوافق مع قواعد الإسلام العقلانية. ولهذا السبب، يرى الفقهاء أن مجرد العلم بعدم التأثير أو الاطمئنان به، يسبب سقوط الوجوب (المنتظري، 1409هـ، ج2، ص245). بناءً على ذلك، فإن الروايات المستخدمة في توضيح الاستدلال بالآية على تقييد حكم الأمر بالمعروف، تتعلق فقط بهذه الفريضة في المجال الفردي ولا يمكن تقييد المجال الحكومي للأمر بالمعروف بهذه القيود.

كما أنه لا يمكن قبول وجود التقييد إلا إذا صدر الدليل المقيد بعد الدليل المطلق. في حين أن العمومات والإطلاقات الدالة على شمولية الأمر بالمعروف، هي في الغالب روايات صدرت بعد نزول الآية 105 من سورة المائدة. ومن جهة أخرى، لا يوجد وقت محدد لصدور الآية مقابل الآيات الدالة على العمومات ليتمكن من تقييد العمومات والإطلاقات بشروط وقيود خاصة (راجع: شب زنده‌دار، درس خارج فقه، سنة 94).

ومن جهة أخرى، بالنظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة والصالحين، يمكن ملاحظة أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الرغم مما يكتنفها من صعوبات ومخاوف، لم تُترك قط (رشيد رضا، 1414هـ، ج4، ص32). فلا يمكن القبول بأن قلة عدد المؤمنين في المجتمعات الفاسدة سبب لعدم وجوب الأمر بالمعروف. بل على العكس، في مثل هذه الظروف، يكون الضالون في أمس الحاجة إلى إرشاد الواعين ليهتدوا إلى المعروف ويتجنبوا المنكرات. كما لا يمكن القبول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسبب الغفلة عن إصلاح النفس، لأن أحد مراتب إصلاح النفس هو أداء الواجبات كالأمر بالمعروف. وبناءً على ذلك، لا يمكن بسهولة التخلي عن إطلاقات وعمومات الأدلة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف. وسيتم الحديث أكثر عن ذلك في قسم الرأي المختار حول الآية.

3-1-1-2. نسخ الآية بآيات أخرى

يعتقد البعض أن الآية 105 من سورة المائدة منسوخة (الجصاص، 1405هـ، ج4، ص155). وهؤلاء يرون أن آيات الجهاد والأمر بالمعروف ناسخة لحكم هذه الآية (راجع: النصيري، 1387ش، ج5، ص311؛ جوادي آملي، 1389ش، ص157). ويرى آخرون أن جزءاً من الآية ينسخ جزءاً آخر. وذلك بأن فقرة (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) تعني تجنب التدخل في شؤون الآخرين، وفقرة (لَا يَضُرُّكُم) تدل على وجوب الأمر بالمعروف، مما يسبب نسخ الفقرة السابقة (آل غازي، 1382ش، ص385). ويرى البعض أيضاً أنه إذا فُهمت فقرة (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) بمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها ستكون ناسخة لفقرة (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) (النحاس، د.ت، ص281).

دراسة ونقد

بغض النظر عن أن البعض لم يعتبروا الآية 105 من سورة المائدة منسوخة فحسب، بل اعتبروها من الآيات المحكمات التي حكمها سارٍ على الدوام (راجع: ابن الجوزي، 1422هـ، ص136)؛ يعتقد البعض بحق أن هذه الآيات تندرج ضمن آيات تبليغ الدين والدعوة إلى الحق، والتي بسبب أهمية واستمرارية موضوع التبليغ، لا تقبل النسخ أبداً (الطباطبائي، 1390ش، ج6، ص168). يجب الانتباه إلى أن المجتمع الإسلامي سيتضرر أيضاً بسبب انتشار الضلال وفسق الكافرين (رشيد رضا، 1414هـ، ج4، ص31). ولهذا، لا يمكن القبول بأن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد عُطّل في المجتمع الإسلامي، ولو لفترة قصيرة.

كما أن الكبرى الكلية لادعاء وقوع النسخ في آية واحدة مخدوشة. لأنه بناءً على تعريف النسخ، يمكن تسمية الموارد التي يكون حكمها مبيناً وهذا الحكم يبدو دائماً في نظر المخاطبين بالنسخ (الخوئي، 1401هـ، ص277؛ معرفت، 1429هـ، ج2، ص267). بينما في الآيات التي تُبيَّن في خطاب واحد، فإن الظن بديمومة حكم الجزء الأول من الآية غير صحيح. لأن ظهور الكلام يتشكل بعد إلقاء الكلام كاملاً، لا في أثناء أدائه. لذلك، لا يمكن قبول ادعاء وقوع النسخ في الآية 105 من سورة المائدة بواسطة آيات الجهاد والقتال، ولا يمكن اعتبار نسخ فقرتها الأولى بفقرتها الأخيرة معتبراً.

3-1-1-3. حمل الآية على التقية

يرى البعض أن الآية قيد البحث لا تدل على وجوب أو عدم وجوب الأمر بالمعروف؛ بل هي في مقام بيان التقية (الطوسي، د.ت، ج4، ص41). بمعنى أنه يجب الحذر من الضالين قدر الإمكان حتى لا تؤدي الهداية الشخصية إلى إلحاق الضرر بالشخص المتقي من قبل الضالين (راجع: النجفي الخميني، 1358ش، ج4، ص277-278). في هذه المقاربة، تكون دعوة الضالين إلى الحق والأمر والنهي مشروطة بحالة لا تكون فيها تقية، وإذا كان هناك خوف من ضرر محتمل من قبل الضالين، تُلغى الدعوة. وبناءً على رواية مرسلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، نزلت هذه الآية في شأن التقية (البحراني، 1374ش، ج2، ص374).

دراسة ونقد

بالإضافة إلى أن ظاهر الآية لا يتوافق مع هذا الفهم (الطباطبائي، 1390ش، ج6، ص165)؛ لا يمكن إيجاد دليل على إشراف الآية على حالة التقية. كما مر، كانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة دائماً معارضة للانحرافات والمنكرات. لدرجة أن الثورات الإسلامية الكبرى كانت تهدف إلى إرساء الأمور الشرعية في المجتمع وإعزاز الدين، على الرغم من الصعوبات والأضرار وحتى التضحية بالنفس؛ وليس تجنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة حفظ النفس. بالطبع، أحد شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عدم وجود ضرر على النفس والمؤمنين؛ ولكن ليس في الحالات التي يكون فيها كيان المجتمع الإسلامي في خطر. في مجتمع يقوم فيه بعض الأفراد ذوي القوة الظاهرية بأعمال مخالفة للدين، لا يمكن التخلي عن هداية ونهي هؤلاء الأفراد بحجة التقية.

3-1-1-4. حمل الآية على إصلاح الوضع الاجتماعي للمجتمع الإسلامي

يرى البعض أن المراد بعبارة «أنفسكم» هم سائر المتدينين بدينكم (الفخر الرازي، 1420هـ، ج12، ص449؛ وكذلك راجع: المنتظري، 1409هـ، ج2، ص241؛ الروحاني، 1435هـ، ج19، ص289). ومن هذا المنطلق، تشبه طريقة المخاطبة في آية (لَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) (نوري همداني، 1371ش، ص46). بمعنى أن الآية في مقام خطاب الأمة ووضع أعمال أفراد المجتمع في إطار كيان مستقل. أي أن ضمير «كم» في «أنفسكم» يتعلق بنوع المخاطبين وليس بكل فرد منهم. وقد قال البعض بشكل تشكيكي إنه إذا كان المراد بـ(عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) هو الفرد مقابل الآخرين، فإن مراد الآية هو رعاية أفراد المجتمع لإيمان بعضهم البعض. هنا، المقصود بـ«أنفسكم» بسبب القرائن هو المجتمع، وعندما نقول «عليكم» بمعنى «الزموا»، تكون النتيجة أن تهتموا بإصلاح المجتمع وإيمانهم (هاشمي رفسنجاني، 1386ش، ج4، ص452).

دراسة ونقد

يبدو أن استظهار كون المراد هو المجتمع الإسلامي من عبارة «أنفسكم» المذكورة، هو خلاف ظاهر الآية (شب زنده‌دار، درس خارج فقه، سنة 94). وحتى لو كان المراد بـ«أنفسكم» هو المجتمع الإيماني، فإن أحد أهم طرق الاهتمام بالمجتمع هو وعظ الإخوة الإيمانيين من خلال تعريفهم بالمعروف ومنعهم من المنكرات. وبناءً على هذا الفهم، روي عن ابن عباس أن المراد هو رعاية الأقران، ووعظهم، ومنعهم من الأفعال القبيحة (راجع: الطبرسي، 1372ش، ج3، ص254).

3-1-2. الرأي المختار حول الآية

بالنظر إلى مفهوم الآية السابقة1 التي تتناول تقليد أهل الجاهلية لآبائهم الضالين، ويعتبر القرآن الكريم هذا التقليد غير متوافق مع العقل والمنطق؛ من المناسب دحض فكرة تأثير ضلال المحيطين غير القابلين للحق على المهتدين. ولهذا، في الآية الشريفة، تُنسب أعمال كل من المجموعتين إلى أنفسهم. بعبارة أخرى، الآية في مقام بيان هذا الأصل وهو أن ضلال الآباء وعائلة الأفراد المهتدين لا يؤثر على طريق هداية المؤمنين (الطوسي، د.ت، ج4، ص41؛ الروحاني، 1435هـ، ج19، ص290). وبتعبير آخر، تدل الآية على اختيار الإنسان في قبول العقائد وأداء الأعمال (فاضل لنكراني، د.ت، ج1، ص394). وبهذا البيان، يتوافق مفهوم الآية مع آيات مثل (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)؛ و(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: 286)؛ و(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (الأنعام: 164). أي أن لا أحد يؤاخذ بذنب غيره (الثعلبي، 1423هـ، ج3، ص216).

الآية تعبر عن استقلالية الإنسان في الفكر والإرادة. بمعنى أنه حتى لو كان في مجتمع يعاني فيه الكثيرون من الضلال، فإن واجب المؤمنين هو أن يلتزموا بنهجهم الإيماني. ويقول علي (عليه السلام) في هذا الصدد: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ» (الشريف الرضي، 1414هـ، ص319). بناءً على ذلك، الآية في مقام بيان المسؤولية الفردية الشخصية لخلق مجتمع إيماني (معرفت، 1429هـ، ج2، ص33)، لأن ضلال الآخرين لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام تربية النفس. فإذا كان المؤمنون قابلين للهداية وأقاموا الأمر بالمعروف، فإن عدم قابلية الضالين للهداية لن يضر بمسيرة تهذيب النفس (السبزواري، 1428هـ، ج12، ص316). أي لا داعي لأن يتعب المؤمنون أنفسهم بسبب انحراف أهل الفساد حتى يسلموا بالضرورة (الأبياري، 1405هـ، ج9، ص408).

يبدو أن القائلين بعدم الوجوب قد فهموا أن الاهتمام بالنفس ينفي هداية الآخرين. والجدير بالذكر أن الاهتمام بهداية النفس لا يتعارض تماماً مع أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بعبارة أخرى، الاشتغال بالنفس لا يعني دائماً الغفلة عن التكليف تجاه الآخرين. لأن أحد مصاديق إصلاح النفس هو توجيه الآخرين إلى الأعمال الصالحة وتحذيرهم من الانحرافات. كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد شؤون الاهتمام بالنفس (الطباطبائي، 1390ش، ج6، ص164) وتنمية وكمال النفس (السبزواري، 1428هـ، ج12، ص320). ومن هذا المنطلق، هناك تأكيد في الآية على وجوب الأمر بالمعروف. ومن جهة أخرى، فإن متعلق الرعاية بالنفس في فقرة (عليكم أنفسكم) هو رعاية الإيمان ولوازمه. لأن هذه الجملة جاءت بعد خطاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (هاشمي رفسنجاني، 1386ش، ج4، ص451). كما أن قابلية الهداية في فقرة (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) تتحقق بالعمل بأمور الشريعة، التي أحدها هو الأمر بالمعروف.

3-2. آية 256 سورة البقرة

في جزء من آية الكرسي جاء: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).

يستفيد بعض معارضي الإسلام من هذه الآية لإثبات أي شكل من أشكال الحرية بناءً على أحكام الإسلام، ويعتبرونها مخالفة لأحكام مثل الجهاد والأمر بالمعروف (راجع: سها، 1392ش، ص625). ولتقريب الاستدلال بالآية، يمكن القول إن عبارة (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) إنشائية، ومفادها الإرشاد إلى عدم الإجبار على قبول الدين. فمن باب أولى، يكون الإجبار في فروع الدين منهياً عنه أيضاً. وبالتالي، تتعارض مع الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف. كما أنه إذا اعتبر الدين مجموعة العقائد وفروع الأديان، فإن الآية تبين أنه لا يوجد حكم إكراهي في الإسلام. ومن هذا المنطلق، تشبه مفاد حديث «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وبناءً على ذلك، تعبر الآية عن مفهوم يتعارض مع الأدلة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (راجع: خياط، د.ت، ج1، ص188) (راجع: شبر، 1412هـ، ج1، ص79).

دراسة ونقد

المجال الموضوعي للآية يتعلق بالعقيدة القلبية وليس الأحكام الظاهرية والاجتماعية (الحسيني الطهراني، 1418هـ، ج4، ص208؛ السند، 1433هـ، ص103). لأن الدين بمعنى التصديق القلبي، وهذا التصديق لا يقبل الإكراه (السبحاني، 1432هـ، ص459). بعبارة أخرى، الآية تتعلق بمرحلة التكوين لا التشريع (المظاهري، 1386ش، ج1، ص340). بناءً على ذلك، تدل الآية في النهاية على نفي الإجبار في القبول الأولي للدين (زارعي سبزواري، 1430هـ، ج9، ص259).

3-3. آية 108 سورة يونس

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) (يونس: 108).

قد يبدو أن ظاهر هذه الآية الأولي يدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك بأن فقرة (وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) تأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول للآخرين إنه لا مسؤولية عليه تجاههم (راجع: الطبري، 1412هـ، ج11، ص122). وقد قال البعض لتقريب الاستدلال بهذه الآية إن الفقرة المذكورة تتنافى مع وجوب الأمر بالمعروف (راجع: الروحاني، 1435هـ، ج12، ص291). ويعتقد البعض أيضاً أن مفاد هذه الآية منسوخ بمفاد آية السيف أو آية القتال (ابن سليمان، 1423هـ، ج2، ص252؛ النحاس، د.ت، ص268؛ الفخر الرازي، 1420هـ، ج17، ص311؛ النجفي الخميني، 1358ش، ج7، ص214). وبناءً على ذلك، لم يكن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوب إلا قبل نزول الآيات المذكورة.

دراسة ونقد

الوكالة في هذه الآية تعني أن يكون شخص وكيلاً عن شخص آخر، مسؤولاً عن هدايته أو شقاوته. وبناءً على ذلك، فإن نفي الوكالة يعني أن لا أحد مسؤول عن تأمين سعادة أو تجنب شقاوة غيره (جوادي آملي، 1394ش، ج37، ص441). وفي رواية تفسيرية، فُهمت هذه الآية على أنها حصر لوظيفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة، بحيث لا مسؤولية عليه في حفظ أعمال الآخرين (راجع: البحراني، 1374ش، ج2، ص374).

الضلال في هذه الآية هو ثمرة عدم قبول دعوة الحق، وفقرة (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) تعني أن الأفراد مختارون في قبول دعوة الحق أو الإعراض عنها، ولا مسؤولية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبول أو رفض المخاطبين (القمي، 1363ش، ج1، ص321؛ الروحاني، 1435هـ، ج19، ص291؛ فاضل لنكراني، د.t، ج1، ص394)؛ ليقوم بالعمل الذي هو منوط بهم (الطباطبائي، 1390ش، ج10، ص133). بعبارة أخرى، الشخص الوحيد المسؤول عن أعماله هو الشخص نفسه (الطبري، 1412هـ، ج11، ص122).

كما أن فكرة نسخ الآية لا تستند إلى دليل قوي، وأساساً لا علاقة لموضوع اختيار الأفراد في طريق السعادة أو الشقاوة بموضوع الجهاد. ويبدو أن فكرة النسخ نشأت لأن موضوع الآية 108 من سورة يونس فُهم على أنه الدعوة إلى الدين في بداية البعثة، وموضوع آيات الجهاد مع المشركين فُهم على أنه الدعوة إلى الدين في زمن قوة المسلمين. ولهذا، بسبب قوة المسلمين، تُصوِّر أنه يجب استخدام أساليب قسرية في دعوة الدين. ولكن هذه الفكرة غير مقبولة بسبب اختلاف موضوع هذه الآيات. لأن الحديث في الآية 108 من سورة يونس هو عن الاختيار القلبي الحر الأولي في قبول الحق أو الإعراض عنه، وهو أصل عام. ولكن في الآيات المتعلقة بالقتال، الحديث عن حكم طريقة التعامل مع الأفراد الذين تصدوا للإسلام؛ لا الأفراد الذين هم مختارون في اختيار السعادة أو الضلال.

بناءً على ذلك، الآية في مقام بيان نطاق مسؤولية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجالي الإبلاغ والإنذار، وتبين أن قبول أي من الطريقين المؤديين إلى الهداية أو الضلال من قبل المخاطبين بالدعوة، هو خارج عن نطاق مسؤولية النبي (معرفت، 1429هـ، ج2، ص349).

4. روايات عدم وجوب الأمر بالمعروف

استُخدمت بعض الروايات للحكم بعدم وجوب الأمر بالمعروف، وفي هذا القسم سيتم تناول روايتين بارزتين في هذا الموضوع.

4-1. الرواية الأولى (كفاية الإنكار القلبي)

يروي علي بن إبراهيم القمي في حديث موثق بإسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «حَسْبُ الْمُؤْمِنِ عِزّاً إِذَا رَأَى مُنْكَراً أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَلْبِهِ إِنْكَارَهُ» (الحر العاملي، 1409هـ، ج11، ص409). ولإثبات عدم الوجوب من هذه الرواية، يمكن الاستدلال على النحو التالي: إنكار المؤمن القلبي عند مواجهة المنكرات كافٍ لعزته في حياته الإيمانية. بعبارة أخرى، لو كان النهي اللساني أو العملي واجباً عليه، لما كان الإنكار القلبي كافياً لعزته؛ لأنه في غير هذه الصورة، يُعتبر عاصياً وفاسقاً لا عزيزاً. فبدلالة الالتزام، يمكن فهم أنه عند مواجهة المنكر، لا توجد وظيفة سوى الإنكار القلبي.

دراسة ونقد

لا يمكن إثبات أن الإنكار القلبي يعني نفي الإنكار العملي. من المحتمل أن يكون معنى الرواية أن ملاك النهي اللساني والعملي هو مدى إنكار العمل في نظر الناهي. وهذا الملاك القلبي هو الذي يمنحه العزة (الروحاني، 1435هـ، ج13، ص273). وقد لاحظ مؤلف كتاب «جامع المدارك» الحكم الوارد في الرواية من حيث الحيثية. بمعنى أن لكل عضو من الأعضاء مثل القلب واللسان واليد وظيفة منفصلة في مواجهة المنكر. بعبارة أخرى، بواسطة نصية وظاهرية الروايات الدالة على الوجوب، يُرفع اليد عن ظاهر هذه الرواية، ويُعمل بها في حالة يكون فيها المكلف، من حيث أداء الوظيفة القلبية فقط، بريء الذمة، لا من حيث الوظيفة اللسانية واليدية (الخوانساري، 1355ش، ج5، ص408). والإشكال الآخر الذي يمكن طرحه على استدلال القائلين بعدم الوجوب هو أن الرواية تُحمل على حالة لا يتمكن فيها المكلف من الإنكار اليدي واللساني، أو حالة لا تتوفر فيها مقتضياتهما (الطباطبائي القمي، د.ت، ج7، ص156).

والمناقشة الأخرى هي وجود اختلاف في نسخ متن الحديث. ففي «الكافي» و«الوافي»، وردت كلمة «عزاً»، وهي المشهورة. وفي نسخ أخرى، وردت كلمة «غيراً»، بمعنى الغيرة والتعصب الديني، لا بمعنى العزة والشرف. وفي نسخة أخرى، وردت كلمة «خيراً» (البروجردي، 1415هـ، ج14، ص397). وفي نسخة أخرى، وردت كلمة «عذراً»، وهو ما استظهره العلامة المجلسي (المجلسي، 1406هـ، ج9، ص472). في الحالات التي تكون فيها الرواية واحدة، ولا يوجد علم إجمالي بصدورها، لا تكون أي من هذه النسخ حجة؛ لأن تطبيق أدلة الحجية (حجية الظهور وحجية الصدور) على جميع النسخ غير ممكن. وتطبيق أدلة الحجية على بعض هذه النسخ ترجيح بلا مرجح. وإذا قيل إن فرداً مردداً حجة، فبما أن الفرد المردد وغير المحدد ليس له وجود خارجي، فإن حجيته لا معنى لها (درس خارج الأستاذ شب زنده‌دار، آذر 95).

أقصى ما يمكن قوله بشأن الاستدلال بالرواية هو أن المعنى المذكور موجود في الرواية على حد الاحتمال. وفي هذه الحالة، وجود الاحتمال يبطل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأن أمر الرواية يدور بين ما يدل على الوجوب وما يدل على عدم الوجوب. ولأن الأمر في الرواية قابل للحمل على الوجوب أو قابل للحمل على عدم الوجوب، والعلاقة بين هذين الاحتمالين هي التباين.

4-2. الرواية الثانية (عدم استساغة النصيحة)

يروي المرحوم الشيخ الصدوق بإسناده في رواية صحيحة عن الريان بن الصلت: «جَاءَ قَوْمٌ بِخُرَاسَانَ إِلَى الرِّضَا (ع) فَقَالُوا إِنَّ قَوْماً مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ يَتَعَاطَوْنَ أُمُوراً قَبِيحَةً فَلَوْ نَهَيْتَهُمْ عَنْهَا. فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَقِيلَ وَ لِمَ؟ قَالَ لِأَنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ النَّصِيحَةُ خَشِنَةٌ». عندما كان الإمام الرضا (عليه السلام) مقيماً في خراسان، جاءه قوم وقالوا: إن بعض أفراد عائلتك يرتكبون أعمالاً قبيحة، فلو نهيتهم عنها [لكان حسناً]. فقال الإمام: لا أفعل. سُئل: لماذا؟ قال الإمام: سمعت أبي يقول: النصيحة خشنة» (ابن بابويه، 1378هـ، ج1، ص261).

لتوجيه استدلال القائلين بعدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمكن الاستناد إلى التعليل الموجود في الرواية. بمعنى أنه لو كان الأمر بالمعروف واجباً، لما كان من المناسب أن يتركه الإمام الرضا (عليه السلام). فمن تركه لهذا العمل، يمكن فهم أن هذا العمل لم يكن واجباً. وفي هذا القسم، ظاهر فقرة «لا أفعل» يدل على عدم الوجوب. وتقريب الاستدلال بالعلة الموجودة في الرواية هو أيضاً بهذا البيان: أنه بسبب عدم استساغة الأمر بالمعروف، سيتم الإعراض عن القيام به (درس خارج الأستاذ شب زنده‌دار، 1395ش).

دراسة ونقد

الاستدلال بالرواية على عدم الوجوب لا يكون صحيحاً إلا إذا كان المراد بكلمة «أمور» في عبارة «يتعاطون أموراً قبيحة» هو الأفعال المحرمة التي لها قبح شرعي. في حين أن الأمور القبيحة منصرفة إلى الموارد التي لا يمكن اعتبارها حراماً شرعياً (المحسني، د.ت، ج2، ص278)، وهذه الأمور هي أمور لا تليق بشأن ومكانة المنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام). فلا يمكن القول إن منكراً قد وقع يستوجب النهي عنه.

ويرى البعض أن من المحتمل أن الإمام (عليه السلام) لم ينه عن المنكر لمنع وقوع فتنة (ابن بابويه، 1378هـ، ج1، ص261). ولكن هذا الفهم غير قوي؛ لأن الإمام (عليه السلام) استند في امتناعه إلى عبارة «النصيحة خشنة»، لا إلى الخوف من وقوع فتنة.

حتى لو كان المراد بالنصيحة هو الأمر بالمعروف، فإن الأدلة المتقدمة على وجوب الأمر بالمعروف لها صراحة أو ظهور أقوى في الوجوب. ولهذا، يجب جعل هذه الأدلة قرينة لفهم مراد الشارع. فهذه الرواية يجب أن تُحمل على الحالات التي تُرتكب فيها قبائح عرفية أو يتحقق شرط العلم بعدم التأثير (المحقق السبزواري، 1388ش، ج1، ص405).

الخاتمة

بناءً على ما تقدم، فإن نتائج هذا البحث هي كما يلي:

  1. آية 105 من سورة المائدة، في مقام تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال الاهتمام بالمجتمع الإيماني عبر إرشاد الأفراد إلى السلوكيات الحسنة ومنعهم من الأفعال القبيحة. بناءً على ذلك، لن يكون هناك تعارض مع أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  2. آية 256 من سورة البقرة، تبين القبول الاختياري للدين في مجال القلب، ولا تتعارض مع مجال فروع الدين، ومنها الأمر بالمعروف.
  3. آية 108 من سورة يونس، تهدف إلى تحديد وظيفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجال تبليغ الدين وهداية الناس. ومن هذا المنطلق، أُسند اختيار طريق السعادة أو الشقاوة إلى الناس. وبهذا التوضيح، يمكن تقييم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً في سياق وظيفة الهداية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
  4. في رواية «الإنكار القلبي»، لا يمكن إثبات أن الإنكار القلبي ينفي الإنكار العملي. كما أن ملاك قبول النهي اللساني واليدي هو مدى الإنكار القلبي للناهي تجاه المنكرات.
  5. امتناع الإمام الرضا (عليه السلام) عن نصح بعض أقاربه يمكن توجيهه بطريقتين: أ) أعمال هؤلاء الأفراد كانت تتعارض فقط مع مكانة المنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام) ولم تصل إلى حد المنكر الشرعي. ب) كان الإمام (عليه السلام) يعلم بعدم تأثير الإرشاد على هؤلاء الأفراد. بناءً على ذلك، مع تحقق شرط الاطمئنان بعدم التأثير، لن يتحقق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الرأي المختار هو أن الشرط الوحيد لترك الأمر بالمعروف في المجال الفردي هو العلم بعدم تأثيره على المتمردين والرافضين للحق الذين لا يقبلون الحق بأي وجه من الوجوه وقد أعرضوا عن طريق الهداية باختيارهم. أما هذه الفريضة في المجال الحكومي، فلا تقبل هذا الشرط أبداً. فوفقاً لرأي الفقهاء حول الأمر بالمعروف في المجال الحكومي، ما يُعرف بأنه ملاك الوجوب هو احتمال التأثير. لذا، كلما وجد احتمال للتأثير، يكون الأمر بالمعروف في ذلك المجال واجباً، ولا حاجة للعلم بعدم التأثير.

قائمة المصادر

القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي.

نهج البلاغة، صبحي الصالح.

  1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1410هـ)، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، تحقيق شمس الدين، مهدي، الطبعة الأولى، طهران: منظمة الطباعة والنشر بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
  2. آل غازي، عبدالقادر (1382ش)، بيان المعاني، دمشق: مطبعة الترقي.
  3. ابن إدريس، محمد بن أحمد (1387ش)، موسوعة ابن إدريس، قم: دليل ما.
  4. ابن بابويه، محمد بن علي (1378هـ)، عيون أخبار الرضا(ع)، الطبعة الأولى، طهران: نشر جهان.
  5. ابن الجوزي، عبدالرحمن بن علي (1422هـ)، نواسخ القرآن، بيروت: شركة أبناء الشريف الأنصاري.
  6. ابن دريد، محمد بن حسن (1988م)، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين.
  7. ابن سليمان، مقاتل (1423هـ)، تفسير مقاتل بن سليمان، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  8. ابن عجيبة، أحمد بن محمد (1419هـ)، البحر المديد، بيروت: دار الكتب العلمية.
  9. ابن فارس، أحمد بن فارس (1404هـ)، معجم مقاييس اللغة، الطبعة الأولى، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
  10. أبو داود، سليمان بن الأشعث (1420هـ)، سنن أبي داود، القاهرة: دار الحديث.
  11. الأبياري، محمد (1405هـ)، الموسوعة القرآنية، القاهرة: مؤسسة سجل العرب.
  12. الأزهري، محمد بن أحمد (1404هـ)، تهذيب اللغة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  13. أطفيش، محمد بن يوسف (1425هـ)، تيسير التفسير، مسقط: وزارة التراث القومي والثقافة (وزارة التراث الوطني والثقافة العمانية).
  14. الأنصاري، مرتضى (1428هـ)، فرائد الأصول، الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  15. البحراني، السيد هاشم بن سليمان (1374ش)، البرهان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة البعثة.
  16. البروجردي، السيد حسين (1415هـ)، جامع أحاديث الشيعة، قم: نشر صحف.
  17. البقاعي، إبراهيم بن عمر (1427هـ)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، بيروت: دار الكتب العلمية.
  18. البيهقي، أحمد بن حسين (1421هـ)، شعب الإيمان، بيروت: دار الكتب العلمية.
  19. التهراني، علي (1393هـ)، أمر به معروف و نهى از منكر، مشهد: تالار كتاب.
  20. الثعلبي، يوسف بن أحمد (1423هـ)، تفسير الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة، صعدة: مكتبة التراث الإسلامي.
  21. الجعفري التبريزي، محمدتقي (1377ش)، رسائل فقهية، طهران: مؤسسة نشر كرامت.
  22. الجصاص، أحمد بن علي (1405هـ)، أحكام القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  23. جوادي آملي، عبدالله (1394ش)، تفسير تسنيم (ج 37)، قم: إسراء.
  24. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1374هـ)، الصحاح، بيروت: دار العلم للملايين.
  25. الحسيني الطهراني، محمد حسين (1418هـ)، ولاية الفقيه، بيروت: دار المحجة البيضاء.
  26. الحسيني الشيرازي، محمد (1426هـ)، الفقه، السلم والسلام، بيروت: دار العلوم.
  27. الخميني، السيد روح الله (1392ش)، ترجمة تحرير الوسيلة، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  28. الخياط، عبدالرحيم (د.ت)، الانتصار والرد على ابن الرواندي الملحد، مقدمة وتحقيق: محمد حجازي، د.م.
  29. الخوانساري، السيد أحمد (1355ش)، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، طهران: مكتبة الصدوق.
  30. الخوئي، السيد أبو القاسم (1401هـ)، البيان في تفسير القرآن، الطبعة الثامنة، قم: أنوار الهدى.
  31. الذوفقاري، شهاب الدين (1400هـ)، البشرى في معاني القرآن، أصفهان: سلام سپاهان.
  32. راغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت: دار القلم.
  33. رشيد رضا، محمد (1414هـ)، تفسير القرآن الكريم الشهير بتفسير المنار، بيروت: دار المعرفة.
  34. الروحاني، السيد محمدصادق (1413هـ)، فقه الصادق (ع)، قم: مؤسسة دار الكتاب.
  35. الزارعي السبزواري، عباسعلي (1433هـ)، القواعد الفقهية في الفقه الإمامية، قم: مؤسسة نشر إسلامي.
  36. السبحاني، جعفر (1432هـ)، الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغراء، قم: مؤسسة إمام صادق (ع).
  37. _____________ (1399ش)، منية الطالبين في تفسير القرآن المبين، قم: مؤسسة إمام صادق (ع).
  38. السبزواري، السيد عبدالاعلى (1428هـ)، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، قم: دار التفسير.
  39. _____________ (1413هـ)، مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، قم: دار التفسير.
  40. السند، محمد (1433هـ)، أسس النظام السياسي عند الإمامية، بيروت: الأميرة.
  41. السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر (1404هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الطبعة الأولى، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة.
  42. سها (اسم مستعار) (1392ش)، نقد قرآن، الطبعة الثانية، د.م: د.ن.
  43. شبر، عبدالله (1429هـ)، أخلاق، كربلاء: قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة.
  44. الشريف الرضي، محمد بن حسين (1414هـ)، نهج البلاغة، قم: هجرت.
  45. الشيرازي، السيد محمد (1409هـ)، الفقه، الطبعة الثانية، بيروت: دار العلوم.
  46. الطباطبائي، السيد محمدحسين (1390هـ)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  47. الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد (1411هـ)، المحكم في أصول الفقه، قم: مؤسسة المنار.
  48. الطباطبائي القمي، السيد تقي (د.ت)، مباني منهاج الصالحين، د.م: منشورات قلم الشرق.
  49. الطبرسي، الفضل بن حسن (1372ش)، مجمع البيان، الطبعة الثالثة، طهران: ناصر خسرو.
  50. الطبري، محمد بن جرير (1411هـ)، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة.
  51. الطريثيثي، ركن الدين (1436هـ)، متشابه القرآن، القاهرة: المنظمة العربية.
  52. الطوسي، محمد بن حسن (د.ت)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  53. العروسي الحويزي (1415هـ)، تفسير نور الثقلين، تحرير هاشم رسولي محلاتي، قم: إسماعيليان.
  54. العلامة الحلي، حسن بن يوسف (1412هـ)، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، مشهد: مؤسسة البحوث الإسلامية.
  55. علم الهدى، علي بن حسين (1387هـ)، جمل العلم والعمل، النجف الأشرف: مطبعة الآداب.
  56. فاضل جواد، جواد بن سعيد (1365ش)، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، طهران: مرتضوي.
  57. فاضل لنكراني، محمدجواد (د.ت)، موسوعة رد الشبهات الفقهية المعاصرة (الحدود)، قم: مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
  58. فخر المحققين، محمد بن حسن (1387هـ)، إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، قم: إسماعيليان.
  59. الفخر الرازي، محمد بن عمر (1420هـ)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الطبعة الثالثة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  60. القاضي عبدالجبار، أبو الحسن بن أحمد (د.ت)، تنزيه القرآن عن المطاعن، بيروت: دار النهضة الحديثة.
  61. قرائتي، محسن (1390ش)، تفسير نور، الطبعة السادسة، طهران: مركز ثقافي دروس من القرآن.
  62. قرباني، زين العابدين (1391ش)، تفسير جامع آيات الأحكام، الطبعة الثانية، قم: دار الحديث.
  63. القرطبي، محمد بن أحمد (1364ش)، الجامع لأحكام القرآن، طهران: ناصر خسرو.
  64. القشيري، عبدالكريم بن هوازن (2000م)، لطائف الإشارات، تفسير صوفي كامل للقرآن الكريم، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  65. القمي، علي بن إبراهيم (1363ش)، تفسير علي بن إبراهيم، قم: دار الكتاب.
  66. الماتريدي، محمد بن محمد (1426هـ)، تأويلات أهل السنة، بيروت: دار الكتب العلمية.
  67. المازندراني، علي أكبر سيفي (1425هـ)، مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  68. المحقق السبزواري، محمد باقر (1388ش)، كفاية الأحكام، قم: مؤسسة نشر إسلامي.
  69. المحسني، محمد آصف (د.ت)، معجم الأحاديث المعتبرة، د.م: د.ن.
  70. المجلسي، محمد باقر (1403هـ)، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  71. _____________ (1406هـ)، ملاذ الأخيار، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
  72. المصطفوي، حسن (1430هـ)، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الكتب العلمية.
  73. المظاهري، حسين (1386ش)، فقه الولاية والحكومة الإسلامية، قم: مؤسسة الزهراء الثقافية الدراسية.
  74. معرفت، محمدهادي (1429هـ)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة التمهيد.
  75. _____________ (1384ش)، پرتو ولايت، قم: مؤسسة التمهيد.
  76. المقدس الأردبيلي، أحمد بن محمد (د.ت)، زبدة البيان في أحكام القرآن، طهران: مرتضوي.
  77. المنتظري، حسينعلي (1409هـ)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، قم: المركز العالمي للدراسات الإسلامية.
  78. النجفي (صاحب جواهر)، محمدحسن (1981م)، جواهر الكلام (ط قديمة)، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  79. النجفي الخميني، محمدجواد (1358ش)، تفسير آسان، قم: إسلامية.
  80. النحاس، أحمد بن محمد (د.ت)، الناسخ والمنسوخ، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.
  81. النصيري، علي (1387ش)، معرفت قرآني، طهران: پژوهشگاه فرهنگ و انديشه إسلامي.
  82. نوري همداني، حسين (1371ش)، أمر به معروف و نهى از منكر، الطبعة الثانية، قم: دفتر تبليغات إسلامي.
  83. الواحدي، علي بن أحمد (1411هـ)، أسباب النزول، بيروت: دار الكتب العلمية.
  84. هاشمي رفسنجاني، أكبر (1386ش)، تفسير راهنما، الطبعة الرابعة، قم: بوستان كتاب.

المصادر الإلكترونية:

  1. درس خارج فقه الأستاذ محمدمهدي شب زنده‌دار، 1396/2/11ش.
  2. درس خارج الأستاذ شب زنده‌دار، 1395ش.
  3. _____________، 1394ش.
  4. درس خارج فقه الأستاذ جعفر سبحاني، 1393/11/28ش.

الهوامش

1. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة: 104).

Scroll to Top