الملخص
يعد تحليل معنى الروايات الدالة على نجاة المؤمن، سواء كان مذنبًا أم محسنًا، لمجرد إيمانه بالتوحيد واجتنابه الشرك، من المباحث المشكلة في حقل علم الكلام. إن الاستناد إلى الدلالة الظاهرية لهذه الطائفة من الروايات، دون الالتفات إلى مضمونها الداخلي الذي يتساءل: هل نجاة الموحد مقترنة بالمحاسبة على الأعمال؟ أم أن المقصود هو النجاة دون محاسبة؟ يترتب عليه آثار من قبيل دخول المؤمن المخطئ الجنة دون سؤال، والتعارض مع الروايات الدالة على انطباق الجزاء الأخروي مع العمل الدنيوي، وغير ذلك. تسعى هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، ومن خلال تحليل الأسانيد، والاهتمام بمنشأ الصدور والمصدر المكتوب للروايات، ودراسة اعتبار المصادر، وكذلك تحليل مقاربات شروح الحديث لدى علماء الفريقين، إلى بيان الوجوه المعنائية والحلول الممكنة لرفع التعارض في هذه الطائفة من الأحاديث. وكانت ثمرة هذا البحث التوصل إلى مقاربات تتراوح بين «القبول المطلق» و«الإنكار المطلق» للروايات، والتي غالبًا ما تم تنظيمها بهدف تحقيق التوافق والانسجام مع حقل العدل الإلهي. ويعد تحديد معنى المفردات وتأويل المعنى الظاهري في مسائل مثل عدم الإتيان بالأعمال المخلّة والمنكرة للإيمان، وتوفيق المؤمن للتوبة من الذنب، وعدم الخلود في جهنم، وغيرها، من بين الحلول التي قدمها العلماء لفهم المراد الجدي للمعصوم (ع).
١. طرح المسألة
يُعتبر الإيمان بالتوحيد ركناً أساسياً في التدين، وأي خلل فيه يُخرج الإنسان من دائرة الإيمان إلى وادي الشرك (ظلم عظيم) (لقمان: ١٣). في المدونات الروائية، خُصص حجم كبير من الروايات لمباحث التوحيد، ومن بينها ما يقرب من ٣٥ رواية تعتبر مجرد الإيمان بالتوحيد كافياً لنجاة الإنسان وسعادته الأخروية: «مَنْ مَاتَ وَلَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ» (للاطلاع على نماذج، راجع: ابن حنبل، د.ت، ٥: ١٦١؛ الحاكم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٦؛ ابن حبان، ١٤١٤هـ، ٤٤٦ وغيرها). إن حقيقة المراد الظاهري من هذه الروايات يمكن تحليلها من زاويتين:
١. ارتباط السعادة الأخروية بعدم إشراك الشخص الموحد؛ بحيث إذا مات الموحد ولم يشرك بالله شيئاً، دخل الجنة سواء كان محسناً أم مسيئاً.
٢. ارتباط النجاة بالقول؛ أي «قول ذكر لا إله إلا الله» في الدنيا.
تصرح بعض هذه الروايات بأن ما سوى الشرك، حتى أكبر الكبائر، لا يمكن أن يمنع المؤمن الموحد من دخول الجنة. فالروايات التي تحمل مضامين مثل «مغفرة المؤمن حتى مع ارتكابه لذنوب كالسرقة والزنا وشرب الخمر»، و«حرمة جسد الموحد على النار»، و«عظمة الإقرار بالتوحيد الإلهي مقارنة بعظمة الذنوب»، وغيرها، تدل بوضوح على كفاية مجرد الإيمان بالتوحيد في النجاة (على سبيل المثال: الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٤١١-٤١٢؛ همو، د.ت، ٢٠؛ ابن حنبل، د.ت، ٥: ١٦١؛ مسلم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٦). ويبدو من ظاهر هذه الفئة من الروايات أن شرط دخول الجنة يقتصر على عدم الإشراك بالله إلى جانب الإيمان بالتوحيد، مما يثير التحديات والأسئلة التالية:
هل تدل هذه الروايات بشكل مطلق على عدم دخول الموحد النار وكفاية اجتناب الشرك للنجاة؟
كيف ينجو المؤمن الموحد دون محاسبة وبمجرد إيمانه بالتوحيد، بينما ورد خلاف ذلك في روايات أخرى؟
كيف يمكن تفسير التعارض الظاهري بين مضمون هذه الروايات والعدل الإلهي؟
إن المشكلة الأساسية في الفهم الظاهري لهذه الروايات تكمن في تعارضها الظاهري مع المعطيات الدينية الأخرى، من آيات وروايات، التي تدل على ضرورة تطابق الجزاء الأخروي مع العمل الدنيوي، وتقرر أن كل إنسان سيُجزى في القيامة بمقدار عمله (على سبيل المثال: الزلزلة: ٧-٨؛ الجاثية: ١٤؛ الأنعام: ١٢٠). كما أن هذا الاعتقاد لا يخلو من شبه بالمعتقدات المرجئة والغلاة، الذين يُعدون من الفرق الإسلامية المنحرفة (الشهرستاني، ١٣٦٤ش، ١: ١٦٢؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٢٧: ٧١؛ نفس المصدر، ٦٥: ٢٩٧). ومن هنا، تندرج الروايات موضوع البحث في زمرة مشكل الحديث، ورغم أن فهمها الظاهري يبدو واضحًا، إلا أن كشف مدلولها ومرادها الأصلي من المعصوم (ع) يظل غامضًا.
قبل الخوض في عمليات فهم الروايات، من الضروري في الخطوة الأولى التحقق من درجة أصالتها ووثوقيتها الصدورية. بعد ذلك، يتم فهم المعنى الأصيل للحديث والمراد الجدي منه، وفي النهاية، يُستخرج الحل لرفع الاختلاف مع النصوص الدينية.
تتطلب المراحل المذكورة أعلاه نظرة شمولية لجميع الروايات ذات المضمون الواحد في هذا المجال، وتحليل أسانيدها، والاهتمام بمنشئها الصدوري والمكتوب، وتحليل درجة اعتبار مصادرها، وكذلك استكشاف جهود العلماء في شرح الحديث، وهو ما تتناوله هذه الدراسة بالمنهج الوصفي التحليلي. وعليه، فقد تناولت أولاً دراسة اعتبار صدور هذه الأحاديث. ثم، اهتمت بجهود علماء الفريقين في إزالة الإبهام عن فحوى الأحاديث، وفي القسم الثالث، تولت تحليل مقاربات العلماء وتقديم حلول لرفع التعارض.
على الرغم من أن المتكلمين قد تناولوا باستفاضة مسألة تأثير الذنب في سعادة وشقاء المؤمن الموحد، وأن المحدثين أيضًا قد اهتموا بشرح بعض هذه الروايات بحسب ما اقتضته الضرورة في كتاباتهم (على سبيل المثال، انظر: الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٣٨١، ٤١١-٤١٢؛ المفيد، ١٤١٣هـ، ٥٣-٥٤؛ القمي، د.ت، ١: ٣٠؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٣: ٨؛ الشهرستاني، ١٣٦٤ش، ١: ١٦٦؛ التفتازاني، ١٤٠٨هـ، ٥: ١٣١-١٣٦؛ ابن حجر العسقلاني، د.ت، ١: ٢٢٦-٢٢٧ وغيرها)، إلا أنه لم ينجز حتى الآن أي بحث مستقل يعنى بتبيين مقصود هذه المجموعة من الروايات. توجد مقالة واحدة فقط بعنوان «الإيمان وارتكاب الكبائر» (باكزاد، رستمي وجلالي، ١٣٩٨ش، ١١: ٣٥-٥٢) تناولت بالتحليل فقه الحديث روايتين من باب كتاب الكافي بعنوان «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، وهي تختلف عن بحثنا هذا من أربعة جوانب أساسية:
١. الروايتان محل النظر في المقالة المذكورة لا تندرجان ضمن مجموعة الروايات التي يتناولها بحثنا.
٢. إن أساسها يقتصر على آراء علماء الإمامية، ولم تتطرق إلى آراء علماء الفريقين.
٣. لم تتناول تحليل الروايات ضمن نظرة شمولية وعائلة حديثية.
٤. لم تتناول التحليل الجماعي للأسانيد وتحديد الوضع من حيث دراية الحديث واعتبار صدور الأحاديث ذات المضمون الواحد في هذا المجال. من هنا، يُعد هذا البحث في نوعه عملاً جديدًا وغير مسبوق.
٢. دراسة اعتبار الأحاديث
تتم دراسة اعتبار الحديث من خلال الاهتمام بصدوره والاطمئنان من متنه. إن تحليل وتقييم المؤشرات الثلاثة: «المصدر»، «السند»، و«أصالة المتن» في هذه المرحلة له أهمية خاصة للوصول إلى صدور الحديث. تتكفل «دراسة الأصالة الصدورية» بمهمة استكشاف صحة أو سقم نسبة الكلام إلى المعصوم (ع). أما في «دراسة الأصالة المتنية»، فيتم فحص أنواع نقل الروايات والاختلافات في الروايات، والاهتمام بالوصول إلى القدر المشترك بين الروايات، والذي يمكن من خلاله تقييم صحة المتن المنقول.
١-٢. دراسة أصالة صدور الأحاديث
إن الاطمئنان إلى نسبة الحديث إلى المعصوم (وثوق الصدور أو أصالة الصدور) وإحراز صدوره، من المراحل الأولية في فهم الروايات، بحيث إن إحراز عدم نسبة رواية ما إلى المعصوم يؤدي إلى عدم اعتبار ذلك الحديث؛ وبالتالي، فإن أي قراءة مقدمة من متنه ستكون فاقدة للقيمة الدينية والدراسات الحديثية. من الواضح أنه بمجرد إثبات عدم نسبة الروايات إلى المعصوم، فإن جميع الإشكالات والمشكلات المذكورة سابقاً تُرفع تلقائياً؛ لأن التعارض في الأخبار والتعاليم لا يتحقق إلا إذا كان طرفا التعارض يعانيان من ضعف من حيث النسبة إلى المصادر المعرفية (القرآن والسنة).
١-١-٢. دراسة المصادر وتحليلها
يعتمد جزء من اعتبار البيانات المنقولة على اعتبار المصادر التي رُويت فيها تلك الروايات، وكلما كانت المصادر أكثر قوة وكثرة وشهرة واعتبارًا، قويت نسبة الحديث المُراد تقييمه إلى المعصوم (ع) أيضًا. إن الروايات ذات المضمون الواحد الدالة على «كفاية التوحيد في النجاة» هي من الروايات المشتركة في التراث الروائي للفريقين، وتتميز بكثرة طرقها ونقلها، حيث يعود تاريخ تدوينها في المصادر الشيعية المتقدمة إلى القرن الرابع، وفي المصادر السنية المتقدمة إلى القرن الثالث. هذا المحتوى الروائي ورد أكثر من ١٠ مرات في المصادر الشيعية (الكليني، ١٣٦٣ش، ٢: ٣٨٥؛ الصدوق، ١٣٦٨ش، ٢؛ همو، د.ت، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٥-٢٦، ٢٩، ٣٠؛ همو، ١٤٠٤ق، ٤: ٤١١-٤١٢؛ همو، ١٤١٧ق، ٣٧٢) و٢٥ مرة في المصادر السنية (ابن منصور، د.ت، ٢: ٣٣٢؛ ابن حنبل، د.ت، ١: ٣٨٢، ٤٢٥، ٤٤٣، ٣: ٧٩، ٣٩١-٣٩٢؛ ٤: ٣٢١-٣٢٢، ٣٤٥؛ ٥: ١٥١-١٥٢، ١٦١-١٦٦، ٢٤٠-٢٤١، ٤١٩؛ البخاري، ١٤٠١ق، ٢: ٦٩-٧٠؛ ٣: ٨٢-٨٣؛ ٧: ١٧٦-١٧٧؛ مسلم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٥-٦٦؛ ٣: ٧٥-٧٦؛ الترمذي، ١٤٠٣ق، ٤: ١٣٦؛ الطبراني، د.ت، ٤: ٢٣١-٢٣٢؛ ٥: ٣٦٩-٣٧٠؛ ٧: ٢٤٨-٢٤٩). وقد رُويت هذه الروايات في المصادر الشيعية عن النبي (ص)، وأمير المؤمنين، والإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق (ع)، وفي مصادر أهل السنة عن النبي (ص). وبالنظر إلى أن الروايات الشيعية المنسوبة إلى الإمام السجاد والإمام الصادق (ع) تشير في معظمها إلى النقل عن أمير المؤمنين (ع) أو النبي (ص)، يمكن إرجاع منشأ صدورها، استنادًا إلى مستندات المنشأ الصدوري، إلى عصر النبي (ص) وصدر الإسلام، واعتبار هذه المسألة قضية طويلة الأمد تمتد من زمن النبي (ص) إلى عصر الإمام الصادق (ع).
٢-١-٢. تحليل الأسانيد
إن تتبع طرق نقل هذا الحديث يكشف عن وجود أكثر من ٣٥ رواية منقولة في ٥ مصادر شيعية متقدمة و٦ مصادر سنية متقدمة. إن تعدد وكثرة النقول يمنع من دراسة أسانيد الروايات كل على حدة، لأنه إذا لوحظ ضعف في راوٍ ما ضمن سلسلة سند معين، فإنه يمكن العثور على أسانيد أخرى في هذا الكم الهائل تعوض الضعف الموجود وتصلحه. بناءً على ذلك، وبسبب هذا التداخل في الأسانيد، يمكن اعتماد نظرة جماعية للأسانيد، ومن خلال رسم شبكة أسانيد عنكبوتية، يمكن جعل مجموعة الأسانيد معيارًا في التحليلات السندية وعلم الرجال. وفيما يلي، ومن خلال هذه المقاربة، سيتم التطرق إلى بعض التشابهات السندية بين منقولات الفريقين، وكذلك إلى فعالية «شبكة الأسانيد العنكبوتية» في التحليلات السندية، بدلاً من الاقتصار على دراسة أحوال الرواة في كل سند على حدة.
«شبكة الأسانيد العنكبوتية» (الشكل ١) تُظهر أن عدد الرواة لهذا المحتوى من طبقة أصحاب النبي (ص) في النقل المشترك بين الشيعة والسنة يبلغ ١١ شخصًا، ويرتفع هذا العدد بإضافة أصحاب الأئمة (ع) في النقول الخاصة بالشيعة إلى ١٦ شخصًا. وفي الطبقات الأخرى أيضًا، تشير كثرة الرواة إلى حد التواتر. إن رؤية أسماء الرواة البارزين في سلسلة أسانيد هذه الروايات يدل على أهميتها.
بكثرة طرق الروايات واستقرار عدد كبير من الرواة في كل طبقة، وباعتماد مباني القدماء في التعامل مع الأحاديث على أساس الوثاقة الصدورية، يمكن الحكم بصحة صدور القدر المشترك المعنائي لهذه المجموعة الروائية.
تُلاحظ عدة نقاط من خلال المقارنة السندية لمنقولات الفريقين تستدعي التأمل:
يوجد تشابه سندي ومتني كبير بين نقل الشيخ الصدوق ونقل البخاري. فالشيخ الصدوق يروي بسنده: «… حدثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: حدثنا حريز عن عبد العزيز، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر» (الصدوق، د.ت، ٢٥-٢٦)، والبخاري يروي بسنده: «… حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذر» (البخاري، ١٤٠١هـ، ٧: ١٧٦). وقد رويا قصة مرافقة أبي ذر للنبي (ص) ليلاً بشكل متطابق تمامًا في الألفاظ. كما أورد البيهقي في كتابه «السنن» هذا الحديث بسند ومتن شبه متطابق: «… ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذر» (البيهقي، د.ت، ١٠: ١٩٠). إن نقل هذا الحديث الطويل بتفاصيله، وبألفاظ متطابقة، يثير احتمالًا قويًا بأن البخاري في القرن الثالث، والصدوق في القرن الرابع، والبيهقي في القرن الخامس، قد اطلعوا على مصدر مكتوب وموحد لهذا الحديث، ومن المستبعد أن يكون تلقيهم للحديث قد تم شفهيًا.
من مقارنة الأسانيد الثلاثة، يظهر وجود تصحيف في ذكر اسم الراوي «حريز/جرير». وبالبحث عن هذا السند في المصادر الشيعية والسنية، لوحظ أن طريق «جرير عن عبد العزيز عن زيد بن وهب» هو من طرق أهل السنة، وأن الصورة الصحيحة لسند هذه الرواية هي كذلك. ولعل هذا هو السبب في أن العلامة المجلسي في بحار الأنوار، في مقام إصلاح هذا التصحيف، يختار اسم «جرير» (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٣: ٧). وفي المصادر الشيعية، لم يستفد محدّث من هذا الطريق سوى الشيخ الصدوق في هذه الرواية. بناءً على ذلك، يُعد «جرير» من شيوخ الشيخ الصدوق بالواسطة ومن أهل السنة.
نقطة أخرى جديرة بالذكر هي اسم «إسحاق بن إسرائيل» في سند الصدوق، والذي يختلف عن «إسحاق بن إبراهيم» في سنن البيهقي. في المصادر الشيعية، الشيخ الصدوق وفضل الله الراوندي وسيد بن طاووس هم العلماء الوحيدون الذين ذكروا «إسحاق بن إسرائيل» (الصدوق، ١٣٦١ش، ٢٦٥، ٣٢٣؛ همو، د.ت، ٢٥، ٤٠٩؛ الراوندي، د.ت، ١٦١؛ ابن طاووس، ١٤١٣ق، ١٧٤)، ولكن حاله الرجالي عند علماء الشيعة غير معروف (النمازي الشاهرودي، ١٤١٤ق، ١: ٥٤٨). في المقابل، يظهر اسمه في العديد من مصادر أهل السنة حيث عُرف بالوثاقة (الهيثمي، ١٤٠٨ق، ٩: ٥١). يبدو أن «إسحاق بن إسرائيل» هو من مشايخ الشيخ الصدوق الآخرين بالواسطة ومن أهل السنة، ولكن لم يُعرف أي من الأسانيد «إسحاق بن إسرائيل» ضمن تلاميذ «جرير»، بل عُرف «جرير» شيخًا لـ«إسحاق بن إبراهيم» (على سبيل المثال، انظر: الحاكم النيسابوري، د.ت، ١: ٣٠٧؛ ٣: ٣١٧؛ ٤: ٩٦؛ البيهقي، د.ت، ١: ٣١٠، ٤٤٠). هذه النقطة، بالإضافة إلى كون «محمد بن أحمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي» و«أبو لبيد محمد بن إدريس الشامي» الذين ذُكرا في سند الصدوق كتلاميذ لـ«إسحاق بن إسرائيل» من أهل السنة، تجعل احتمال تصحيف اسم «إسحاق بن إسرائيل» في هذا السند واردًا، ويُظن أن «إسحاق بن إبراهيم» هو الاسم الصحيح للراوي المقصود، وأن سند البيهقي هو الصحيح.
٢-٢. دراسة أصالة متن الأحاديث
بعد إحراز صدور النصوص المروية والاطمئنان إلى كونها حديثًا، تأتي مرحلة دراسة أصالة المتن أو «تطابق ألفاظ الحديث». في التقييم الجماعي للأحاديث التي رُويت بألفاظ مختلفة ولكن بمضمون متقارب، يمكن أن تكون نقاط الالتقاء الداخلية بمثابة قدر مشترك معنائي، يُكتسب من خلال تتبع مضمون واحد في جميع هذه الروايات. وبما أن البحث في الألفاظ مشترك بين دراسة الاعتبار والتحليل المضموني، وكذلك بالنظر إلى التأثير الكبير الذي يتركه في فهم النص، فإن الوصول إلى مضمون وقدر مشترك للروايات سيتم تحليله لاحقًا.
١-٢-٢. التحليل المضموني
ورد الحديث عن دخول الموحدين الجنة لمجرد ابتعادهم عن الشرك في خمس صور: الصورة الأولى، وهي أقصر رواية للحديث وتكاد تكون القدر المشترك بين سائر الروايات، تنص على أن كل من مات ولم يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. هذا النقل يأتي في بعض الروايات مع إضافات؛ فأحيانًا يشمل دخول الجنة جميع الموحدين، سواء كانوا محسنين أو مسيئين (الصدوق، د.ت، ١٩، ٣٠)، وأحيانًا يكون مشروطًا بالإسلام والإيمان ويشمل فقط أمة النبي (ص) (ابن منصور، د.ت، ٢: ٣٣٢؛ ابن حنبل، د.ت، ٥: ١٦١؛ مسلم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٦، وغيرها)، وأحيانًا يقيده بإظهار التهليل «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (الصدوق، د.ت، ٢٢؛ همو، ١٣٦٨ش، ٢؛ الطبراني، ١٤١٥ق، ٢٠: ٤٩).
الصورة الثانية، بالإضافة إلى مضمون الصورة الأولى، تذكر في مقابل الفئة المذكورة أولئك الذين أشركوا بالله وجعلوا لأنفسهم مكانًا في النار (الصدوق، ١٣٦٨ش، ٢؛ همو، د.ت، ٢٠؛ ابن حنبل، د.ت، ٣: ٣٩١، ٣٩٢؛ البخاري، ١٤٠١ق، ٢: ٦٩-٧٠؛ مسلم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٥ وغيرها). الصورة الثالثة تحصر دخول الجنة بمجرد التوحيد بالمؤمنين فقط (الكليني، ١٣٦٣ش، ٢: ٣٨٥)، وفي بعض الروايات يُذكر «الشيعة» بدلًا من «المؤمن» (الصدوق، ١٤٠٤ق، ٤: ٤١١-٤١٢؛ الشعيري، د.ت، ١: ٣٤). الصورة الرابعة تشير إلى أن الله قد حرّم على النار المعترفين بوحدانيته. وفي هذه الصورة أيضًا، أحيانًا يُكتفى بهذا المفهوم (الصدوق، د.ت، ٢٠)، وأحيانًا تُروى قصة طويلة عن أحداث القيامة وكيفية مغفرة المؤمنين المذنبين (نفس المصدر، ٢٩؛ الصدوق، ١٤١٧ق، ٣٧٢).
الصورة الخامسة هي قصة مرافقة أبي ذر للنبي (ص) ليلًا ووصولهما إلى مكان يُدعى «الحرّة»، والتي تنتهي بتقرير نزول جبريل والبشارة بدخول الموحدين الجنة، حتى لو كانوا سارقين أو زناة. هذه الصورة أيضًا نُقلت كاملة (الصدوق، د.ت، ٢٥-٢٦؛ ابن حنبل، د.ت، ٣: ٣٩١-٣٩٢؛ البخاري، ١٤٠١ق، ٢: ٦٩-٧٠؛ الترمذي، ١٤٠٣ق، ٤: ١٣، وغيرها) ومقطّعة حيث يُذكر الجزء الأخير فقط (ابن حنبل، د.ت، ٥: ١٦١؛ مسلم النيسابوري، د.ت، ١: ٦٦؛ ابن حبان، ١٤١٤ق، ٤٤٦).
إن مضمون جميع هذه النصوص يدل على تحقق نجاة الفرد الموحد بمجرد إيمانه بالتوحيد. وكما ذُكر، فإن عبارة «كل من مات ولم يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» هي القدر المشترك لجميع هذه الروايات. لكن التحليل المضموني وصور الروايات تظهر أن الروايات نفسها لا تقدم تفسيرًا أو إجابة صريحة على هذا السؤال الأساسي: «هل تتحقق هذه النجاة بعد المحاسبة، أم أن الفرد الموحد يضع قدمه في الجنة دون أي مساءلة عن أعماله؟». من هنا، فإن تتبع آراء مفكري الفريقين يمكن أن يساعد هذا البحث في إزالة الإبهام وتوضيح كيفية إمكانية تحقق النجاة بالتوحيد للموحد.
٣. اهتمام علماء الفريقين في إزالة الإبهام
منذ القرن الرابع وحتى الآن، طُرحت قراءات وتحليلات متعددة من قبل علماء الشيعة والسنة لحل مشكلة هذه الروايات، والتي أسفرت عن ٤ مقاربات رئيسية: «قبول الظاهر»، «التأويل»، «الإنكار»، و«التوقف».
إن التعارض الظاهري لهذه الأحاديث مع الآيات والروايات التي تدل على تطابق الجزاء الأخروي مع العمل الدنيوي واستحقاق التمتع بنعم الآخرة بناءً على الاكتساب، هو السبب الأساسي الذي دفع العلماء إلى تبيين مراد هذه الأحاديث التي تبدو بسيطة في ظاهرها. وبالطبع، فإن معظم البحث يدور حول المؤمنين الذين ارتكبوا كبائر ولم يوفقوا للتوبة قبل الموت؛ وإلا فإن دخول المؤمن الذي أخطأ ثم تاب إلى الجنة أمر لا إشكال فيه عند جميع علماء الإسلام.[1] ويعود أكبر اختلاف في وجهات النظر إلى المعتزلة والمرجئة. يعتقد المعتزلة أن المؤمنين أصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، فسيخلدون في النار حتمًا، وستُحبط طاعاتهم، لأن «السَّيِّئَاتِ يُذْهِبْنَ الْحَسَنَاتِ». ومن وجهة نظرهم، حتى الكبيرة الواحدة تُبطل ثواب جميع العبادات وتفسد جميع الطاعات؛ أما المؤمنون الذين يتوبون من الكبيرة، فسيكونون في منزلة بين الإيمان والكفر، وهي «المنزلة بين المنزلتين» (راجع: التفتازاني، ١٤٠٨هـ، ٥: ١٤٢).
أما المرجئة، الذين يفرقون بين العمل والإيمان (سواء اليونسية أو العبيدية)، فيعتقدون أن المؤمن العاصي لن يُعاقب أبدًا، ويستدلون في تأييد رأيهم بآيات[2] وهذه الفئة من الروايات، ويعتبرون الكفار فقط مستحقين لعذاب الله (الشهرستاني، ١٣٦٤ش، ١: ١٦٥-١٦٦). أما علماء الإمامية، فيرون بالإجماع أن حتى الكافر أو المذنب الذي آمن (الكافر التائب) يُعد من أهل الجنة، مثله مثل من لم يذنب قط، فما بالك بالمؤمن التائب العائد من ذنبه. وهم قائلون بأن أهل الإيمان، حتى لو كانوا من أهل المعاصي والكبائر، سيدخلون الجنة في نهاية المطاف، ولو بعد عذاب في جهنم. وبناءً على ذلك، فإن استحقاق الثواب والعقاب كليهما ثابت من باب الوعد والوعيد، دون الأخذ في الاعتبار بحبط الأعمال.
١-٣. مقاربة القبول بالظاهر
قبلت مجموعتان من العلماء المراد الظاهري لهذا المفهوم الروائي: فئة بشكل مطلق، وفئة مع التبيين والتوضيح.
١-١-٣. القبول المطلق
قبل بعض علماء أهل السنة المفهوم الظاهري لهذا الحديث دون قيد أو شرط، وحملوه على مغفرة أهل الكبائر من المسلمين؛ كما في حديث شفاعة النبي (ص) لأهل الكبائر، وأنهم لن يكونوا مسودي الوجوه ومقيدين بالسلاسل والأغلال (الخزرجي القرطبي، ١٤٢٣هـ، ٢: ٥٣). هذا التحليل يتوافق مع معتقد المرجئة، فهم أيضًا قائلون بأن المعاصي لا تضر الموحدين والمؤمنين، وأن عذاب المؤمن العاصي يوم القيامة هو مجرد الألم والوجع الذي يصيبه عند مروره على الصراط من فوق جهنم ورؤيته لألسنة لهيبها وحرارتها الشديدة. هذه النظرة تتشابه مع معتقد المسيحيين في كفاية الإيمان بالمسيح للنجاة (الصرصري الحنبلي، ١٤١٩هـ، ٢: ٧١١).
٢-١-٣. القبول التبييني
سعى بعض العلماء أيضًا إلى قبول هذا المضمون الروائي مع تبيين مراده، محاولين في الوقت الذي يلتزمون فيه بالمراد الاستعمالي والظاهري، أن يقدموا تبيينًا له. يرى البعض أن ذنوب المؤمن الذي يموت على الإيمان تُغفر دون قيد أو شرط، حتى لو كانت ذنوبه تعادل جميع ذنوب أهل الأرض (الصدوق، ١٤٠٤هـ، ٤: ٣٨١، ٤١١-٤١٢)، ويذكرون أن المؤمن في الواقع يوفق للتوبة (الصدوق، د.ت، ٢٦). كما أن البعض الآخر، في سياق هذه القراءة، يرجعون سبب توفيق المؤمن الموحد للتوبة إلى كونه ليس من أهل المعاصي والفجور، لأنه بطبعه يستقبح المعاصي، وعندما يبتلى بها، ويعود إلى عقله، يندم على ارتكابها خوفًا من الله تعالى؛ وبهذا ينال مقام التوبة ويدخل الجنة (الهاشمي الخوئي، ١٣٦٠ش، ١٥: ٦٣).
ويكتب آخرون، مشيرين إلى المقام العظيم للتوحيد: «شرف كل معرفة يُقاس بحسب المعروف بها، ومعرفة التوحيد من الأمور التي لا يعادلها أي من أعمال الإنسان ومعارفه. ولذلك، استحقت أعظم الثواب، ويظهر من مجموع الآيات والروايات أن الذنوب، ما دامت لا تتنافى مع أصل الإيمان، لا تمنع من دخول الجنة، وهذا النوع من الذنوب سيمحى بعمل في الدنيا أو البرزخ أو القيامة، وسيدخل صاحبها الجنة» (الصدوق، د.ت، ١٩). من بين هؤلاء، يرفض العلامة المجلسي في أحد آرائه تحت هذا الحديث تبيين الشيخ الصدوق، ويعتبر مثل هذه النظرة تكلفًا. من وجهة نظره، يجب أن يكون قبول ظاهر هذه الروايات بمعنى أن أي خلل في ما يجب اعتقاده أو إنكاره يؤدي إلى الخروج من الإسلام، ويندرج في دائرة الشرك، وأن التوحيد الذي يسبب دخول الجنة مشروط بعدم ارتكاب جميع هذه الاختلالات. بناءً على ذلك، لن تدل الرواية الأخرى على أن جميع المخالفين سيدخلون الجنة (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٣: ٨). كما يرى العلامة الطباطبائي، في إطار إكمال كلام العلامة المجلسي، واستنادًا إلى روايات عالم البرزخ، إمكانية دخول المخالفين غير الناصبين إلى الجنة (رضوي، د.ت، مبحث ٢١).
يشير القاضي سعيد القمي إلى أن جملة «وَلَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ» حالية منفية، وورود «شيء» نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فيكون معنى «لا يشرك بالله شيئًا» نفي أي نوع من الشرك في الذات والصفات والأفعال؛ بمعنى أن يعتقد الفرد أنه لا يوجد ذات أصلية غير الله تعالى، ولا وجود حقيقي لغيره. ومن يعتقد بهذا النوع من التوحيد، سيدخل الجنة بلا شك، وإذا صدر منه فعل قبيح أو مذموم، فإنه بعد أن يعاقب في النار سيدخل الجنة، أو يشمله عفو الله وغفرانه فيدخل الجنة مباشرة (القمي، د.ت، ١: ٣٠).
يرى بعض علماء أهل السنة، مع إقرارهم بثبوت أصل صدور الروايات وعدم وجود طعن فيها، أن لفظ الرواية «مَنْ مَاتَ وَلَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» يدل على دخول الجنة، لا على نفي الدخول في جهنم. وبناءً على ذلك، لا يوجد ما ينافي دخول المؤمن جهنم بسبب ارتكابه معصية، ثم دخوله الجنة بسبب طاعته، وفي الواقع لا يخلد في النار (الصرصري الحنبلي، ١٤١٩هـ، ٢: ٧١٢). هذا الرأي يتفق مع ما نقله بشر بن غياث من أن الخلود في النار ليس من شأن المؤمن. بعبارة أخرى، أصحاب الكبائر من المؤمنين يدخلون جهنم، ولكن بعد أن يذوقوا العذاب يخرجون منها ويدخلون الجنة (الشهرستاني، ١٣٦٤ش، ١: ١٦٦)، وهذا الاعتقاد بأن المؤمنين المذنبين سيعذبون في القيامة بمقدار ذنوبهم هو من الواجبات والضروريات، ولا يعني أنهم لن يعذبوا أصلًا (المفيد، ١٤١٣ق، ٥٣-٥٤).
وقد قدم المؤمنون بهذا الرأي أربعة أدلة لتوجيه هذا الوجه التأويلي:[3] ١. أن المؤمنين سيدخلون الجنة قطعًا، وهو أمر متفق عليه استنادًا إلى الآيات[4] والروايات، ولكن لم يُحدد هل سيكون ذلك بعد دخول جهنم أم قبله؛ هل بانقطاع العذاب أم بدونه وبعفو الله التام. ٢. النصوص القرآنية[5] والروائية تدل على الخروج من النار، والخبر الواحد وإن لم يكن حجة في الأصول، إلا أنه يفيد التأييد والتأكيد بمساعدة النصوص الأخرى. ٣. عندما يلتزم شخص بالإيمان والعمل الصالح طوال عمره، ثم يبتلى بذنب خلال ذلك، فليس من الحسن أن يعذبه الله الحكيم إلى الأبد، وإن لم يكن ذلك ظلمًا. ٤. كما هو ظاهر، فإن الذنب متناهٍ ومنقطع، سواء من حيث الزمان أو المقدار، لأن هناك ذنوبًا أعظم منه. بناءً على ذلك، ووفقًا لقاعدة العدل، يجب أن يكون عذابه أيضًا متناهيًا ومنقطعًا، على عكس الكفر الذي وإن كان متناهيًا من حيث الزمان، إلا أنه لا نهائي من حيث المقدار والعظمة (التفتازاني، ١٤٠٨هـ، ٥: ١٣١-١٣٦).
تظهر هذه المسألة حتى في النظرة الفلسفية والعقلانية، وبسبب كثرة الروايات وإطلاقها في بحث نجاة الموحد، لم يُجز رد هذه الروايات، بل قُيدت بشروط. من ذلك أن يكون المراد هو منع التوحيد المحسن من ارتكاب الحرام، لأنه على يقين بأن الله ليس له شريك يمكن أن ينقذه من عذاب الله، وإذا كان مذنبًا ومن أهل الولاية، فإنه بعد أن يذوق عذابًا برزخيًا سيدخل الجنة؛ بعبارة أخرى، حتى قيام الساعة، سيُطهر بواسطة عذاب برزخي (الخواجوئي، ١٤١٨هـ، ٨٥-٨٦).
٢-٣. المقاربة التأويلية
فئة من العلماء، مع عدم ردهم للرواية، لا يستطيعون قبول مرادها الظاهري. لذلك، لجأوا إلى تأويل المفهوم الظاهري.
١-٢-٣. تحديد معنى المؤمن
لجأ بعض المحدثين، مثل العلامة المجلسي، في تأويل مفهوم هذه الروايات، إلى تأويل معنى المؤمن بأنه الشخص الذي يجتنب الكبائر ولا يصر على الصغائر (١٤٠٤هـ، ١١: ١١٥؛ وقد تبنى السيد الغفاري هذا الرأي وكرره في تعليقه على الكافي: الكليني، ١٣٦٣ش، ٢: حاشية ٣٨٥). ويرى آخرون أن المؤمن هو من يصدق ويخلص في نطقه التوحيدي، وهذا التوحيد الخالص هو الذي يدخله الجنة ويبعده عن النار (الصرصري الحنبلي، ١٤١٩هـ، ٢: ٧١٣). كما يعتبر عدد من العلماء مصداق هذه الروايات هم «الشيعة»، كما ورد ذلك في بعض الروايات أيضًا.[6] من وجهة نظرهم، واستنادًا إلى أخبار كثيرة وردت في هذا المجال، فإن الشيعي لا يدخل نار جهنم، وسيعذب عند الموت أو في البرزخ أو يوم القيامة (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ١١: ١١٥). وبالطبع، استثنت فئة أخرى مرتكبي الكبائر التي يؤدي ارتكابها إلى الدخول في الشرك من هذه الدائرة (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٣: ٨).
من بين الآراء المطروحة، قدم الشيخ المفيد والشهيد الثاني تحليلًا مختلفًا. يعتقد هذان العالمان، استنادًا إلى روايات كثيرة، أن حكم المؤمن الذي لم يتب هو نفس حكم الكفار في هذه الدنيا؛ ولكن بما أن الله تعالى يعلم أن أئمة الجور وأتباعهم وغيرهم مسلطون على الشيعة، وأن الشيعة مضطرون إلى معاشرتهم ومخالطتهم والزواج منهم، فقد وسّع حكم الإسلام ليشمل المذنبين أيضًا، وأطلق عليهم اسم المسلمين حتى ظهور الإمام المهدي (ع)، حيث سيُطبق عليهم في ذلك الوقت حكم سائر الكفار، وفي الآخرة سيخلدون في النار مع الكفار إلى الأبد (نفس المصدر، ٨: ٣٦٩، ٣٧٠).
من وجهة نظر العلامة المجلسي، هناك وجه آخر محتمل؛ وهو أن هؤلاء الأفراد في الزمن الحاضر يعانون من الشبهة، ولذلك يطبق عليهم حكم الإسلام في الدنيا، ولكن في زمن الإمام المهدي (ع)، حيث يتجلى الحق بالبينات والمعجزات الصريحة، لن تبقى لهم شبهة وسينكرون الحق، ولهذا السبب سيلحقون بسائر الكفار. ويرى العلامة أن تبيين هذا الوجه يتطلب تأليف كتاب مستقل، ولكنه اختصر المعنى على هذا النحو، ومن وجهة نظره، فإن سائر الأخبار التي تدل على خلاف هذا الرأي تشمل المستضعفين الذين يُستثنون من هذه القاعدة (نفس المصدر، ٣٧٠).
٢-٢-٣. تحديد عمومية اللفظ من باب التغليب
تنفي فئة من أهل السنة عمومية العبارة، وتعتبر أن الرواية جاءت في مقام بيان الكثرة والغلبة. بعبارة أخرى، مراد الرواية هو أن معظم الموحدين لا يدخلون جهنم، لأن معظمهم يلتزمون بالطاعة ويبتعدون عن المعصية (ابن حجر العسقلاني، د.ت، ١: ٢٢٦-٢٢٧).
٣-٢-٣. تحديد معنى جهنم
شرح عدد من علماء أهل السنة معنى الرواية وفقًا لمفهوم المخالفة؛ بمعنى أنهم افترضوا أن دخول الجنة يعني عدم الدخول في جهنم، ومن خلال تحديد معنى جهنم، سعوا إلى إزالة إشكال الرواية. هؤلاء اعتبروا أن جهنم التي لا يدخلها المؤمن هي طبقة خاصة من جهنم مخصصة للكافرين، وبالتالي فإن المؤمنين الآخرين لن يكونوا في النار في نفس طبقة الكافرين (نفس المصدر)، وهذا يعني أنهم كأنهم قد دخلوا الجنة، لأنهم لن يدخلوا أبدًا جهنم الحقيقية التي هي مكان الكافرين.
٤-٢-٣. تحديد معنى جسم المؤمن
ذهب بعض مفكري أهل السنة، في سياق النظرة السابقة وبقرينة عدد من الروايات، إلى أن دخول المؤمن الجنة وحرمة جسده على النار يعني تحريم مواضع السجود أو اللسان الناطق بالتوحيد، وليس كل جسد المسلم (نفس المصدر). بقبول هذا الرأي، نكون قد قلنا في الواقع إن جزءًا فقط من جسد المؤمن محرم على النار، وسيدخل الجنة دون أن يدخل جهنم.
٥-٢-٣. تحديد معنى العذاب
رأت فئة أخرى من علماء السنة، بالنظر إلى مفهوم المخالفة، أن معنى تخفيف العذاب ودخول الجنة هو تقليل جزئي للعقاب، وليس الحذف الكامل للعذاب للمجرمين والمذنبين (المؤيدي، ١٤٢٢هـ، ١٤١).
٦-٢-٣. تحديد حكم الحديث بالتحريض
أخيرًا، افترض بعض المعاصرين أن الحديث جاء في مقام بيان أهمية الشهادتين، لا في مقام بيان الحكم (مركز المصطفى، ١٤١٩هـ، ٣: ١٥٥). بمعنى أن خطاب الروايات يهدف إلى إظهار مكانة وأهمية الشهادتين وتشجيع الناس على الإيمان بالله تعالى، لا أن يبين الحكم النهائي والثمرة الحقيقية للإيمان بالتوحيد.
٣-٣. المقاربة التوقّفية
اختار أفراد مثل التفتازاني التوقف في هذه الأخبار وعدم إبداء الرأي في العفو أو العقاب، وإرجاع مصير هؤلاء إلى مشيئة الله تعالى. وبالطبع، بعد أن بيّن هذا الرأي المرجّح لديه، طرح أيضًا سائر الاحتمالات واختلافات الفرق المختلفة، ولكن رأيه المختار هو «التوقف». من وجهة نظر التفتازاني، إذا اعتبرنا الحكم بالعذاب مقدرًا، فلا ينبغي قطعًا أن نقول بخلود وجاودانية عذاب المؤمنين العصاة، وسيخرجون من جهنم قطعًا بعد العذاب، ولكن هذا القطع ليس ناتجًا عن وجوب هذا الأمر على الله، بل هو إظهار لوعد الله ورحمته (التفتازاني، ١٤٠٨هـ، ٥: ١٣١).
٤-٣. المقاربة الإنكارية
لجأت فئة من العلماء إلى إنكار هذه الروايات من منطلقين مختلفين. بعضهم اهتم بإنكار صدور الرواية واعتبارها مجعولة، وبعضهم الآخر تناول إنكار المعنى واعتبار حكم الحديث منسوخًا.
١-٤-٣. الإنكار الصدوري
إن عدم انسجام هذه الفئة من الروايات مع العقل والنقل هو من بين أدلة المنكرين لهذه الروايات. من وجهة نظرهم، فإن مساواة المحسن والمسيء قبيح بحكم العقل الصريح. كما أن هذه المسألة تتعارض مع النص الصريح للآيات (مثل: القلم: ٣٥) وسائر الروايات. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو اعتبرنا هذه الأحاديث صحيحة، فإنها لن تتجاوز مرتبة خبر الواحد، وتحتاج قطعًا إلى تأويل (المؤيدي، ١٤٢٢هـ، ١٤١). يعتقد القائلون بالجعل أن بعض هذه الروايات وُضعت لتبرير سلوكيات الصحابة. على سبيل المثال، لجأ المتأخرون لتبرير فعل عمر بن الخطاب في خطابه لحظة احتضار النبي (ص) ومنعه من إجابة أمره وإحضار الدواة والقلم، ولكي يخفوا شناعة ما فعله عمر، تمسكوا بجعل مثل هذه الروايات عن أبي ذر وغيره، أو لجعل مقام عمر ومرتبته أعلى، لجأوا إلى جعل أحاديث. من وجهة نظرهم، لا يجيز أي عاقل أن يرسل الله تعالى جبريل إلى رسوله ويبشره أو يلهمه بشيء يكون كتمانه واجبًا أو راجحًا، ويعلمه بوجوب الكتمان (التنكابني، ١٣٨٢ش، ٢: ٢٠-٢٣). كما أن البعض الآخر، بالنظر إلى الإشكالات التي ترد على المراد الظاهري لهذا النوع من الروايات، سواء من حيث التشابه مع معتقد المرجئة، أو المخالفة للسنة القطعية (الروايات الثابتة) والنص الصريح لآيات القرآن التي هي معيار تمييز الصحيح والسقيم، يرفضون الاعتقاد بأن مجرد إعلان الشهادتين كافٍ لدخول الجنة وأن سائر الشروط العملية تسقط جميعها.
٢-٤-٣. الإنكار المعنوي
يعتبر بعض أهل السنة أن أصل الرواية صادر، ولكنهم ينسخون حكمها ومعناها. لذلك، على الرغم من قبول صدور اللفظ، فإنهم يرفضون معناه. تعتقد هذه المجموعة أن الرواية صدرت في بداية الإسلام وقبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي (الصرصري الحنبلي، ١٤١٩ق، ٢: ٧١٣). لذا، فإن حكمها قد نُسخ بنزول الأوامر والنواهي.
٤. تقييم مقاربات المفكرين وتقديم حل للتعارض
نتيجة ما قيل تظهر اختلاف العلماء في تحليل هذه النصوص الروائية، من «القبول المطلق» إلى «الإنكار المطلق». ولكن ما هو واضح أن نظرة «القبول المطلق» لهذه الروايات تتعارض مع الروايات والآيات التي تدل على مساواة العمل والجزاء في الآخرة. كما أن نظرة «الإنكار الصدوري» واعتبار الروايات مجعولة، والتي تستند في الغالب على كون هذه الروايات خبر واحد، تتعارض مع ما توصلت إليه هذه الدراسة. إن كثرة الطرق، وتعدد الأسانيد، ووفرة الرواة في كل طبقة، من الصحابة إلى مؤلفي التراث الروائي الشيعي والسني، تدل على صدور هذه الروايات.
اهتم بعض العلماء، بنظرة وسطية ومعتدلة، بتقديم وجه للجمع بهدف حل التعارض، وقبلوا الروايات من خلال «التأويل». إن تقديم وجوه للمعاني مثل: «تحديد معنى المؤمن؛ تغيير معنى الدخول إلى الخلود؛ تحديد عمومية اللفظ بالتغليب؛ تحديد معنى جهنم؛ تحديد معنى جسم المؤمن؛ تحديد معنى العذاب؛ تحديد حكم الحديث بالتحريض» هو نتاج جهودهم العلمية. كما أن عددًا آخر، في نظرة «القبول التبييني»، مع قبولهم لفحوى الروايات وأصالتها الصدورية، سعوا إلى تبيينها ليكون مخرجًا من التعارضات وتقديم حلول.
وقد لجأ البعض أيضًا، اقتداءً بالروايات المنقولة عن النبي (ص) التي تفيد بأن «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر لم يدخل الجنة»، ومع الأحاديث التي تصرح بأن «الموحد الذي عصى، حتى لو كان زانيًا أو سارقًا، لن يعذب»، إلى حل الخلاف بتقديم وجه للجمع. من بين الحلول لرفع التعارض ما يلي:
– الوجه الأول للجمع هو أن ننظر إلى الكلام باعتباره حكمًا؛ بمعنى أنه لا يمكن الحكم على شخص بدخول الجنة أو عدمه بمجرد رؤية ذنب منه أو عدم رؤيته، وأن اختيار وإصدار حكم كل عبد بيد الله يفعل ما يشاء (الدينوري، د.ت، ١١٠، ٢٧٦). بناءً على ذلك، فإن الروايات تأتي في مقام التنبيه على عدم إمكانية تحديد الحكم النهائي لكل عبد، لا بيان الكفاية المطلقة للتوحيد في النجاة.
– يرفض بعض العلماء عدم التوازن بين المعاصي من جهة أخرى. من وجهة نظرهم، فإن الاختلاف الجوهري بين الكبر وسائر الذنوب هو سبب هذا عدم التوازن، لأن الكبر من الذنوب التي تؤدي إلى إنكار الحق وتتعارض مع الإيمان، بينما السرقة أو الزنا لا تؤديان إلى إنكار الحق ويمكن اجتماعهما مع إيمان الفرد (الإحسائي، ١٤٠٣هـ، ١: حاشية ٣٤، ٩٠٩).
– الوجه الآخر في حل هذا التعارض هو حمل أحاديث الكبر على المبالغة بهدف التحريض على اجتناب الكبر أو الالتزام بأجزاء الإيمان (نفس المصدر).
– كما اعتبر البعض أن الروايات في مقام بيان حقيقة الذنوب؛ حيث إن الصورة الظاهرية لهذه الذنوب في الدنيا هكذا ولا تبدو مخلة بالإيمان، ولكن حقيقتها التي لم تظهر بعد هي على نحو آخر، وتلك الحقيقة تتعارض مع أصل الإيمان (نفس المصدر).
يبدو أنه بالاستعانة ببعض الروايات الشيعية، يمكن بالإضافة إلى وجوه الجمع المذكورة أعلاه، تقديم حل ومقاربة متميزة لرفع التعارض.
توجد ثلاث روايات في الكافي تحت باب بدون عنوان، يمكن توظيفها في مقام تبيين الروايات محل النظر، وعرض هذه الروايات على بعضها البعض يمكن أن يحل إلى حد كبير العقدة المفهومية والتعارض في هذه الفئة من الروايات.
أولها رواية طويلة عن الإمام الباقر (ع) أنه بعد الإشارة إلى وجود المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ يقول: «… الأمر الذي جاء به جميع الأنبياء هو أن لا يشرك الناس بالله شيئًا. هذه الآيات وأمثالها نزلت في مكة، ولم يُدخل الله النار إلا المشرك، ثم بعث الله محمدًا (ص). بقي عشر سنين في مكة، وفي تلك العشر سنين لم يمت أحد بشهادة وحدانية الله ورسالة محمد (ص) إلا أدخله الله الجنة بإقراره، وكان ذلك إيمانًا وتصديقًا، ولم يعذب أحدًا من أتباعه الذين ماتوا إلا من أشرك بالرحمن… ثم وعدهم وأوعدهم ولكنه لم يشدد عليهم… ثم لما أذن للنبي (ص) بالهجرة من مكة إلى المدينة، بُني الإسلام على خمس دعائم: ١. الشهادة بوحدانية الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ ٢. إقامة الصلاة؛ ٣. إيتاء الزكاة؛ ٤. حج بيت الله؛ ٥. صوم شهر رمضان… ثم أخبر بالذنوب التي أوجب الله بها النار على مرتكبيها… لم يسمّ الله الرجل الزاني والمرأة الزانية مؤمنًا ومؤمنة… لا يشك أهل العلم في هذا القول أن الزاني ليس مؤمنًا حين يزني، والسارق ليس مؤمنًا حين يسرق، لأنه ارتكب هذا الفعل القبيح، فقد نُزع منه الإيمان كما يُنزع القميص من الجسد…».[7]
يتضح جليًا أن عبارات الحديث تدل على تغير حكم الروايات التي كانت تشير إلى كفاية مجرد الإيمان بالتوحيد دون الشرك في النجاة، وترسم مرحلتين زمنيتين من الإسلام؛ فترة في صدر الإسلام وقبل الهجرة إلى المدينة حيث كان التوحيد المطلق دون إشراك يعد إيمانًا كاملاً وكافيًا لنجاة المسلم، وفترة بعد الهجرة حيث أُدخل ارتكاب أو ترك الكبائر أيضًا في معنى الإيمان، وأصبح مرتكبوها حين ارتكابها خارجين عن دائرة الإيمان. هذه النظرة تتشابه إلى حد كبير مع المؤمنين بنظرية «الإنكار المعنوي» الذين اعتقدوا أن هذه الروايات صدرت في بداية الإسلام وقبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي. وبالطبع، أطلقوا على هذا الأمر اسم النسخ، والذي يبدو أن إطلاق مصطلح النسخ على هذا المفهوم لا يخلو من إشكال؛ لأن النسخ في مجال الدين يعني إزالة حكم سابق واستبداله بحكم جديد (السيوطي، ١٤٢١هـ، ١: ٦٤٧)، وهو ما لا ينطبق على هذه المحتويات الروائية.
النقطة التالية الجديرة بالتأمل هي أن مفهوم الإيمان في هذه الروايات يتجاوز الإسلام ويشمل كل موحد ملتزم بتعاليم دينه. لذلك، لن يطرح إشكال أن غير المسلمين وحتى الصالحين من أتباع الأديان والمذاهب الأخرى من أهل النار؛ بل إن الملتزمين بالأديان التوحيدية سيجدون مكانًا لهم في دائرة معنى الإيمان. أما الروايات الأخرى التي تدل على نجاة المؤمن، فهي مشروطة بتعريف المؤمن بأنه الشخص الملتزم بتعاليم الإسلام، أو الشخص الذي تاب إذا ارتكب مخالفة. وإلا، فإن الموحد بارتكابه بعض المعاصي يخرج من دائرة تعريف الإيمان، كما هو واضح في الروايتين الأخريين:
«قال الإمام الباقر (ع) لأمير المؤمنين (ع): من شهد بوحدانية الله ورسالة محمد (ص) فهو مؤمن؟ قال: فأين فرائض الله؟ … قلت للإمام الباقر (ع): إن عندنا قومًا يقولون يكفي أن يشهد الإنسان بوحدانية الله ورسالة محمد (ص) ليكون مؤمنًا. قال: فلماذا يُحد الزاني وتُقطع يد السارق، مع أنه لا يوجد مخلوق أكرم عند الله من المؤمن؛ فالملائكة خدم المؤمنين، والمؤمنون في كنف الله، والجنة والحور العين للمؤمنين. ثم قال: فلماذا يكون منكر واجبات الله كافرًا؟» وقال الراوي أيضًا: «سألت الإمام جعفر الصادق (ع) عن الإيمان، فقال: الإيمان أن يُطاع الله فلا يُعصى» (الكليني، ١٣٦٣ش، ٢: ٣٣).
بناءً على ذلك، يمكن القول إن كل قول من أقوال المفكرين وحلولهم صحيح في محله. قول الشيخ الصدوق المشروط بتوفيق المؤمن للتوبة من الذنب؛ وقول العلامة المجلسي بتحديد معنى المؤمن بعدم ارتكاب الأعمال المخلة بالإيمان؛ وقول العلامة الطباطبائي الذي وسّع شمول الناجين ليشمل كل موحد غير ناصبي؛ أو الأقوال التي تقول بعدم الخلود في جهنم لا بمنع الدخول إلى الجنة… كلها تحتاج فقط إلى أن تُذكر كل واحدة تحت الحديث المتعلق بها. وبالطبع، تجدر الإشارة إلى أن هذه المباحث تمت دون الأخذ في الاعتبار ببحث الغفران الإلهي والشفاعة وغيرها.
أما الحلول الأخرى للعلماء، مثل مقاربات تحديد معاني المفردات، فبما أنها مصحوبة بالتكلف وخالية من المؤيدات الروائية، فإنها لم تحظ بقوة تذكر، وهي أقل اعتبارًا من الحلول المذكورة أعلاه.
٥. الخلاصة
إن تتبع الأحاديث الدالة على «كفاية التوحيد المطلق في نجاة المؤمن» ومقاربات العلماء يظهر ما يلي:
١. هذه المجموعة الروائية من الأحاديث المتواترة بين الفريقين، يعود منشأها المكتوب في المصادر الشيعية إلى القرن الرابع وفي المصادر السنية إلى القرن الثالث، ويمتد منشأها الصدوري من عصر النبي (ص) إلى عصر الإمام الصادق (ع). رُويت هذه الروايات في المصادر الشيعية عن النبي (ص)، وأمير المؤمنين، والإمام السجاد، والإمام الباقر، والإمام الصادق (ع)، وفي مصادر أهل السنة عن النبي (ص)، ونقلها ٥ مصادر شيعية متقدمة مع ٦ مصادر سنية متقدمة.
٢. تحليل ورسم «شبكة الأسانيد» يبيّن وجود رواة متعددين في هذه المجموعة الروائية. يصل عدد رواة طبقة أصحاب النبي (ص) في النقل المشترك بين الفريقين، بالإضافة إلى أصحاب الأئمة (ع) في النقول الخاصة بالشيعة، إلى ١٦ شخصًا. وفي سائر الطبقات أيضًا، تشير كثرة الرواة إلى مكانة «الشهرة» وربما «التواتر الإجمالي». لذا، لا يمكن وضع هذه الأخبار في زمرة خبر الواحد.
٣. بذل معظم المفكرين جهودًا في مقام حل مشكلة هذه الأحاديث المتعارضة ظاهرًا مع تعاليم الدين، بهدف التوافق مع العدل الإلهي، لتقديم حلول تتراوح من «القبول المطلق» إلى «الإنكار المطلق».
٤. قراءة «القبول المطلق» للروايات لم تلتفت إلى التعارض، ولم تسعَ إلى رفع الاختلاف في الأحاديث. أما نظرة «الإنكار الصدوري» واعتبار الروايات مجعولة، والتي تستند في الغالب على كون هذه الروايات خبر واحد، فتتعارض مع «الشهرة» أو «التواتر الإجمالي» الظاهر في شبكة الأسانيد. ومن هنا، تنتفي صحة هذه المقاربة أيضًا.
٥. تحديد معنى المؤمن بعدم ارتكاب الأعمال المخلة والمنكرة للإيمان؛ توفيق المؤمن للتوبة من الذنب؛ عدم الخلود في جهنم لا المنع من الدخول؛ إمكانية نجاة الموحد غير الناصبي وغيرها، هي من الحلول الفعالة في حل الاختلاف ورفع مشكلات هذه المضامين الروائية، والتي يكون الإيمان بها مؤثرًا في الفهم الصحيح للمراد الجدي للمعصوم (ع) ويحل عدم انسجام هذه الروايات مع التعاليم الأخرى والعدل الإلهي.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن حبان، الصحيح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.
ابن حجر العسقلاني، أحمد، فتح الباري، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، د.ت.
ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، د.ت.
ابن طاووس، علي بن موسى، اليقين، د.م، دار الكتاب الجزائري، ١٤١٣ هـ.
ابن منصور، سعيد، السنن، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
الإحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي، تحقيق: مجتبى عراقي، قم، سيد الشهداء، ١٤٠٣ هـ.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، إسطنبول، دار الفكر، ١٤٠١ هـ.
البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، بيروت، دار الفكر، د.ت.
________، شعب الإيمان، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٠ هـ.
باكزاد، عبدالعلي؛ رستمي، محمد حسن وجلالي، مهدي، «إيمان وارتكاب گناه (تحليل فقه الحديثي وروش حل تعارض ظاهرى روايات باب الذنوب وباب ان الإيمان لا يضر معه سيئه» در کتاب الكافي)»، مطالعات فهم حديث، ١٣٩٨ ش، العدد ١١، صص ٣٥-٥٢.
الترمذي، محمد، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.
التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، قم، الشريف الرضي، ١٤٠٨ هـ.
التنكابني، محمد بن عبد الفتاح، ضياء القلوب، قم، د.ن، ١٣٨٢ ش.
الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، د.م، د.ن، د.ت.
الخزرجي القرطبي، محمد بن أحمد، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، بيروت، د.ن، ١٤٢٣ هـ.
الخواجوئي، محمد إسماعيل، جامع الشتات، د.م، د.ن، ١٤١٨ هـ.
الدارمي، عبد الله بن رحمن، السنن، دمشق، مطبعة الاعتدال، ١٣٤٩ هـ.
الدينوري، ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
الراوندي، فضل الله، النوادر، تحقيق: سعيد رضا علي عسكري، قم، دار الحديث، د.ت.
رضوي، مرتضى، نقدهاي علامه طباطبايي بر علامه مجلسي، د.م، كتابخانه مجازي سايت بينش نو، د.ت.
السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤٢١ هـ.
الشعيري، محمد، جامع الأخبار، النجف، مطبعة حيدرية، د.ت.
الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، قم، الشريف الرضي، الطبعة الثالثة، ١٣٦٤ ش.
الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، قم، مؤسسة البعثة، ١٤١٧ هـ.
___________، التوحيد، تصحيح: سيد هاشم حسيني طهراني، قم، انتشارات إسلامي جامعة مدرسين، د.ت.
___________، ثواب الأعمال، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الثانية، ١٣٦٨ ش.
___________، معاني الأخبار، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم، انتشارات إسلامي جامعة مدرسين، ١٣٦١ ش.
___________، من لا يحضره الفقيه، قم، انتشارات إسلامي جامعة مدرسين، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ.
الصرصري الحنبلي، سليمان، الانتصارات الإسلامية، الرياض، د.ن، ١٤١٩ هـ.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله، عبد المحسن حسيني، القاهرة، دار الحرمين، د.ت.
___________، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.
القمي، قاضي سعيد، شرح توحيد الصدوق، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، د.ت.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الخامسة، ١٣٦٣ ش.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق: جماعة من المحققين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣ هـ.
___________، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، تحقيق: سيد هاشم رسولي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ.
مركز المصطفى، العقائد الإسلامية، قم، مركز المصطفى للدراسات الإسلامية، ١٤١٩ هـ.
مسلم النيسابوري، ابن الحجاج، صحيح المسلم، بيروت، دار الفكر، د.ت.
المفيد، محمد بن نعمان، تصحيح الاعتقادات، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، ١٤١٣ هـ.
المؤيدي، إبراهيم بن محمد، الإصباح على المصباح، صنعاء، د.ن، ١٤٢٢ هـ.
النمازي الشاهرودي، علي، مستدركات علم رجال الحديث، طهران، حيدري، ١٤١٤ هـ.
الهاشمي الخوئي، حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تحقيق: سيد إبراهيم ميانجي، طهران، بنیاد فرهنگ إمام مهدي (عج)، الطبعة الرابعة، ١٣٦٠ ش.
الهيثمي، نور الدين، مجمع الزوائد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ هـ.
الهوامش
١. أجمع تلخيص في هذا الباب قدمه التفتازاني، ولخصه العلامة المجلسي تلخيصًا علميًا ونقله في بحار الأنوار: التفتازاني، ١٤٠٨هـ، ٥: ١٣١-١٤٢؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٢٩: ٤٠-٤٢.
٢. مثل: طه: ٤٨؛ النحل: ٢٧.
٣. مثل: الزلزال: ٧؛ المؤمن: ٤٠.
٤. مثل جميع الروايات موضوع البحث في هذا المجال.
٥. مثل: آل عمران: ١٨٥؛ الأنعام: ١٢٨.
٦. على سبيل المثال: الدارمي، ١٣٤٩هـ، ٢: ٣٣٢؛ البيهقي، ١٤١٠هـ، ١: ٢٩١؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٨: ٣٧١.
٧. نظرًا لطول الروايات، تمت الإشارة فقط إلى الأجزاء المرتبطة بالبحث. للاطلاع على الروايات كاملة، انظر: الكليني، ١٣٦٣ش، ٢: ٢٨-٣٣.