الملخص: استخدم علماء الرجال الشيعة المتقدمون عبارة «يروي عن الضعفاء» في التعريف بـ ۲۱ راويًا. إن تحديد مفهوم هذه العبارة في علم الرجال عند الفريقين، وكيفية تعامل المحدّثين مع الرواة الذين ينقلون عن الضعفاء، ومسألة التلازم أو عدم التلازم بين عبارة «يروي عن الضعفاء» وضعف الراوي، هي من أهم المسائل التي يتناولها هذا البحث. ومن خلال دراسة العبارات المصاحبة في كلمات الرجاليين القدماء، اتضح أن هذه العبارة كانت تُستخدم لوصف من يتّصف بخصائص مثل «اللامبالاة والتساهل في النقل»، و«عدم الانضباط وعدم الالتزام بقواعد نقل الحديث»، و«عدم الدقة في اختيار الأساتذة»، و«نقل الروايات الغريبة». وقد استخدم رجاليّو العامة هذا المصطلح قبل الشيعة بنحو قرنين لوصف الرواة الذين يحملون نفس هذه الخصائص. ومن المحتمل أن يكون التوقف في النقل عن الضعفاء ثقافة عامة لدى محدّثي الفريقين. لقد كانت الحساسية تجاه الأستاذ همًّا مشتركًا بين المدرستين الحديثيتين في قم وبغداد؛ فلم تكن وثاقة الراوي وحدها كافية لديهم، بل كان يجب على الراوي أن ينقل عن أستاذ ثقة أيضًا، أو على الأقل ألا يُكثر من الرواية عن أستاذ ضعيف. ولكن في التعامل مع أحاديث الرواة الذين ينقلون عن أساتذة ضعاف، نُشاهد نوعين من التعامل: فالمحدّثون القمّيون في فترة ما كانوا يرون عدم جواز النقل عنهم، بينما رأت مجموعة أخرى، كالبغداديين، جواز النقل عن هذه الفئة من الرواة واعتبرت أحاديثهم معتبرة، شريطة وثاقتهم هم.
۱. مدخل
عند إعادة قراءة مصادر الرجال القديمة، نجد أن للرجاليين المتقدمين معايير متنوعة ومختلفة لجرح الرواة وتضعيفهم في مجالات البحث الحديثي، والمذهب، والأخلاق، وسلوك الراوي. ويمكن تحليل قسم من معايير الجرح والتضعيف لديهم في مجال البحث الحديثي للراوي ضمن ثلاثة أقسام: الضعف في الأسانيد، والضعف في التأليف، والضعف في معرفة الراوي بالحديث.
ما كان يكتسب أهمية كبيرة لدى مجموعة من الرجاليين هو ضعف الراوي في جانب الإسناد، والذي تجلّى أكثر ما تجلّى في عبارة “النقل عن الضعفاء”. فإذا لم يراعِ الراوي قوانين الإسناد في نسبة الحديث، فإنه يُعتبر “ضعيفًا في الإسناد” من وجهة نظر المحدّثين والرجاليين. والأنواع المختلفة لهذا الضعف في المصادر الرجالية هي: الرواية عن الضعفاء، والرواية عن المجاهيل، والاعتماد على المراسيل.
يسعى هذا البحث، من خلال أسلوب تتبع مصاحبة المفردات ودراسة الوضع الرجالي للأفراد الذين وُصفوا بهذه العبارة، إلى تحقيق الهدف المهم المتمثل في معرفة المفهوم الدقيق لعبارة “النقل عن الضعفاء”، وهل يمكن الجمع بين هذه العبارة ووثاقة الراوي في النقل، وما هي الفروق بين منهج محدّثي قم وبغداد في التعامل مع الرواة الذين اتصفوا بهذه الصفة، ولأي غرض استخدم أهل السنة هذه العبارة في مصادرهم الرجالية؟
۲. الرواة عن الضعفاء في مصادر الرجال القديمة
بنظرة إلى المصادر المتقدمة، نجد أن الرواة كانوا أحرارًا في اختيار أساتذتهم، ولكنهم لم يكونوا جميعًا على درجة واحدة من الدقة والاحتياط في اختيار الأستاذ. وقد عُرّف واحد وعشرون راويًا في مصادر الرجال الشيعية المتقدمة بأنهم من الرواة عن الضعفاء. ورد قسم من هذه الأسماء في رجال ابن الغضائري، وقسم آخر في رجال النجاشي.
عرّف ابن الغضائري (القرن الخامس) اثني عشر شخصًا بأنهم رواة عن الضعفاء، وهم: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، إسماعيل بن مهران السكوني، إدريس بن زياد، إبراهيم بن سليمان بن عبد الله، جعفر بن مالك الفزاري، الحسن بن أسد الطفاوي البصري، علي بن محمد بن جعفر عنبسة، محمد بن خالد البرقي، محمد بن موسى بن عيسى السمان، محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني (أبو سمينة)، معلى بن محمد البصري، ومحمد بن أحمد بن خاقان القلانسي (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۳۸، ۳۹، ۴۱، ۴۸، ۵۲، ۸۱، ۹۳، ۹۵ و ۹۶).
وعرّف النجاشي (ت ۴۵۰ هـ) أيضًا عشرة أشخاص بنفس العبارة، وهم: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، أحمد بن محمد بن جعفر الجلودي، الحسن بن محمد بن جمهور، علي بن سهل القزويني، محمد بن حسان الرازي، محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي، محمد بن مسعود العياشي، محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، محمد بن جعفر بن محمد الأسدي الكوفي، ونصر بن مزاحم المنقري (النجاشي، ۱۴۰۷: ۷۷، ۸۴، ۶۲، ۲۶۲، ۳۳۸، ۳۴۸، ۳۵۱، ۳۷۲، ۳۷۳، ۴۲۸).
أما الشيخ الطوسي (ت ۴۶۰ هـ)، فقد ذكر أحمد بن محمد بن خالد فقط بهذا الوصف في أحد كتابيه الرجاليين (الطوسي، بي تا: ۵۳، ش ۶۵). أما الكشي (القرن الرابع)، الذي اتُّهم هو نفسه بالرواية عن الضعفاء، فمن الطبيعي ألا يعرّف أحدًا بهذه الصفة، بالإضافة إلى أن نظام كتابه لا يقتضي مثل هذه المباحث؛ حيث إن كتابه أقرب إلى أسلوب الطبقات منه إلى أساليب الجرح والتعديل.
والجدير بالذكر أن الرواية عن الضعفاء وتحديد الرواة الناقلين عنهم يُلاحظ أيضًا في كتب الرجال القديمة عند العامة. فقد استخدموا هذا المصطلح قبل الشيعة بنحو قرنين. وقد وردت بعض هذه الأوصاف في كلام نقاد الحديث من العامة في القرن الثالث. فالعقيلي (ت ۳۲۲ هـ) في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي ينقل عن البخاري (ت ۲۵۶ هـ) قوله: «عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، كان يسمع أحاديث طرائف فسُمّي بذلك، يروي عن قوم ضعاف» (العقيلي، ۱۴۱۸: ۳/۲۰۸).
وينقل ابن أبي حاتم الرازي (ت ۳۲۷ هـ) أيضًا في كتاب “الجرح والتعديل” في وصف بعض الرواة، مثل عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن أئمة الجرح والتعديل المتقدمين، أنه عُرّف بعبارة «يروي عن الضعفاء» (الرازي، ۱۹۵۲: ۶/۱۵۸).
ويمكن مشاهدة نظير هذه العبارة في توضيحات تراجم رواة آخرين من رجاليين مثل ابن حبان (ت ۳۵۴) (ابن حبان، ۱۴۱۲: ۲/۳۰۱)، وعبد الله بن عدي الجرجاني (ت ۳۶۵ هـ) (ابن عدي، ۱۹۸۸: ۶/۱۴۶)، والخطيب البغدادي (ت ۴۶۳ هـ) (الخطيب البغدادي، ۱۹۹۷: ۱۱/۸۶)، وابن ماكولا (ت ۴۷۵ هـ) (ابن ماكولا، بي تا: ۷/۱۲۴)، وغيرهم.
يمكن طرح عدة احتمالات للتأمل: الأول، أن التوقف والتأمل في النقل عن الضعفاء كان ثقافة عامة لدى محدّثي الفريقين. الاحتمال الثاني، أن العامة استخدموا هذا المصطلح والعبارة أولاً، ثم قامت مجموعة من الشيعة – خاصة البغداديين الذين كانوا أكثر ارتباطًا بالعامة – باستخدام نفس العبارة في التعريف بالرواة اقتداءً بهم. الاحتمال الثالث، أن رجاليي الشيعة استخدموا مثل هذه العبارة دون الالتفات إلى أداء رجاليي العامة. وهذا الاحتمال يبدو بعيدًا بعض الشيء بسبب التقارير التي وصلتنا عن العلاقة بين علماء الشيعة والعامة، ولكن الاحتمالين الآخرين قابلان للبحث، وإن كان هذا البحث لا يتكفل ببيانهما.
۳. مفهوم «الرواية عن الضعفاء» في رجال الشيعة
يمكن تخمين معنى «يروي عن الضعفاء» بشكل أفضل من خلال عبارتين وردتا في رجال ابن الغضائري والنجاشي. فنحن نعلم أن النجاشي والشيخ الطوسي عرّفا أحمد بن محمد بن خالد البرقي بعبارة أنه “هو في نفسه ثقة، ولكن يروي عن الضعفاء”. كما يكتب ابن الغضائري في التعريف بالبرقي:
«أحمد بن محمد بن خالد بن محمد بن علي البرقي، يكنى أبا جعفر، طعن القميون عليه، وليس الطعن فيه، إنما الطعن في من يروي عنه، فإنه كان لا يبالي عمن يأخذ على طريقة أهل الأخبار. وكان أحمد بن محمد بن عيسى أبعده عن قم ثم أعاده إليها واعتذر إليه» (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۳۹).
يمكن أن يُفهم من عبارة «على طريقة أهل الأخبار» أنه، مثل المؤرخين، لا يمتلك الدقة اللازمة في أخذ الخبر، وينقل عن الأفراد الضعفاء بسهولة، وبذلك لا يراعي الأسلوب المتبع لدى الرواة والمحدّثين.
ويكتب النجاشي أيضًا في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي:
«محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي، أبو جعفر. كان ثقة في الحديث، إلا أن أصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء» (النجاشي، ۱۴۰۷: ۳۴۸، ش ۹۳۹).
بناءً على العبارتين المذكورتين أعلاه، وكذلك مجموع العبارات التي وردت في وصف الرواة الناقلين عن الرواة الضعفاء، يمكن استنتاج أن وصف “النقل عن الضعفاء” كان يُطلق على من يتّصف بالخصائص التالية:
- اللامبالاة والتساهل في النقل (نفس المصدر).
- عدم الانضباط وعدم الالتزام بقواعد نقل الحديث (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۳۹).
- عدم الدقة في اختيار الأساتذة (النجاشي، ۱۴۰۷: ۳۴۸، ش ۹۳۹).
- نقل الروايات الغريبة (الطوسي، ۱۳۸۱: ۴۱۸، ش ۲).
- إمكانية اجتماع الوثاقة مع النقل عن الضعفاء، حيث إن النجاشي صرح بوثاقة معظم الرواة الناقلين عن الضعفاء (النجاشي، ۱۴۰۷: ۷۷، ۸۴، ۶۲، ۲۶۳، ۳۴۸، ۳۵۰، ۳۷۲ و ۳۷۳).
۴. مفهوم «النقل عن الضعفاء» عند العامة
يمكن العثور على نظير هذه المفاهيم، مع بعض الاختلاف، في تحديد مفهوم هذه العبارة في مصادر الرجال عند العامة. ففي إعادة قراءة استعمالات رجاليي أهل السنة لعبارة «يروي عن الضعفاء»، وُجدت المفاهيم التالية:
- روايات الرواة الناقلين عن أساتذة ضعاف عادة ما تكون روايات غريبة، منكرة، وضعيفة جدًا، وبعضها في عداد المنفردات (الخطيب البغدادي، ۱۹۹۷: ۱۱/۸۶؛ ابن حبان، ۱۴۱۲: ۲/۳۰۱).
- بعض المدلّسين، من خلال النقل عن الضعفاء والتدليس في أسمائهم – مثلاً، يذكرون كنية الأستاذ الضعيف أو اسمًا آخر له بدلاً من اسمه – يسعون إلى إخفاء عيب حديثهم (ابن الجوزي، ۱۹۶۶: ۱/۱۶۷).
- التدليس في اسم الأستاذ لا يمنع من صدق المدلّس؛ مثل حجاج بن أرطاة الذي هو صدوق ولكنه يدلّس أيضًا في النقل عن الضعفاء (الرازي، ۱۹۵۲: ۳/۱۵۶).
- لا يوجد فرق كبير بين النقل عن الضعفاء والنقل عن المجاهيل، وهما تقريبًا شيء واحد (ابن حبان، ۱۳۹۳: ۸/۲۷۸).
- يمكن الجمع بين الرواية عن الضعفاء وصدق الراوي (الرازي، ۱۹۵۲: ۲/۵۶، ۶/۱۵۸؛ ابن ماكولا، بي تا: ۷/۱۲۴) ووثاقته (الرازي، ۱۹۵۲: ۸/۴۵۹).
بناءً على ما تقدم، فإن “النقل عن الضعفاء” عند الفريقين لا يرتبط بالضرورة بالخصائص الشخصية للراوي وصدقه وكذبه، بل يعبّر فقط عن ضعفه في “مجال البحث الحديثي”.
۵. اختلاف مدرستي قم وبغداد في النقل عن الضعفاء
كان همّ الرجاليين منصبًا على إظهار خصائص مجموعتين بشكل أكبر: المجموعة الأولى، هم الذين كان منهجهم وسلوكهم النقل عن الثقات ورواية الأحاديث الصحيحة؛ مثل المشايخ الثقات – صفوان بن يحيى، وابن أبي عمير، والبزنطي (الطوسي، ۱۳۷۶: ۱/۱۵۴) – وأصحاب الإجماع، وجعفر بن بشير (النجاشي، ۱۴۰۷: ۱۱۹، ش ۳۰۴)، ومحمد بن إسماعيل بن ميمون (نفس المصدر، ۳۴۶، ش ۹۳۳). والمجموعة الثانية، هم الرواة الذين لم يكن لديهم الاحتياط اللازم في اختيار الأساتذة. ومما لا شك فيه أن الذين يُكثرون النقل عن أساتذة ضعاف لم يكونوا موفقين في اختيار الأساتذة.
ويبدو أن الحساسية تجاه الأستاذ كانت همًّا مشتركًا بين المدرستين الحديثيتين في قم وبغداد. فلم تكن وثاقة الراوي وحدها كافية لديهم، بل كان يجب على الراوي أن ينقل عن أستاذ ثقة أيضًا، أو على الأقل ألا يُكثر من الرواية عن أستاذ ضعيف.
بناءً على التقارير التي تُلاحظ في مصادر الرجال، وكذلك أسانيد روايات المحدّثين، يمكن استنتاج أن قسمًا كبيرًا من القميين في النصف الثاني من القرن الثالث والقرن الرابع كانوا يتجنبون نقل الروايات – خاصة الروايات الفقهية – عن هذه الفئة من الرواة. فبناءً على الأسانيد الموجودة، كان السبب الأهم لتعامل أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري مع رواة مثل البرقي (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۳۹) وسهل بن زياد (نفس المصدر، ۶۷)، والذي أدى إلى نفيهم، هو عدم الدقة في نقل الرواية. وهذه النقطة تُلاحظ بالضبط في استثناءات ابن الوليد المشهورة من روايات كتاب “نوادر الحكمة” لمحمد بن أحمد بن يحيى. فقد استثنى ابن الوليد روايات محمد بن أحمد بن يحيى عن عدد من أساتذته بسبب ضعفهم (النجاشي، ۱۴۰۷: ۳۴۸، ش ۹۳۹). وقد تبع الشيخ الصدوق ابن الوليد في هذا الموضوع بشكل كامل، ولم يختلف مع أستاذه إلا في أحد المصاديق، وهو محمد بن عيسى بن عبيد، بسبب وثاقته (نفس المصدر).
ولكن يبدو أن المحدّثين والرجاليين المقيمين في بغداد كانوا يعتبرون وثاقة الراوي والنقل عن الضعفاء مقولتين مستقلتين ومنفصلتين تمامًا. وسنقول إن معظم الرواة الذين وُصفوا بهذه الصفة في رجال النجاشي، هم موثقون بنص منه. فهم، مع قبولهم بنوع من الضعف في جانب المعرفة الحديثية للراوي، لم يروا مانعًا من النقل عنهم. وبالطبع، يجب الانتباه أيضًا إلى أنه على الرغم من أن البغداديين لم يعتبروا النقل عن الضعفاء منافيًا لوثاقة الراوي، إلا أنهم في النقل عن الضعاف كانوا يفضلون أن ينقلوا عن الراوي الضعيف بواسطة راوٍ ثقة، حتى لا يُتهموا هم أنفسهم بالنقل عن الضعفاء. ويقول النجاشي بخصوص أبي المفضل الشيباني بعد أن يضعّفه: «رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيرًا، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه» (نفس المصدر، ۳۹۶، ش ۱۰۵۹).
لذلك، كان للمحدّثين والرجاليين الشيعة المتقدمين في التعامل مع أحاديث الرواة الناقلين عن أساتذة ضعاف نوعان من التعامل: مجموعة، مثل القميين، كانت ترى عدم الجواز، ومجموعة أخرى، مثل البغداديين، كانت ترى جواز النقل عنهم شريطة وثاقتهم.
۶. التلازم أو عدم التلازم بين النقل عن الضعفاء ووثاقة الراوي في كلام النجاشي
تقريبًا كل من يعتبرهم النجاشي ناقلين عن الضعفاء قد وُثّقوا بعبارات خاصة من قبله هو نفسه. فقط محمد بن حسان الرازي وصفه بعبارة «يُعرَف ويُنكَر، بين بين». وبالتدقيق في الألفاظ المصاحبة لعبارة «يروي عن الضعفاء»، يبدو أن النجاشي أيضًا يعتبر التوثيق الكامل للراوي عندما يكون متمكنًا في نقل الرواية واختيار الأستاذ؛ ذلك أنه في جميع توثيقات هؤلاء التسعة، أورد قرائن تدل على وثاقة الراوي في نقل المطلب فقط. وكأنه يعتبر الوثاقة المطلقة والكاملة – وبدون خدش – في وصف الرواة عندما لا يكون الراوي ثقة من حيث نقل الرواية فحسب، بل في اختيار الأستاذ أيضًا لا ينقل عن الضعفاء، أو يكون نقله عنهم قليلاً. على سبيل المثال، استخدم لأحمد بن محمد بن خالد البرقي (النجاشي، ۱۴۰۷: ۷۷، ش ۱۸۲)، والحسن بن محمد بن جمهور (نفس المصدر، ۶۲، ش ۱۴۴)، وعلي بن سهل القزويني (نفس المصدر، ۲۶۳، ش ۶۸۸) عبارة «ثقة في نفسه». ولأحمد بن محمد بن جعفر الجلودي (نفس المصدر، ۸۴، ش ۲۰۲)، ومحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي (نفس المصدر، ۳۴۸، ش ۹۳۹)، ومحمد بن جعفر بن محمد الأسدي الكوفي (نفس المصدر، ۳۷۳، ش ۱۰۲۰)، أورد عبارات تدل على الوثاقة في نقل الحديث. وفي وصف بعض الرواة أيضًا، بعد ذكر الوثاقة، قيّد هذا التوثيق بأداة استثناء، ثم أشار إلى نقلهم عن الضعفاء.
- نموذج ۱: محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي، أبو جعفر. كان ثقة في الحديث، إلا أن أصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل (نفس المصدر، ۳۴۸، ش ۹۳۹).
- نموذج ۲: محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي، أبو الحسين الكوفي، ساكن الري، يقال له محمد بن أبي عبد الله. كان ثقة صحيح الحديث، إلا أنه روى عن الضعفاء (نفس المصدر، ۳۷۳، ش ۱۰۲۰).
۷. أنواع الاستثناء في التوثيقات في كلمات الرجاليين
عادة ما يكون لدى الرجاليين القدماء، مثل الكشي والنجاشي، خمسة أنواع من الاستثناء في التوثيق؛ أي أنهم أحيانًا يقولون عبارة “ثقة” في وصف الراوي، ولكنهم يستثنون من التوثيق بعبارات صريحة مثل “إلا” أو “غير”، أو بشكل إجمالي. ويمكن حصر أنواع استثناءاتهم الخمسة في هذه الأمور: “فساد المذهب” (نفس المصدر، ۷۴، ش ۱۷۹؛ ۲۱، ش ۳۰؛ ۲۴، ش ۳۷؛ ۴۱، ش ۸۴)، “الاختلاط [بالعامة وغيرهم]” (نفس المصدر، ۲۰۸، ش ۵۵۱؛ ۳۹۶، ش ۱۰۵۹)، “الجوانب العلمية المختلفة” (نفس المصدر، ۶۸، ش ۱۶۵؛ ۷۶، ش ۱۸۱؛ ۸۴، ش ۲۰۲؛ ۹۹، ش ۲۲۹)، “الشبهات المحيطة بالفرد” (نفس المصدر، ۳۲۹، ش ۸۹۱)، و”ضعف المشايخ” (نفس المصدر، ۳۴۸، ش ۹۳۹؛ ۳۷۳، ش ۱۰۲۰). وليس من المستبعد أن تكون هذه الأنواع من الاستثناءات في عبارات توثيق النجاشي هي التي جعلت بعض العلماء يميلون إلى الظن بأن توثيقات النجاشي المطلقة وغير المستثناة تشمل صحة مذهبهم ووثاقة أساتذتهم أيضًا.
۸. التلازم أو عدم التلازم بين النقل عن الضعفاء وضعف الراوي في كلام ابن الغضائري
على عكس النجاشي، لم يوثّق ابن الغضائري أيًا من ناقلي الرواية عن الضعفاء، بل أضاف إلى تضعيفاتهم بألفاظ أخرى. وبالطبع، فإن غالبية هؤلاء الأفراد قد ضعّفهم رجاليون قدماء آخرون أيضًا. وقد تناول النجاشي في تضعيف جماعة منهم وجه الضعف في نقل الرواية بشكل أكبر، واعتبر رواياتهم مضطربة. فقد وصف النجاشي: الفزاري، ومحمد بن خالد البرقي، وعلي بن محمد عنبسة، ومعلى بن محمد البصري، ومحمد بن أحمد القلانسي بأنهم “ضعيف في الحديث” أو “مضطرب الحديث” (نفس المصدر، ۱۲۲، ش ۳۱۳؛ ۲۶۲، ش ۶۸۶؛ ۳۳۵، ش ۸۹۸؛ ۴۱۸، ش ۱۱۱۷؛ ۳۴۱، ش ۹۱۴).
بعض الأفراد الذين عرّفهم ابن الغضائري بعبارة «يروي عن الضعفاء»، قد وثّقهم النجاشي والشيخ الطوسي في نقل الحديث فقط. فإسماعيل بن مهران السكوني (النجاشي، ۱۴۰۷: ۲۶، ش ۴۹؛ الطوسي، بي تا: ۲۷، ش ۳۲)، وإدريس بن زياد الكفرثوثاني (النجاشي، ۱۴۰۷: ۱۰۳، ش ۲۵۶)، وإبراهيم بن سليمان بن عبد الله (النجاشي، ۱۴۰۷: ۱۸، ش ۲۰؛ الطوسي، بي تا: ۱۵، ش ۸)، هم أفراد اعتبرهم ابن الغضائري ناقلين عن الضعفاء. ولعل النجاشي والطوسي، بالنظر إلى هذا الضعف، قد درسا رواياتهم واعتبروهم ثقات في نقل الحديث.
۹. دراسة العلاقة بين النقل عن الضعفاء والوثاقة في حالة جعفر بن مالك الفزاري
الشخص الوحيد الذي ذُكر بعبارات متناقضة في هذا السياق هو جعفر بن مالك الفزاري. إن البحث الخاص بالفزاري، بصفته الشخص الذي نال أكبر قدر من التضعيف تقريبًا من بين الواحد والعشرين راويًا الناقلين عن الضعفاء، يقودنا إلى نتيجة مفادها أنه يمكن توثيقه على الرغم من نقله عن الضعاف. نستعرض أوصاف الرجاليين له:
- وصف ابن الغضائري:جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور، مولى مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري، أبو عبد الله. كذاب، متروك الحديث جملة، وفي مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۴۸).
- وصف النجاشي:جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور، مولى أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، كوفي، أبو عبد الله. كان ضعيفًا في الحديث. قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعًا ويروي عن المجاهيل. وسمعت من قال: كان أيضًا فاسد المذهب والرواية. ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري رحمهما الله. وليس هذا موضع ذكره… (النجاشي، ۱۴۰۷: ۱۲۲، ش ۳۱۳).
- وصف الشيخ الطوسي: ذكر الشيخ الطوسي في كتاب “الفهرست” اسم الفزاري وأثره فقط، ولكنه يكتب في “الرجال”: «جعفر بن محمد بن مالك، كوفي، ثقة، ويضعفه قوم. روى في مولد القائم (ع) أعاجيب» (الطوسي، ۱۳۸۱: ۴۱۸، ش ۲).
من وجهة نظر ابن الغضائري، يقع الفزاري في ذروة الضعف – وضع الحديث. وبالطبع، نعلم أن فساد المذهب والغلو هما أهم مبنى لابن الغضائري في تضعيفاته. ولكن النجاشي يعتبره ضعيفًا في نقل الحديث على الأقل، وينقل وضع الحديث عنه عن لسان ابن الغضائري. ولكنه يتعجب من سبب نقل كبار وأساتذة مثل أبي غالب الزراري (ت ۳۶۸ هـ) عنه. وهو يعتقد أيضًا أن الفزاري “فاسد الرواية”. إن وجه تضعيف ابن الغضائري هو فساد المذهب، حيث إنه يضعّف حتى المتهمين بالغلو، ولكن كلام النجاشي يستحق التأمل.
أبو غالب الزراري، وهو من كبار رواة الشيعة، كان في بداية تحصيله العلمي تحت إشراف الفزاري، ويكتب ضمن ذكر مشايخه:
“… جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز، وكان كالذي ربّاني – لأن جدي محمد بن سليمان حين أخرجني من الكتاب جعلني في البزازين عند ابن عمه الحسين بن علي بن مالك – وكان أحد فقهاء الشيعة وزهادهم” (الزراري، ۱۴۱۱: ۳۹-۴۰).
بناءً على هذا الوصف، كان الفزاري من فقهاء الشيعة وزهادهم. ويبدو أن النجاشي والطوسي قد وصفاه بعد دراسة رواياته، وأن أبا غالب أيضًا، بمعرفته بأوصافه العلمية والشخصية، كان يعظّمه. ومؤيد هذا الفهم هو العبارة التكميلية للطوسي. فعلى الرغم من أن الشيخ الطوسي وثّقه، إلا أنه ذكر تضعيفه من قبل مجموعة من الشيعة، وكشف عن ضعف روايته في مسألة ولادة إمام العصر (ع). وهذه العبارات تظهر بوضوح دراسة القدماء لمحتوى الروايات.
إن الأوصاف المختلفة حول الفزاري في مصادر الرجال القديمة تحكي عن خلاف قديم. ولعل العدد القليل لرواياته في الكتب الأربعة (۵۵ رواية مع التكرار) كان علامة على إعراض القدماء عنه (انظر: برنامج دراية النور / أسانيد الراوي). والمثير للاهتمام أن الصدوق – المنبثق من مدرسة قم – لم ينقل عنه في كتاب “من لا يحضره الفقيه” سوى رواية واحدة (ابن بابويه، ۱۴۰۴: ۴/۴۰۲، ح ۵۸۶۷)، بينما أورد عنه في آثاره الأخرى، خاصة في “كمال الدين” وروايات المهدوية – التي اتُّهم فيها الفزاري بنقل الأعاجيب – روايات متعددة (ابن بابويه، ۱۴۰۵: ۲/۳۴۵، ح ۳۰؛ ۳۴۶، ح ۳۳؛ ۳۵۸، ح ۵۷؛ ۳۷۰، ح ۲؛ ۴۰۸، ح ۶؛ ۴۳۵، ح ۲ و…). ومن جملة روايات الفزاري في “كمال الدين” نبوءة المعصومين وتصريحهم بسنة ۲۶۰ هـ كزمن لتفرقة الشيعة (نفس المصدر، ۴۰۸، ح ۶). كذلك، فإن الرواية المشهورة عن الأربعين شخصًا الذين رأوا الإمام الحجة (ع) قد نقلها محمد بن يحيى العطار عن الفزاري، وهو عن ثلاثة من الكبار مثل محمد بن عثمان العمري (نفس المصدر، ۴۳۵، ح ۲).
وقد نقل الكليني أيضًا في “الكافي” روايات متعددة عنه، تكرر غالبها في “التهذيبين” (انظر: برنامج دراية النور / أسانيد الراوي). وروايات الكليني في موضوعات مختلفة (الفقه، والأخلاق، والكلام). ولكن المثير للاهتمام أن متن هذه الروايات خالٍ من الفكر الغالي، ومطابق للفكر المعتدل للشيعة الإمامية في بغداد وقم. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن الكليني، في موضوع المهدوية، والغيبة، والنص على إمامة الإمام العسكري والإمام العصر (ع)، قد روى عنه روايات جميلة لا تبدو أي منها غريبة (الكليني، ۱۳۸۸: ۱/۳۲۵، ح ۲؛ ۳۲۸، ح ۳؛ ۳۳۳، ح ۳؛ ۳۳۵، ح ۱؛ ۳۳۷، ح ۶؛ ۳۳۸، ح ۹ و…). ولعل المراد من الأعاجيب هو النبوءات والكرامات.
ولكن في علم الرجال، امتد اختلاف نظر المتقدمين إلى المتأخرين أيضًا. فالعلامة الحلي أيضًا، بعد بيان الاختلافات حول الفزاري، توقف ولم يعمل برواياته (الحلي، ۱۴۱۱: ۲۱۰، ش ۳). والرجالي المعاصر، آية الله الخوئي، أيضًا، بعد بيان التوثيقات والتضعيفات المقبولة والمتوافقة مع مبانيه، اضطر في تعارض الجرح والتعديل إلى عدم إمكانية الحكم بوثاقته (الخوئي، ۱۳۶۹: ۴/۱۱۸، ش ۲۲۷۹). وبالطبع، فإن مبرمجي “دراية النور”، الذين يُقال إنهم يعكسون آراء آية الله شبيري الزنجاني الرجالية، قد اعتبروا الفزاري “إماميًا، ثقة، جليلاً” (انظر: برنامج دراية النور / أسانيد الراوي).
ومن بين الرجاليين المتأخرين، قدم المامقاني في “تنقيح المقال” البحث الأكمل. فالمامقاني (۱۴۲۳: ۱۶/۴۱-۵۲)، ضمن تفنيده للغلو المزعوم من ابن الغضائري، يرى أن النجاشي أيضًا كان متأثرًا به في هذه الترجمة. ويرى المامقاني أن السبب الوحيد لتضعيفه هو نقل المعجزات، وخاصة المطالب المتعلقة بميلاد إمام العصر (ع). وهو الذي درس روايات الفزاري، لم يجد رواية غريبة، ويعتبر نقل المعجزات عنه أمرًا طبيعيًا جدًا، حيث إن من الخصائص الملازمة لكل معجزة هو كونها عجيبة. وبالطبع، لم يجب المامقاني على هذا الإشكال، وهو أنه ربما كان قسم من الروايات الغالية موجودًا في مجموعة روايات الفزاري، ولكنه حُذف في تنقيحات المؤلفين، أو أن المؤلفين نقلوا رواياته المقبولة وأعرضوا عن رواياته الضعيفة. على أي حال، ينظر المامقاني إلى الروايات الموجودة، ولا يرى ضعفًا في محتوى الروايات المتبقية منه في المصادر الروائية.
۱-۹. أدلة المامقاني على توثيق جعفر بن مالك الفزاري
ذكر المامقاني أدلة متعددة لتوثيق الفزاري تبدو مهمة. نشير هنا إلى بعض أدلته:
- تتلمذ ورواية شخصيتين عالمتين وخبيرتين بالحديث وكبيرتين مثل أبي علي بن همام وأبي غالب الزراري عنه؛ ذلك أنه لو كان فيه نقصان، لما كان ينبغي لتلاميذ ثقات وكبار مثلهما أن ينقلوا عنه الرواية.
- رواية الشيخ الصدوق لهذه المطالب التي تبدو غريبة في “كمال الدين”.
- ذكر علي بن أحمد، المشهور بأبي القاسم الكوفي (ت ۳۵۲ هـ)، له في كتاب “الاستغاثة في بدع الثلاثة” هكذا: «حدثنا جماعة من مشايخنا الثقات منهم جعفر بن محمد بن مالك الكوفي».
- كثرة نقل مشايخ مثل ابن عقدة والبزوفري عنه.
- تعجب المجلسي من تعجب النجاشي من أنه كيف تجاهل رواية كبار مثل أبي غالب وقبل أقوال الجهال أو ابن الغضائري.
- نقل مشايخ ثقات آخرين لروايات الفزاري “الأعاجيب” عن رواة آخرين.
- كان منشأ تضعيف النجاشي هو كلام ابن الغضائري، أو في النهاية إذا كان له منشأ آخر، فهو نفس نقل روايات الأعاجيب؛ ذلك أن النجاشي ضعّفه في نقل الحديث الذي يتضمن الأعاجيب. لذلك، ينبغي أن يعتبره ثقة في النقولات الأخرى.
- إن استثناء ابن الوليد لروايات الفزاري من روايات محمد بن أحمد بن يحيى نابع من مشكلة في نقل ابن يحيى، وليس بسبب قدح موجود في هؤلاء الأفراد. ومؤيد هذه النظرية هو أنه على الرغم من موافقة الصدوق لابن الوليد في هذه النظرية، إلا أنه روى روايات متعددة عن الفزاري في غير نقل ابن يحيى عنه.
وفي الختام، يصرح المامقاني، بناءً على مجموعة من الأدلة – التي مر ملخص أهمها – بأنه من الواضح أن الفزاري شخص ثقة ومعتمد (المامقاني، ۱۴۲۳: ۱۶/۴۸). بناءً على الروايات الموجودة وما قيل – خاصة أدلة جناب المامقاني – وعلى الرغم من أن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري كان ينقل عن الضعفاء، يمكن العمل برواياته واعتباره ثقة.
۱۰. نقل التلاميذ الضعفاء عن الأستاذ
الإشارة إلى نقطة هنا لا تخلو من فائدة. لقد أشار الرجاليون القدماء في بعض الحالات إلى ضعف تلاميذ الراوي أيضًا. ومن الطبيعي أنه عندما لا يضر الضعف في جانب الأستاذ بوثاقة الراوي، فمن باب أولى أن الضعف في جانب التلاميذ أيضًا لا يلحق ضررًا بوثاقة الراوي بالضرورة؛ وإن كان يمكن أن يثير شكوكًا في بعض الحالات. ولكن سبب مثل هذه الإشارات ربما هو أن الرجاليين أرادوا بذلك أن يرسموا للقراء الجو العلمي أو المذهبي المحيط بالراوي. على سبيل المثال، ورد في وصف “الحسن بن أسد الطفاوي البصري” أنه «يروي عن الضعفاء ويروون عنه» (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۵۲، ش ۹). وهذه العبارة تبيّن بوضوح لامبالاة الراوي في نقل التعاليم؛ بحيث إن التلاميذ المحيطين به أيضًا كانوا ضعفاء مثل أساتذته.
ولكن أحيانًا كان الغلاة يشكلون النواة الأساسية لتلاميذ راوٍ ما. ومن الطبيعي أن بحث الغلو يختلف عن الراوي الضعيف؛ ذلك أن الغالي يسعى خلف فكر غالٍ، وهذا التوجه الفكري يوجهه نحو اتجاه خاص. والالتفات إلى وصف أحد الرواة – الذي يحمل مثل هذه الصفة – مفيد: «جعفر بن محمد بن مفضل، كوفي، يروي عنه الغلاة خاصة. وما رأيت له قط رواية صحيحة. وهو متهم في كل أحواله» (نفس المصدر، ۴۷، ش ۲۴).
وقد ورد نظير هذا النوع من الوصف حول “داود بن كثير الرقي” و”جابر بن يزيد الجعفي” أيضًا. على أي حال، إذا كان تلاميذ غلاة فقط ينقلون الرواية عن أستاذ واحد، فإن مثل هذا الأستاذ متهم بالغلو أو متهم بنقل أحاديث إشكالية. وبعبارة أخرى، يتضح أن كلام مثل هؤلاء الأساتذة كان يروق للغلاة. وأحيانًا يكتسب كتاب مثل هذه الصفة، حيث إن مجموعة ذات ذوق خاص فقط هي التي نقلت الرواية عنه. وهذا النوع من الكتب أيضًا محل تأمل.
الاستنتاج
وردت عبارة «يروي عن الضعفاء» في مصادر الرجال المتقدمة لتعريف واحد وعشرين راويًا. وهذا المصطلح هو أحد معايير الجرح والتضعيف عند المتقدمين في “مجال البحث الحديثي” للراوي. وقد استخدمت كتب الرجال القديمة عند العامة هذا المصطلح قبل الشيعة بنحو قرنين. لذلك، من المحتمل أن يكون التوقف في النقل عن الضعفاء ثقافة عامة لدى محدّثي الفريقين، أو أن العامة استخدموا هذا المصطلح والعبارة أولاً، ثم قامت مجموعة من الشيعة – خاصة البغداديين الذين كانوا أكثر ارتباطًا بالعامة – باستخدام نفس العبارة في التعريف بالرواة اقتداءً بهم.
من دراسة استعمال عبارة «يروي عن الضعفاء» والعبارات المصاحبة لها في مصادر الرجال الشيعية، يمكن استنتاج أن هذا الوصف كان يُطلق على من يتّصف بهذه الخصائص: «اللامبالاة والتساهل في النقل»، «عدم الانضباط وعدم الالتزام بقواعد نقل الحديث»، «عدم الدقة في اختيار الأساتذة»، و«نقل الروايات الغريبة». ويُستفاد نظير هذه المفاهيم، مع بعض الاختلاف، من هذه العبارة في تحديد المفهوم عند العامة أيضًا.
كانت الحساسية تجاه الأستاذ همًّا مشتركًا بين المدرستين الحديثيتين في قم وبغداد، ولم تكن وثاقة الراوي وحدها كافية لديهم، بل كان يجب على الراوي أن ينقل عن أستاذ ثقة أيضًا، أو على الأقل ألا يُكثر من الرواية عن أستاذ ضعيف. ولكن في التعامل مع أحاديث الرواة الناقلين عن أساتذة ضعاف، نُشاهد نوعين من التعامل: فالمحدّثون القمّيون يرون عدم جواز النقل عنهم، ومجموعة أخرى، مثل البغداديين، ترى جواز النقل عن هذه الفئة من الرواة وتعتبر أحاديثهم معتبرة شريطة وثاقتهم.
في الدراسة التي أجريت، وجدنا أن عبارة «يروي عن الضعفاء» لا تستلزم “عدم وثاقة الراوي”، وأن جماعة منهم، على الرغم من ضعفهم في مجال البحث الحديثي، إلا أنهم معتمدون في نقل الرواية. ولهذا الغرض، ضمن البحث في عموم المتون الرجالية التي تعرّف بهذه المجموعة من الرواة، درسنا بشكل خاص المتون المتعلقة بالفزاري، وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من اتساع نطاق عبارات تضعيفه ونقله عن الضعفاء، إلا أنه في نقل الرواية شخص ثقة وقابل للاعتماد.
المصادر والمراجع
- ابن بابويه (الصدوق)، محمد بن علي (۱۴۰۴ هـ.ق)، كتاب من لا يحضره الفقيه، قم: انتشارات جامعة مدرسين حوزه علميه.
- (۱۴۰۵ هـ.ق)، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم: مؤسسه نشر إسلامي.
- ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (۱۹۶۶ م)، الموضوعات، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المدينة المنورة: المكتبة السلفية.
- ابن حبان، محمود إبراهيم زايد (۱۳۹۳ هـ.ق)، الثقات، حيدر آباد: مؤسسة الكتب الثقافية.
- (۱۴۱۲ هـ.ق)، المجروحين، بيروت: دار المعرفة.
- ابن عدي، عبد الله (۱۹۸۸ م)، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، الطبعة الثانية، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
- ابن غضائري، أحمد بن حسين (۱۳۶۴ هـ.ق)، الرجال، قم: مؤسسه إسماعيليان.
- ابن ماكولا، الأمير الحافظ (بلا تاريخ)، الإكمال، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.
- حسيني جلالي، سيد محمد حسين (۱۴۲۲ هـ.ق)، فهرس التراث، تحقيق: سيد محمد جواد حسيني جلالي، قم: دليل ما.
- حلي، حسن بن يوسف (۱۴۱۱ هـ.ق)، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، قم: دار الذخائر.
- خطيب بغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (۱۹۹۷ م)، تاريخ بغداد، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت – لبنان: دار الكتب العلمية.
- خويي، سيد أبو القاسم (۱۳۶۹ هـ.ش)، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، الطبعة الرابعة، قم: مركز نشر آثار الشيعة.
- رازي، ابن أبي حاتم (۱۹۵۲ م)، الجرح والتعديل، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- زراري، أبو غالب (۱۴۱۱ هـ.ق)، رسالة أبي غالب الزراري، تحقيق: سيد محمد رضا حسيني جلالي، قم: مركز البحوث والتحقيقات الإسلامية.
- طوسي، محمد بن حسن (۱۳۷۶ هـ.ش)، العدة في أصول الفقه، تحقيق: محمد رضا أنصاري قمي، قم: ستاره.
- (۱۳۸۱ هـ.ق)، الرجال، النجف: انتشارات حيدرية.
- (بلا تاريخ)، الفهرست، النجف: المكتبة المرتضوية.
- عقيلي، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد (۱۴۱۸ هـ.ق)، الضعفاء، تحقيق: دكتور عبد المعطي أمين قلعجي، بيروت: دار الكتب العلمية.
- كشي، أبو عمرو محمد بن عمر (بلا تاريخ)، اختيار معرفة الرجال، تحقيق: سيد مهدي الرجائي، قم: مؤسسه آل البيت (ع).
- كليني، محمد بن يعقوب (۱۳۸۸ هـ.ق)، الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- مامقاني، عبد الله (۱۴۲۳ هـ.ق)، تنقيح المقال في علم الرجال، تحقيق: محيي الدين المامقاني، قم: مؤسسه آل البيت (ع).
- نجاشي، أحمد بن علي (۱۴۰۷ هـ.ق)، رجال النجاشي، قم: انتشارات جامعة مدرسين.