الملخص: في رواية عن الإمام الصادق (ع)، اعتُبرت مدينة قم آمنة من البلايا، وأُوصي الشيعة باللجوء إليها عند وقوع الفتن. هذا في حين أننا شهدنا في حوادث مختلفة أن هذه المدينة لم تكن في مأمن من الأذى، كالسيول والزلازل والأمراض الوبائية. ولهذا يبرز سؤال: كيف يمكن الجمع بين هذين الأمرين؟ في هذه المقالة، التي أُعدت بأسلوب تحليلي-وصفي، نسعى للإجابة على الشبهة المذكورة. وقد تم رفض احتمال كون الروايات المتعلقة بالأمن في قم مجهولة وموضوعة، وتم تقييم محتواها بمنهج فقه حديثي-تجريبي وتاريخي. ونتيجة لذلك، ثبت أن طائفة من هذه الروايات مؤطرة بزمن معين، ولهذا لا تشملها الشبهة. أما الروايات غير المؤطرة بزمن، فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: بعضها يتعلق بالأمن من الظالمين، وبعضها يتعلق بالعذاب والبلاء السماوي، وبعضها يتعلق بالإلقاءات الشيطانية والحصانة في الجانب المعنوي. وأيٌّ من هذه الأقسام الثلاثة كان هو المقصود، فلا يوجد أي تنافٍ مع وجود بعض المشكلات كالسيول والأمراض وغيرها. ولا توجد رواية صحيحة تنفي عن هذه المدينة كل نوع من أنواع البلاء والمشكلات والمصائب بشكل كلي.
۱. مقدمة
في أواخر عام ۱۳۹۸ هـ.ش، انتشر في إيران، كما في كثير من دول العالم، مرض يُدعى “كورونا” (COVID-19) وتوسع بسرعة، مما أثار قلق الكثيرين. ولكن ما بدا غريبًا في نظر البعض وأثار شبهات في الأذهان، هو الكشف عن دخول هذا الفيروس إلى البلاد والإعلان عنه من مدينة قم. وقد أدى هذا إلى سرعة انتشار شبهة في الفضاء الافتراضي مفادها: كيف يمكن الجمع بين هذه الحقيقة ورواية الإمام الصادق (ع)؟ حيث قال (ع): «إِذَا عَمَّتِ الْبُلْدَانَ الْفِتَنُ، فَعَلَيْكُمْ بِقُمَّ وَحَوَالَيْهَا وَنَوَاحِيهَا، فَإِنَّ الْبَلَاءَ مَدْفُوعٌ عَنْهَا» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۱؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴).
السؤال الذي طُرح هو: إذا كانت مدينة قم مدينة أمن وسلام، فلماذا تكون من أوائل الأماكن التي تصاب بهذا المرض؟ وبالطبع، فإن هذه الرواية والروايات المشابهة لها كانت منذ القدم مصدرًا لشبهات مثل وجود السيول والزلازل والحروب وغيرها من المشكلات في مدينة قم. وفي هذه المقالة، نسعى لدراسة روايات أمان مدينة قم وتقييم محتواها (للاطلاع على مثال، راجع: سيد شبيري وقناعتكر، ۱۳۹۸: كامل الأثر) بمنهج فقه حديثي-تجريبي وتاريخي، لكي نُجيب من خلال ذلك على الشبهة المذكورة أيضًا.
۲. اعتبار الروايات
يوجد في المجامع الروائية الشيعية نحو عشرين رواية تقتصر على مضمون أمان مدينة قم، والتي سيُشار إليها لاحقًا. ومع ذلك، اعتبر البعض روايات مدح وفضيلة مدينة قم بشكل عام ضعيفة السند (الحسيني وجلالي، ۱۳۹۱)؛ وهو أمر شاع بالنسبة لكثير من المدن والأقوام والأشخاص لأغراض دنيوية وأحيانًا أخروية (كريمي قهي، ۱۳۸۷؛ كريمي وطاووسي مسرور، ۱۳۸۹). ولكن باعتقاد الكاتب، فإن هذه الحقيقة لا تصدق على روايات أمان مدينة قم، أو على الأقل تواجه شواهد تخالفها؛ لأنه بالإضافة إلى العدد الكبير لهذه الروايات، فإن مدينة قم، بسبب ترويجها للمذهب الشيعي الإمامي بشكل علني ودون تقية وإعلانها إياه مذهبًا رسميًا (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۷۷۹-۷۷۸)، وامتناعها عن دفع الخراج للحكومة المركزية، وتقديمها لخمس أموالها علنًا للأئمة (ع)، ومنعها دخول الولاة غير الشيعة إلى المدينة (يوسفي إشكوري، ۱۳۷۹: ۹/۶۷)، شهدت حروبًا وصراعات مع بعض الخلفاء، منهم المأمون والمعتصم (جمعي من المؤلفين بإشراف أحمدرضا خضري، ۱۳۸۶: ۲/۱۷۱). ولهذا السبب، يبدو الدافع الدنيوي لوضع رواية عنها بعيدًا عن الذهن. وكما أنه بالنظر إلى روحية بعض كبار هذه المدينة ومنهجهم المتشدد في نقل الرواية (الكشي، ۱۳۴۸: ۵۱۲) إلى درجة أدت إلى نفي طائفة من الرواة الذين كانوا يتساهلون في نقل الرواية (ابن الغضائري، ۱۳۶۴: ۳۹ و ۶۶؛ النجاشي، ۱۴۰۷: ۱۸۵؛ الحلي، ۱۴۱۱: ۱۸۱)، يمكن الادعاء بأن مدينة قم لم تكن تتمتع بالجاذبية الكافية لوضع الحديث. ولهذا، يمكن الاطمئنان إلى صدور هذا المضمون عن المعصومين (ع). ومن هنا، نمتنع عن دراسة كل رواية على حدة، ونوجه همتنا إلى تحليل مضمونها.
۳. مضمون الروايات
لدراسة مضمون الروايات، من الضروري الانتباه إلى أن مجموعة الأحاديث المتعلقة بالأمن في مدينة قم تنقسم من منظور واحد إلى فئتين:
۱-۳. الروايات المؤطرة بتاريخ
الفئة الأولى هي الروايات التي تنظر إلى “قضية خارجية” وهي مؤطرة بتاريخ، وبالتالي لا يمكن تعميمها على كل الأزمان. وعليه، حتى لو شهدت قم أسوأ الظروف والبلايا، فلن يلحق بهذه الطائفة من الروايات أي خلل. وهذه الفئة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
۱-۱-۳. ما يتعلق بزمن العباسيين
بعض الروايات تتعلق بفتن زمن بني العباس، والتاريخ يشهد بصدق نبوءة أئمة الشيعة (ع) في هذا الشأن (يوسفي إشكوري، ۱۳۷۹: ۹/۶۷). ينقل سليمان بن صالح: «كنا عند أبي عبد الله (ع) فجرى ذكر فتن بني العباس وما يلحق الناس منهم، فقلنا له: أين الملجأ والمفر؟ فقال: إلى الكوفة وحواليها وإلى قم وحواليها. ثم قال: إن في قم شيعتنا وموالينا، وتأمنون منهم ما تحذرون» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۶؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۵؛ النوري، ۱۴۰۸: ۱۰/۲۰۶).
في بداية الرواية، يصرح الراوي بأن الحديث كان عن فتن بني العباس، والإمام (ع)، في إجابته على سؤال أين الملجأ في ذلك الزمان، يشير إلى وجود الشيعة في قم ويعرّفها بأنها مكان آمن.
۲-۱-۳. ما يتعلق بزمن ظهور الإمام المهدي (ع)
بعض الروايات أيضًا ظاهرة في أن أمان مدينة قم يتعلق بالفتن التي تسبق ظهور الإمام المهدي (ع):
۱- رُوي عن عبد الله بن سنان أنه سُئل الإمام الصادق (ع): أين بلاد الجبل؟ فإنه يُروى لنا أنه إذا رُد الأمر إليكم، كان بها خسف. فقال (ع): «إن بالجبل موضعًا يقال له بحر، يسمى قم، وهو معدن شيعتنا. وأما الري، فويل لها من جانبيها، وإنما الأمن من ناحية قم وأهلها. وأهل الري يلجؤون إلى قم، وأهل قم يأوونهم، ثم ينتقلون عنها إلى أردستان» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۶۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۲).
جملة “إذا رُد الأمر إليكم” ظاهرة في عودة الزعامة والخلافة إلى أهل البيت (ع)، وهذا الأمر لا يحدث إلا في زمن الظهور. وكما أن تعبير “الخسف” الذي ورد في الرواية يمكن أن يكون شاهداً على هذا الادعاء؛ لأنه في مجموع الروايات، باستثناء خسف البيداء الذي هو من علامات الظهور الحتمية، ذُكرت أربعة خسوف أخرى، كلها تتعلق بظهور الإمام المهدي (ع) (آيتي، ۱۳۸۹: ۳۶-۴۲).
۲- رُوي عن أبي موسى الأشعري أنه سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن أسلم المدن وأخيرها عند نزول الفتن وظهور السيوف. فقال (ع): «أسلم المواضع يومئذ أرض الجبل. فإذا اضطربت خراسان، ووقع الحرب بين أهل جرجان وطبرستان، وخربت سجستان، فأسلم المواضع يومئذ مدينة قم. هي المدينة التي يخرج منها أنصار خير الناس أبًا وأمًا وجدًا وجدة وعمًا وعمة. تلك المدينة التي تسمى الزهراء» (ابن فقيه، ۱۴۱۶: ۵۳۱؛ الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۵۶؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۷).
ظهور هذه الرواية أيضًا محتمل في وقائع آخر الزمان. وعلى الرغم من أن المقصود من السلامة فيها، هل هي السلامة الاعتقادية أم السلامة الظاهرية والنجاة من أضرار الحرب، يحتاج إلى دراسة، ولكن بما أن هذا الأمر لا يؤثر في نتيجة البحث، فإننا نصرف النظر عنه.
۳-۱-۳. ما يتعلق بزمن غير محدد
بعض الروايات أيضًا، على الرغم من كونها مؤطرة بتاريخ، إلا أنها لم تحدد زمن الواقعة المذكورة وتركته مبهمًا. ومن ذلك يمكن الإشارة إلى الروايات التالية:
۱- يروي محمد بن خالد عن بعض أصحابه: «كنا عند أبي عبد الله (ع) جلوسًا إذ بدأ هو من غير أن يسأله أحد فقال: خراسان خراسان، سجستان سجستان، كأني بهم وقد ركبوا الإبل وساروا يسعون نحو قم» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۶؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۵).
وبالطبع، في الترجمة القديمة لكتاب “تاريخ قم”، نُقل في نهاية الرواية: «وهذا يكون عندما يأتي إليهم خُمسٌ من دانقين» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۶)؛ أي أن هذا الحدث يتعلق بزمن يتحرك فيه خُمس سكان هاتين المنطقتين نحو قم. وهذا كناية عن توجه حشد هائل من سكان هاتين المنطقتين نحو قم. وبما أنه لم يُنقل في التاريخ مثل هذا الحدث، فمن المحتمل أن تكون هذه الرواية متعلقة بأحداث آخر الزمان.
۲- ينقل محمد بن جعفر [ابن الإمام الصادق (ع)] عن أبيه أنه قال: «إذا أصابكم بلاء وعناء فعليكم بقم، فإنه مأوى الفاطميين ومستراح المؤمنين. وسيأتي زمان ينفر أولياؤنا ومحبونا عنا، ويبعدون منا، ويجفون من مدننا، وذلك مصلحة لهم لكيلا يُعرفوا بحبنا فيُحفظوا بذلك أنفسهم وأموالهم. وما أراد أحد بقم وأهله سوءًا إلا أذله الله وأبعده من رحمته» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴-۲۱۵).
مما لا شك فيه أن جملة “وسيأتي زمان ينفر أولياؤنا ومحبونا عنا…” لم تأتِ دون سبب أو مناسبة بين جملتين تتعلقان بمدينة قم. ما يتبادر إلى الذهن هو أن هذه الجملة هي تطبيق لزمن البلاء والعناء الذي أشار إليه الإمام (ع) في بداية كلامه. وعليه، لا يمكن اعتبار صدر الرواية حكمًا عامًا وكليًا، بل هو متعلق بزمن تنبأ به الإمام (ع).
۳- نُقل عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إذا شملت البلدان الفتن، فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإن البلاء مدفوع عنها. فإذا أمن الناس وخافوا وركبوا على الخيول، وطرحوا النساء والروائح، فاهربوا من جوارهم. قلت: جعلت فداك، فإلى أين؟ قال: إلى الكوفة وحواليها، أو إلى قم وحواليها، فإن البلاء مدفوع عنهما» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۳؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴؛ النوري، ۱۴۰۸: ۱۰/۲۰۵).
۲-۳. الروايات العامة وغير المؤطرة بتاريخ
كما ذُكر، لا علاقة للروايات من الفئة الأولى بالشبهة المطروحة؛ لأنه حتى لو فسّرنا تلك الروايات بمعنى الراحة المطلقة، فلن يتنافى ذلك مع عدم الأمان أو وجود البلاء في زمن آخر. ما يبدو إشكاليًا هو الروايات العامة وغير المؤطرة بتاريخ. وهذه الطائفة من الروايات تنقسم أيضًا إلى عدة أقسام:
۱-۲-۳. الأمن على النفس والمال من الظالمين
توجد ست روايات على الأقل تتعلق بأمن أهل قم من أذى الظالمين، ستأتي فيما يلي:
۱- ينقل محمد بن فضيل عن عدد من أصحابه عن الإمام الصادق (ع): «إن على قم ملكًا رفرف عليها بجناحيه، لا يريدها جبار بسوء إلا أذابه الله كذوب الملح في الماء» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۵). ثم أشار الإمام (ع) إلى عيسى بن عبد الله فقال: «سلام الله على أهل قم، يسقي الله بلادهم الغيث، وينزل عليهم البركات، ويبدل سيئاتهم حسنات. هم أهل ركوع وسجود وقيام وقعود، هم الفقهاء العلماء الفهماء، هم أهل الدراية والرواية، وحسن العبادة» (المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۷).
۲- الرواية الأخرى في هذا السياق هي رواية عن حماد الناب، ينقل فيها: «كنا عند الصادق (ع) جماعة إذ دخل عليه عمران بن عبد الله القمي، فسأله وألطفه وبرّه وأقبل عليه. فلما أن قام، قلت لأبي عبد الله (ع): من هذا الذي بررت به هذا البر؟ فقال: من أهل البيت النجباء – يعني أهل قم – ما يريدهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله» (الكشي، ۱۳۴۸: ۳۳۳؛ المفيد، ۱۴۱۳: ۶۹؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۴۷/۳۳۶ و ۵۷/۲۱۱-۲۱۲).
۳- وفي رواية عن الإمام الصادق (ع) ورد: «إذا عمّ البلاء، فالأمن في الكوفة ونواحيها… وفي قم ونواحيها… وحسن موضع قم للرجل يتخوف على نفسه، وهو يهرب من بلدة إلى بلدة» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۲؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴).
من الواضح أن مضمون هذه الروايات، الذي ورد أيضًا في بعض الروايات المؤطرة بتاريخ (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴-۲۱۵)، لا يتنافى مع وجود سائر الابتلاءات كالأمراض والسيول والآلام والأوجاع… في مدينة قم. بل في رواية أبي الأكراد عن الإمام الصادق (ع)، التي ستأتي، اعتُبر وجود مصائب من هذا القبيل عاملاً لدفع شر الظالمين عن أهل قم.
۴- ينقل أبو الأكراد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لأسرع الناس إليه فخرب قم وباد أهله، ولم يكن حجة على سائر البلاد، وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والأرض ولم ينظروا طرفة عين. وإن البلايا مدفوعة عن قم وأهله… وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الله الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله كما نسوا ذكر الله» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۶۶-۲۶۷؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۲-۲۱۳).
بناءً على أن الله «أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها» (الكليني، ۱۴۰۷: ۱/۱۸۳)، فإن هذه الرواية تبيّن بوضوح الطريقة الطبيعية التي وضعها الله لحماية قم من أذى الظالمين، وهي ذلة الدين في قم.
لكن الإشكال الذي قد يرد على مجموعة هذه الروايات هو أن التاريخ يشهد بهجوم بعض الظالمين على مدينة قم (البلاذري، ۱۹۸۸: ۳۰۶؛ شاردن، ۱۳۳۶: ۳/۸۰؛ فيغويروا، ۱۳۶۳: ۲۵۰)، وعليه لا يمكن قبول مضمون هذه الروايات.
في الجواب يجب القول، أولاً، بالنسبة للمدن التي لم تكن لها أهمية كبيرة من الناحية السياسية وغيرها، قد توجد نقولات تاريخية مختلفة ومتضاربة، ومدينة قم ليست مستثناة من هذه القاعدة. مثلاً، بخصوص هجوم تيمور على هذه المدينة، يعتقد شاردن وفيغويروا أن تيمور سوّى المدينة بالأرض، ولكن ورد في رحلة أوجين فلاندن: «لم يلحق تيمورلنك بقم ضررًا كبيرًا، وربما كان ذلك ببركة فاطمة. وفي الحقيقة، يجب القول إن تيمور لم يتعرض لمدينة قم، وكان اهتمامه الوحيد منصبًا على الغنائم والمجوهرات التي جمعها حشد المتدينين في مرقد فاطمة» (فلاندن، ۱۳۵۶: ۱۵۴).
ثانيًا، هذا الأمن ليس دائمًا، بل كما يقول القرآن: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: ۱۱). وفي روايات الشيعة أيضًا، تم التأكيد على أن هذا الأمن سيستمر ما لم يرتكب أهل قم أعمالاً تجعلهم يستحقون تسلط الظالمين، ومن ذلك:
۵- يروي أبو مسلم العبدي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «تربة قم مقدسة، وأهلها منا ونحن منهم. لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته، ما لم يخونوا إخوانهم [نسخة بدل: ما لم تتغير أحوالهم]، فإذا فعلوا ذلك، سلط الله عليهم جبابرة سوء» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۶۲-۲۶۳؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۸-۲۱۹).
۶- وكذلك نُقل عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: «قم عش آل محمد (ص) ومأوى شيعتهم، ولكن سيهلك جماعة من شبابهم بمعصية آبائهم والاستخفاف والسخرية بكبرائهم ومشايخهم. ومع هذا كله، يدفع الله عنهم شر الأعادي وكل سوء» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴).
على الرغم من أنه ورد في نهاية هذه الرواية “ومع هذا كله، يدفع الله عنهم شر الأعادي وكل سوء”، إلا أن هذه الفقرة لا تمنع الاستدلال بصدر الرواية؛ لأنه مما لا شك فيه أن الرواية تنظر إلى واقعة خارجية، ولا شك أنه في تلك الفترة، على الرغم من عدم اكتراث بعض الشباب بالتعاليم الدينية، كان عدد كبير ملتزمًا بأمور تحصّن مدينة قم من الوقوع في العذاب وتسلط الأعداء. وشاهد هذا الادعاء، بالإضافة إلى جملة “ومع هذا كله، فإن الله عز وجل قد دفع عنهم البلاء بسبب تبرئهم من أعدائهم، وكذلك كل سوء” (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۴) التي وردت في نسخة هذه الرواية من كتاب “تاريخ قم”، هي الروايات التي ستأتي في القسم التالي، والتي تدل على عدم تأثير الخصائص المكانية في أمان مدينة قم.
۲-۲-۳. الأمن من البلايا والمصائب
بناءً على ما تقدم من أن البلاء والعذاب هما نتيجة لسوء سلوك البشر، وأن العمل الصالح في المقابل يمنع العذاب، يمكن تقديم تفسير آخر لروايات الأمن في مدينة قم، واعتباره مشروطًا بوجود أناس أتقياء وصالحين كانوا يعيشون في هذه المدينة.
۱- في رواية يعتبرها المرحوم المجلسي الأول صحيحة (المجلسي، ۱۴۰۶: ۱۴/۱۲۷)، ورد: «لما قال زكريا بن آدم القمي للإمام الرضا (ع): إني أريد الخروج عن أهل بيتي، فقد كثر السفهاء فيهم. فقال (ع): لا تفعل، فإن أهل قم يُدفع عنهم بك كما يُدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظم (ع)» (الكشي، ۱۳۴۸: ۵۹۴؛ الحلي، ۱۴۱۱: ۷۵؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۷۵/۲۱۷ و ۲۲۱).
۲- في رواية أخرى، ورد أن الإمام الصادق (ع)، عندما تحدث عن الكوفة وخلوها من المؤمنين، واختفاء العلم منها وظهوره في قم، قال: «في ذلك الزمان، يجعل الله قم وأهلها قائمين مقام الحجة. ولولا ذلك، لساخت الأرض بأهلها ولم يبق في الأرض حجة، وينتشر العلم من هذه البلدة إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد على الأرض لم يبلغه الدين والعلم» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۶۸؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۳).
مثل هذه الشخصيات التي تكون قائمة مقام الحجة وتمنع الأرض من أن تسيخ بأهلها، لا شك أنها حيثما كانت ستمنع العذاب الإلهي. وقد قال الإمام الباقر (ع) في رواية: «إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء» (الكليني، ۱۴۰۷: ۲/۲۴۷).
ويكتب الملا صالح المازندراني في شرحه على “الكافي”: «إن القضاء الإلهي قد تعلق بأنه إذا أراد أن يصيب قومًا بعذاب أو عقوبة أو يوقعهم في شدة، فإنه يخرج من بينهم العلماء والصالحين؛ إما بالموت أو بالغيبة عن تلك المدينة والذهاب إلى مدينة وديار أخرى» (المازندراني، ۱۳۸۲: ۶/۲۵۰).
وبالطبع، يختلف مقدار العذاب والمصائب الذي يرفعه مثل هؤلاء الأفراد عن المدن عن مقدار العذاب الذي يمنعه الإمام وحجة الله. وكما يُلاحظ هذا الاختلاف بالنسبة للمعصومين أنفسهم؛ أي أن أحد أسباب وجودهم هو رفع العذاب عن أهل الأرض (ابن بابويه، ۱۳۸۵: ۱/۱۲۳). وفي روايات متعددة ورد هذا المضمون: «كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رُفع أحدهما، فدونكم الآخر فتمسكوا به. أما الأمان الذي رُفع، فهو رسول الله (ص). وأما الأمان الباقي، فالاستغفار» (العياشي، ۱۳۸۰: ۲/۵۴؛ الشريف الرضي، ۱۴۱۴: ۴۸۳، الحكمة ۸۸).
مقصود هذه الرواية هو أن جزءًا من الأمان قد زال برحيل النبي (ص)، وليس كله؛ لأن المتكلم نفسه، أي أمير المؤمنين (ع)، هو بحسب سائر الروايات أمان من العذاب. وشاهد هذا الادعاء أيضًا هو كلام لأمير المؤمنين (ع) يُفهم منه أن الأمان المفقود بوفاة النبي (ص) هو الأمان من الفتن [الاجتماعية] (ابن أبي الحديد، ۱۴۰۴: ۹/۲۰۷).
- خلاصة: إذا قبلنا هذا التفسير، فإن الشبهة المطروحة حول أمان قم ستُجاب. ذلك أن الروايات المذكورة، على الرغم من تصريحها برفع البلاء عن هذه المدينة، إلا أنها لا ترفع كل البلايا والمصائب، بل إن بعض الابتلاءات فقط قد رُفعت ببركة وجود أناس أتقياء. بعبارة أخرى، ليست مدينة قم محصنة من كل البلايا، ولكنها محصنة من كثير من الابتلاءات التي يمكن أن تتحقق في سائر المدن. ووفقًا لهذا الاحتمال، لا توجد خصوصية لقم، بل إنها حظيت بالعناية لكونها محل سكن وتجمع العلماء والصالحين. وشاهد هذا الادعاء هو أنه في رواية أشير إليها سابقًا، فإن الإمام الصادق (ع)، بعد أن يصف قم بأنها محفوظة من شر الظالمين ويدعو لأهلها، يصف أهل قم في مقام تعليل هذين الأمرين قائلاً: «هم أهل ركوع وسجود وقيام وقعود، هم الفقهاء العلماء الفهماء، هم أهل الدراية والرواية، وحسن العبادة» (المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۷).
وقد قيل في علم الأصول إن إدخال وصف في موضوع الحكم يشير إلى علية ذلك الوصف (الأنصاري، ۱۴۲۴: ۳/۹). وعليه، فإن ذكر الخصائص المذكورة لأهل قم في كلام الإمام الصادق (ع) يشير إلى علة كون هذه المدينة محصنة من البلايا.
۳-۲-۳. الأمن من الشبهات والإلقاءات الشيطانية
الاحتمال الثالث المتعلق بمعنى الأمان في مدينة قم هو أن هذه المدينة، بسبب وجود العلم والعلماء، في أمان من الشبهات الاعتقادية والدينية. وعليه، فإن أهل هذه المدينة وسائر الأفراد الذين يأخذون عقائدهم منها – والذين يُعتبرون في حكم أهل هذه المدينة – هم في مأمن من إلقاءات الشيطان والفتن والبلايا. في رواية، ينقل عيسى بن عبد الله الأشعري عن الإمام الصادق (ع) أنه روى عن آبائه عن رسول الله (ص): «لما أُسري بي إلى السماء… نظرت إلى بقعة من أرض الجبل حمراء أحسن لونًا من الزعفران وأطيب ريحًا من المسك، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس طويل. فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة؟ قال: موضع شيعتك وشيعة وصيك علي. قلت: فمن هذا الشيخ صاحب البرنس؟ قال: إبليس. قلت: فما يريد منهم؟ قال: يريد أن يصدهم عن ولاية علي (ع) ويدعوهم إلى الفسق والفجور. قلت: يا جبرئيل، أهوِ بنا إليهم… فأهوى بنا… فقلت: قم يا ملعون، فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، فإن شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان. فسُميت قم» (ابن بابويه، ۱۳۸۵: ۲/۵۷۲؛ الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۶۱-۲۶۲؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۰۷ و ۲۱۷).
وفي روايات متعددة، تم التأكيد على الدور العظيم للعلماء في حفظ الشيعة، ومن ذلك قول الإمام الصادق (ع): «علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب» (الطبرسي، ۱۴۰۳: ۱/۱۷؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۲/۵).
وفي رواية أخرى، ينقل الإمام الحسن العسكري (ع) عن أبيه (ع): «لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا (ع) من العلماء الداعين إليه والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله. ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها. أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل» (الحسن بن علي (ع)، ۱۴۰۹: ۳۴۴؛ الطبرسي، ۱۴۰۳: ۲/۴۵۵).
وعشرات الروايات الأخرى التي تبيّن الدور العظيم لعلماء الشيعة في حماية وحراسة عقائد الشيعة (الكليني، ۱۴۰۷: ۸/۵۶؛ ابن بابويه، ۱۴۱۳: ۱/۱۸۶؛ الطبرسي، ۱۴۰۳: ۱/۱۷؛ الإربلي، ۱۳۸۱: ۲/۱۳۲).
مما لا شك فيه أن رواية «لولا أهل قم لضاع الدين» (المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۷) تشير إلى الحقيقة المتقدمة. وشاهد إرادة هذا المعنى من روايات الأمن في قم هو رواية تصرح بأن مدينة قم لن تكون في أمان من الغم والحزن والمشقات. ينقل الإمام الهادي (ع) عن جده أمير المؤمنين (ع) أن النبي (ص) قال: «… [في] السماء الرابعة… قال لي جبرئيل: ما تراه صورة مدينة يقال لها قم، يجتمع فيها عباد الله المؤمنون، ينتظرون محمدًا وشفاعته للقيامة والحساب، يجري عليهم الغم والهم والأحزان والمكاره» (المفيد، ۱۴۱۳: ۱۰۱؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۱۸/۳۱۱ و ۵۷/۲۰۷).
۴-۲-۳. الأمن بشكل مطلق
من بين الروايات المتعلقة بالأمن في مدينة قم، توجد روايتان تثبتان ظاهريًا وجود الأمن لقم بشكل مطلق:
۱- الرواية الأولى هي رواية عن الإمام الصادق (ع) قال فيها: «إذا عمت البلدان الفتن، فعليكم بقم وحواليها ونواحيها، فإن البلاء مدفوع عنها» (الأشعري القمي، ۱۳۸۵: ۲۷۱؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۴).
۲- الرواية الثانية هي رواية بنفس المضمون نُقلت عن الإمام الرضا (ع) بشكل مرفوع (المجلسي، ۱۴۰۳: ۵۷/۲۱۷ و ۲۲۸).
يبدو أن أساس الشبهة التي أُثيرت حول روايات الأمن في قم يستند إلى فهم خاطئ لهاتين الروايتين؛ حيث فُسّرتا بأن مدينة قم محصنة من كل المشقات والمتاعب والآلام وغيرها. في حين أن القرائن والشواهد التالية ترد هذا الفهم:
۱- أولاً، يجب القول إنه للفهم الصحيح للروايات، لا بد من النظر إلى مجموع كلمات أهل البيت (ع) كوحدة واحدة، وإلا فإن الانحراف سيكون حتميًا. سُئل الإمام الباقر (ع) عن سبب اختلاف أصحاب النبي (ص) في مسح الرجل، فاعتبر الإمام (ع) أن عدم الالتفات إلى سائر الروايات الصادرة عن الرسول (ص) هو سبب ذلك (البرقي، ۱۳۷۱: ۲/۲۹۹). وكما أن أمير المؤمنين (ع) أيضًا يعرّف أحد أسباب اختلاف الأحاديث، وبالتالي اختلاف الأمة الإسلامية، بهذا الأمر نفسه (الكليني، ۱۴۰۷: ۱/۶۳). الآن، بناءً على هذه المقدمة، لا شك أن كثيرًا من الآيات والروايات ترد الفهم المذكور؛ ذلك أن كثيرًا من التعاليم الدينية تعتبر الدنيا دار المشكلات والمصائب. فالقرآن يعرّف خلق الإنسان بأنه في كبد (البلد: ۴)، وضمن تأكيده على امتحان الناس (العنكبوت: ۲)، يعد بالامتحانات الشديدة كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وعدًا قطعيًا (البقرة: ۱۵۵). ويقول النبي الأكرم (ص) في هذا الصدد: «من طلب ما لم يُخلق، أتعب نفسه ولم يرزق. قيل: يا رسول الله، وما الذي لم يخلق؟ قال: الراحة في الدنيا» (الشعيري، بي تا: ۱۸۴). وقال في نقل آخر: «إن هذه الدنيا دار كدر لا دار سرور، ودار عنت لا دار راحة» (الديلمي، ۱۴۰۸: ۳۴۳؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۷۴/۱۸۷). ويعتبر أمير المؤمنين (ع) أهل الدنيا هدفًا لسهام الحوادث، ومنكوبين بالمآتم، ومسلوبين بالمصائب (التميمي الآمدي، ۱۳۶۶: ۱۳۷)، ويعرّف الدنيا بأنها دار محفوفة بالبلاء (الشريف الرضي، ۱۴۱۴: ۳۴۸، الخطبة ۲۲۶). وينبه محمد بن أبي بكر بأن يعلم أن الدنيا دار بلاء وفناء، وأن الآخرة دار بقاء وجزاء (ابن شعبة الحراني، ۱۴۰۴: ۱۷۹؛ الثقفي، ۱۳۹۵: ۱/۲۲۹). وقد ورد شبيه هذا المضمون في بعض الكتب الأخرى (ابن بابويه، ۱۳۶۲: ۱/۶۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳: ۷۰/۹۲). وفي موضع آخر، يعرّف مشقات الدنيا بأنها لا تنتهي، وبلاءها بأنه دائم (الشريف الرضي، ۱۴۱۴: ۳۵۲، الخطبة ۲۳۰؛ التميمي الآمدي، ۱۳۶۶: ۱۳۵). هذا غيض من فيض المطالب المتعلقة بوجود المشقة والصعوبة في الدنيا، والتي لا شك أن كثيرًا منها غير قابل للتخصيص، ويرد احتمال كون مدينة قم استثناءً.
۲- إن الدقة في متن الحديثين المذكورين أيضًا توضح ضعف الإشكال. ففي هذين الحديثين، وردت كلمة «الفتن» جمع فتنة. وبالرجوع إلى كتب اللغة، نجد أن الفتنة تُستعمل في معانٍ مختلفة (الحسيني الزبيدي، ۱۴۱۴: ۱۸/۴۲۴-۴۲۶). ولكن البعض يرى أن مرجع كل هذه المعاني هو “إيجاد الاختلال في الحياة والاضطراب في الناس” (المصطفوي، ۱۳۶۸: ۹/۲۴)، والذي يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون له ثلاثة مصاديق أو معانٍ كلية: ۱- العذاب؛ ۲- الابتلاء؛ ۳- الحرب والنزاع بين الناس (الفراهيدي، ۱۴۰۹: ۸/۱۲۷-۱۲۸؛ الصاحب، ۱۴۱۴: ۹/۴۴۵). والمعنيان الأولان يتعلقان بالله، والمعنى الثالث هو نتيجة لخداع الشيطان وإغوائه. ولهذا يقول الراغب في “المفردات”: «الفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى، وتكون من العبد… فإذا كانت من الله تعالى، فهي على وجه الحكمة، وإذا كانت من الإنسان بغير أمر الله، فهي مذمومة» (الراغب، ۱۴۱۲: ۶۲۴).
بهذا التوضيح، يجب القول إن الفتنة في الروايتين المذكورتين إما بمعنى الثالث – أي الحرب والنزاع والأمور التي تنشأ من اتباع الشيطان – أو بمعنى العذاب، الذي سبق أن بحثناه. وفي كل حال، لن تكون بمعنى الثاني، أي الاختبار الإلهي والابتلاءات من قبيل المرض وغيرها؛ لأن أهل البيت (ع) أنفسهم قد أوصوا الشيعة بألا يقولوا: “اللهم إني أعوذ بك من الفتنة”؛ لأنه «ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن» (الشريف الرضي، ۱۴۱۴: ۴۸۳، الحكمة ۹۳). وعليه، لا يمكن القبول بأن “الفتنة” في الحديثين المذكورين بمعنى الامتحان الإلهي، وأن الأئمة (ع) أوصوا الشيعة باللجوء من الامتحان الإلهي إلى قم. بل بناءً على حقيقة أنه عند نزول العذاب لن يكون هناك مفر منه (يونس: ۹۸)، يمكن استنتاج أن المقصود من الفتنة في الروايتين المذكورتين هو المعنى الثالث. وشاهد هذا الادعاء أيضًا هو استخدام مفردة “الفتنة” في روايات مشابهة. مثلاً، قال أمير المؤمنين (ع): «والٍ ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم» (التميمي الآمدي، ۱۳۶۶: ۴۶۴؛ الليثي، ۱۳۷۶: ۵۰۵). ومن الواضح أن الإمام (ع) في هذه الرواية بصدد تحذير الشيعة، ومن هذا البعد، فإن هذه الرواية تشبه الروايات محل البحث. وبقرينة ذكر الوالي الظالم، يرى الإمام (ع) أن الفتن الناتجة عن الفوضى وغياب القانون أسوأ من الحاكم الظالم والقانون الظالم. وعليه، فإن الفتنة بالمعنى الثالث هي التي وقعت في الروايات موضع التحذير والتجنب الاختياري. ويجب أن يُعلم أن المعنى الثالث للفتنة لا يقتصر على الحرب وفقدان الأمن، بل يشمل الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية أيضًا. ولهذا ورد في رواية: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (الكليني، ۱۴۰۷: ۵/۳۴۷؛ ابن بابويه، ۱۴۱۳: ۳/۳۹۳؛ الطوسي، ۱۴۰۷: ۷/۳۹۶).
۳- وهذه النقطة أيضًا جديرة بالاهتمام: على فرض عدم قبول ما قيل حول معنى الرواية، يجب على الأقل القبول بأن الروايات مجملة ولا يمكن الاستدلال بها في مورد الشبهة المذكورة، والأفضل هو رد علم الرواية إلى أهلها؛ كما تم التأكيد على هذا الأمر في بعض الروايات.
قد يوحي عموم العلة في هاتين الروايتين بتصور أن الإمام (ع) كان في مقام بيان أمان مدينة قم من كل مكروه ومشكلة. في الجواب، أولاً، يجب أن نرى ما المقصود بالبلاء؟ يمكن، بقرينة سائر الروايات، أن يكون البلاء في هذه الرواية ناظرًا إلى البلايا والمصائب التي أُشير إليها في الاحتمال الثاني من معنى الأمن. وثانيًا، ثبت في علم الأصول أنه لا يُستفاد دائمًا العمومية من عموم العلة، بل في بعض الحالات، وبمناسبة الحكم والموضوع، يُرفع اليد عن عموم العلة ويُخصّص بمورد الحكم (الأنصاري، ۱۴۲۴: ۱/۲۳۴؛ الخوئي، ۱۴۲۲: ۱/۱۶۸).
۴- ذُكر في بداية المقالة أن البعض يرى ضعف سند روايات مدح وفضيلة مدينة قم. وقد مر أن هذا الاعتقاد غير مقبول بالنظر إلى التواتر المعنوي أو على الأقل التواتر الإجمالي لهذه الروايات. ولكن ثبت في علم الأصول أنه في التواتر الإجمالي والمعنوي، يجب الأخذ بالقدر المتيقن من مفاد الروايات (الخراساني، ۱۴۰۹: ۲۹۵؛ فاضل اللنكراني، ۱۳۸۱: ۶/۴۳۷). وعليه، بما أن الروايتين المذكورتين مرسلتان، ومع الأخذ في الاعتبار أنه إذا اعتبرنا معناهما عامًا، فسيكون مفادهما أوسع من كل الروايات؛ يجب القول إن هاتين الروايتين ليستا حجة لا من طريق السند ولا من باب التواتر، ولا يمكن الاستناد إليهما.
۵- ثبت في علوم الحديث أنه إذا كانت رواية مخالفة للتجارب القطعية، فيجب إما إسقاط الرواية من الحجية، أو الالتزام بإرادة معنى غير معناها الظاهري (آشناور وآخرون، ۱۳۹۷). وفيما يتعلق بمدينة قم أيضًا، تشهد التجارب القطعية بأن هذه المدينة لم تكن ولن تكون آمنة من المكاره بشكل عام. وعليه، حتى لو كانت هاتان الروايتان صحيحتين سندًا، لكان من اللازم إما تأويلهما، أو إسقاطهما من الحجية، أو رد علمهما إلى أهله.
الاستنتاج
بالنسبة للروايات التي تبيّن الأمن في مدينة قم، يمكن استخلاص النتائج التالية:
۱- بالنظر إلى عدد هذه الروايات، والخصائص السياسية-المذهبية لمدينة قم، وحساسية كبارها تجاه وضع الحديث، يبدو أن كون كل هذه الروايات موضوعة بعيد عن الذهن. ولهذا السبب، فإن ادعاء الاطمئنان بصدور مضمونها عن المعصومين (ع) هو ادعاء مقبول.
۲- طائفة من هذه الروايات مؤطرة بتاريخ، وتتعلق بما يُصطلح عليه بـ “القضايا الخارجية”، ولا يمكن استنباط حكم كلي منها.
۳- الطائفة من الروايات التي ليست مؤطرة بتاريخ، إما أنها تنظر إلى الأمن على النفس من الظالمين، أو الأمن من البلاء والعذاب الإلهي، أو الأمن من الشبهات والإلقاءات الشيطانية. وبالطبع، هذه المعاني الثلاثة قابلة للجمع، ويمكن اعتبار مدينة قم محصنة من الأخطار الثلاثة جميعها.
۴- يُستفاد من مجموع روايات الأمن في مدينة قم أن الأمن في هذه المدينة لا يتعلق بخصائصها الجغرافية، بل هو بسبب وجود أناس علماء وأتقياء، ونوع سلوك أهل هذه المدينة. وفي حال تغير سلوكهم وأعمالهم، فإن هذه الحصانة ستتغير بلا شك.
۵- لم يُطرح في أي من الروايات المتعلقة بالأمن في مدينة قم الرفاه بشكل مطلق ودائم. وتوجد روايتان فقط ظاهرهما نفي كل البلايا والمشكلات عن قم، والتأمل في هاتين الروايتين أيضًا يوضح أنهما تتعلقان بالفتن الاجتماعية والاعتقادية، ولا علاقة لهما بالأمن المطلق. وعلى الأقل، هاتان الروايتان مجملتان ولا يمكن الاستدلال بهما.
۶- على فرض قبول عمومية مضمون الروايتين المذكورتين، فإنهما ستسقطان من درجة الاعتبار بسبب ضعف سندهما، ومخالفة مضمونهما للتجارب القطعية، والقاعدة الحاكمة على الروايات المتواترة معنويًا وإجماليًا.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- آشناور، مهدي؛ إبراهيم إبراهيمي؛ علي حسن بكي؛ وكيوان إحساني (۱۳۹۷ هـ.ش)، “اعتبار سنجی نقد حدیث بر پایه علوم تجربی”، مطالعات فهم حديث، قزوين: العدد ۹، خريف وشتاء، ص ۳۵-۵۸.
- آيتي، نصرت الله (۱۳۸۹ هـ.ش)، “خسف بیداء”، مشرق موعود، قم: السنة الرابعة، العدد ۱۴، صيف، ص ۲۹-۵۸.
- ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (۱۴۰۴ هـ.ق)، شرح نهج البلاغة، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.
- ابن بابويه، محمد بن علي (۱۳۶۲ هـ.ش)، الخصال، قم: جامعة مدرسين.
- ابن بابويه، محمد بن علي (۱۳۸۵ هـ.ش)، علل الشرائع، قم: كتاب فروشي داوري.
- ابن بابويه، محمد بن علي (۱۴۱۳ هـ.ق)، من لا يحضره الفقيه، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم: جامعة مدرسين.
- ابن شعبة الحراني، حسن بن علي (۱۴۰۴ هـ.ق)، تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم: جامعة مدرسين.
- ابن غضائري، أحمد بن حسين (۱۳۶۴ هـ.ش)، الرجال لابن الغضائري، قم: إسماعيليان.
- ابن فقيه، أحمد بن محمد (۱۴۱۶ هـ.ق)، البلدان (لابن الفقيه)، تحقيق: يوسف هادي، بيروت: عالم الكتب.
- إربلي، علي بن عيسى (۱۳۸۱ هـ.ش)، كشف الغمة في معرفة الأئمة، تصحيح: هاشم رسولي محلاتي، تبريز: بني هاشم.
- أشعري قمي، حسن بن محمد (۱۳۸۵ هـ.ش)، تاريخ قم، ترجمة: تاج الدين قمي، تحقيق: محمدرضا أنصاري قمي، قم: كتابخانه آية الله مرعشي نجفي.
- الصاحب، إسماعيل بن عباد (۱۴۱۴ هـ.ق)، المحيط في اللغة، بيروت: عالم الكتب.
- أنصاري، مرتضى بن محمد أمين (۱۴۲۴ هـ.ق)، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- برقي، أحمد بن محمد بن خالد (۱۳۷۱ هـ.ش)، المحاسن، قم: دار الكتب الإسلامية.
- بلاذري، أحمد بن يحيى (۱۹۸۸ م)، فتوح البلدان، بيروت: دار ومكتبة الهلال.
- تميمي آمدي، عبد الواحد بن محمد (۱۳۶۶ هـ.ش)، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم: دفتر تبليغات إسلامي.
- ثقفي، إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال (۱۳۹۵ هـ.ش)، الغارات، طهران: أنجمن آثار ملي.
- جمعي از مؤلفان زير نظر أحمدرضا خضري (۱۳۸۶ هـ.ش)، تاريخ تشيع، الطبعة الثالثة، قم: انتشارات حوزه ودانشگاه وسمت.
- حسن بن علي (۱۴۰۹ هـ.ق)، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)، قم: مدرسة الإمام المهدي (عج).
- حسيني زبيدي، محمد مرتضى (۱۴۱۴ هـ.ق)، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت: دار الفكر.
- حسيني، بي بي زينب؛ ومهدي جلالي (۱۳۹۱ هـ.ش)، “بررسی روایات فضایل و مثالب شهر قم”، علوم حديث، قم: الدورة ۱۷، العدد ۶۳، ربيع، ص ۱۲۹-۱۵۳.
- حلي، حسن بن يوسف (۱۴۱۱ هـ.ق)، خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال، النجف: دار الذخائر.
- خراساني، محمد كاظم بن حسين (۱۴۰۹ هـ.ق)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
- خويي، سيد أبو القاسم (۱۴۲۲ هـ.ق)، مصباح الأصول، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
- ديلمي، حسن بن محمد (۱۴۰۸ هـ.ق)، أعلام الدين في صفات المؤمنين، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
- راغب، حسين بن محمد (۱۴۱۲ هـ.ق)، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت: دار القلم.
- سيد شبيري، سيد محمد جواد؛ ومصطفى قناعتگر (۱۳۹۸ هـ.ش)، “اعتبار سنجی محتوایی شماری از گزارههای کتاب توحید مفضل با رویکرد عرضه بر روایات شیعی”، مطالعات اعتبار سنجی حديث، مشهد: الدورة الأولى، العدد الثاني، خريف وشتاء، ص ۸۵-۱۱۰.
- شاردن، ژان (۱۳۳۶ هـ.ش)، سياحتنامه شاردن، ترجمة: محمد عباسي، طهران: أمير كبير.
- شريف الرضي، محمد بن حسين (۱۴۱۴ هـ.ق)، نهج البلاغة، قم: هجرت.
- شعيري، محمد بن محمد (بلا تاريخ)، جامع الأخبار، النجف: مطبعة حيدرية.
- طبرسي، أحمد بن علي (۱۴۰۳ هـ.ق)، الاحتجاج على أهل اللجاج، تصحيح: محمد باقر خرسان، مشهد: نشر مرتضى.
- طوسي، محمد بن حسن (۱۴۰۷ هـ.ق)، تهذيب الأحكام، تحقيق: حسن خرسان، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- عياشي، محمد بن مسعود (۱۳۸۰ هـ.ش)، تفسير العياشي، طهران: المطبعة العلمية.
- فاضل لنكراني، محمد (۱۳۸۱ هـ.ش)، أصول فقه شيعة، قم: مركز فقهي أئمه أطهار (ع).
- فراهيدي، خليل بن أحمد (۱۴۰۹ هـ.ق)، كتاب العين، قم: نشر هجرت.
- فلاندن، أوجين (۱۳۵۶ هـ.ش)، سفرنامه أوجين فلاندن به إيران، ترجمة: حسين نور صادقي، طهران: إشراقي.
- فيگوئروآ، دن گارسيا دسيلوا (۱۳۶۳ هـ.ش)، سفرنامه فيگوئروا، ترجمة: غلامرضا سميعي، طهران: نشر نو.
- كريمي قهي، منصوره (۱۳۸۷ هـ.ش)، “انگيزههاي فضيلتسازي براي اقوام وشهرها”، نامه تاريخ پژوهان، قم: السنة الرابعة، العدد ۱۵، خريف، ص ۸۰-۱۰۵.
- كريمي، محمود؛ وسعيد طاووسي مسرور (۱۳۸۹ هـ.ش)، “انگيزههاي سياسي در جعل روايات مدح وذم بلاد”، دانش سياسي، طهران: السنة السادسة، العدد ۱۱، ربيع وصيف، ص ۸۵-۱۲۷.
- كشي، محمد بن عمر (۱۳۴۸ هـ.ش)، اختيار معرفة الرجال، مشهد: دانشگاه فردوسي.
- كليني، محمد بن يعقوب (۱۴۰۷ هـ.ق)، الكافي، تصحيح: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- ليثي، علي بن محمد (۱۳۷۶ هـ.ش)، عيون الحكم والمواعظ، قم: دار الحديث.
- مازندراني، محمد صالح بن أحمد (۱۳۸۲ هـ.ش)، شرح أصول كافي، طهران: المكتبة الإسلامية.
- مجلسي، محمد باقر (۱۴۰۳ هـ.ق)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (ع)، الطبعة الثانية، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- مجلسي، محمد تقي (۱۴۰۶ هـ.ق)، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، تصحيح: علي پناه اشتهاردي وحسين موسوي كرماني، قم: مؤسسه فرهنگي إسلامي كوشانبور.
- مصطفوي، حسن (۱۳۶۸ هـ.ش)، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي.
- مفيد، محمد بن محمد (۱۴۱۳ هـ.ق)، الاختصاص، تصحيح: علي أكبر غفاري ومحمود محرمي زرندي، قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
- نجاشي، أحمد بن علي (۱۴۰۷ هـ.ق)، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال نجاشي)، قم: جامعة مدرسين.
- نوري، حسين بن محمد تقي (۱۴۰۸ هـ.ق)، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
- يوسفي إشكوري، حسن (۱۳۷۹ هـ.ش)، دائرة المعارف بزرگ إسلامي (مدخل: أشعريان)، طهران: مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي.