مفهوم الجملة الاستثنائية وموارد تطبيقها

الملخص

أثبت هذا البحث أن الجملة الاستثنائية، المشتملة على المستثنى والمستثنى منه، لها مفهوم، وقد ثبت لها هذا المفهوم؛ سواء أكان المستثنى منه جملة مثبتة من قبيل «أكرم الفقهاء إلا الفساق»، أم كان جملة منفية كـ«لا تعاد الصلاة إلا من خمس». ولكن في الجملات الاستثنائية التي يكون فيها الاستثناء من الموضوع، كجملة «أكرم الفقيه غير الفاسق»، فلا يثبت لها مفهوم. وفي تتمة البحث، قمنا بدراسة بعض الفروع الفقهية المرتبطة بالجملة الاستثنائية من باب تطبيق هذه القاعدة عليها.

المقدمة

يدور بحثنا في هذا التحقيق حول مفهوم الجملة الاستثنائية، والسؤال المطروح هنا هو: هل للجملة الاستفهامية مفهوم أم لا؟ وإذا كان لها مفهوم، فهل هذا المفهوم حجة من وجهة نظر أصولية؟ وبما أن النصوص الشرعية تشتمل على استثناءات كثيرة من هذا القبيل، فإن الفقيه بحاجة إلى إثبات حجية مفاهيم هذا النوع من الاستثناءات ليتمكن من استنباط الحكم الشرعي واستخراجه. وهذه المسألة بعينها تبرز أهمية البحث الحاضر الذي كُتب حول مفهوم هذا النوع من الجملات؛ ذلك أن لهذا المفهوم تطبيقات ونماذج خارجية كثيرة في الفقه. حتى إن بعض الجمل الاستثنائية قد تحولت إلى قواعد فقهية بالغة الأهمية، ومنها قاعدة «لا تعاد الصلاة إلا من خمس»، و«لا خمس إلا في الغنائم»، و«المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً».

وفي هذا السياق، نوضح أولاً معنى مفردة «المفهوم» وضابطه وهيكله بصورة كلية، لنتمكن بعد ذلك من معالجة مسألة ما إذا كانت هذه القاعدة الكلية موجودة في الجمل الاستثنائية أيضاً ليثبت لها مفهوم، أم أن هذه القاعدة العامة غير موجودة في هذا النوع من الجمل، وبالتالي لا يثبت لها مفهوم. وهذه المسألة هي ما سيتم بحثه في المحور الثاني من المقال.

وفي القسم الثالث، سنتناول تطبيقات الجملة الاستثنائية في الفقه. وبما أن لهذه المسألة نماذج كثيرة في الفقه، فسنكتفي بثلاثة موارد، أحدها هو قاعدة: «المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً». وسنبحث هذه القاعدة بشيء من التوضيح ونطرح البحث في ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: في بيان المفهوم وضابطه وهيكله؛ المحور الثاني: في دلالة الجملة الاستثنائية على المفهوم؛ المحور الثالث: نماذج لتطبيق الجملة الاستثنائية في الفقه.

أ. المفاهيم والكليات

في هذا القسم من البحث، ندرس معنى مفردة المفهوم بشكل عام، ثم نتناول القاعدة الكلية التي يتشكل بموجبها مفهوم للجملة. هذا البحث من شأنه أن يمنح المفهوم قاعدة كلية نستطيع من خلالها في القسم الثاني من المقال أن نعالج مسألة ما إذا كانت هذه القاعدة الكلية موجودة في الجمل الاستثنائية أيضاً، بحيث يثبت مفهوم هذه الجملة بواسطتها، أم أن المسألة ستكون على نحو آخر. وبناءً على ما تقدم، فإن كلامنا في هذا القسم يُعرض في مبحثين:

المبحث الأول: المعنى اللغوي لـ«المفهوم» ومعناه الاصطلاحي الأصولي.

المفهوم: هو اسم مفعول مشتق من مادة «الفهم». وقد ورد في كتاب العين: «فهمت الشيء [فهماً وفقهاً] يعني عرفته وعقلته». وهذا المعنى يُستفاد من اللفظ، وبما أن الفهم يقع عليه، يُطلق عليه مفهوم. وجمع هذه الكلمة هو «مفاهيم». وفي كتاب الفروق اللغوية ورد أيضاً: «ما يؤخذ من اللفظ باعتبار أنه فُهم منه يسمى مفهوماً» (الفروق اللغوية: 505). وكلمة المجهول تقابل المعنى الذي تحمله كلمة المفهوم.

المفهوم في الاصطلاح الأصولي يختلف اختلافاً كبيراً عن معناه اللغوي، وتقابله مفردة «المنطوق». وهناك خلاف بين الأصوليين في تحديد معنى هذه المفردة، وأهم التعاريف التي قُدمت في هذا المجال هي كما يلي:

1. رأي المحقق العراقي

«المفهوم هو ما يدل عليه اللفظ في غير محل النطق والمنطوق» (راجع: مقالات: 1/ 395؛ نهاية الأفكار: 1/ 468). هذا التعريف للمفهوم يشمل سائر الدلالات الالتزامية أيضاً. وعليه، فإن التعريف يشمل المدلول الالتزامي المستفاد من وجوب شيء ما؛ لأن وجوب الشيء يدل بالدلالة الالتزامية على وجوب ابتدائه وانتهائه. إذن، التعريف نفسه، أي اللفظ لا محل نطقه، يدل على وجوب مقدمة شيء ما، ولهذا السبب، يدخل وجوب المقدمة في المفهوم. نعم، إذا كان قصدنا من التعريف السابق (أي أن المفهوم هو ما يدل عليه اللفظ في غير محل النطق) هو ما يدل عليه اللفظ بالدلالة الالتزامية البينة، فإن المفهوم في الواقع هو نفس الدلالة الالتزامية البينة التي لا تحتاج إلى برهان. وبناءً على ذلك، لا يدخل وجوب المقدمة في تعريف المفهوم؛ لأن وجوب المقدمة، وإن كان اللفظ يدل عليه بالدلالة الالتزامية، إلا أنه ليس بيّناً وواضحاً بأي حال؛ بمعنى أن اللفظ وحده ليس هو الدال عليه، بل إن هذا اللفظ والبرهان العقلي هما الدالان على وجوب المقدمة، وهما اللذان يتوليان هذه المهمة. إذن، اللفظ يدل بالدلالة الالتزامية غير البينة على وجوب المقدمة، والقصد والمنظور من هذا التعريف هو أن يكون المدلول الالتزامي هنا بيّناً وواضحاً.

2. رأي المحقق النائيني

المفهوم هو ذلك المدلول الالتزامي اللازم والبيّن. كلامه في تقريراته المنقولة عنه مشوش ومضطرب؛ إذ لم يتضح ما هو مراده من البيّن، وهل أراد المعنى الأخص لهذه الكلمة أم معناها الأعم؟ يميل المحقق النائيني إلى المعنى الأخص، ولكنه يذكر موارد تدل على أنه أراد المعنى الأعم. وبهذا التعريف، يخرج وجوب مقدمة الواجب من المبحث؛ لأن ما يُستفاد من هذا التعريف هو ذو المقدمة، ولكن هذا الأمر ليس لازماً ولا بيّناً، وبناءً على ذلك، لا يسمى «مفهوماً» وإن كان مدلولاً التزامياً (راجع: فوائد الأصول: 1/ 477).

3. رأي صاحب الكفاية

المفهوم هو الحكم الذي يكون لازماً بواسطة خصوصية في المعنى المطابقي، ولا يُعد من لوازم ذلك المدلول المطابقي نفسه. وبناءً على ذلك، فإن ما يُفهم من أي نوع من الأحكام الإنشائية مثل: «إن جاءك زيد فأكرمه» أو الإخبارية مثل: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» هو انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء بسبب خصوصية في المعنى المطابقي. وهذا الأمر هو المفهوم نفسه؛ سواء أكان هذا الفهم حاصلاً بالوضع أم بالإطلاق.

وتوضيح هذا الكلام كالتالي: بما أن مفهوم الشرط هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، وهذا المفهوم ليس من لوازم المدلول المطابقي للجملة الشرطية – أي الثبوت عند الثبوت -، فإنه لا يُستفاد من المدلول المطابقي نفسه انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط؛ لأن الجزاء قد يترتب على الشرط تارة، وقد يترتب على شيء آخر غير الشرط تارة أخرى. ولهذا السبب، لا يعني انتفاء الشرط بالضرورة انتفاء الجزاء، وهنا لا يدل المدلول المطابقي على الانتفاء عند الانتفاء. وفي الواقع، دلالته على هذا الأمر مشروطة بوجود خصوصية هي أن يكون الشرط هو العلة المنحصرة (العلة الوحيدة) للجزاء، وأن يكون الجزاء معلولاً له أيضاً، وفقط في حال وجود هذه الخصوصية، يتحقق الانتفاء عند الانتفاء.

وعلى هذا الأساس، فإن مفهوم الشرط (أي انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط) هو من لوازم الخصوصية في المدلول المطابقي. وهذا الأمر بخلاف وجوب المقدمة؛ لأن وجوب المقدمة لا يُستفاد من خصوصية في المدلول المطابقي للجملة الشرطية. فمثلاً، الحصول على تأشيرة للحج لا يُستفاد من خصوصية في المدلول المطابقي للوجوب، وفي الواقع هذه المسألة تُستفاد من أصل الوجوب. وكأن المحقق أراد بهذه الجملة (المفهوم الذي يُستفاد من خصوصية في المدلول المطابقي) أن يرفع إشكالاً، توضيحه كما يلي: يلزم من هذا التعريف أن يكون كل مدلول التزامي مفهوماً. ولهذا السبب، قيّده بخصوصية مفادها أن يكون الشرط علة الجزاء وأن يكون الجزاء معلولاً له. إذن، المدلول الالتزامي هو ما تشكّل من خصوصية في المدلول المطابقي. يقول: «المفهوم… هو حكم إنشائي أو إخباري، تكون له خصوصية معنوية مرادة من اللفظ، وإن كان ذلك بقرينة الحكمة، وهذا الأمر يوجب الإلزام؛ سواء وافق الإيجاب والسلب أم خالفه» (الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: 193). وبهذا التعريف، تخرج سائر المدلولات الالتزامية التي ليس لها مفهوم من دائرة البحث.

4. رأي المحقق الأصفهاني

المراد بـ«المفهوم» هو التابع في فهمنا للفظ، بحيث يكون حيثية فهمنا للازم في المنطوق قد بُيّنت. توضيح ذلك: إن الكلام والقول قد يدل على الملزوم، أي المدلول المطابقي نفسه، وقد يدل على اللازم؛ ولكنه لا يدل بأي حال من الأحوال على حيثية فهم اللازم من الملزوم من قبلنا. إذن، حيثية الإفهام (أن يُفهم) لا تدل على هذا الأمر. وسائر اللوازم كذلك. فمثلاً، وجوب المقدمة ووجوب قطع المسافة من لوازم الوجوب. نحن نستنبط هذه اللوازم من أصول الوجوب، ولكن الوجوب لا يدل أبداً على حيثية الإفهام، وهذا الأمر يُعرف بالبرهان. وهذا الأسلوب لا يعتبره الأصفهاني مفهوماً مصطلحاً. علاوة على ذلك، فإنه بالإضافة إلى دلالته على اللازم والملزوم، يدل كذلك على حيثية الإفهام. ومثال ذلك أن هذا التعريف ينطبق على مفهوم الشرط. والعلة هي أن جملة «إن خفي الأذان فقصر» تدل على اللزوم وعلى اللازم أي المفهوم، وإلى جانب ذلك، تدل أيضاً على حيثية وكيفية فهم اللازم. واعتبار هذا الأمر هو أننا ندرك ونفهم أن خفاء صوت الأذان في وجوب قصر الصلاة وكسرها هو علة منحصرة، وإذا انتفت هذه العلة وزالت، فإن تقصير الصلاة سينتفي أيضاً، وهذا الأمر هو السبب في فهمنا للازم (الأصفهاني، نهاية الدراية في شرح الكفاية: 2/ 410 – 411 – 412).

5. رأي الشهيد الصدر

بيّن الشهيد الصدر في تحديد مفهوم الشرط كلاماً نتيجته كما يلي: إذا قيل على سبيل المثال: «إن زارك ابن العلوية فأكرمه»، فإن لهذا الكلام مدلولاً مطابقياً وثلاثة مدلولات التزامية متصورة: المدلول الأول: يدل هذا الكلام على أنه إذا زارك ابن العلوية، فإن إكرامه واجب من باب أولى. هذا المدلول الالتزامي، وإن كان يُعرف بـ«مفهوم الموافقة»، إلا أنه لا يدخل في المفهوم المصطلح. وعلة ذلك تعود إلى أن المدلول الالتزامي فرع على الحكم وليس في الحقيقة إلا فرعاً على طرف الحكم، وما دام طرف حكمنا هو ابن العلوية، فإذا زارك، وجب إكرامه؛ ولكن إذا غيرنا الموضوع وقلنا مثلاً: «إن زارك اليتيم»، فإن طرف حكمنا يتغير ويتبدل، وبناءً على ذلك، لن يدل هذا الكلام على الأولوية. في مفهوم الأولوية، يكون المدلول الالتزامي متعلقاً بطرف الحكم بما هو طرف الحكم، بحيث لو تغير هذا الطرف إلى موضوع آخر، لما وُجد المفهوم وانتفت الأولوية. إذن، هذا الأمر يُعد لازماً لطرف الحكم، لا لنفس الحكم، وبالتالي فإن مفهوم الموافقة (أو مفهوم الأولوية) يخرج من بحثنا؛ وإن كان المفهوم بمعناه الأعم والكلي يصدق عليه.

المدلول الثاني: نفس الكلام، أي «إن زارك ابن العلوية فأكرمه»، يدل بالدلالة الالتزامية على وجوب توفر مقدمات ومستلزمات الإكرام، وهذا المدلول الثاني لن يكون محط نظرنا أبداً؛ لأن هذا المفهوم فرع على ربط الحكم وليس لازماً لنفس الوجوب، فهو إذن فرع على الوجوب نفسه. وهذا الأمر، وإن كان يعد مدلولاً التزامياً، إلا أنه خارج عن بحثنا ويُبحث في الدليل العقلي.

المدلول الثالث: جملة «إن زارك ابن العلوية فأكرمه» تدل بالالتزام على أنه إذا لم يزرك ابن العلوية، فلا حاجة لإكرامه. هذا اللازم هو في الحقيقة لازم للربط والخصوصية الموجودة بين الحكم وطرف الحكم. وهذا النوع من الربط يستلزم أنه إذا انتفى الشرط، انتفى جزاء الشرط أيضاً. وهذا التلازم والتشابك ليس لازماً للحكم ولا لطرف الحكم، بل هو فقط لازم للربط الموجود بين طرف الحكم والحكم نفسه. فمثلاً، لو استبدلنا هذه الجملة بجملة أخرى وقلنا: «إن زارك اليتيم فأكرمه»، لوُجد هنا أيضاً «الانتفاء عند الانتفاء». وهذا هو المفهوم بعينه؛ أي لازم لربط خاص قائم بين الشرط والجزاء؛ أياً كان الموضوع والحكم (الصدر، حلقات: 3/ 123 – 124؛ راجع: الهاشمي، بحوث في علم الأصول: 3/ 140 – 141؛ عبد الساتر، بحوث في علم).

الضابط والإطار العام لتحقق المفهوم

بعد أن تحدد المقصود من المفهوم، يأتي الكلام عن الضابط والهيكل الذي إذا وُجد بصورة كلية في الجملة، كانت الجملة ذات مفهوم، فما هو؟ يرى المشهور أن هذا الضابط يتمثل في وجود ركنين، وبشرط وجودهما، تكون الجملة ذات مفهوم؛ وهذان الركنان هما: 1. أن يكون الربط بصورة ربط لزومي، على نحو الانحصار. وللأصوليين في الركن الأول طريقتان: طريقة مشهور الأصوليين: أن تدل الجملة على ربط لزومي على نحو الانحصار؛ بحيث يكون الشرط علة لجواب الشرط (الجزاء) في الجملة الشرطية، والمستثنى أيضاً علة منحصرة للمستثنى منه في الجملة الاستثنائية. والمقصود باللزوم هو ألا تكون هذه المسألة اتفاقية؛ بمعنى ألا يكون الشرط والمستثنى جزءاً من العلة أو ألا توجد علة أخرى غيرهما. إذن، إذا كان الشرط أو الوصف أو المستثنى مرتبطاً بالحكم على نحو لزومي – لا اتفاقي – وعلى نحو الانحصار، ثبت المفهوم (أجود التقريرات: 1/ 416). طريقة الشهيد الصدر: يكفي أن يكون الحكم الموجود في جزاء الشرط مرتبطاً وملتصقاً بالشرط؛ وإن لم يكن الشرط علة منحصرة للجزاء؛ لأنه طالما كان الشرط متصلاً وملتصقاً بالجزاء، فإذا انتفى الشرط، انتفى الجزاء من تلقاء نفسه ودون الحاجة إلى إثبات أن الشرط هو العلة الوحيدة (العلة المنحصرة) للجزاء. إذن، لو كان جزءاً من علة أخرى، أو كان الشرط والجزاء معاً معلولين لعلة ثالثة، فإنه إذا كان الجزاء ملتصقاً ومصاحباً للشرط، فبانتفاء الشرط، ينتفي الجزاء أيضاً. وهذا الالتصاق والتلازم يثبت في نطاق المدلول التصوري وفي نطاق المدلول التصديقي له. أما في نطاق المدلول التصوري للجملة، فيجب القول: قد يقال إن ربط الشرط بالجزاء يمكن أن يتم بإحدى الطريقتين التاليتين: الطريقة الأولى: أن يقال إن ارتباط الجزاء بالشرط يتم بأسلوب الالتصاق والتوقف؛ بحيث يمكن التعبير عن الجملة الشرطية «إذا جاء زيد فأكرمه» بمعنى اسمي وبصورة «إن وجوب إكرام زيد متوقف وملتصق بمجيئه». وهنا لا يوجد أي إشكال في تمامية الركن الأول وثبوت «الانتفاء عند الانتفاء» (انتفاء الجزاء بسبب انتفاء الشرط)؛ لأن ثبوت الجزاء بدون شرط يقع خارج نطاق الالتصاق وارتباطه بالشرط. الطريقة الثانية: فحوى ومفاد بنية الجملة هو نسبة إيجادية، بمعنى أن ربط الشرط بالجزاء هو اللازم والمنشئ للجزاء، ولهذا يمكن التعبير عن الجملة الشرطية «إذا جاء زيد فأكرمه» بمعناها الاسمي أي «إن مجيء زيد مستلزم وموجب لإكرامه». وفي هذه الحالة، لا يمكن إثبات الركن الأول على نطاق المدلول التصوري. والسبب في ذلك أنه يمكن افتراض أن الشرط المنشئ للجزاء وجواب الشرط هو كذلك، دون أن يكون جزاء الشرط متصلاً (ملتصقاً) بالشرط. أما في نطاق ومستوى التصديق للجملة: فإن الأسلوب الأول، أي الالتصاق، يثبت هنا لنفس العلة السابقة؛ أما بخصوص الأسلوب الثاني، أي الاستلزام، فيجب القول إنه وإن لم يثبت في نطاق المدلول التصوري، إلا أنه يمكن إثباته في نطاق المدلول التصديقي بواسطة البرهان والدليل. ونتيجة لذلك، توجد هنا قاعدة تقول: «الواحد لا يصدر إلا عن واحد». ويمكن تطبيق هذه القاعدة على هذا المقام والقول: إذا كان للحكم في الجزاء علة أخرى غير الشرط، لزم أن يصدر الشيء الواحد عن شيئين، وهذا محال. إذن، الجزاء وجواب الشرط يصدران عن الشرط فقط، وفي حال انتفاء الشرط، ينتفي الجزاء أيضاً (راجع: الهاشمي، بحوث في علم الأصول: 3/ 143). 2. أن يكون هذا المرتبط هو طبيعي الحكم لا شخصه. إذا لم ينتفِ طبيعي الحكم وانتفى شخصه فقط، فلن يثبت المفهوم؛ لأنه إذا لم ينتفِ طبيعي الحكم وصنفه، فمن المحتمل أن يثبت الحكم بواسطة ملاك آخر غير الشرط.

توضيح هذه المسألة بمثال: «إذا جاء زيد فأكرمه»، فإن وجود إكرام زيد له درجتان متفاوتان من الحكم: 1. وجوب الإكرام المقيد بالمجيء، وهو شخص الحكم نفسه؛ 2. وجوب الإكرام غير المقيد بالمجيء، وهو صنف الحكم وطبيعته؛ والمفهوم لا يثبت إلا عند وجود الإكرام غير المقيد بالمجيء.

ب. الجملة الاستثنائية ودلالتها على المفهوم

1. الدلالة المنطوقية والمفهومية للجملة الاستثنائية

الحديث هنا عن المنطوق والمفهوم، بغض النظر عن حجيتهما، وبعبارة أخرى: نحن هنا بصدد تحديد المنطوق والمفهوم، أما مسألة ما إذا كان هذا المدلول هو نفس الالتزامي الذي حددناه، وهل ينطبق عليه الضابط الكلي في المفهوم أم لا، فتلك مسألة أخرى سنتناولها في المبحث الثاني، وهنا نكتفي بتحديد المنطوق والمفهوم ليس إلا. فيما يتعلق بالأنواع الثلاثة للجملة الاستثنائية، يجب القول:

أ. في الجملة الاستثنائية التي يكون فيها الاستثناء من الموضوع، مثل: «أكرم الفقيه غير الفاسق»، فإن المنطوق هو إكرام الفقيه غير الفاسق، والمفهوم هو المدلول الالتزامي لهذه الجملة؛ أي عدم إكرام الفقيه الفاسق.

ب. في الجملة الاستثنائية التي يكون فيها الاستثناء من الإثبات، مثل: «أكرم الفقهاء إلا الفساق»، فإن المنطوق هو إكرام الفقهاء غير الفساق، والمفهوم هو عدم إكرام الفقهاء الفساق.

ج. في الجملة الاستثنائية التي يكون فيها الاستثناء من النفي، مثل: «لا تكرم الفقهاء إلا العدول»، فإن المنطوق هو عدم إكرام الفقهاء الفساق، والمفهوم هو إكرام الفقهاء العدول.

ولكن بعض الأصوليين عبروا عن ذلك بالقول: إن كل ما يُستفاد من هذه الجمل إنما هو بواسطة المنطوق، لا المفهوم. وتوضيح ذلك: عندما يقال على سبيل المثال: «أكرم الفقهاء إلا الفساق»، فإن هذه الجملة تدل على وجوب إكرام الفقهاء غير الفساق بواسطة المنطوق، ودلالتها على عدم إكرام الفقهاء الفساق هي أيضاً بواسطة المنطوق؛ لأن الدلالة الثانية لا تُستفاد من لازم المنطوق في الجملة، بل تُستفاد من أداة الاستثناء «إلا» في الجملة؛ باعتبار أن عبارة «إلا الفساق» قرينة تدل على وجود إكرام الفقهاء غير الفساق. والكلام في باقي أجزاء الجملة الاستثنائية يجري على هذا النحو (راجع: الحائري، درر الفوائد: 207).

ويُستنتج من هذا الكلام أنه بناءً على حجية هذا المنطوق، فإنه إذا تعارض مع مفهوم آخر، يُقدّم منطوق هذا الاستثناء على المفهوم المعارض؛ لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم (راجع: الأراكي، أصول الفقه: 1/ 271).

2. إثبات مفهوم الجملة الاستثنائية

الكلام في هذا المبحث معقد جداً، والسبب يعود إلى أننا هنا بصدد دراسة انطباق ضابط وهيكل المفهوم المذكور على جميع أنواع الجمل الاستثنائية، لنشاهد من خلال ذلك مدى ونطاق انطباق ضابط المفهوم على جميع الجمل الاستثنائية. وبما أن أنواع الجمل الاستثنائية ثلاثة أقسام، فإننا نتابع كلامنا في ثلاثة اتجاهات مختلفة:

أ. الاستثناء من موضوع الحكم

القسم الأول هو الاستثناء من موضوع الحكم، بمعنى أن الاستثناء يعود إلى موضوع الحكم. ويحدث هذا الأمر عندما تكون أداة «إلا» وصفية وبمعنى (غير)، أو يأتي الاستثناء بـ(غير)؛ كما لو قيل: «أكرم الفقيه غير الفاسق»؛ فهل يدل هذا الأمر على الانتفاء عند الانتفاء؟ وبعبارة أخرى، هل تدل مثل هذه الموارد على انتفاء طبيعي وجوب إكرام الفقيه بشرط أن يكون فاسقاً، أم لا؟

أشار الإمام الخميني (قدس سره) إلى هذا النوع من الاستثناء ويقول: هذا النوع من الاستثناء ليس محل بحثنا؛ لأنه من قبيل الوصف الذي لا يثبت له مفهوم (الإمام الخميني، جواهر الأصول: 4/ 309).

وقد تطرق الشهيد الصدر أيضاً إلى هذا القسم من الاستثناء في مباحثه وقدم كلاماً خلاصته ونتيجته أن هذا النوع من الاستثناء لا يدل على المفهوم؛ لأنه يعود إلى الوصف وتخصيصه لمفهوم إفرادي، وفي هذه الحالة، يكون حكمه حكم مفهوم الوصف، ومن الواضح أن الوصف بحد ذاته – وباعتبار عدم تحقق ركني المفهوم المشروحين في المحور الأول – ليس له أي مفهوم. إذن، لا يوجد هنا نسبة توقيفية، وطبيعي الحكم لا ينتفي؛ بل شخص الحكم هو الذي ينتفي (عبد الساتر، نفسه: 6/ 735).

ب. الاستثناء من الإثبات

في هذا النوع من الاستثناء، يقال على سبيل المثال: «أكرم الفقهاء إلا الفساق منهم». وفي هذا المجال، نتطرق إلى آراء ونظريات الآخوند الخراساني والشهيد الصدر:

1. نظرية الآخوند الخراساني: يعتقد الآخوند الخراساني أن المفهوم في هذا النوع من الاستثناء ثابت فيه، ولهذا السبب يقول: «إن الاستثناء من الإثبات نفي»، وبهذه الجملة أراد انتفاء الحكم عن المستثنى. إذن، إذا قلنا: «أكرم الفقهاء إلا الفساق»، فإن هذه الجملة تدل في الدرجة الأولى على اختصاص وجوب إكرام الفقهاء العدول، وبعد ذلك تدل على انتفاء وجوب إكرام الفقهاء الفساق. وقد استدل في هذا المجال بالتبادر؛ لأن ما يتبادر من إطلاق هذه الجملة هو عدم وجوب إكرام الفقهاء بشرط وجود الفسق فيهم (الآخوند الخراساني، نفسه: 209).

2. رأي الشهيد الصدر: يعتقد الشهيد الصدر بثبوت المفهوم في هذا القسم من الاستثناء (أي الاستثناء من الإثبات)، وقد بيّن لذلك الأدلة التالية: إن هيكل وضابط المفهوم في هذا الاستثناء متوفر ومتحقق؛ لأن كلا الركنين موجودان في الجملة. الركن الأول، أي الانحصار، متحقق بناء على المشهور، ولكن بناء على رأي الشهيد الصدر، يكفي الالتصاق فقط، وهذا الالتصاق متوفر أيضاً في الجملة الاستثنائية وفي مقام الوجود؛ لأننا إذا قلنا: «أكرم الفقهاء إلا الفساق»، فإن الفقهاء العدول في الواقع هم العلة المنحصرة في وجوب الإكرام، والفساق ليسوا علة في وجوب الإكرام. في هذه الحالة، ومع انتفاء وعدم وجود الفقهاء العدول، فإن طبيعي وجوب الإكرام ينتفي أيضاً، وهذا هو المفهوم بعينه. أما الركن الثاني (وهو أن المنتفي هو طبيعي الحكم) فهو ثابت أيضاً هنا وفي هذه الجملة الاستثنائية؛ لأن النسبة الحاكمة بين المستثنى والمستثنى منه في جملة «أكرم الفقهاء إلا الفساق» هي نسبة تامة، وعندما تكون النسبة تامة، يمكن لإثبات أن الاستثناء من طبيعي الحكم إجراء الإطلاق (عبد الساتر، نفسه: 6/ 736).

ج. الاستثناء من النفي

الاستثناء من النفي هو القسم الثالث من الاستثناء، ومثاله جملة «لا خمس إلا في الغنائم» التي وردت في روايات مختلفة. ويعتقد كثير من الأصوليين الإمامية أن الاستثناء من النفي يدل على المفهوم. وعلى هذا الأساس، فإن مفهوم الجملة السابقة هو الخمس في الغنائم. وقد استدل صاحب الكفاية على هذا الأمر بأدلة عدة: الدليل الأول: التبادر، أي ما يتبادر إلى الذهن من عبارة «لا خمس إلا في الغنائم» هو أن الخمس يقع في الغنائم. الدليل الثاني: الاستدلال بكلمة التوحيد. قد يُستدل في ثبوت المفهوم للاستثناء من النفي بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، ويقال إن النبي (ص) كان يقبل كل من نطق بعبارة (لا إله إلا الله)، فلو لم تكن كلمة التوحيد دالة على الاعتراف بأن الإله الموجود هو الله، لما كان يجوز له قبول إسلام هذه الفئة من الناس. ويُجاب على هذا الدليل بالصورة التي بيّنها صاحب الكفاية:

دلالة هذه الكلمة على المفهوم هي بواسطة القرينة، وهذا لا يعني أن هذه الكلمة تدل على المفهوم بدون قرينة أيضاً. إذن، لا يلزم إثبات دلالتها على المفهوم بدون وجود قرينة. ولكن العامة خالفوا في ذلك، حتى إن أبا حنيفة اعتقد بعدم ثبوت مفهومها واستدل بكلامه القائل: (لا صلاة إلا بطهور)؛ لأن هذه الكلمة لا تدل على المفهوم؛ إذ لو دلت على المفهوم، لوجب بالضرورة وجود الصلاة مع وجود الطهارة. والحال أن الإنسان قد يكون طاهراً، ولكن صلاته لا تصح مثلاً لعدم الاستقبال. إذن، الجملة الاستثنائية من النفي لا تدل على المفهوم.

وقد بيّن صاحب الكفاية أيضاً مطالب خلاصتها ونتيجتها كما يلي: أولاً: المقصود هو أنه لا تصح أي صلاة مستوفية لسائر الشروط إلا إذا توفر فيها شرط الطهارة. وفي هذه الحالة، يكون مفهوم الجملة هو أن الصلاة التي تتضمن سائر الشروط تتحقق بشرط الطهارة والنظافة، وفي هذه الحالة يثبت لها المفهوم. ثانياً: الاستثناء يدل دائماً على المفهوم، ولكن لا إشكال في أن يُستخدم الاستثناء على نحو مجازي ومع وجود قرينة على ما لا مفهوم له؛ كما هو الحال في هذا المقام. فهنا، القرينة على عدم ثبوت الصلاة مع وجود الطهارة قائمة؛ إذ قد يكون الإنسان طاهراً، ولكن صلاته لا تتحقق بسبب عدم وجود شرط آخر. ثالثاً: إشكال أبي حنيفة وارد في حال قدرنا كلمة «موجودة» وقلنا: «لا صلاة موجودة إلا بطهور». في هذه الحالة، يلزم الإشكال ويتحقق عدم ثبوت المفهوم (أي وجود الصلاة مع الطهارة)؛ لأنه قد توجد الطهارة، ولكن لا توجد الصلاة؛ أما هنا فلا ضرورة لتقدير كلمة «موجودة»، ويجوز أن نقدر كلمة «ممكنة». أي: «لا صلاة ممكنة إلا بطهور»، وفي هذه الحالة يثبت المفهوم. وهذا المفهوم هو أنه إذا وجدت الطهارة، أمكنت الصلاة، ولا يرد هذا الإشكال بعد ذلك (الآخوند الخراساني، نفسه: 209).

د. موارد تطبيق الجملة الاستثنائية في الفقه

بعد أن بيّنا وأثبتنا مفهوم قسمين من أقسام الجملة الاستثنائية، يجدر بنا هنا أن نطبق هذه القاعدة في علم الفقه ونستفيد من النتائج التي توصلنا إليها. وفي هذا السياق، نكتفي بأهم الموارد الفقهية المرتبطة بالجملة الاستثنائية ونختار ثلاث جمل ونبحثها في ثلاثة مباحث منفصلة:

1. تطبيق هذه القاعدة في باب الصلاة

من نماذج الجمل الاستثنائية في كتاب الصلاة، قاعدة تعرف بـ«لا تعاد الصلاة إلا من خمس». ويدل حديث زرارة الصحيح على هذه القاعدة: عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَةٍ: الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكوعِ وَالسُّجُودِ، ثُمَّ قَالَ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ وَالتَّشَهُدُ سُنَّةٌ وَلَا تَنْقُضُ السُّنَّةُ الْفَرِيضَةَ»؛ (الحر العاملي، وسائل الشيعة: 6/ 91)؛ لا تعاد الصلاة إذا كان الخلل الذي طرأ عليها شيئاً غير هذه الأمور الخمسة؛ ولكن إذا طرأ خلل على الصلاة يتعلق بهذه الأمور الخمسة، وجب إعادتها. إذن، منطوق الرواية يشير إلى أن إعادة الصلاة إذا طرأ عليها خلل غير عمدي، ولم يكن ذلك الخلل يتعلق بهذه الأمور الخمسة، فهي غير واجبة؛ ولكن مفهوم الرواية هو أنه إذا كان الخلل الذي طرأ على الصلاة واحداً من هذه الأمور الخمسة، وجب إعادة الصلاة.

وقد استدل الفقهاء في مواضع كثيرة بمنطوق هذه القاعدة ومفهومها. منطوق هذه الرواية – أي صحة الصلاة في حال كان الخلل الوارد فيها شيئاً غير هذه الأمور الخمسة – خارج عن محل بحثنا، ولهذا السبب لا نتطرق إليه. ما يهمنا هنا هو مفهوم الكلام؛ أي بطلان الصلاة في حال كان الخلل الوارد فيها واحداً من هذه الأمور الخمسة. الظاهر أن وجوب إعادة الصلاة المستفاد من المفهوم مطلق من جهتين: إحداهما بسبب نفس الإخلال بالصلاة، أي سواء كان هذا الإخلال – في هذه الأمور الخمسة – عمدياً أم سهوياً، عن علم أم عن جهل، ففي جميع هذه الحالات، تجب إعادة الصلاة. الثانية: الإطلاق من حيث الزيادة أو النقصان الذي يتصور في الركوع والسجود دون اعتبار الأمور الثلاثة الأخرى؛ إذ لا يمكن القول بالزيادة في تلك الثلاثة. إذن، مقتضى هذا الإطلاق هو الحكم ببطلان الصلاة في جميع هذه الحالات؛ إلا إذا وجد دليل على خلاف ذلك، ولهذا السبب، يُقيّد إطلاق المفهوم بمقدار ما يدل عليه الدليل. وهنا، لا بد من الإشارة إلى بعض الفروع والموارد التي بيّنها الفقهاء بخصوص هذا المفهوم:

1. من صلى بدون طهارة: ورد في العروة الوثقى أنه إذا أخل بالطهور الموجود سهواً، كأن ترك الوضوء أو الغسل أو التيمم، بطلت صلاته. وقد استدل الاشتهاردي على هذا الحكم بواسطة مفهوم قاعدة لا تعاد، ويقول: بالإضافة إلى قاعدة «لا تعاد»، تدل أمور أخرى على حكم هذه المسألة (الاشتهاردي، مدارك العروة: 17/ 400).

2. من صلى في غير الوقت المحدد – سواء عمداً أم سهواً – فصلاته باطلة. وهذا الأمر هو مقتضى مفهوم الجملة الاستثنائية؛ لأن مفهوم الجملة هو أنه إذا حدث خلل في وقت الصلاة، وجب إعادة الصلاة. والصلاة في غير الوقت المحدد والمعين هي من مصاديق ذلك.

3. من أخل بالاستقبال: جاء في العروة الوثقى: إذا أخل بالاستقبال عالماً وعامداً، فصلاته باطلة مطلقاً. وقد استدل السيد الحكيم أيضاً على هذا الأمر بمفهوم حديث لا تعاد، ويقول: هذا الأمر مستفاد من حديث «لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود» (مستمسك العروة الوثقى: 5/ 227).

4. من أخل بالركوع بزيادة أو نقصان: إذا حدث خلل بزيادة أو نقصان، وبسبب عدم العلم بالحكم، فإن هذا الأمر إذا أدى إلى ترك شرط ركني، ونقصت ركعة أو ركوع أو ركن آخر من أركان الصلاة أو زاد ركن، بطلت الصلاة (اليزدي، العروة الوثقى: 2/ 3). يقول السيد الحكيم: دليل بطلان الصلاة بالإخلال في ركعة أو في الركوع بزيادة أو نقصان، هو مفهوم حديث لا تعاد الذي يقول: «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة…». وهذا الإطلاق يشمل الجاهل بالحكم، ولهذا السبب، فرّق بين الخلل في الأركان – سواء بالزيادة أو النقصان – والخلل في غيرها. وفي الحالة الأولى (أي الخلل في أركان الصلاة)، حكم بالبطلان قطعاً ويقيناً لوجود دليل خاص على الصحة – كاستثناء في الحديث الصحيح المذكور – ولهذا السبب، رُفضت صحة الصلاة في هذه الحالة بشكل كامل (مستمسك العروة الوثقى: 7/ 382).

5. الإخلال بالسجدتين: ورد في العروة الوثقى أنه إذا نسي سجدتين، ثم تنبه للأمر بعد الدخول في ركوع الركعة التالية، بطلت صلاته. وقد استدل السيد الخوئي على هذه المسألة بمفهوم حديث لا تعاد، ويقول: «إذا تذكر الأمر بعد الدخول فيه (أي الدخول في الركوع في الركعة التالية)، بطلت صلاته؛ لأن هذا الأمر يستلزم الإخلال بالركن في كل حال، وهو مشمول بالاستثناء في حديث لا تعاد الذي قلنا سابقاً إنه يشمل الزيادة والنقصان أيضاً» (الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي: 18/ 66).

2. تطبيق هذه القاعدة في باب الخمس

ينقل الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان أنه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: «ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة…». المعنى المنطوقي والمفهومي للرواية: منطوق هذه الرواية هو عدم وجوب الخمس في غير الغنائم من الأموال، أما مفهوم الرواية فهو وجوب الخمس في الغنائم. هذا الكلام هو في الواقع استثناء من النوع الثالث الذي قلنا إن المفهوم يثبت فيه.

ظاهراً، استعمل الفقهاء مفهوم هذا الحديث؛ لأن الاستثناء من النفي يفيد الإثبات؛ بمعنى أن الخمس سيثبت في الغنائم؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، ولم يُفهم عدم وجوب الخمس في غنائم الحرب من هذا الحديث، لما سعى الفقهاء للجمع بين الروايات المختلفة؛ إذ توجد روايات تدل على إثبات الخمس في غير غنائم الحرب كالمعادن والغوص والمال الحلال المختلط بالحرام وما شابه ذلك.

الجمع الأول: أن يُراد أن الخمس المثبت في القرآن الكريم هو خمس الغنائم فقط. وفي هذه الحالة، يكون مفهوم الحديث هو أن وجوب الخمس في غير الغنائم لم يثبت في القرآن، وإنما ثبت بالسنة. وبهذه الطريقة، يُرفع التعارض. وقد ذكر الشيخ الطوسي هذا المطلب في التهذيب (تهذيب الأحكام: 4/ 124).

ويُجاب على هذا الجمع بأن كلمة «ليس الخمس» مطلقة، وتعني انتفاء الخمس في غير غنائم الحرب في دين الإسلام – سواء في القرآن أو السنة – ولا توجد قرينة على أن المقصود هو العمل بإطلاق الآية في القرآن. وفي هذه الحالة، سنشهد تعارضاً بين هذه الرواية وسائر الروايات التي تقول بوجوب الخمس في غير غنائم الحرب.

الجمع الثاني: أن يكون المقصود من الغنائم معناها الكلي والمطلق. وفي هذه الحالة، يكون معنى الرواية أن الخمس يثبت فقط في مطلق الغنائم التي تشمل جميع الموارد التي يجب فيها الخمس. ويُجاب على هذا الأمر أيضاً بأنه قد يُقال إن هذا الجمع ليس جمعاً صحيحاً؛ إذ لا يوجد هنا أي توهم في وجوب الخمس في غير الموارد التي يجب فيها الخمس. وبعبارة أخرى، لا يتوهم أحد أو يظن أن الخمس واجب في غير الغنائم – بمعناها الكامل والشامل – في سائر الموارد التي يجب فيها الخمس كالمعدن وغيرها، ليأتي الإمام لينفي وينكر الخمس من غير الغنائم بهذه الصورة. الرد: توهم وجوب الخمس في غير الغنائم ينشأ من تصور أن الخمس كالزكاة؛ لأن الزكاة واجبة في غير الغنيمة أيضاً، وقد أراد الإمام بهذا الكلام أن يرفع هذا التوهم، ولهذا قال: «ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة» (الحائري، كتاب الخمس: 20). يقول: لا توجد أي قرينة تدل على هذا الكلام. كيف يمكننا إثبات هذا التوهم؟ لو كان هناك شيء من هذا القبيل، لكان صُرح به؛ أي لقيل هكذا: «ليس الخمس كالزكاة التي تجب في الغنائم وفي غير الغنائم، بل لا يجب إلا في الغنائم خاصة»؛ الخمس ليس كالزكاة التي تجب في الغنائم وفي غيرها، بل يختص بالغنائم فقط. إذن، بما أنه لم يرد أي قيد، فلا توجد قرينة تدل على هذا الأمر.

الجمع الثالث: أن يقال إن الألف واللام في كلمة «الخمس» هي ألف ولام العهد، وتعود إلى الخمس الذي لا يجب فيه إخراج وفصل الحاجات الضرورية. وبناءً على ذلك، يكون تقدير الجملة هكذا: الخمس الذي لا يكون فيه فصل الحاجات الضرورية واللازمة، يحصل فقط في الغنائم.

الجمع الرابع: أن يكون الحصر هنا إضافياً (الحصر الإضافي)؛ بمعنى أن كل ما يصل إلى المسلمين من أموال الكفار، سواء كان أنفالاً أو فيئاً، هو غنيمة، ولا يتعلق به الخمس؛ إلا في الغنائم. وبناءً على ذلك، لا يدخل الخمس في الأنفال والفيء (الحر العاملي، نفسه: 9/ 485؛ منتظري، كتاب الخمس والأنفال: 398).

الجمع الخامس: أن يكون هذا الأمر من باب التقية؛ لأن العامة لا يعتقدون بوجوب الخمس في الغنائم. الرد: العامة يعتقدون أيضاً بوجود الخمس في المعادن، والمطالب الواردة في كتبهم حول وجود الخمس في المعادن والمنابع والموارد الطبيعية شاهد على هذا الادعاء.

دراسة الجمع بين الروايات: تدل هذه الروايات في منطوقها على وجوب الخمس في الغنائم الحربية، وفي مفهومها تؤكد على عدم وجوب الخمس في الغنائم غير الحربية؛ في حين توجد روايات صريحة تدل على وجوب الخمس في غير الغنائم. في الحقيقة، نحن هنا نواجه تعارضاً بين مفهوم رواية «لا يجب الخمس في غير الغنائم» ومنطوق روايات «يجب الخمس في غير الغنائم كالمعدن والغوص». وفي هذه الحالة، تكون دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق، وبالتالي يُقدّم المنطوق في باب التعارض على المفهوم لوضوحه. ومع ما تقدم، فإن منطوق الروايات التي تقول بوجوب الخمس في الغنائم غير الحربية يُقدّم هنا على مفهوم الرواية التي تعتقد بعدم وجوب الخمس في غير الغنائم الحربية؛ لأن المنطوق أوضح وأصرح من المفهوم. والنتيجة هنا هي ترك مفهوم الرواية والتمسك بجميع منطوقات هذه الرواية وسائر الروايات؛ إذ لن يكون هناك أي تعارض بين منطوقاتها؛ لأن منطوق هذه الرواية يقول: «الخمس في غنائم الحرب واجب»، ومنطوق تلك الروايات يقول: «الخمس في المعادن والغوص وما شابه ذلك واجب»، وبهذه الصورة يُرفع التعارض.

3. تطبيق هذه القاعدة على باب الشروط

توجد روايات تدل على أن الشرط في المعاملات لا ينبغي أن يكون محللاً لحرام أو محرماً لحلال على نحو وجوبي. وقد وردت هذه الروايات بصيغة جملة استثنائية مثبتة، وتقع ضمن المجموعة الثانية من الجمل الاستثنائية. ورُوي عن إسحاق بن عمار عن الإمام جعفر الصادق (ع) عن أبيه أن الإمام علي (ع) قال: «من شرط لامرأته شرطاً فليفِ به؛ فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً».

وقد استدل كثير من الفقهاء بمفهوم هذه الرواية، وبيّنوا أن الوفاء بالشرط الذي يحلل حراماً أو يحرم حلالاً غير واجب؛ وإن اختلفوا في بعض الموارد؛ منها ما إذا كانت هذه المسألة داخلة في المستثنى (أي من الشروط المحرمة للحلال أو المحللة للحرام) أم داخلة في المستثنى منه (أي من الشروط الصحيحة التي يجب العمل بها). وفي هذا القسم، نتناول بعض هذه المباحث ونقوم بدراستها:

1. اشتراط إرث الزوجة في عقد المتعة

هل هذا الشرط مخالف للكتاب والسنة ليدخل في قسم المستثنى ولا يكون الوفاء به واجباً؟ أم على العكس، ليس مخالفاً للكتاب والسنة، وبالتالي يدخل في المستثنى منه ويكون الوفاء به لازماً وواجباً؟ وبعبارة أخرى، هل عدم إرث الزوجة في المتعة من الأحكام التي تتغير إذا ورد عليها شرط، أم لا؟ فمثلاً، إذا اشترطت المرأة على الرجل أن ترث منه، فإذا توفي الرجل، هل يجب أن يرث زوجته المتمتع بها، أم أن هذا الحكم حكم فعلي لا يتغير ولا يتبدل بأي شرط؟ إذن، لا بد من دراسة الدليل الذي يدل على عدم إرث الزوجة المتمتع بها، فإذا كان من النوع الأول، كان هذا الشرط صحيحاً وغير مخالف للكتاب (القرآن)، وإلا حُكم بفساد الشرط وعدم الالتزام به. وقد اختلف الفقهاء في هذا المجال، وطُرحت مطالب وآراء مختلفة، منها:

رأي الشيخ الأنصاري: قد تشترط الزوجة المتمتع بها إرثها في عقد المتعة، وهذا الشرط صحيح في هذه الحالة. وقد يحدث هذا الأمر في مكان آخر غير عقد المتعة (مثلاً في البيع). وفي هذا المجال، اتفق الفقهاء على عدم صحة اشتراطه في الإرث. وكذلك في إرث الأجنبي وضمن العقد، إذا وُضع الشرط مطلقاً؛ سواء كان متعة أم بيعاً، فقد اتفق الفقهاء أيضاً على عدم مشروعية هذا الشرط. وقد طُرح رأي حول هذا الحكم مفاده: لماذا حُكم بمشروعية الاشتراط في الحالة الأولى، وبعدم مشروعيته في الحالتين الأخريين؟ لماذا ترث الزوجة المتمتع بها، بينما لا يرث الأجنبي، مع أن كليهما يشتركان في كونهما أجنبيين (أي لا أحد منهما صاحب فرض) بالنظر إلى الفرض؟ ومع الأخذ بعين الاعتبار اشتراك العقود مع بعضها البعض – لأنها كلها لازمة – لماذا يكون الشرط صحيحاً في عقد المتعة، بينما لا يصح في عقد البيع، وبناءً على ذلك، لماذا يكون اشتراط إرث الزوجة المتمتع بها في عقد المتعة موافقاً للكتاب، بينما اشتراط إرث الأجنبي مخالف للكتاب؟ والحال أن الملاك والمعيار في جميع هذه الموارد واحد. إذن، إذا كان هذا الشرط مخالفاً لكتاب الله، فيجب أن يكون مخالفاً في جميع الحالات، وإذا كان موافقاً، فيجب أن يصدق على جميع الموارد. فما الفرق بينها؟ الرد: اشتراط الإرث للزوجة في زواج المتعة ليس مخالفاً للكتاب؛ لأن الأخبار التي تدل على إرث الزوجة في هذا النوع من الزواج تؤيد صحة هذا الاشتراط؛ لأن هذا الشرط يخصص العمومات الدالة على عدم إرث الزوجة المتمتع بها (الأنصاري، المكاسب: 6/ 29 – 30).

رأي المحقق الأصفهاني: تبعاً للمحقق اليزدي وفي حاشيته على المكاسب (اليزدي، نفسه: 2/ 11) يرى أن الظاهر من الروايات التي تنفي إرث الزوجة في زواج المتعة، أنها في الحقيقة من باب الأحكام الفعلية التي لا يمكن تغييرها بالاشتراط؛ سواء كانت هذه الروايات تقول بالشرط أم لم تقل به؛ أي أن هذه الأحكام لا تتغير بالشرط (الأصفهاني، حاشية المكاسب: 5/ 135).

رأي السيد الخوئي: يرى أن اشتراط الإرث للزوجة المتمتع بها ليس صحيحاً من حيث القاعدة؛ لأن هذا الأمر خارج عن حدود اختيارات المورث، وهو غير قادر على القيام به. إذن، عدم جواز العمل بهذا الشرط ليس بسبب مخالفة هذه المسألة للكتاب؛ بل العلة هي أن الولي، بناءً على القاعدة، غير قادر على القيام بهذا الأمر. ولكن في هذا المجال، بقدر ما يوجد دليل معتبر يخالف هذه القاعدة، يمكن غض الطرف عن هذه القاعدة والعمل به؛ إذ وردت روايات معتبرة في صحة هذا الشرط. وفي هذه الحالة، يُفهم من هذا المطلب أن عدم إرث الزوجة المتمتع بها من نوع الأحكام الاقتضائية التي تتغير بالشرط، وفي كل حال، يكون هذا الشرط نافذاً والعمل به واجب بنص القرآن؛ أما الرواية التي تقول «اشترط أم لم يشترط» فهي رواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها (الخوئي، مصباح الفقاهة: 5/ 307 – 308).

2. اشتراط الضمان في العارية

اختلف الفقهاء في هذا المجال أيضاً، وقدموا آراء مختلفة، وهي كما يلي: رأي الشيخ الأنصاري: يرى أن اشتراط الضمان يكون أحياناً في العارية، والفقهاء متفقون على صحته، وأحياناً يكون في الإجارة، والمشهور بين الفقهاء عدم مشروعية هذا النوع من الشروط. وقد ورد على هذا الحكم إشكال مفاده أنه إذا كان عدم الضمان حكماً اقتضائياً، بمعنى أنه إذا نُظر إلى هذا الأمر بحد ذاته وبدون أي شرط، فإن الفرض هو الحكم بصحة الاشتراط في كلتا الحالتين؛ لأن الملاك والمعيار هنا واحد، وإذا كان عدم الضمان حكماً فعلياً، فيجب الحكم بعدم مشروعية الشرط ومخالفته للكتاب. وبناءً على ذلك، فإن اشتراط الضمان في العارية من الموارد التي يصعب فيها التشخيص (الأنصاري، نفسه: 6/ 30).

رأي السيد اليزدي: يرى أن الحكم في العارية وغيرها من الأمانات بشكل عام هو عدم صحة اشتراط الضمان؛ لأن هذا الحكم (أي عدم الضمان) من الأحكام الفعلية التي لا تتغير بالشرط؛ ولكن بخصوص هذا المورد (أي العارية)، يوجد نص يخرجه من هذه القاعدة، ولهذا السبب، فإن اشتراط الضمان فيه صحيح (اليزدي، حاشية المكاسب: 2/ 11). وقد وافق الشيخ الأصفهاني على هذا الحكم (الأصفهاني، حاشية المكاسب: 5/ 136)، وقدم السيد الخوئي نفس الرأي في مصباح الفقاهة (الخوئي، مصباح الفقاهة: 5/ 311 – 312).

3. اشتراط عدم إخراج الزوجة إلى مدينة أو بلد آخر

في هذا المجال أيضاً، طُرحت آراء مختلفة من قبل الفقهاء: رأي الشيخ الأنصاري: هذا أيضاً من الموارد التي لا يمكن تشخيص ما إذا كان حكماً اقتضائياً يصح معه الشرط، أم لا، وبالتالي لا يصح الشرط. إذن، عدم إخراج الزوجة مباح للزوج. ويعتقد البعض أن هذا الأمر حكم اقتضائي، وبناءً عليه، يكون الشرط صحيحاً، وبالتالي إذا قبل الزوج هذا الشرط، وجب عليه عدم إخراج الزوجة. ويعتقد آخرون أن هذا الحكم حكم فعلي، وبناءً عليه، فإن اشتراط «عدم إخراج الزوجة» مخالف للكتاب؛ لأن عدم إخراج الزوجة مباح في الكتاب؛ في حين أن الشرط يوجبه. ويُجاب على هذه الموارد بالقول: قد يوجب الشرط أحياناً فعل شيء أو تركه، وهذا هو حقيقة الشرط. فهل يعني هذا أننا نحكم بأن الشروط المذكورة مخالفة للكتاب والسنة؟ ولهذا السبب، يُعد هذا المورد عند الشيخ من الموارد المشكوكة.

رأي السيد اليزدي: في هذا المورد، الاشتراط صحيح، والموارد المخالفة له نادرة جداً؛ لأن هذه المسألة مقتضى القاعدة، ولا يوجد أي دليل على عدم مشروعيتها، حتى إنه في هذا المورد، يوجد نص خاص على جوازه، وبناءً عليه، يكون الاشتراط صحيحاً (اليزدي، نفسه: 2/ 11). وقد وافق الشيخ الأصفهاني (الأصفهاني، حاشية المكاسب: 5/ 136 – 137) والسيد الخوئي في مصباح الفقاهة على رأيه في هذا المجال (الخوئي، مصباح الفقاهة: 5/ 313 – 314).

الخاتمة

يمكن تلخيص نتائج هذا البحث في النقاط التالية:

1. اختلف الأصوليون في مرادهم وفهمهم للمفهوم، وقدموا في هذا الصدد تعريفات عدة. ولعل أفضل وأصح تعريف للمفهوم في هذا المجال هو تعريف الشهيد الصدر. فهو يرى أن المفهوم هو المدلول الالتزامي لرابطة خاصة قائمة بين الشرط والجزاء في الجملة الشرطية، أو بين المستثنى والمستثنى منه في الجملة الاستثنائية، وبواسطته يخرج مفهوم الموافقة ومقدمات الواجب.

2. ثبوت المفهوم في قاعدة الاستثناء يقوم على ركنين من أركان المفهوم: أحد هذين الركنين هو أن يكون ارتباط الحكم بالمستثنى – على رأي المشهور – ارتباطاً علياً وانحصارياً، أو على رأي الشهيد الصدر، أن يثبت بصورة التوقف والالتصاق (التلاصق والمصاحبة)، والآخر هو أن يكون المنتفي هنا هو طبيعي الحكم وصنفه. ثم تبين لنا أن ضابط وهيكل هذا المفهوم ينطبق على قسمين من هذه القاعدة. وهذان القسمان هما: الاستثناء من الإثبات والاستثناء من النفي، حيث يثبت المفهوم لهذين القسمين على الصحيح؛ أما القسم الثالث (أي الاستثناء من الموضوع)، فلا يثبت له مفهوم.

3. لمفهوم الاستثناء فروع وتطبيقات فقهية مختلفة، أُشير إلى ثلاثة منها: أحد هذه الموارد يتعلق بالصلاة، وآخر بالخمس، والثالث بباب الشروط. ففيما يتعلق بالصلاة، أُشير إلى رواية «لا تعاد الصلاة إلا من خمس»، وقلنا إن مفهوم هذه الرواية هو صحة الصلاة في غير هذه الموارد الخمسة؛ إلا ما خرج بالدليل. وفي باب الخمس، استُند إلى حديث «لا خمس إلا في الغنائم»، وثبت له المفهوم. وكان هذا المفهوم هو حصر وتقييد الخمس في الغنائم، وبهذه الصورة، نشأ نوع من التعارض بين مفهوم هذه الرواية ومفهوم الروايات التي تثبت وجود الخمس في غير الغنائم، ولهذا السبب، قدم الفقهاء أجوبة مختلفة لرفع هذا التعارض. وفي باب الشرط، أُشير إلى رواية «المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً»، وبيّنا أن الفقهاء استخدموا مفهوم هذه الرواية (أي عدم وجوب الوفاء بالشرط إذا كان مخالفاً للكتاب والسنة)؛ ولكنهم اختلفوا في بعض الموارد المشكوكة في هذا المجال فيما إذا كانت هذه الموارد مخالفة للكتاب والسنة أم لا. وفي هذا السياق، قمنا ببيان آراء الفقهاء المختلفين.

قائمة المصادر

الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية، تحقيق مهدي أحدي أمير كلائي، انتشارات سيد الشهداء، قم، الطبعة الأولى، 1374.

الأصفهاني، محمد حسين، حاشية المكاسب، تحقيق الشيخ عباس محمد القطيفي، انتشارات ذوي القربى، إيران، قم، الطبعة الثانية، 1427 ق.

الأنصاري، مرتضى، المكاسب، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية، 1420 ق.

التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، قم، الطبعة الأولى، 1426 ق.

الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الخامسة، 1429 ق.

الخوئي، أجود التقريرات، تقرير مباحث النائيني، مؤسسة صاحب الأمر، قم، الطبعة الأولى، 1420 ق.

الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الخامسة، 1414 ق.

الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، بتحقيق حسن موسوي، انتشارات الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1390 ق.

العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، 1409 ق.

الكاظمي، فوائد الأصول (تقريرات النائيني)، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة التاسعة، 1419 ق.

المنتظري، حسين علي، كتاب الخمس، انتشارات أرغوان دانشي، قم، الطبعة الرابعة، 1428 ق.

الهاشمي الشاهرودي، محمود، بحوث في علم الأصول، تقريرات الشهيد الصدر، مؤسسة دار المعارف فقه إسلامي، إيران، الطبعة الثالثة، 1417 ق.

اليزدي، محمد كاظم، حاشية المكاسب، تحقيق الشيخ محمد قطيفي، طليعة نور، نشر مؤسسة طيبة لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1429 ق.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: 1392/8/25؛ تاريخ الموافقة: 1392/11/1.

2. أستاذ في الحوزة العلمية بقم.

3. طالب في مرحلة الدكتوراه في الاقتصاد (الباحث المسؤول) (H.saed@gmail.com).

4. عضو الهيئة العلمية بجامعة قم (mRTavakoli@yahoo.com).

Scroll to Top