ملخص
تتناول المرجعية العلمية للقرآن الكريم مسألة التأثير الهادف والممنهج للقرآن الكريم على سائر العلوم، بما فيها العلوم الإنسانية والإسلامية. ويرتكز تبيين مرجعية القرآن في هذا المجال على تحقق مبانٍ وأدلة خاصة به. ويجب اعتبار عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة أحد أهم المباني في المرجعية العلمية. لقد كانت الصلة بين القرآن والسنة من المسائل واسعة النطاق والموضوعات التي حظيت باهتمام العلماء. فالقرآن الكريم مقبولٌ كمصدر للوصول إلى معارف الدين، ولكننا نواجه وجهات نظر ومناهج متنوعة في نطاق حجيته وكشف المراد من آياته. وبناءً على رؤية عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة، فإن الكتاب الإلهي في بيان معاني بعض آياته، محتاجٌ إلى السنة. إن الحصول على تفسير دقيق وصحيح للآيات والاستفادة من جميع طاقات السنة في كشف المقاصد الإلهية، يؤمّن ضرورة البحث من هذه الزاوية. وعليه، من الأجدر كشف مباني هذه الرؤية بأسلوب وصفي-تحليلي، ومقارنة وتطبيق البيانات المنهجية المستخلصة من الدراسات. تستند هذه النظرية على أسس عقلائية وقرآنية وروائية. ففي الأساس العقلائي، يُبحث دور السياق الخارجي في فهم الكلام. وفي الأساس القرآني، تُطرح الآيات المتشابهة، وفي الأسس الروائية، يُبيَّن عدم تماثل كلام الله مع كلام البشر.
مقدمة
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة وكتاب الهداية للبشرية الذي نزل لكل زمان وكل إنسان، وفي كل عصر له جدّته. (الصدوق، ١٣٧٨: ٨٧/٢) لا شك أن هذه الهداية رهينة بجعل القرآن مرجعاً والتمسك به. وتُعرَّف مرجعية الكتاب الإلهي في مجالات متنوعة، ويجب اعتبار المرجعية العلمية للقرآن أحد الميادين المهمة في هذا الصدد. الحديث عن المرجعية العلمية للقرآن هو بحث في مدى تأثير بيانات القرآن على سائر العلوم، وكان هذا الأمر أمنية قديمة لعلماء المسلمين لكي يصبح القرآن بذلك محوراً لمختلف العلوم، سواء الإسلامية أو الإنسانية. في هذه الحالة، سيصبح الكتاب الإلهي معياراً لتقصي الحقيقة في العلوم، خاصة العلوم الإسلامية والإنسانية. وتبرز ضرورة التصدي لهذه المسألة عندما نعلم أن الروح السائدة في العلوم الحديثة نابعة من الأفكار المادية وخالية من التوجهات المعنوية والروحانية. تتصور منظومة موضوعات المرجعية العلمية للقرآن في ستة محاور كلية: المباني، والأدلة، والميادين، والنطاق، والأنواع، وتحقق المرجعية العلمية. وفي قسم المباني، تُبحث موضوعات مثل شمولية القرآن وخلوده، واستجابته للاحتياجات الأساسية للإنسان والمجتمع المعاصر، ومنهجية مفاهيم ومعارف القرآن الكريم. بالإضافة إلى المباني المذكورة، يجب إجراء بحوث قيمة حول العلاقة بين حجية القرآن والسنة، وتُستخدم نتائجها كمبدأ بالغ الأهمية في المرجعية العلمية. في رسم كيفية العلاقة بين حجية القرآن والسنة، توجد أفكار مختلفة. البعض يؤمن باستقلال حجية القرآن، وفريق آخر يرى أنه فاقد للحجية بدون السنة. لا شك أنه مع وجود اختلاف في المباني في هذا المجال، ستكون وجهات النظر في المرجعية العلمية متنوعة أيضاً. لذلك، من الضروري، من خلال تبيين منهجي في هذه المسألة، اختيار المبدأ الصحيح. في مسألة عدم انفكاك القرآن عن السنة، أُلفت مؤلفات متنوعة؛ منها “العلاقة المتبادلة بين الكتاب والسنة” لعلي نصيري؛ و”مسألة حجية القرآن” لعليرضا رحيميان؛ و”التلاحم بين القرآن والعترة” لعبد العلي موحدي، ولكن في أي من هذه الآثار لم تُبحث مباني عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة.
تسعى هذه المقالة من خلال جمع البيانات بأسلوب مكتبي ومعالجتها بمنهج وصفي تحليلي، إلى إثبات عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة بالاعتماد على ثلاثة أسس عقلائية وقرآنية وروائية. في الأساس العقلائي، يُدرس دور السياق الظرفي في تفسير الآيات وحجيتها، ويتشكل الأساس القرآني على آية وجود المتشابهات في القرآن، ويُعد عدم تماثل كلام الله مع كلام البشر النتيجة الثالثة التي تُبيَّن بالاعتماد على البيانات الروائية.
١. دراسة المفهوم والأدبيات النظرية للبحث
١-١. دراسة المفهوم
١-١-١. المباني
“مباني” جمع “مبنى” من جذر “بني” بمعنى الأساس المترابط لشيء ما. (ابن فارس، ١٤٠٤: ٣٠٢/١) في الاصطلاح، قد تكون مباني العلم مرادفة لمبادئ العلم، وبذلك تكون تعريفات المبادئ صادقة على المباني أيضاً. المبادئ هي مقدمات تتشكل النظرية على أساسها، ولا تُبيَّن المبادئ في ذات العلم. (جبر، ١٩٩٦: ٨٠٧) في فكر الشهيد مطهري، تحتل التعريفات والأصول الموضوعة والأصول المتعارفة مكانة في مبادئ العلم. تُسمى التعريفات بالمبادئ التصورية، والأصول الموضوعة والمتعارفة بالمبادئ التصديقية. الأصول المتعارفة هي أصول بديهية تُبنى عليها براهين علم ما؛ مثل أصل الكل والجزء. والأصول الموضوعة هي أصول غير بديهية تستند إليها بعض أدلة العلم. (مطهري، ١٣٨٤: ٤٧٣/٦) يرى بعض المحققين أنه على الرغم من استخدام كلمتي “مبادئ” و”مباني” بالتبادل، إلا أن هناك فرقاً بينهما. النسبة بين كلمتي مبادئ ومباني هي العموم والخصوص المطلق، حيث تنقسم المبادئ كعام إلى تصورية وتصديقية، وتشمل المباني المبادئ التصديقية فقط. وعليه، فإن مباني العلوم، أي القضايا والأصول التي تأتي في مقدمة العلم ويُدافع عنها بالبيانات العقلية والمنطقية، لها أقسام مثل البديهية والنظرية، والعامة والخاصة، والبعيدة والقريبة. (إلهي نجاد، ١٣٩٥: ١٨٢)
٢-١-١. الحجية
كلمة “حجية” مشتقة من جذر (حجج)، وقد وردت هذه المادة في اللغة بمعنى “القصد”. (الأزهري، ١٤٢١: ٢٤٩/٣) الحجية مصدر جعلي بمعنى كون الشيء حجة، وقد استُخدمت بمعنى البرهان (الجوهري، ١٣٧٦: ٣٠٤/١)، والدليل الواضح (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٢١٩) وغيرها. “المعنى الواضح الذي تدل عليه كلمة حجة، والمعاني المذكورة يمكن أن تكون مصاديق له، هو مفهوم تتبع المطلوب عن طريق المقبول”. (حكيم، ١٣٩٥: ٥) في الاصطلاح العرفي، يُطلق لفظ “حجة” على كل ما يمكن به الاحتجاج على الآخرين. في علم المنطق، استُخدمت الحجة بمعنيين: الحد الأوسط في القياس، ومجموع القضايا المترابطة التي من خلال جمعها وارتباطها يتم كشف المجهول. (المظفر، ١٤٢٧: ١٢/٢) الحجة في علم الحديث هي صفة لتعديل الراوي، تدل على أن أحاديثه مقبولة. (جديدي نجاد، ١٣٨٢: ٥٢) عند علماء الأصول، لها معانٍ متنوعة، والمعنى الصحيح من بينها هو “المعذرية” و”المنجزية”. (آهنكران، ١٣٨٥) في حجية القرآن والسنة، يكون الحديث أحياناً في أصل حجيتهما، أي هل هما مصدران مستقلان يُعتمد عليهما ويمكن الاستفادة منهما أم لا؟ وأحياناً يكون السؤال في حجية دلالتهما وفهمهما، وهل هما مستقلان في الدلالة والفهم أم مرتبطان؟ مقصودنا في عدم انفكاك حجية القرآن والسنة هو البحث في حجية القرآن والسنة في الدلالة والفهم. مراد العلماء الأصوليين من حجية ظواهر القرآن هو الحجية في الفهم والدلالة؛ بمعنى أنه كلما دل ظاهر الآيات على معنى، كان حجة ويمكن التمسك به. بالطبع، مراد المؤمنين بحجية ظواهر الكتاب من الأصوليين هو قسم المحكمات من القرآن لا المتشابهات. وفي المحكمات أيضاً، يجيزون العمل بالآية بعد البحث الكامل عن موارد صرف الظهور والقرائن. (المظفر، ١٤٣٠: ١٤٢/٣)
٣-١-١. السنة
كلمة “سنة” من مادة “سنن” استُخدمت في معانٍ متنوعة مثل السيرة (الجوهري، ١٣٧٦: ٢١٣٨/٥) والطريق المستقيم الحسن (الأزهري، ١٤٢١: ٢١٠/١٢). يرى ابن فارس أن المعنى الأصلي لمادة “سن” هو جريان الشيء واستمراره بسهولة، وهو مأخوذ من “سَنَنْتُ الماء على وجهي” بمعنى صب الماء. (ابن فارس، ١٤٠٤: ٦٠/٣) صاحب التحقيق يرى أيضاً أن الأصل في هذه المادة هو جريان الأمر المنضبط في ظهور وصف أو عمل أو قول. (المصطفوي، ١٤٣٠: ٢٨٨/٥) اصطلاح السنة عند علماء الإمامية يعني قول المعصوم وفعله وتقريره، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية. السنة القولية مأخوذة من قول المعصوم وكلامه، والسنة الفعلية من فعل المعصوم وعمله، والسنة التقريرية من سكوته ورضاه. (ولائي، ١٣٨٧: ١٩٥)
٤-١-١. المرجعية العلمية للقرآن
المقصود بالمرجعية العلمية للقرآن في نظر المفكرين يُعبَّر عنه بعبارات متنوعة. عند فريق منهم، الكتاب الإلهي هو مصدر معتمد وحجة يمكن الاستناد إليه في جميع العلوم. ونتيجة لذلك، يصبح الكتاب الإلهي منشأ لتحول العلوم ويوجهها. (رضائي أصفهاني، ١٣٩٦: ٢) المرجعية العلمية في معتقد آية الله الخامنئي تعني أن على المسلمين تنظيم مختلف مجالات العلوم مثل المواد والمباني والأهداف بناءً على الرؤية الكونية القرآنية. على الرغم من أن صور العلوم لم ترد في القرآن، إلا أن مواد المعارف يمكن العثور عليها في المعارف السامية للقرآن. (أعرافي، ١٤٠١: ١٢٧) البعض عرّف للمرجعية القرآنية ثلاثة مؤشرات: “الأولية والأولوية”، “الجامعية”، و”الأصالة والمحورية”. المؤشر الأول يعني أنه من وجهة نظر الإسلام، للحصول على المعرفة بشأن أي مسألة، يجب الرجوع إلى القرآن قبل أي مصدر آخر. جامعية القرآن تعني أن الكتاب الإلهي هو تبيان لكل شيء، ويمكن استخراج كليات كل علم من القرآن. وبناءً على العنصر الثالث، فإن القرآن هو معيار وملاك كل شيء. (يوسفي مقدم، ١٤٠٢: ١٣٠-١٣٧) إذن، بناءً على ما سبق، هناك عدة مكونات أساسية في تعريف المرجعية العلمية للقرآن: ١. القرآن هو مصدر ومحور للعلوم الأخرى؛ ٢. القرآن مؤثر في العلوم الأخرى؛ ٣. الكتاب الإلهي يحتوي على مواد وكليات المعارف لا صور العلوم وتفاصيل مسائلها.
٢-١. الأدبيات النظرية للبحث
١-٢-١. الرؤى المتعلقة بالعلاقة بين حجية القرآن والسنة
لا شك أن هداية القرآن رهينة بفهم آياته وكشف مقاصد قائله. لذلك، فُسِّر كلام الله على مر التاريخ بأساليب ورؤى متنوعة. أحد الاختلافات بين المفكرين في رسم كيفية العلاقة بين القرآن والسنة هو فهم كلام الله. فريق منهم بشعار “حسبنا كتاب الله” يؤمنون بالاكتفاء بالقرآن في مجال فهم معارف الدين. تعاليم الدين في نظرهم تُستنبط بمحورية القرآن، والسنة غير مقبولة لأسباب مثل كونها محددة بزمان، وتاريخية، وغير قابلة للاستناد، وغيرها. هذا التيار بعنوان حركة القرآنيين تشكل في أواخر القرن التاسع عشر الهجري في منطقة البنجاب بشبه القارة الهندية إثر نشر أفكار سيد أحمد خان. كان القرآنيون في البداية تابعين لشخصيتين: محب الحق عظيم آبادي في شرق الهند وعبد الله جكرالوي في لاهور بباكستان. من دعاة هذا الفكر الآخرين في شبه القارة الهندية أحمد الدين أمرتسري، وحافظ أسلم جراجپوري، وغلام أحمد پرويز. (إلهي بخش، ١٤٢١: ١٩-٥٥) الفريق الثاني، بتطبيق منهج تفسير القرآن بالقرآن، يعتقدون بالحجية الاستقلالية للقرآن ويرون كتاب الله ناطقاً. هذا الفكر في الإمامية طُرح كنظرية ومنهج منظم مع مبانيه وأدلته بواسطة العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان. أصحاب هذا الفكر يقبلون بأنه في فهم معارف الدين يجب الاستفادة من السنة، لكنهم يعتقدون أنه في فهم كتاب الله لا يجوز الرجوع إلى مصدر آخر غير القرآن نفسه. (الطباطبائي، ١٣٩١: ٧٧/٣ و ٨٤-٨٦) أساس رؤية الفريق الثالث قائم على الاكتفاء بالسنة. الميل إلى هذا المنهج التفسيري بلغ أوجه في بداية القرن الحادي عشر مع ظهور الملا أمين الاسترآبادي ونهضة الأخباريين. حسب اعتقاده، فإن فهم مراد الله لا يمكن إلا عن طريق أهل البيت عليهم السلام. (الاسترآبادي، ١٤٢٦: ٢٥٥) في هذا المعتقد المنسوب إلى الأخباريين المتطرفين، لا ظهور لآيات القرآن، وإن كان لها ظهور، فليس بحجة. الخطاب القرآني موجه للمعصومين عليهم السلام فقط. لذلك، فقط ظواهر السنة حجة. تقع رؤية عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة في مقابل الرؤى الثلاث المذكورة. في هذه الرؤية، نبتعد عن فكر الاكتفاء بالقرآن المتطرف وعن فكر التفريط بالاكتفاء بالسنة، ونقول بأن فهم قسم من آيات القرآن يعتمد على السنة، ولكن في بعض الآيات لا يوجد هذا الاعتماد، بل يُفهم القرآن بشكل مستقل.
٢. المباني العقلائية والقرآنية والروائية لرؤية عدم الانفكاك
تُرسم مباني عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة في ثلاثة أقسام: مبانٍ عقلائية، وقرآنية، وروائية. يُعتنى بالمبنى العقلائي في هذه الرؤية بعنوان السياق الخارجي. في المبنى القرآني، تُدرس الآيات المتشابهة، وفي المباني الروائية، يُبحث عدم تماثل كلام القرآن مع كلام البشر.
١-٢. المباني العقلائية
١-١-٢. السياق الخارجي
في علم اللسانيات، يُبحث نوعان من الدلالة: الدلالة داخل اللغة والدلالة خارج اللغة. في الدلالة داخل اللغة، يُشار إلى علاقة الوحدات اللغوية ببعضها البعض، وفي الدلالة خارج اللغة، يُبحث ارتباط الوحدات اللغوية مثل الكلمة والجملة بمصاديق العالم الخارجي. (صفوي، ١٣٧٩: ٦١) من الواضح أن الجمل التي نختارها لنقل المعنى تعتمد على المواقف التي نحن فيها. السن، والجنس، والموقع الاجتماعي، وغيرها من المكونات التي نأخذها في الاعتبار في محادثاتنا ونوليها اهتماماً. العالم الخارجي وظروف البيئة المحيطة بالمتكلم والسامع أو ما يسمى بالسياق الموقفي من العوامل التي تتدخل في تحديد معنى الجملة. كمثال، لنأخذ الحوار التالي الذي يدور في ساحة المعركة: “كونوا حذرين جداً. حاولوا الاشتباك معهم عن بعد. لا ترفعوا أعينكم عن ذلك المدفع. لا تمنحوهم فرصة. إذا اقتربوا أكثر، هاجموا. لا تخافوا؛ في النهاية سننتصر. أغلقوا خط دفاعهم بالمدفعية. حاولوا ألا يقتربوا من منطقتنا الدفاعية وإلا فإن عملنا سينتهي. انتبهوا لا تضيعوا الوقت. تذكروا أن هذا بلدهم وبالتأكيد روحهم الدفاعية أقوى”. الآن إذا نظرنا إلى هذا الحوار نفسه في موقف مثل لحظات قبل بدء مباراة كرة قدم، فإن معاني الجمل ستكون مختلفة. على هذا الأساس، توجد كلمات وجمل في اللغة لا تُفهم إلا من خلال السياق الموقفي، ومعرفة مفهومها لا تتم إلا عن طريق الوعي بالظروف الحاكمة على إنتاجها. (صفوي، ١٣٧٩: ١٦٥) بحث السياق الموقفي بعنوان اقتضاء حال المخاطب، والقرينة الحالية، وسياق الكلام قد طُرح في الماضي. اعتبر علماء البلاغة الكلام البليغ كلاماً يلقيه المتكلم بما يتناسب مع أحوال المخاطب. (الهاشمي، ١٣٨٥: ٣٦) في بيان الشهيد الصدر أيضاً، سياق كل شيء هو ما يصاحب اللفظ ويساعد في فهمه. السياق نوعان: لفظي، مثل الكلمات التي تشكل مع اللفظ المقصود كلاماً واحداً؛ وحالي، مثل الأحوال التي أُلقي الكلام بموجبها وهو مؤثر في بيان المعنى. (الصدر، ١٤١٨: ١٠٣/١)
٢-١-٢. دور السياق الخارجي في التفسير
إن الالتفات إلى السياق الخارجي أو السياق الموقفي بمعنى الوعي بالزمان والمكان والمواقف التي خُلق فيها الكلام، هو أساس عقلائي في فهم مراد المتكلم. لذلك، في تفسير القرآن الذي هو كشف لكلام الله ومدلوله (الزركشي، ١٤٠٤: ١٤٩/٢)، يجب علينا البحث عن القرائن الخارجية للوصول إلى حجية الكلام. المقصود بالسياق الخارجي في مجال التفسير هو فضاء نزول الآيات الذي يلعب دوراً كقرائن متصلة غير لفظية في تفسير الآيات، ويشمل أموراً مثل سبب النزول، وشأن النزول، وثقافة زمن النزول، وزمان ومكان النزول. (بابائي، ١٣٩٧: ١٤٤) في تتمة البحث، نوضح مثالين على سبب النزول وشأن النزول.
١-٢-١-٢. سبب النزول
سبب النزول في علوم القرآن هو الحوادث التي نزلت الآية في أيام وقوعها. (السيوطي، ١٣٩٤: ١١٦/١) بتعبير أوضح، سبب النزول هو حدث أو سؤال نزل بسببه جزء من القرآن، متزامناً معه أو في أعقابه. (بابائي، ١٣٩٧: ١٤٤) للوعي بسبب النزول تأثير كبير في كشف مراد الكلام الإلهي لدرجة أن البعض يعتبر تفسير الآية دون معرفة القصة وسبب نزولها أمراً مستحيلاً. (الواحدي، ١٤١٢: ٨) لذلك، تُعد الإحاطة بمعاني الآيات إحدى وظائف معرفة أسباب النزول. (الزركشي، ١٤٠٤: ٢٢/١) الاطلاع على مصاديق الآية هو أيضاً من آثار معرفة سبب النزول. (السيوطي، ١٣٩٤: ١١٠/١) على سبيل المثال، في آية الولاية (المائدة: ٥٥)، لا يمكن تحديد المصداق الحقيقي للآية، أي علي بن أبي طالب عليه السلام، إلا بالاستفادة من الروايات المرتبطة بها. يروي عمار بن ياسر أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في ركوع الصلاة عندما طلب فقير المساعدة، فوهبه خاتمه للسائل في تلك الحال. وفي أعقاب صدقة الإمام عليه السلام، نزلت آية الولاية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (العياشي، ١٣٨٠: ٣٢٧/١)
٢-٢-١-٢. شأن النزول
شأن النزول أعم من سبب النزول ويعني الحالة التي نزلت آيات وسور القرآن لبيانها وشرحها. معظم قصص الأقدمين والأمم السابقة في القرآن هي من نماذج شأن النزول. (معرفت، ١٤٢٨: ٢٥٥/١) شأن النزول أيضاً يُعد قرينة لفهم الكلام الصحيح ويجب الانتباه إليه في التفسير. على سبيل المثال، في آية “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ” (البقرة: ٦٥)، تُشار إلى قصة جماعة من بني إسرائيل كانوا يعيشون على شاطئ البحر ونُهوا عن الصيد يوم السبت، لكنهم تحايلوا وصادوا يوم السبت، ونتيجة لذلك، مُسخوا قردة. (الفيض الكاشاني، ١٤١٥: ٢٤٦/٢) لا شك أن مراد الآية بدون الوعي بشأن النزول سيبقى مبهماً.
٣-١-٢. السياق الخارجي ورؤية عدم الانفكاك
كما بُيِّن، فإن عمل العقلاء في فهم معنى نص أو عبارة هو الانتباه إلى السياق الخارجي في استنباط الدلالة. كلام الله أيضاً ليس مستثنى من هذه القاعدة، ويجب أن تكون السنة مصدراً موثوقاً. المنبثق من قول وفعل المعصومين عليهم السلام هو المصدر المعتمد في كشف السياق الخارجي للكلام الإلهي. على هذا الأساس، فإن القرآن الكريم في حجية آياته ليس منفصلاً عن القرائن الخارجية للكلام الموجودة في السنة. إثبات هذا الادعاء يثبت بالنظر إلى التقارير التاريخية والأحاديث التي تصرح بأن أهل البيت عليهم السلام لديهم معرفة كاملة بالسياق الخارجي للآيات الإلهية. بناءً على البيانات التاريخية، كان علي عليه السلام منذ طفولته حتى وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وفي معظم اللحظات، برفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. رسم هذا الفضاء في خطبة القاصعة من نهج البلاغة يجد تعبيراً أوضح. في هذه الخطبة، يتذكر الإمام عليه السلام طفولته ويقول إنه نشأ بجانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترعرع في كنفه. هذا الأنس والمرافقة يصل إلى درجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمضغ الطعام ويضعه في فمه. اتباع علي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان كاتباع صغير الناقة لأمه. مرافقتهما كانت موجودة أيضاً في ذهاب وإياب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غار حراء. أمير المؤمنين عليه السلام يرى نور الوحي والرسالة ويشم عبير النبوة. النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يخاطبه قائلاً: “إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك لوزير وإنك لعلى خير”. (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢) مجالسته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُرى حتى آخر لحظات عمره، حيث كان رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته على صدر أمير المؤمنين عليه السلام. (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٧) على أساس هذه الروايات، تُرى مرافقة خاصة لعلي عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إحدى فوائد هذه المرافقة هي معرفته الكاملة عليه السلام بالمواقف التي وردت فيها آيات القرآن؛ المواقف التي تلعب معرفتها دوراً بارزاً في فهم كلام الوحي. يروي سليم بن قيس الهلالي عن علي عليه السلام أنه سمعه يقول: “ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله”. (الكليني، ١٤٠٧: ٦٤/١) بناءً على هذه الرواية، فإن جميع الآيات قُرئت على علي عليه السلام وأُمليت عليه ولم تسقط أي آية من قلمه. بالإضافة إلى القراءة والإملاء، ورد في روايات متنوعة بمضمون متماثل أن ذلك الإمام عليه السلام كان لديه معرفة كاملة بخصائص الآيات النازلة. يقول أبو الطفيل: شهدت علياً عليه السلام يخطب وهو يقول: “سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل”. (المجلسي، ١٤٠٣: ١٠٣/٨٩) نتيجة لذلك، يُعد السياق الخارجي مبنى عقلائياً في فهم الكلام. والاهتمام بهذا السياق في فهم الآيات الإلهية له أهمية متزايدة. بناءً على رؤية عدم الانفكاك، يمكن العثور على القرائن الخارجية في البيانات الموجودة في السنة؛ لأن أهل البيت عليهم السلام هم المصاديق الكاملة والجامعة الذين لديهم وصول إلى جميع هذه القرائن، ونحن عن طريق السنة نهتدي إليها.
٢-٢. الآيات المتشابهة
تقع الآيات المتشابهة في مقابل الآيات المحكمة. يقول الله في القرآن الكريم: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ”. (آل عمران: ٧) المحكم هو الآية التي يُعرف مرادها بفهم ظاهر الآية دون الحاجة إلى قرينة. آيات مثل “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا” (يونس: ٤٤) و “لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ” (النساء: ٤٠) هي من نماذج محكمات القرآن التي لا تحتاج إلى دليل في معرفة مرادها. أما المتشابه فهو ما لا يُعرف مقصوده من الآية بظاهرها، بل يحتاج إلى قرينة. مثلاً، آية “وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ” (الجاثية: ٢٣) تختلف عن آية “وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ” (طه: ٨٥)؛ لأن إضلال السامري أمر قبيح، ولكن إضلال الله هو حكمه بضلال العبد وهو أمر مطلوب. (الطوسي، بدون تاريخ: ٣٩٤/٢) إذن، المحكمات بمعنى الآيات الواضحة في المراد تقع في مقابل المتشابهات التي لا تعبر عن المراد. بسبب دور الآيات المتشابهة كمبنى قرآني في عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة، يجب دراسة علاقتها بحجية الآيات.
١-٢-٢. علاقة التشابه وحجية الآيات
وجود التشابه في الآيات الإلهية لا يترتب عليه عدم حجية ظواهر القرآن، ولكن قبول حجية ظواهر القرآن لا يعني عدم حاجة الآيات المتشابهة إلى قرائن خارجية في كشف مرادها؛ لأن حجية هذا النوع من الآيات رهينة بوجود ظهور، في حين أن الآيات المتشابهة بسبب الإجمال ليس لها ظهور واضح في معناها. لتوضيح الموضوع، يجب دراسة الارتباط بين التشابه والإجمال. في هذا الصدد، نواجه ثلاث وجهات نظر عند الأصوليين: ١. عند المحقق الخراساني، المتشابه مرادف للمجمل، والآية التي تنهى عن اتباع المتشابه تمنع الشخص في الواقع من أن يعتبر معنى للآية المتشابهة برأيه، دون أن يكون لديه شاهد ودليل لتعيين ذلك المعنى. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ٢٨٣) المرحوم الخوئي أيضاً يعتبر “المتشابه” مرادفاً لـ”المجمل” ويعتقد أن الظواهر لا تشمله. (الخوئي، ١٤٢٢: ١٤٥/١) ٢. يعتقد بعض المفكرين الأصوليين أن لدينا نوعين من التشابه، والتشابه الوارد في القرآن ليس بمعنى المجمل. في نظر الشهيد الصدر، الإحكام والتشابه يجريان أحياناً في المدلول المفهومي وأحياناً في المدلول المصداقي. المراد من المتشابه المفهومي هو كل كلام معناه غير واضح ومتعدد الوجوه ومجمل. آية سورة آل عمران السابعة تظهر أن المقصود بالتشابه في الآيات الإلهية ليس التشابه المفهومي والإجمال، بل المراد هو التشابه المصداقي. بناءً على هذه الآية الشريفة “فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ”، فإن اتباع المجمل لا معنى له؛ لأن العمل بأحد وجوه المجمل ليس عملاً بالمجمل، ويكون الاتباع ذا معنى عندما يكون لذلك الكلام مدلول عرفي. نتيجة لذلك، في المتشابه والمحكم القرآني، لم يُؤخذ المدلول المفهومي في الاعتبار، بل المدلول المصداقي هو المقصود، بمعنى أن المصداق في بعض الآيات واضح، وفي بعضها غير واضح. في آية مثل “لَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ” (يونس: ٦١)، مصداق العلم واضح، ولكن في آيات مثل “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ” (البقرة: ٢٥٥)، “يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ” (المائدة: ٦٤)، و”اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” (الأعراف: ٥٤)، على الرغم من أننا نفهم المفهوم، إلا أننا لا نملك علماً بمصداقه؛ لأنه من الأمور المرتبطة بعالم الغيب، وعقلنا البشري مشغول بالمفاهيم المادية ولا يدرك إلا المعاني الحسية. على هذا الأساس، في آيات كهذه، التشابه مصداقي، وبهدف الفتنة والتأويل، يصبح ذريعة لأهل البدعة والضلال. وكلمة “تأويل” أيضاً، بالنظر إلى التشابه المصداقي، تعني العودة؛ أي أن كل مفهوم يعود إلى حقيقته. (الصدر، ١٤١٧: ٣٥١/٩) ٣. العلامة الحلي، في تقسيم يقدمه للألفاظ، يعتبر المتشابه أعم من المجمل. حسب قوله، اللفظ الذي له رجحان في معنى ولا يحتمل نقيض ذلك المعنى هو “نص”، وإذا احتمل النقيض، فهو “ظاهر”. إذا تساوى الاحتمالان، يُسمى ذلك اللفظ “مجملاً”، وإذا كان مرجوحاً، يُسمى “مؤولاً”. لفظ “محكم” مشترك بين النص والظاهر، ولفظ “متشابه” مشترك بين المجمل والمؤول. (الحلي، ١٣٨٠: ٦٥) بناءً على الرأيين الأول والثالث، فإن التشابه يسبب الإجمال في الكلام، لكن الرأي الثاني لا يقبل ذلك. في دراسة ونقد الرأي الثاني، يجب القول: المتشابه هو الكلام الذي لا يكون ظاهره موصلاً للمراد الحقيقي للمتكلم. يمكن أن يكون المتشابه ذا إجمال مفهومي وبدون ظهور، أو على الرغم من ظهوره في معنى، إلا أن ذلك المعنى لا يتوافق مع المراد الحقيقي للمتكلم. حيث يكون كلام الله نصاً، لا يوجد احتمال لإرادة خلاف الظاهر، ولكن حيث نواجه كلاماً ظاهراً، يحتمل أن يكون الله قد أراد معنى خلاف الظاهر. إذا لم يقم حكم العقل أو خطاب محكم بخلاف الظاهر، يمكن للمخاطب بناءً على “أصالة الظهور” أن يتمسك بظهور الكلام ويكون حجة عليه. بناءً على آية سورة آل عمران السابعة، أهل الزيغ قسمان: قسم هدفهم من اتباع الآيات المتشابهة هو إثارة الفتنة وإضلال الناس، وقسم مقصدهم الوصول إلى تأويل الآيات المتشابهة دون الرجوع إلى المحكمات. اتباع المتشابهات من قبل أهل الزيغ يتعلق بقسم من المتشابهات التي تشعر أو تظهر بمعنى يخالف الواقع؛ مثل الآيات التي تشير إلى تجسيم الله: “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر: ٢٢)، أو الآيات التي تشير إلى جبر الإنسان: “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (التكوير: ٢٩) وآيات أخرى. في الحالات التي لا يكون للآيات المتشابهة أي ظهور أو إشعار، لا معنى للتبعية؛ لأن الاتباع يعني الاقتداء، وفي حالة الشك في معنى الكلام أصلاً، لا معنى للاتباع. لذلك، التمسك بالمتشابه يكون حيث يكون للمتشابه إشعار ظني بمعنى يخالف المراد الواقعي أو ظهور فيه. المتشابهات المصداقية في القرآن لا تسبب الإجمال أحياناً. في آية “وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ” (غافر: ٢٨)، المصداق غير محدد، لكن الآية ليس فيها إجمال. وأحياناً أيضاً، الإجمال المصداقي يسبب الإجمال في المفهوم. في جملة “وَجَاءَ رَبُّكَ”، المدلول اللغوي لـ “جاء” واضح، لكن مراد الله غير معلوم. هنا، الإجمال المصداقي يسري إلى المفهوم؛ لأن المعنى العرفي لـ “جاء” لا يتوافق مع عدم تجسيم الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن ادعاء عدم وجود المجمل في القرآن يخالف الوجدان. على سبيل المثال، بما أن معاني الآيات التي تنسب العصيان للأنبياء ليست مفهومة لعامة الناس، فقد كُتبت لتوضيحها كتب باسم “تنزيه الأنبياء”. حتى معنى بعض الآيات ليس واضحاً للخواص أيضاً. في حرب الخوارج، أمر أمير المؤمنين عليه السلام ابن عباس بألا يحاورهم بالقرآن؛ لأن لآيات الله وجوهاً مختلفة، أنت تقرأ آية وهم يقرأون آية أخرى. (نهج البلاغة، الرسالة ٧٧) هذا البيان النوراني يظهر أن كون القرآن “بياناً للناس” و”لساناً عربياً مبيناً” هو من حيث المجموع لا أن كل آية على حدة لها هذه الخاصية، وأنه ليس لدينا مجمل في القرآن. تشابه هذه المجملات لا يُرفع بالرجوع إلى المحكمات. (شهيدي پور، ١٣٩١: الجلستان ٧٣٤ و ٧٣٥)
٢-٢-٢. الآيات المتشابهة ورؤية عدم الانفكاك
بناءً على ذلك، فإن وجود التشابه في آيات القرآن يسبب الإجمال، وهذا الإجمال لا يتنافى مع كون القرآن بياناً ولساناً عربياً مبيناً. من ناحية أخرى، لرفع الإجمال نحتاج إلى قرينة، وهذه القرينة لا توجد فقط في الآيات المحكمة. في روايات مختلفة، عُرِّف أهل البيت عليهم السلام كمصداق لأولئك الذين لديهم علم بالآيات المتشابهة. في حديث يرويه سليم بن قيس الهلالي عن علي عليه السلام يقول: “ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله”. (المجلسي، ١٤٠٣: ٩٨/٨٩) بناءً على هذه الرواية، عُلِّم علم متشابهات القرآن لأمير المؤمنين عليه السلام. في رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام، سُئل عن تفسير محكم كتاب الله. فقال الإمام عليه السلام: المحكم هو الآية التي لم ينسخها شيء. قول الله: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ”؛ هلك الناس في الآيات المتشابهة؛ لأنهم لم يكونوا على علم بمعناها ولم يعرفوا حقيقتها، فصنعوا لها تأويلاً بآرائهم، واستغنوا عن الأوصياء، وتركوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٠٠/٢٧) بناءً على هذه الرواية، يتضح أن الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام في فهم معاني الآيات المتشابهة أمر ضروري. بناءً على ذلك، فإن وجود الآيات المتشابهة في القرآن الكريم يواجه فهم معاني الآيات بصعوبة؛ لأن المتشابهات تؤدي إلى عدم الحجية. لذلك، يجب البحث عن قرائن خارجية لكشف المعاني. ومن جهة أخرى، بناءً على الروايات، فإن أهل البيت عليهم السلام هم المصاديق الوحيدة العارفة بالمتشابهات، والرجوع إليهم في فهم المقاصد الإلهية أمر واجب.
٣-٢. عدم تماثل كلام الله مع كلام البشر
كون القرآن كلام الله حقيقة واضحة يمكن إثباتها بالرجوع إلى الآيات والروايات والاستفادة من بياناتها الكلامية. على سبيل المثال، في آية “وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ” (التوبة: ٦)، صُرِّح بكون الآيات الإلهية كلام الله. في رواية، أجاب أمير المؤمنين عليه السلام على سؤال سائل شك في الآيات الإلهية فقال: “هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِنَحْوٍ وَاحِدٍ”. (الصدوق، ١٣٩٨: ٢٦٤) كما أن إعجاز القرآن في قالب الكلمات والتحدي بمثله يدل على كونه كلام الله؛ لأن مخاطبي عصر النزول كانوا يتحدثون بنفس اللغة، وعندما يواجهون مثل هذا الكلام البليغ والفصيح بأساليب غريبة ويقارنونه بكلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هو أفصح وأبلغ أهل العرب، يدركون أن القرآن كلام إلهي وفوق طاقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. في المجامع الحديثية، بالإضافة إلى كون القرآن كلام الله، أُشير إلى ميزة أخرى، وهي الاختلاف عن كلام البشر. في حوار مفصل بين أمير المؤمنين عليه السلام وشخص ادعى وجود تناقض في الآيات الإلهية، قال الإمام عليه السلام: “احذر أن تفسر القرآن برأيك حتى تتعلمه من العلماء، فإنه رب تنزيل يشبه كلام البشر وهو كلام الله، وتأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تعالى فعل الخلق، ولا يشبه كلامه كلام الخلق، فكلام الله تبارك وتعالى صفته وكلام الخلق أفعالهم، فلا تشبه كلام الله بكلام البشر فتهلك وتضل”. (نفس المصدر)
١-٣-٢. عدم التماثل ورؤية عدم الانفكاك
الموافقون لهذه الرواية، اعتبروا أساس اجتناب التفسير بالرأي هو عدم تماثل كلام الله مع كلام البشر. فضاء الحوار في الحديث أيضاً يتعلق بشخص يشك في الآيات الإلهية ويعتقد أن الآيات تكذب بعضها بعضاً. لذلك، يجب النظر في معنى الحديث في نطاق كشف مراد آيات القرآن. ولهذا السبب، أورده علماء مثل السيد هاشم البحراني في قسم تأويل الآيات المتشابهة. (البحراني، ١٣٧٤: ٨٢١/٥) بناءً على ذلك، بما أن كلام الله لا يشبه كلام البشر، فإن فهم معاني قسم من الآيات بعيد عن متناول فهم البشر ونحتاج إلى مرجع لفهمها. في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، خصائص آيات القرآن مثل وجود الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه وغيرها، دليل واضح على أن كلام الله يختلف عن كلام البشر، وهذا الاختلاف هو دليل على أن بعض الآيات ليست ناطقة في دلالتها. بقول الإمام عليه السلام، أرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا نبي بعده. وأنزل عليه الكتاب ولا كتاب سماوي بعده. ثم جعل أوصياءه بين الناس، لكن الناس تركوهم، بينما هم شهود على أهل كل زمان. عداوة الناس لأهل البيت عليهم السلام وصلت إلى درجة أن كل من أظهر ولايتهم عادوه. كانوا يفسرون القرآن بآرائهم. يحتجون بالآية المنسوخة وهم يظنون أنها ناسخة. يستندون إلى الخاص وهم يظنون أنه عام. يتمسكون ببداية الآية ويتركون السنة في تأويلها. سبب ضلالهم في فهم القرآن هو أنهم لم يتلقوه من أهله، فضلوا وأضلوا غيرهم. وهذا دليل واضح على أن كلام الله لا يشبه كلام الخلق، كما أن فعل الخالق لا يشبه فعل المخلوقين. (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٠٠/٢٧) بما أن لغة القرآن هي لغة الله، وبذاتها لا تشبه لغة البشر، فإن مثل هذه اللغة بنفسها ناطقة بأنها ليست في مقام كشف جميع المقاصد والتأويلات والناسخ والمنسوخ وغيرها، ونحن مضطرون في فهمه إلى الرجوع إلى من عندهم علوم ومرادات القرآن. (الأصفهاني، ١٤٣٨: ٢٠٥)
الخاتمة
القرآن الكريم مع أهل البيت عليهم السلام هما مرجعان ثمينان، التمسك بهما يجلب الهداية والبعد عن الضلال. مثل هذه النتيجة تظهر في الساحات العلمية عندما يصبح القرآن محوراً لسائر العلوم، خاصة العلوم الإسلامية والإنسانية، ويُرى أثر المعارف القرآنية في مجالات المعرفة. الوصول إلى هذا الأمر المهم مرهون بالبحث والدراسة في المحاور المتنوعة للمرجعية العلمية للكتاب الإلهي مثل مبانيها. أحد مباني المرجعية العلمية هو عدم انفكاك حجية القرآن عن السنة. على أساس هذا المبدأ، يحتاج كتاب الله في حجية ودلالة قسم من دلالاته وآياته إلى السنة. إثبات رؤية عدم الانفكاك ممكن من خلال تبيين مبانيها العقلائية والقرآنية والروائية. موافقة لبناء العقلاء في فهم آيات القرآن، التي هي أبلغ الكلام، يُلتفت إلى مقتضى الحال أو السياق الموقفي. الوصول إلى هذه القرائن بالرجوع إلى القرآن نفسه والآيات الأخرى لا يتحقق. لذلك، بما أن العلم الكامل بالقرآن، بما في ذلك الوعي بالقرائن الخارجية، موجود لدى أهل البيت عليهم السلام، يجب علينا الرجوع إلى السنة في فهم وتفسير الآيات. في المبنى القرآني، يُقبل وجود المتشابهات في الآيات الإلهية بالنظر إلى الآية السابعة من سورة آل عمران. الآيات المتشابهة تسبب الإجمال، وإجمالها لا يُرفع بالرجوع إلى المحكمات. من ناحية أخرى، العلم بالمتشابهات موجود لدى أهل البيت عليهم السلام، وبالرجوع إلى السنة المعتبرة، يمكن الحصول على المراد الجدي للكلام الإلهي. عدم تماثل كلام الله مع كلام البشر هو المبنى الروائي لرؤية عدم الانفكاك في المرجعية العلمية للقرآن. بناءً على هذا المبدأ، فإن الآيات الإلهية تختلف عن كلام البشر، ولذلك في الوصول إلى مراد ومقاصد قسم من الكلام الإلهي، نحن مضطرون للرجوع إلى السنة. والموافقون لهذه الروايات، الذين سعوا إلى إعطاء معنى للآيات دون الرجوع إلى المصدر الصحيح، قد سقطوا في هوة الضلال وأضلوا الآخرين أيضاً.
قائمة المصادر
١. القرآن الكريم.
٢. نهج البلاغة.
٣. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
٤. آهنگران، محمد رسول (١٣٨٥)، “دراسة اصطلاح الحجة أو الحجية في علم الأصول”، بحوث دينية، العدد الخامس، ص ١٣٧-١٥٢.
٥. ابن فارس، أحمد (١٤٠٤هـ)، معجم مقاييس اللغة، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
٦. الأزهري، محمد بن أحمد (١٤٢١هـ)، تهذيب اللغة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٧. الاسترآبادي، محمد أمين (١٤٢٦هـ)، الفوائد المدنية، قم: دفتر النشر الإسلامي.
٨. الأصفهاني، ميرزا مهدي (١٤٣٨هـ)، الأصول الوسيط، قم: مطبعة الإشراق.
٩. أعرافي، غلام حسين (١٤٠١)، نظرة جديدة إلى المرجعية العلمية للقرآن على أساس كلام قائد الثورة، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
١٠. بابائي، علي أكبر؛ عزيزي كيا، غلام علي؛ روحاني راد، مجتبى (١٣٩٧)، منهجية تفسير القرآن، قم: معهد الحوزة والجامعة.
١١. البحراني، سيد هاشم (١٣٧٤)، البرهان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة البعثة.
١٢. جبر، فريد (١٩٩٦)، موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.
١٣. جديدي نجاد، محمد رضا (١٣٨٢)، معجم مصطلحات الرجال والدراية، قم: دار الحديث.
١٤. الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٣٧٦هـ)، الصحاح، بيروت: دار العلم للملايين.
١٥. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩هـ)، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
١٦. حكيم، سيد محمد حسين (١٣٩٥)، “كلمة الحجة في الفكر الإسلامي بمحورية صياغة مصطلح الحجة في علم الأصول”، المؤتمر الوطني الأول لدراسات المفردات في العلوم الإسلامية.
١٧. الحلي، حسن بن يوسف (١٣٨٠)، تهذيب الوصول إلى علم الأصول، لندن: مؤسسة الإمام علي عليه السلام.
١٨. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٢٢هـ)، مصباح الأصول، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٩. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت: دار القلم.
٢٠. رضائي أصفهاني، محمد علي (١٣٩٦)، “المرجعية العلمية للقرآن الكريم” (ضمن مجموعة مقالات منهجية القرآن والعلوم الإنسانية)، قم: جامعة المصطفى العالمية.
٢١. الزركشي، بدر الدين (١٤٠٤هـ)، البرهان في علوم القرآن، القاهرة: مكتبة دار التراث.
٢٢. السيوطي، جلال الدين (١٣٩٤هـ)، الإتقان في علوم القرآن، بيجا: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
٢٣. شهيدي پور، محمد تقي (١٣٩١)، درس خارج الأصول، الجلستان ٧٣٤ و ٧٣٥، تاريخ ١٣٩١/٢/٢.
٢٤. الصدر، محمد باقر (١٤١٧هـ)، بحوث في علم الأصول، بيروت: الدار الإسلامية.
٢٥. الصدر، محمد باقر (١٤١٨هـ)، دروس في علم الأصول، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٢٦. الصدوق، محمد بن علي (١٣٧٨هـ)، عيون أخبار الرضا عليه السلام، طهران: نشر جهان.
٢٧. الصدوق، محمد بن علي (١٣٩٨هـ)، التوحيد، قم: جامعة المدرسين.
٢٨. صفوي، كوروش (١٣٧٩)، مدخل إلى علم المعاني، طهران: انتشارات سورة مهر.
٢٩. الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٣٩١هـ)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
٣٠. الطوسي، محمد بن حسن (بدون تاريخ)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣١. العياشي، محمد (١٣٨٠هـ)، تفسير العياشي، طهران: المطبعة العلمية.
٣٢. الفيض الكاشاني، محمد محسن (١٤١٥هـ)، تفسير الصافي، طهران: مكتبة الصدر.
٣٣. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
٣٤. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣هـ)، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣٥. المصطفوي، حسن (١٤٣٠هـ)، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بيروت: دار الكتب العلمية.
٣٦. مطهري، مرتضى (١٣٨٤)، مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهري، طهران: صدرا.
٣٧. المظفر، محمد رضا (١٤٢٧هـ)، المنطق، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
٣٨. المظفر، محمد رضا (١٤٣٠هـ)، أصول الفقه، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
٣٩. معرفت، محمد هادي (١٤٢٨هـ)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة فرهنكي انتشاراتي التمهيد.
٤٠. الهاشمي، أحمد (١٣٨٥)، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، طهران: إسماعيليان.
٤١. إلهي بخش، خادم حسين (١٤٢١هـ)، دراسات في الفرق القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، الطائف: مكتبة الصديق.
٤٢. إلهي نجاد، حسين (١٣٩٥)، المهدوية پژوهي، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
٤٣. الواحدي، علي (١٤٢١هـ)، أسباب نزول القرآن، بيجا: دار الإصلاح.
٤٤. ولائي، عيسى (١٣٨٧)، فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول، طهران: نشر ني.
٤٥. يوسفي مقدم، محمد صادق؛ موسوي عبادي، سيد أسد الله (١٤٠٢)، المرجعية العلمية للقرآن الكريم، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.