فلسفة تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول

الملخص

تتم دراسة العلاقة بين الفلسفة وأصول الفقه في محورين: المحور الأول، العلاقة المنطقية بين الفلسفة وأصول الفقه؛ والمحور الثاني، العلاقة التاريخية والقائمة بين الفلسفة وعلم الأصول. يشكّل المحور الأول الأساس المنطقي والمعرفي للمحور الثاني. وحول صحة وسقم تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول، توجد رؤيتان رئيسيتان: الرؤية الأولى، نفي الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول؛ وقد أرسى دعائم هذه الرؤية المحقق الأصفهاني، وتابعها العلامة الطباطبائي والإمام الخميني والشهيد المطهري. بعد هؤلاء المفكرين، شاع الادعاء بخلط الحقيقة والاعتبار في استدلالات علم الأصول. الرؤية الثانية، قبول الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول. إن أهم دليل للرؤية الأولى هو الخلط بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية. يعتقد الكاتب أن الرؤية الثانية قابلة للدفاع عنها، وقد طُرحت الأدلة التالية لإثباتها: أولاً) نفي اعتبارية الأحكام التكليفية؛ ثانياً) كون المباحث الأصولية تحليلية؛ ثالثاً) أن للواقعية سنداً يدعم علم الأصول. بالإضافة إلى أن دليل الرؤية الأولى غير تام ولا يجري إلا في الاعتباريات المتغيرة.

مقدمة

يؤدي علم الأصول دور المنطق لعلم الفقه، ويتناول تحليل ودراسة العناصر المشتركة في استنباط الأحكام الشرعية (الصدر، ١٤٢٦: ٢٤؛ والمصدر نفسه، ١٤١٧: ٢٨). إن تبيين الارتباط بين العلوم وتغذيتها من بعضها البعض أمر حيوي في توسيع المعارف البشرية. ولعلم الأصول تفاعل متبادل مع علوم متعددة، ويستفيد من مبانٍ كلامية وفلسفية ولغوية وما شابه ذلك (الصدر، ١٤١٧: ١١٣).

يمكن دراسة العلاقة بين الفلسفة وأصول الفقه في محورين كليين:

المحور الأول) الارتباط المنطقي بين الفلسفة وأصول الفقه؛ في هذا المحور، يتم تقييم صحة وسقم الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول. إن العلاقة بين الفلسفة وعلم الأصول هي من نوع التفاعل المتبادل، ولكن ما هو أكثر أهمية هو صحة وسقم الارتباط المنطقي وتطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول.

المحور الثاني) الارتباط التاريخي والقائم بين الفلسفة وعلم الأصول؛ في هذا المحور، وبغض النظر عن صحة وسقم الارتباط المنطقي، يتم تبيين العلاقة التاريخية بين الفلسفة وأصول الفقه. وفي هذا المحور، تُطرح مسائل كثيرة، منها: أ) دراسة تاريخ تأثير الفلسفة على علم الأصول وتأثر الفلسفة بعلم الأصول؛ ب) موارد تأثير الفلسفة على علم الأصول (سواء موارد تأثير الفلسفة على النظام الكلي لعلم الأصول أو موارد تأثير الفلسفة على مسائل علم الأصول أو تبيين موارد تطبيق القواعد الفلسفية في مسائل علم الأصول)؛ ج) موارد تأثير علم الأصول على الفلسفة (سواء موارد تأثير علم الأصول على النظام الكلي للفلسفة أو موارد تأثير علم الأصول على مسائل الفلسفة)؛ د) الابتكارات الفلسفية في علم الأصول؛ هـ) الابتكارات الأصولية في الفلسفة؛ و) علل تأثير الفلسفة على علم الأصول؛ ز) علل تأثير علم الأصول على الفلسفة.

يشكل المحور الأول الأساس المنطقي والمعرفي لمسائل المحور الثاني. وهذا المحور جزء من مسائل فلسفة علم الأصول. يتناول هذا البحث، بمنهج وصفي-تحليلي، دراسة المحور الأول ويبحث في صحة وسقم تطبيق القواعد الفلسفية في المسائل الأصولية.

فلسفة تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول

لعلم الأصول تفاعل متبادل مع علوم مختلفة يتغذى منها، وإحداها الفلسفة. ولكن صحة وسقم تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول محل خلاف، وتوجد حوله رؤيتان رئيسيتان، بيانهما كالتالي:

الرؤية الأولى: نفي الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول

أرسى المحقق الأصفهاني نظرية نفي الارتباط المنطقي بين علم الأصول والفلسفة، وتابعها العلامة الطباطبائي والإمام الخميني والشهيد المطهري. بعد هؤلاء المفكرين، شاع الادعاء بخلط الحقيقة والاعتبار في استدلالات علم الأصول. وقد ادعى هؤلاء، بالاعتماد على هذه الكبرى الكلية، الخلط في كثير من الاستدلالات الأصولية.

ذكر المحقق الأصفهاني في مواضع متعددة أن أموراً مثل التضاد والتماثل هي من أحكام الواقعيات ولا تجري في الاعتباريات (لاريجاني، بلا تاريخ: ٦).

يدعي الشهيد المطهري أن معظم الاستدلالات التي تُستخدم عادة في فن الأصول هي من باب الخلط بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية. وبرأيه، فإن عدم تمييز وتفكيك الاعتباريات عن الحقائق أمر خطير وضار من الناحية المنطقية، والاستدلالات التي لا تراعى فيها النقاط المذكورة أعلاه فاقدة للقيمة المنطقية؛ سواء استُند لإثبات الحقائق إلى مقدمات مكونة من أمور اعتبارية، مثل غالب استدلالات المتكلمين الذين غالباً ما يتخذون الحسن والقبح أو سائر المفاهيم الاعتبارية ذريعة ويريدون من خلالها استنتاج نتائج في باب المبدأ والمعاد، ومثل كثير من استدلالات الماديين الذين أجروا أحكام وخواص الاعتباريات في الحقائق، وسواء استُند في الاعتباريات إلى أصول وقواعد هي من خصائص الحقائق، مثل معظم الاستدلالات التي تُستخدم عادة في فن الأصول (مطهري، ١٣٧٥: ٢/ ١٧٣ – ١٧٤). كما نفى العلامة الطباطبائي الارتباط المنطقي بين علم الأصول والفلسفة (سروش، ١٣٦٦: ٣٩٨).

كما أن الإمام الخميني قد استشكل في مسألة خلط الحقائق والاعتباريات في الفقه والأصول، ويمكن العثور على مثال لذلك في رسالته حول الاستصحاب. حيث بحث في مسألة الأحكام الوضعية في الأمر الثاني، حول «موارد الخلط بين التكوين والتشريع»، وذكر موارد من الخلط بين التكوين والتشريع وقام بتبيينها. أحد هذه الموارد هو الخلط بين الأمور الانتزاعية التكوينية والأمور الاعتبارية التشريعية. لقد فرق بين «الأمور التكوينية الانتزاعية» مثل الفوقية والتحتية و«الأمور الاعتبارية التشريعية» مثل الشروط المعتبرة في الصلاة، في تبعية الأمور التكوينية الانتزاعية للأوضاع والعلاقات الخارجية وتبعية الأمور الاعتبارية لكيفية الاعتبار والجعل. ولهذا، يعترض على المرحوم الآخوند لِمَ اعتبر أموراً مثل الجزئية والشرطية والمانعية في مثل الصلاة كالفوقية والتحتية في الأشياء الخارجية. فبرأيه، تنشأ هذه العقيدة من تصور تماثل الجزئية والشرطية وما شابهها في الأمور الشرعية والاعتبارية مثل الصلاة مع الفوقية والتحتية في الأشياء الخارجية التي لا يعقل ولا يمكن اتصاف شيء بها إلا تبعاً لحالة توجد في الخارج بالنسبة لشيء أو أشياء أخرى. ومورد آخر من موارد الخلط بين التكوين والتشريع هو في السببية التكوينية والسببية التشريعية (الإمام الخميني، ١٤١٠: ١/ ١١٥ – ١١٨).

وكذلك آية الله جوادي آملي، اقتداءً بالإمام الخميني والعلامة الطباطبائي، لا يرى صحة تطبيق القواعد الفلسفية في العلوم الاعتبارية ومنها علم الأصول (جوادي آملي، ١٣٨٦: ١/ ٢٢٢؛ والمصدر نفسه، ١٣٨٧: ١/ ١٤٧-١٤٨).

كما بحث آية الله السيستاني علاقة علم الأصول بالفلسفة ضمن ثلاث مسائل. المسألة الثالثة لديه تدور حول ذكر موارد من خلط المباحث الفلسفية بالمباحث الأصولية. ويذكر بعض موارد خلط الإدراكات الفلسفية بالإدراكات الأصولية:

أ. الاستدلال على «امتناع الشرط المتأخر» بـ«استحالة تقدم المعلول على علته». في حين أن الشرط المتأخر جزء من الاعتباريات، واستحالة تقدم المعلول على علته جزء من القوانين التكوينية.

ب. الاستدلال على «استحالة الكشف الانقلابي في الإجازة المتأخرة في بيع الفضولي» بالقاعدة الفلسفية «استحالة انقلاب الشيء عما وقع عليه». في حين أن هذه القاعدة الفلسفية جزء من القواعد التكوينية ولا تجري في الاعتباريات.

ج. الاستدلال على «امتناع اجتماع الأمر والنهي» و«امتناع اجتماع الحكم الواقعي والظاهري» بالقاعدة الفلسفية «استحالة اجتماع الضدين والمثلين»، مع أنه لا وجود للتضاد في الاعتباريات.

د. استدلال المحقق النائيني على رؤية «متمم الجعل» بالتمسك بالقاعدة الفلسفية «الإهمال في الواقعيات مستحيل»، مع أن هذه القاعدة الفلسفية جزء من القواعد التكوينية ولا تجري في الاعتباريات.

هـ. استدلال المحقق النراقي على «نفي بيع الكلي في الذمة» بالقاعدة الفلسفية «استحالة تحقق العرض بدون معروض». هذا الاستدلال أيضاً ناتج عن الخلط بين الواقعيات والاعتباريات.

و. استدلال على إبطال رؤية «متمم الجعل التطبيقي» (السيستاني، ١٤١٤: ١/ ٦٢-٦٣)، بالتمسك بالقاعدة الفلسفية «انطباق الكلي على فرده انطباق قهري لا وجه لتدخل الجعل فيه»، مع أن هذه القاعدة الفلسفية جزء من القواعد التكوينية ولا تجري في الاعتباريات.

ز. الاستدلال على «عدم حجية الأصل المثبت» بالقانون الفلسفي «استحالة التفكيك بين اللازم والملزوم»، مع أن هذه القاعدة الفلسفية جزء من القواعد التكوينية ولا تجري في الاعتباريات (المصدر نفسه: ١/ ٦١-٦٣). ويكتب في نهاية البحث:

«والحاصل أن دخول الفلسفة في علم الأصول أدى لمثل هذه الاشتباهات، مع أن قوانين الفلسفة قوانين تكوينية لا تمتد للاعتباريات التي هي فرضيات مخترعة للتأثير على سلوك الآخرين، فهي أمور لا تختلف فيها الأنظار وإنما تختلف باختلاف الأنظار وتتطور بتطور المجتمعات» (المصدر نفسه: ١/ ٦٣).

كما تطرق آية الله مكارم الشيرازي في ذيل بحث إثبات وجود الموضوع للعلوم بالتمسك بقاعدة الواحد، إلى الخلط بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية في علم الأصول واعتبره ضربة قاصمة لهيكل علم الأصول. وببيان خصائص الإدراكات الاعتبارية واعتبار علم الفقه وعلم الأصول اعتباريين، لم يجرِ فيهما القواعد الفلسفية والمنطقية، واعتبر دائرة الاعتبار واسعة، وجعل المانع الوحيد في الإدراكات الاعتبارية هو لزوم اللغوية (مكارم الشيرازي، ١٤٢٨: ١/ ٣٤).

لهذه الرؤية أنصار آخرون. وفقًا لهذه الرؤية، فإن استخدام الإدراكات الحقيقية ومنها تطبيق القواعد الفلسفية في مباحث علم الأصول، لا يسلم من مغالطة خلط الإدراكات الحقيقية بالإدراكات الاعتبارية.

إثبات الرؤية الأولى

تمسك أتباع هذه الرؤية لإثبات دعاواهم بأدلة أهمها الخلط بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية. لهذا الدليل مقدمتان:

المقدمة الأولى: الفلسفة جزء من الإدراكات الحقيقية وعلم الأصول جزء من الإدراكات الاعتبارية.

المقدمة الثانية: لا تقوم علاقة استنتاج منطقي بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية، ولا يمكن استخدام الإدراكات الحقيقية في مجال الإدراكات الاعتبارية.

النتيجة: أن تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول غير صحيح ويقع في فخ الخلط بين الإدراكات الحقيقية والأمور الاعتبارية. تبيين هاتين المقدمتين كالتالي:

الفلسفة جزء من الإدراكات الحقيقية، وفي هذا لا خلاف. أما أن «علم الأصول جزء من الإدراكات الاعتبارية» فهو محل خلاف. وقد صرح كثير من مفكري علم الأصول المتأخرين بهذا المطلب، وقد نُقل كلام بعضهم في المباحث السابقة.

المقدمة الثانية للاستدلال ذات أهمية خاصة، وتبيينها كالتالي:

من بين مؤسسي رؤية نفي الارتباط المنطقي بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية، يمكن ذكر هيوم وأتباعه. يعتقد هؤلاء أن استنتاج «يجب» من «هو» غير صحيح. يقول هيوم في عبارته المشهورة إنه مع كل نظام أخلاقي واجهه حتى الآن، رأى دائمًا أن المؤلف يستدل بالطريقة المعتادة لبعض الوقت، ويثبت أولاً وجود الله ثم يطرح نظريات حول خصائص الإنسان. ولكن فجأة، وبدهشة، بدلاً من القضايا ذات الروابط المعتادة «هو وليس هو»، يواجه قضايا لا تخلو أي منها من روابط «ينبغي ولا ينبغي». لم يحذر مؤلفو الفلسفة عمومًا من خطر هذا التنوع، ولكني أريد أن أؤكده للقراء (جوادي، ١٣٧٥: ٣٠).

من بين أنصار هذه الرؤية الآخرين، يمكن ذكر المحقق الأصفهاني، والعلامة الطباطبائي، والشهيد المطهري، وغيرهم من المفكرين.

يصرح العلامة الطباطبائي بوضوح أن الإدراكات والمعاني الاعتبارية، لكونها وليدة عوامل حسية، لم يعد لها ارتباط إنتاجي بالإدراكات والعلوم الحقيقية، وبمصطلح المنطق، لا يمكن إثبات تصديق شعري ببرهان (مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ١٦٧).

أهم الأدلة التي أقيمت لإثبات هذا الادعاء هي كالتالي:

الدليل الأول: ابتناء الإدراكات الاعتبارية على الإحساسات

الإدراكات الاعتبارية مبنية على الإحساسات، وبما أن الإحساسات البشرية معرضة للتغيير والتحول، فمن الممكن أن نتصور الإنسان في زمن ما أسدًا وفي زمن آخر كائنًا آخر. من هذا المنطلق، فإن الاعتباريات أيضًا تتبعها في التعرض للتغيير والتبدل، وبما أن الاعتباريات متغيرة دائمًا، فلا يمكنها أن تجد ارتباطًا إنتاجيًا بالحقائق. برأي العلامة الطباطبائي، هذه الإدراكات والمعاني، لكونها وليدة عوامل حسية، لم يعد لها ارتباط إنتاجي بالإدراكات والعلوم الحقيقية، وبمصطلح المنطق، لا يمكن إثبات تصديق شعري ببرهان، وفي هذه الحالة، لن تجري بعض تقسيمات المعاني الحقيقية في هذه المعاني الوهمية، مثل البديهي والنظري والضروري والممكن (المصدر نفسه: ١٦٧، ١٦٤ – ١٦٥).

الدليل الثاني: فقدان الحد المنطقي

الإدراكات الاعتبارية لا تملك حدًا منطقيًا، وكل ما يفتقر إلى حد منطقي سيفتقر إلى برهان. بناءً على ذلك، الإدراكات الاعتبارية غير قابلة للبرهنة، والاستنتاج المنطقي بين الإدراكات الاعتبارية نفسها وبينها وبين الإدراكات الحقيقية غير مقبول.

دليل عدم وجود «حد» للأمور الاعتبارية هو أن هذه الأمور لا ماهية لها. يذكر العلامة الطباطبائي في النهاية أنه على الرغم من أن الاعتباريات لا تملك حدًا منطقيًا، يمكن اعتبار حدود لها على نحو الاستعارة. هذه الحدود هي في الواقع حدود الحقائق نفسها التي استُعيرت مفاهيمها لهذه الأمور الاعتبارية. ولكن كما ذكر بعض المحققين، يختص هذا الأمر بالموارد التي تكون فيها المفاهيم الاستعارية في أصلها مفاهيم ماهوية، أما إذا كانت تلك المفاهيم غير ماهوية، مثل الملكية، فلا يمكن توفير حد استعاري لها أيضًا (الطباطبائي، ١٣٨٥: ٤/ ١٠١).

تشير المقدمة الثانية لهذا الدليل إلى مشاركة الحد والبرهان. الحد والبرهان في الحدود، أي الأجزاء المكونة، مشتركان. كل جزء نذكره كجنس وفصل في تعريف وتحديد كل ماهية، يُستخدم هو نفسه في المقدمات لإقامة البرهان على وجود تلك الماهية (ابن سينا، ١٣٧٩: ١٥٧). بناءً على ذلك، كل ما يفتقر إلى حد يفتقر إلى برهان. وفقًا للمقدمة الأولى، الإدراكات الاعتبارية فاقدة للحدود. إذًا، ستكون فاقدة للبرهان أيضًا. بناءً على ذلك، الاستنتاج المنطقي بين الإدراكات الاعتبارية نفسها وبينها وبين الإدراكات الحقيقية غير مقبول.

الدليل الثالث: فقدان شروط مقدمات البرهان الثلاثة

يجب أن تكون مقدمات البرهان ضرورية، دائمية، وكلية (الطوسي، ١٣٧٥: ١/ ٢٩٤-٢٩٥). وفي الإدراكات الاعتبارية، لم تتحقق الشروط المذكورة. النتيجة هي أن الإدراكات الاعتبارية غير قابلة للبرهنة والاستنتاج المنطقي بينها وبين الإدراكات الحقيقية غير مقبول.1 ذلك لأن الشروط الثلاثة المذكورة أعلاه تتحقق فقط في القضايا الواقعية التي تتطابق مع نفس الأمر، والمقدمات الاعتبارية التي هي مجرد مجموعة من الادعاءات، كيف يمكن أن تحكي عن واقع وتتطابق مع نفس الأمر؟ الأمور الاعتبارية هي اتفاقات يضعها الإنسان بناءً على أغراض وأهداف خاصة وتحت تأثير الميول والتوجهات الداخلية، ويلغيها متى شاء ويضع أمرًا آخر مكانها. القضايا الاعتبارية هي في الواقع أكاذيب مفيدة لا تطابق الخارج ونفس الأمر، وتطابقه فقط في ظرف التوهم. هذه المصاديق الوهمية، ما دامت الإحساسات والدواعي موجودة، لها حدودها، وتزول بزوالها، وتتبدل بتبدلها. لا يمكن أبدًا عد مثل هذه الأمور «ضرورية، دائمية، وكلية».

النتيجة هي أن الإدراكات الاعتبارية غير قابلة للبرهنة والاستنتاج المنطقي بينها وبين الإدراكات الحقيقية غير مقبول (الطباطبائي، المصدر نفسه: ٤/ ١٠١٠؛ مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ١٧١).

الدليل الرابع: تحليل السير الفكري في الإدراكات الواقعية

السير الفكري في الإدراكات الواقعية عبارة عن كشف الحد الوسط بين المفاهيم، وهذا السير الفكري في مجال الإدراكات الاعتبارية غير قابل للتنفيذ. النتيجة هي أن الإدراكات الاعتبارية لا مكان لها في السير الفكري للإدراكات الحقيقية ولا يمكن قبول ارتباط منطقي بين الإدراكات الاعتبارية والحقيقية. توضيح أن السير والسلوك الفكري في الإدراكات الحقيقية، أي فهم الروابط بين المفاهيم، يكون على هذا النحو: يسعى الذهن لتحويل المجهول إلى معلوم بالبحث عن علاقة واقعية بين مفهومين، وفي النهاية، بواسطة مفهوم ثالث، تُكتشف النتيجة المرجوة، أي أصل ونوع العلاقة بين المفهومين الأولين. على سبيل المثال، عندما يسعى الذهن لإيجاد علاقة بين مفهومي «زيد» و«فناء»، يبحث عن مفهوم وسيط (حد أوسط) يرتبط بكلا المفهومين ويتوسط بينهما. بعد أن يجد الذهن المفهوم الوسيط «إنسان»، يشعر بأن المفهومين اللذين يبدوان غريبين «زيد» و«فناء» قد أصبحا مألوفين لبعضهما البعض. لذا، يتشكل هذا الاستدلال حتمًا: «زيد إنسان» و«الإنسان فانٍ»، إذًا «زيد فانٍ». بناءً على ذلك، يتم التوصل إلى علاقة إنتاجية في الإدراكات الحقيقية بهذه الطريقة، حيث تُكتشف الروابط الواقعية والنفس الأمرية بين المفاهيم. وفقًا لما أشير إليه في المقدمة الثانية، هذه العلاقة الواقعية والنفس الأمرية بين المفاهيم الواقعية والمفاهيم المأخوذة من الاعتباريات غير موجودة، وبسبب هذا الانعدام، لن يكون السير الفكري المنطقي من الحقائق إلى الاعتباريات وبالعكس ممكنًا. كما أنه في القضايا الاعتبارية، لا وجود لأي علاقة واقعية بين الموضوعات والمحمولات. على سبيل المثال، في القضية الاعتبارية «زيد أسد»، أي علاقة نفس أمرية يمكن مشاهدتها بين «زيد» و«أسد»؟

ما يمكن مشاهدته في هذه القضية هو ادعاء مخالف للواقع لترتيب آثار توفر بعض رغبات واحتياجات المعتبر. في الاعتباريات، تكون علاقات الموضوعات والمحمولات دائمًا وضعية واتفاقية وفرضية واعتبارية، ولا يوجد لأي مفهوم اعتباري علاقة واقعية ونفس أمرية مع مفهوم حقيقي أو مفهوم اعتباري آخر. ولهذا، لا يتوفر مجال للسعي والنشاط العقلي للذهن بشأن الاعتباريات. النتيجة الحتمية لهذا التحليل هي عدم إمكانية استنتاج القضايا الاعتبارية في الاستدلالات التي تشكل مقدماتها قضايا حقيقية، وكذلك عدم إثبات قضية حقيقية وواقعية من دليل دخلت فيه مقدمات اعتبارية. على سبيل المثال، لا يمكن الاستفادة في الاعتباريات من القضايا البديهية التي يُعتمد عليها في الفلسفة، مثل «استحالة تقدم الشيء على نفسه» و«استحالة الترجيح بلا مرجح» و«استحالة تقدم المعلول على العلة» و«استحالة تسلسل العلل» وغيرها. في الواقع، كل القضايا المذكورة أعلاه مع كثير من القضايا الأخرى الشبيهة بها في الاعتباريات، تُعد من القضايا الممكنة، على الرغم من أنها في باب الحقائق تُحسب من المحالات.2

الدليل الخامس: كون الإدراكات الاعتبارية اتفاقية

الإدراكات الاعتبارية، على عكس الإدراكات الحقيقية، ليست ناظرة إلى الواقع ونفس الأمر، وكما مر، هي فرضيات صنعها الذهن لرفع الاحتياجات الحيوية، ولها جانب وضعي واتفاقي وفرضي واعتباري ولا علاقة لها بالواقع ونفس الأمر (مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ١٤٣). المقياس العقلي الوحيد المستخدم في الاعتباريات هو لغوية وعدم لغوية الاعتبار (المصدر نفسه: ١٧٤). الهدف من الاستنتاج المنطقي الذي يُطرح في الإدراكات الحقيقية هو كشف الواقع ونفس الأمر، وبما أن الإدراكات الاعتبارية ليست ناظرة إلى الواقع، فهي غير قابلة للاستدلال، وبالتالي، فإن الاستنتاج المنطقي بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية غير مقبول.

وقد قُدمت أدلة أخرى لنفي الارتباط المنطقي بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية، والتعرض لها خارج عن نطاق هذا البحث (لاريجاني، المصدر نفسه: ١٣).

تحليل ونقد الرؤية الأولى

إن تحليل ونقد الرؤية الأولى ممكن في ضوء تحليل ودراسة مقدمتي استدلالها، وهما:

المقدمة الأولى: الفلسفة جزء من الإدراكات الحقيقية، وعلم الأصول جزء من الإدراكات الاعتبارية.

المقدمة الثانية: لا تقوم علاقة استنتاج منطقي بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية، ولا يمكن استخدام الإدراكات الحقيقية في مجال الإدراكات الاعتبارية.

أما بالنسبة للمقدمة الأولى، فيجب القول: في المباحث القادمة سيُثبت أن علم الأصول جزء من الإدراكات التي لها أصل واقعي وليست اعتبارية محضة.

أما بالنسبة للمقدمة الثانية، فيجب القول: يجب أن نعلم أن الإدراكات الاعتبارية تنقسم في تقسيم كلي إلى قسمين: القسم الأول: الاعتباريات المقابلة للمهيات، والتي تسمى «الاعتباريات بالمعنى الأعم». القسم الثاني: الاعتباريات التي هي لازمة لنشاط القوى الفعالة للإنسان أو أي كائن حي، وتسمى «الاعتباريات بالمعنى الأخص» و«الاعتباريات العملية». لأن الاعتباريات العملية مولودة أو طفيلية لإحساسات تناسب القوى الفعالة، وهي من حيث الثبات والتغير والبقاء والزوال تابعة لتلك الإحساسات الداخلية. والإحساسات نوعان: إحساسات عمومية لازمة لنوعية النوع وتابعة للبنية الطبيعية مثل الإرادة والكراهة المطلقة والحب والبغض المطلق؛ وإحساسات خصوصية قابلة للتبدل والتغير. من هنا، يجب القول إن الاعتباريات العملية أيضًا قسمان: أ. اعتباريات عمومية ثابتة غير متغيرة، مثل اعتبار متابعة العلم واعتبار الاجتماع والاختصاص. ب. اعتباريات خصوصية قابلة للتغير، مثل القبح والجمال الخصوصي وأشكال الاجتماعات المختلفة. يمكن للإنسان أن يعتبر أي نمط اجتماعي حسناً في يوم وسيئاً في يوم آخر، ولكنه لا يستطيع أن يصرف النظر عن أصل الاجتماع أو ينسى أصل الحسن والقبح. إذن، الاعتباريات العملية قسمان: اعتباريات ثابتة لا مفر للإنسان من صنعها، واعتباريات متغيرة (مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ٢٠٠ – ٢٠١).

بعبارة أخرى، الاعتبارات على قسمين كليين: أ. اعتبارات لها منشأ واقعي وتتمتع بسند حقيقي وواقعي. ب. اعتبارات فاقدة للسند الحقيقي والواقعي.

في ضوء هذه المقدمة، يمكن القول: الأدلة الخمسة المذكورة أعلاه تجري فقط في الاعتباريات المتغيرة ولا تشمل الاعتباريات الثابتة. توضيح ذلك أن الاعتبارات الثابتة هي اعتبارات لا مفر من تحققها ولها جذور في الأمور الحقيقية والنفس الأمرية. تشمل هذه الاعتباريات مجالين من الإدراكات: أ. مجال من الإدراكات الإنسانية لا مفر للإنسان من صنعها ولها جذور في الأمور الحقيقية والنفس الأمرية. ب. اعتبارات اعتبرها الشارع، إذ لا يمكن تصور التغيير والتبدل في الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع. لا شك في أنه إذا كانت الأحكام الشرعية مثل الوجوب والحرمة اعتبارية، فبما أنها معتبرة من قبل الله والاعتبارات الإلهية مثل الاعتبارات الإنسانية ليست نابعة من إحساسات عابرة، بل من مصالح ومفاسد نفس أمرية، فإن عدم التغير صفة ذاتية لها. الأدلة الخمسة المذكورة أعلاه لا تشمل أياً من هذين الصنفين من الاعتبارات:

الدليل الأول، بكل وضوح، يشمل فقط الإدراكات الاعتبارية المبنية على الإحساسات الإنسانية التي هي في معرض التغير والتحول. الدليل الثاني كذلك، لأن الاعتباريات الثابتة بما أن لها جذوراً في الواقع والنفس الأمر، فلها هوية ويمكن السؤال عن تلك الهوية بسؤال «ما هو؟». من جهة أخرى، وصف الضرورة والكلية والدوام يمكن تحققه فيها أيضاً ولا يشملها الدليل الثالث. كما أن السير الفكري في ضوء كشف الحد الوسط يمكن إجراؤه فيها أيضاً. كما أنها لا يشملها الدليل الرابع، لأنها ناظرة إلى الواقع والنفس الأمر، ولا يشملها الدليل الخامس أيضاً.

حاصل القول أنه في الاستنتاج المنطقي يجب التمييز بين الاعتبارات الثابتة والاعتباريات المتغيرة: الاعتبارات الثابتة، بما أن لها جذوراً في الواقع والنفس الأمر، فهي مشمولة بأحكام الإدراكات الحقيقية ويقوم الاستنتاج المنطقي فيها وبينها وبين الإدراكات الحقيقية. في المقابل، الإدراكات الاعتبارية المتغيرة ليست كذلك. بناءً على ذلك، تدور قابلية الاستدلال حول الثبات والتغير لا حول كون الإدراكات حقيقية أو اعتبارية. إذن، ادعاء الخلط بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية مقبول فقط في الموارد التي تكون فيها الاعتبارات المذكورة من سنخ الاعتبارات المحضة والمتغيرة.

قدم المحقق العراقي في تحليل الإدراكات الاعتبارية أفكاراً يمكن تقريبها من المطالب المذكورة. توضيح ذلك أن المحقق العراقي يرى أن الاعتبارات على قسمين: اعتبارات محضة هي مجرد ادعاء صرف؛ واعتبارات ليست حقيقة ادعائية وموجودة في عالم النفس الأمر. في القسم الأول الذي هو حقيقة ادعائية ونعطي فيه حد شيء لأمر آخر، يكون الطرفان في الحدوث والبقاء تابعين للاعتبار وخارج ظرف الاعتبار لا واقعية لهما. من هنا، يوجد مثل هذا الاعتبار بلحاظ واعتبار المعتبر، ويزول بزوال لحاظ واعتبار المعتبر، مثل حياة زيد الاستصحابية التي هي أمر اعتباري. في المقابل، القسم الثاني ليس كذلك. في هذا القسم (مثل الملكية، الزوجية، المنشآت في العقود والإيقاعات ومسألة وضع الألفاظ) وإن كان حدوثها يتحقق بالاعتبار (أي الإنشاء بقصد ثبوت معانيها)، فبهذا الإنشاء الخاص تظهر واقعية في عالم والنفس الأمر بقاؤها لا يتبع اعتبار المعتبر؛ أي لو غفل المعتبر عن اعتباره، أو اعتبر خلافه، فإن مثل هذه الأمور لا يضر بالواقعية الناشئة عن الإنشاء الخاص. بعبارة أخرى، كما أن بين الماهية ولوازم الماهية تلازم نفس أمري، بحيث حتى مع فرض عدم وجود خارجي أو ذهني، يبقى هذا التلازم قائماً، ففي مسألة الوضع أيضاً بجعل وإنشاء الجاعل، يقوم بين اللفظ والمعنى تلازم نفس أمري. هذه الواقعية النفس الأمرية ليست قائمة بالاعتبار وجعل الجاعل، بل تبقى حتى مع عدمه. من الواضح أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست علاقة تكوينية وحقيقية، فعندما أقام الواضع بإنشائه صلة بينهما، نشأت واقعية مستقلة عن جعل الجاعل (العراقي، ١٤٢٠: ١/ ٦٢). كما لو أن المتبايعين بقصد ثبوت ملكية الطرفين، أنشآ بإنشاء خاص مع شروطه، فينشأ فرد من الملكية بالحمل الشائع، أي ملكية البائع بالنسبة للثمن وملكية المشتري بالنسبة للمبيع، وهذه الملكية ستكون بمثابة واقعية موجودة، بحيث يكون اللحاظ الثانوي لها طريقاً إلى الواقعية الموجودة. وفيما يتعلق بالزوجية، يصدق الأمر نفسه، أي بإنشاء خاص بقصد ثبوت الزوجية من قبل الرجل والمرأة أو وكيليهما، تنشأ واقعية بقاؤها لا يتبع اعتبار الزوجين.

بناءً على ذلك، برأي المحقق العراقي، الأمور الحقيقية الموجودة في العالم نوعان: ١. أمور حقيقية لها ما بإزاء عيني، مثل الشجرة والإنسان؛ ٢. أمور انتزاعية. الأمور الانتزاعية أيضاً تنقسم إلى قسمين: أ. انتزاعيات تُنتزع من أمور وواقعيات أصيلة في الخارج، مثل الفوقية والعلية والمعلولية؛ ب. أمور تُنتزع من واقعيات ناشئة عن جعل وإنشاء خاص من الجاعل. بعبارة أخرى، منشأ انتزاع هذه الأمور ليس واقعيات وحقائق خارجية، بل واقعيات نشأت من إنشاء خاص وجعل خاص. على سبيل المثال، عندما يتم إنشاء من قبل المتبايعين بقصد ثبوت الملكية للطرفين، تنشأ واقعية يمكن انتزاع الملكية منها؛ كما أنه بإنشاء خاص من الزوجين (إنشاء بقصد ثبوت الزوجية للطرفين) تنشأ واقعية يمكن انتزاع الزوجية منها. الفرق الوحيد لهذا القسم مع الأمور الواقعية الأصيلة، هو أن المُنشئ ومنشأ انتزاع الأمور التكوينية حقائق أصيلة وتكوينية، أما المُنشئ ومنشأ انتزاع الأمور الاعتبارية الواقعية فهو الاعتبار والجعل. من هنا، هذا القسم وإن كان في حدوثه تابعاً للجعل، ففي بقائه لا حاجة له بجعل الجاعل؛ بخلاف الأمور الاعتبارية المحضة التي هي حقيقة ادعائية ولا توجد فيها أي واقعية بالاعتبار، فإن حدوث وبقاء مثل هذه الأمور يعتمد على اعتبار المعتبر (العراقي، ١٤١٧: ١/ ٨٨ – ٨٩). في الحقيقة، القسم الأخير من الاعتباريات هو برزخ بين الأمور الواقعية الأصيلة والأمور الاعتبارية المحضة، لأنه من جهة، بما أنه ينشأ بالاعتبار والإنشاء الخاص، فإن منشأ انتزاعه هو جعل الجاعل. على سبيل المثال، واقعية الشخص الخارجية لا تتغير بكونه مالكاً أو زوجاً، كما هي الحقيقة الادعائية. من جهة أخرى، بما أن بقاءها لا يتبع اعتبار المعتبر، فلا تختلف باختلاف اللحاظات المتنوعة، كما هي الواقعيات الأصيلة، وكما هي الأمور الواقعية (العراقي، ١٤٢٠: ١/ ٦٥).

بناءً على ذلك، يرى المحقق العراقي أن الاعتبار قسمان: ١. اعتبار محض، يُعطى فيه حد شيء لشيء آخر، وفي الحقيقة هذا القسم هو الحقيقة الادعائية، مثل حياة زيد الادعائية في الاستصحاب؛ ٢. اعتبار بمعنى الإنشاء والجعل الذي يتحقق بقصد ثبوت معانٍ خاصة. هذا القسم يوجب تحقق أمور واقعية، مثل الملكية والزوجية. بناءً على هذا، عندما يقال إن الملكية أو الزوجية أمور اعتبارية، فليس بمعنى أنها حقيقة ادعائية، بل بمعنى أنها نشأت بالجعل أو الاعتبار والإنشاء بقصد ثبوت الملكية أو الزوجية. إذن، الأمور الاعتبارية هي حقائق وواقعيات نشأت بجعل وإنشاء خاص، وهذه الأمور من جهة، تبقى حتى مع فرض عدم اعتبار المعتبر. ومن جهة أخرى، بما أنها لا تختلف باختلاف الأنظار، فهي أمور واقعية؛ في حين لو كانت من الاعتبارات المحضة، لكان حدوثها وبقاؤها تابعاً لاعتبار المعتبر. ومن جهة أخرى، لكانت تختلف باختلاف الأنظار (العراقي، ١٤٢٠: ١/ ٦٣؛ والمصدر نفسه، ١٤١٧: ١/ ١٠٢).

الرؤية الثانية: قبول الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول

يرى أنصار هذه الرؤية أن تطبيق الإدراكات الحقيقية والقواعد الفلسفية في علم الأصول صحيح. من بين أنصار هذه الرؤية يمكن ذكر المحقق الخراساني. فقد تمسك بالقواعد الفلسفية في مواضع مختلفة. والفرض المسبق لهذا التمسك هو قبول الارتباط المنطقي بين علم الأصول والفلسفة.

يعتقد الشهيد الصدر أن مسيرة علم الأصول قد حُفظت بفكر وشخصية المحقق الخوانساري الفلسفية التي كانت مليئة بالعبقرية والدقة الفلسفية. فقد أضفى صبغة فلسفية على نظرته وتفكيره الأصولي. قبل المحقق الخوانساري، لم يكن للفكر الفلسفي دور كبير في علم الأصول، فهذا المحقق الخوانساري هو الذي تناول المباحث الأصولية بروح حرة وتوجه فلسفي (الصدر، ١٤٢١: ١٠٦).

إن الدراسة التاريخية لأنصار هذه الرؤية خارجة عن هدف هذا البحث. المهم هو صحة وسقم هذه الرؤية مقابل الرؤية الأولى. يعتقد الكاتب أن هذه الرؤية قابلة للدفاع عنها ومحصنة من الانتقادات المطروحة في الرؤية السابقة. لهذا السبب، من الضروري أن نسعى لتحليل ونقد الرؤية السابقة في ضوء تحليل المباحث الأصولية، وفي سبيل تثبيت الرؤية المختارة. لإثبات هذه الرؤية، أقيمت أدلة بيانها ودراستها كالتالي:

الدليل الأول: نفي اعتبارية الأحكام التكليفية

ذكر بعض المحققين المعاصرين أدلة ونقاطاً لإثبات هذه الرؤية. أحد أدلتهم هو أن الأحكام التكليفية ليست اعتبارية. توضيح ذلك أن أول عائق في طريق ادعاء خلط الحقيقة بالاعتبار هو أن اعتبار الوجوب والحرمة وسائر الأحكام التكليفية لم يقبله جميع الأصوليين. أولئك الذين يقولون بخلط الحقيقة والاعتبار في المباحث الأصولية، يجب عليهم في مرحلة سابقة أن يتجاوزوا هذا البحث المبدئي وهو أن الوجوب والحرمة من الأمور الاعتبارية. في الواقع، الوجوب والحرمة ليسا مثل «الملكية والزوجية» التي يقول معظم الأصوليين باعتباريتها، بل المسألة في الأحكام التكليفية مختلفة. مبنى بعض الأصوليين الدقيقين هو أن الأحكام التكليفية لها نوع من الواقعية. برأينا، حقيقة الحكم هي الإرادة والكراهة التشريعية، والإرادة والكراهة التشريعية نفسها نوع من الواقعية. حتى على مبانٍ أخرى في حقيقة الحكم، يجب أن نعتبر الحكم نوعًا من الواقعية. إذا كان الحكم إنشاء بداعي جعل الداعي» أو حتى «اعتبار الثبوت»، فيجب أن يكون له نوع من الواقعية، لأن مباني حقيقة الحكم تصبح أمرًا انتزاعيًا لا اعتباريًا محضًا. أولئك الذين يعتبرون حقيقة الحكم «اعتبار الثبوت»، إذا أرادوا أن يكون لكلامهم محصل، فيجب أن يدخلوا الأغراض الداعية للاعتبار في حقيقة الحكم. في هذه الحالة، «اعتبار الثبوت لغرض خاص» أمر واقعي لا اعتباري صرف. على أي حال، واقعية هذه الأحكام أو اعتباريتها بحث مبدئي يُطرح في محله، وفي هذا المقام، نحن بصدد بيان هذه النقطة فقط وهي أن اعتبارية الأحكام ليست مبنى مسلمًا ومقبولاً لدى جميع الأصوليين، وإثبات اعتبارية الأحكام هي أول مشكلة تواجه مدعي خلط الحقيقة والاعتبار في الاستدلالات الأصولية (لاريجاني، المصدر نفسه: ٢٤ – ٢٥).

ولكن برأي الكاتب، هذا الدليل لنقد رؤية «نفي الارتباط المنطقي بين المباحث الأصولية والمباحث الفلسفية» غير مقبول، لأن الأحكام التكليفية جزء من محمولات علم الفقه والقسم الأكبر من علم الفقه يتشكل منها. مكان بحث الأحكام التكليفية ليس في المباحث الأصولية. محمولات علم الأصول هي الاستظهارات والحجية، لا الوجوب والحرمة. بناءً على ذلك، اعتبارية الأحكام التكليفية ليست مبنى لرؤية «نفي الارتباط المنطقي بين المباحث الأصولية والمباحث الفلسفية» حتى يمكن بإضعاف ذلك المبنى إضعاف الرؤية المذكورة. الشاهد على هذا الادعاء هو أن غالبية العدلية يؤيدون تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد الواقعية، ومع ذلك، طرح بعضهم رؤية «نفي الارتباط المنطقي بين المباحث الأصولية والمباحث الفلسفية». الأشاعرة بإنكارهم للحسن والقبح الذاتيين والعقليين، وكذلك بالنظر إلى نفي الغرض والغاية من الأفعال الإلهية، أنكروا تبعية الأحكام الشرعية للملاكات، ويعتقدون أن الأحكام الشرعية التي هي جزء من الأفعال الإلهية غير مقيدة بأغراض وغايات، والمصالح والمفاسد لا تُنتزع من أوامر ونواهي الله (النائيني، ١٣٥٢: ٢/ ٣٧، ١٣٧٦: ٣/ ٢٢١؛ كمره‌اي، بلا تاريخ: ١/ ٢٧٨، ٢٣٧؛ مكارم الشيرازي، المصدر نفسه: ١/ ٥٦١).

الدليل الثاني: كون المباحث الأصولية تحليلية

برأي بعض المحققين، كثير من المباحث الأصولية هي مباحث تحليلية لا مجال فيها للخلط المزعوم. في الواقع، هذه المباحث ليست من سنخ الاستدلالات المنطقية حتى يمكن تصور اجتماع الحقيقة والاعتبار فيها. بالطبع، يوجد استدلال في هذا النوع من المباحث، ولكن ليس بمعنى الاستدلال القياسي المنطقي، بل بمعنى فك الارتكاز، وتوضيح المعاني الارتكازية التي تشكل الاستدلالات التحليلية. من بين الذين تنبهوا جيدًا لهذه النقطة، وهي أن كثيرًا من المباحث الأصولية من سنخ المباحث التحليلية، الشهيد الصدر الذي فتح بابًا واسعًا في بحوثه خارج الأصول بعنوان المباحث التحليلية لعلم الأصول (شاهرودي، ١٤١٧: ١/ ٢١٧ – ٣٥٥). لا شك أن جميع المباحث التي تبحث في مقدمات علم الأصول والتي طرحها المرحوم الآخوند تحت ثلاثة عشر عنوانًا في مقدمة الكفاية، هي من هذا السنخ. مباحث مثل حقيقة الوضع وأقسامه، الاستعمال الحقيقي والمجازي، وكذلك مباحث أخرى مثل تفاوت الأخبار مع الإنشاء وماهية الحكم من هذا القبيل. بالإضافة إلى التحليل، تعود كثير من المباحث الأخرى في علم الأصول إلى الاستظهارات التي لا مجال فيها للاستدلال المنطقي غالبًا. على سبيل المثال، بحث الاستصحاب الذي يشغل قسمًا كبيرًا من علم الأصول، يتناول برمته دراسة استظهارات مختلفة من روايات نقض اليقين بالشك. وكذلك في بحث البراءة، يُبحث غالبًا إما في استظهار الأدلة الشرعية على رفع الحكم عند الشك في التحريم أو الوجوب، أو في صدد كشف الحكم العقلي في هذه الموارد. وفي بحث الحجج أيضًا، نبحث عن مراد الشارع في حجية خبر الواحد والظهورات وما شابه ذلك، أي يُدرس مفاد الألفاظ المتنية التي يُظن أنها تدل على حجية هذه الأمور، ومن الواضح أن دراسة مفاد الألفاظ والظهورات لا علاقة لها ببحث خلط الحقيقة والاعتبار (لاريجاني، المصدر نفسه: ٢٥ – ٢٦).

الدليل الثالث: للواقعية سند يدعم علم الأصول

أهم دليل يثبت، برأي الكاتب، رؤية «قبول الارتباط المنطقي بين علم الأصول والفلسفة» هو أن المحمولات الأصولية لها سند واقعي. توضيح ذلك أن محمولات علم الأصول تتكون من قسمين رئيسيين: القسم الأول، مرتبط بالاستظهارات، والقسم الثاني، مرتبط بالحجية. الاستظهارات مستقاة من النظام اللغوي العرفي، ومن الواضح أن هذا النظام ليس فاقدًا لسند واقعي، وقد تم الاتفاق حول الاستظهارات بالنظر إلى ملاكات واقعية. بناءً على ذلك، الاعتبارات العقلائية أيضًا ناشئة غالبًا من مصالح ومفاسد عامة وليست مجرد نتاج لإحساسات عابرة، ولذا فإن الاعتبارات العقلائية في باب الملك والبيع والشراء والزواج وغيرها، جزء من الاعتبارات الثابتة. وقد أيد الشارع المقدس أيضًا الاستظهارات اللغوية. مباحث الحجية أيضًا، التي يشكل حجية الأمارات والأصول العملية الجزء الأكبر منها، هي جزء من المجعولات الشرعية. بناءً على ذلك، مباحث الاستظهارات ومباحث الحجية، كانت موضع تأييد الشارع المقدس وهي جزء من الأفعال الإلهية. الأفعال الإلهية أيضًا تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية. بناءً على ذلك، هذا النوع من المحمولات الأصولية وإن كان من سنخ الإدراكات والمحمولات الاعتبارية، إلا أن له سندًا واقعيًا وهو كاشف عن الواقع. إذن، جذورها في الواقع وهي معبرة عن الواقع. القواعد الفلسفية أيضًا معبرة عن الروابط الواقعية للأشياء الخارجية. من هذا المنطلق، ليس تطبيق القواعد الفلسفية في المباحث الأصولية خطأ فحسب، بل هو صحيح وجدير تمامًا. يمكن تقديم هذه الرؤية في ضوء فكر الشهيد الصدر في تحليل حقيقة الأحكام الظاهرية. يعتقد الشهيد الصدر أن للأحكام الظاهرية ملاكات واقعية، ولكن ملاكاتها هي نفس ملاكات الأحكام الواقعية، وقد جُعلت الأحكام الظاهرية لحفظ الملاكات الواقعية (الصدر، ١٤٢٦: ٢٩-٣١). الحجية أيضًا، التي تشكل معظم المباحث الأصولية، هي جزء من الأحكام الظاهرية.

حاصل القول أن هذا الاستدلال له مقدمتان: المقدمة الأولى هي أن محمولات علم الأصول جزء من أفعال الشارع المقدس. المقدمة الثانية هي أن الأفعال الإلهية معللة بالأغراض والغايات وتابعة للمصالح والمفاسد الواقعية. اتضحت المقدمة الأولى في ضوء التوضيحات السابقة. إثبات المقدمة الثانية يكون باختصار على هذا النحو: بقبول الحسن والقبح الذاتيين والتحسين والتقبيح العقليين، تُطرح هذه المسألة: هل المصالح والمفاسد تابعة ومنتزعة من الأفعال الإلهية أم أن الأفعال الإلهية تابعة للمصالح والمفاسد؟ يعتقد الأشاعرة وبعض المحققين المعاصرين أن أفعال الله ليست تابعة للمصلحة والمفسدة، ولكننا لأننا نعتبر الله حكيمًا، ننتزع المصلحة والمفسدة من أفعاله؛ لقد انتزعنا من هذا النظام الذي خلقه الله تعالى ما هو مصلحة وما هو مفسدة، وهذا ما نسميه «النظام الأحسن» (عابدي، بلا تاريخ: ۱۷۲). بناءً على هذه الرؤية، استُدل على أن المصلحة والحكمة تصدق على موجود هو جزء من النظام الموجود وله قدرة محدودة ولا خيار له سوى الاعتراف بالنظام الموجود. محدودية القدرة جزء من مفهوم المصلحة والحكمة، أما الموجود الذي هو فوق هذا النظام وهو خالق هذا النظام، فما المعنى والمفهوم الذي يمكن أن يكون للحكمة والمصلحة بالنسبة له؟ (مطهري، المصدر نفسه: ١/ ١١٩-١٢٠).

يعتقد الكاتب أن نفي تبعية الأفعال الإلهية للمصالح والمفاسد، بالاعتماد على المطلب المذكور، ناتج عن الخلط بين نظام التكوين ونظام التشريع. توضيح ذلك أن موجودات عالم الوجود تشكل نظام التكوين، وأوامر ونواهي الله تشكل نظام التشريع. المصالح والمفاسد جزء من الأمور الواقعية والنفس الأمرية وداخلة في نظام التكوين وقد أوجدها الله بإرادته التكوينية؛ رؤية الحسن والقبح الذاتيين للأشياء تعبر عن هذا المطلب، وأن الله قد وضع المصالح والمفاسد في ذات الأشياء. الشاهد على هذا الادعاء هو ترتب الآثار الوضعية للأفعال حتى في حالة الجهل بالأحكام الشرعية، فإن آثارها الوضعية تترتب عليها. أما نظام التشريع الإلهي، فهو منطبق وناظر إلى نظام التكوين. ما له مصلحة في نظام التكوين يقع متعلقًا للأمر في نظام التشريع، وما له مفسدة في نظام التكوين يقع متعلقًا للنهي في نظام التشريع. بناءً على ذلك، مع أن المصالح والمفاسد في نظام التكوين هي عين الأفعال الإلهية، إلا أن الأوامر والنواهي في نظام التشريع تابعة للمصالح والمفاسد لا أن المصالح والمفاسد تُنتزع منها.

بناءً على ذلك، الدليل الرئيسي على إثبات رؤية «قبول الارتباط المنطقي بين علم الأصول والفلسفة» هو واقعية محمولات علم الأصول.

لتطبيق هذا الدليل، نبين بعض المباحث الأصولية:3

في مبحث الشرط المتأخر، طُرح هذا الإشكال بأنه لا يمكن أن تترتب صحة عبادة مثل الصوم على شرط مثل الغسل الذي يحدث في وقت لاحق. أو على سبيل المثال، قيل إنه لا يمكن أن تتوقف صحة العقد على إجازة تصدر في وقت متأخر عن العقد. وكذلك في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، تمسك البعض لإثبات استحالته بالتالي الفاسد وهو اجتماع الضدين أو المثلين. على سبيل المثال، قال بعض الأصوليين إنه لو كانت صلاة الجمعة في عالم الواقع واجبة، وجعل الشارع المقدس حكمًا ظاهريًا بعدم وجوبها في حق المكلف، لنشأ اجتماع الضدين. وكذلك لو جُعل حكم ظاهري موافق للحكم الواقعي، لنشأ اجتماع المثلين. هذه الموارد، وإن كانت من موارد خلط الحقيقة بالاعتبار من حيث صورة الاستدلال، (بناءً على اعتبارية الوجوب والحرمة)، إلا أن كل هذه الاستدلالات قابلة للترجمة إلى مبادئ وأغراض. المبادئ (المصالح والمفاسد) وأغراض الأحكام ليست أمورًا اعتبارية. اجتماع الضدين في الأحكام يُترجم إلى اجتماع المصلحة والمفسدة، واجتماع غرضين متضادين في حكم واحد، أي لا يمكن أن يكون لفعل واحد في مرتبة ملاكات الأحكام مصلحة تامة ومفسدة تامة، ومن جهة أخرى، يكون غرض الشارع ضرورة فعل الفعل وضرورة تركه. من هنا، يُجعل لذلك الفعل (الموضوع) حكم الوجوب وحكم الحرمة. على سبيل المثال، في بحث اجتماع الأمر والنهي بكل الشروط المأخوذة في موضوع البحث، السؤال الرئيسي هو هل يمكن للمولى أن يجعل حكمين، الوجوب والحرمة، لفعل واحد وإن كان له عنوانان؟ تمسك بعض الأصوليين لإثبات امتناع اجتماع الأمر والنهي بالتالي الفاسد وهو اجتماع الضدين، وقال آخرون في مقام الإيراد على هذه الرؤية إن مسألة اجتماع الضدين لا ينبغي طرحها في الأمور الاعتبارية مثل الوجوب والحرمة. في الرد على هذا الإيراد، يجب القول إنه يمكن بترجمة عامة وشاملة لا موردية، القول بأن هذا الوجوب والحرمة في النهاية يعتمدان على مصالح ومفاسد، ولا يمكن أن توجد مصلحة وعدم مصلحة في فعل واحد. لا شك أن كل عقل سليم سيحكم باستحالة ذلك في هذا المورد. وكذلك يمكن ترجمة الاستدلال المذكور إلى أغراض المولى والقول بأنه هل يمكن للمولى في وقت واحد أن يريد إيجاد فعل ويريد عدم إيجاده؟ في الواقع، هذا هو نفس المطلب الذي أكده المرحوم العلامة مرارًا في رسالة الاعتباريات ومقالة الإدراكات الاعتبارية (مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ١٦٦)، وهو أن الاعتبار يحتاج إلى دافع، والاعتبار بدون غاية لغو.4

حاصل القول أن رؤية الارتباط المنطقي بين المباحث الأصولية والفلسفة قابلة للدفاع عنها ويمكن تبريرها في ظل واقعية مسائل علم الأصول.

النتيجة

حول صحة وسقم تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول، توجد رؤيتان رئيسيتان: الرؤية الأولى: نفي الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول. أرسى هذه الرؤية المحقق الأصفهاني وتابعها العلامة الطباطبائي، والإمام الخميني، والشهيد المطهري. بعد هؤلاء المفكرين، شاع الادعاء بخلط الحقيقة والاعتبار في استدلالات علم الأصول. الرؤية الثانية: قبول الارتباط المنطقي بين الفلسفة وعلم الأصول. أهم دليل للرؤية الأولى هو الخلط بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية. لهذا الدليل مقدمتان: المقدمة الأولى: الفلسفة جزء من الإدراكات الحقيقية وعلم الأصول جزء من الإدراكات الاعتبارية. المقدمة الثانية: لا تقوم علاقة استنتاج منطقي بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية. من بين هاتين الرؤيتين، الرؤية الثانية قابلة للدفاع عنها وقد طُرحت الأدلة التالية لإثباتها: أولاً) نفي اعتبارية الأحكام التكليفية؛ ثانياً) كون المباحث الأصولية تحليلية؛ ثالثاً) واقعية سند علم الأصول. بالإضافة إلى أن دليل الرؤية الأولى غير تام ولا يجري إلا في الاعتباريات المتغيرة.

قائمة المصادر

ابن سينا، الحسين بن عبد الله، النجاة من الغرق في بحر الضلالات، طهران، جامعة طهران، ١٣٧٩ش.

الإمام الخميني، روح الله، الرسائل، رسالة في الاستصحاب، مؤسسة مطبوعاتي قم، إسماعيليان، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.

جوادي آملي، عبد الله، رحيق مختوم، قم، إسراء، الطبعة الثالثة، ١٣٨٦ش.

ـــــ، عين نضاخ، قم، إسراء، الطبعة الأولى، ١٣٨٧ش.

جوادي، محسن، مسألة باید و هست، قم، بوستان كتاب، الطبعة الأولى، ١٣٧٥ش.

سروش، عبد الكريم، تفرج صنع، طهران، نشر سروش، الطبعة الأولى، ١٣٦٦ش.

السيستاني، سيد علي، الرافد في علم الأصول، تقرير: منير قطيفي، قم، نشر ليتوغرافي حميد، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ.

الشاهرودي، سيد محمود، بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٧هـ.

الصدر، شهيدمحمدباقر، المعالم الجديدة للأصول، قم، مركز الأبحاث و الدراسات التخصصية للشهيد الصدر، الطبعة الأولى، ١٤٢٦هـ.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، نهاية الحكمة، مع تعليقات غلامرضا فياضي، قم، مؤسسة آموزشي إمام خميني، الطبعة الثالثة، ١٣٨٥ش.

الطوسي، نصير الدين، شرح الإشارات والتنبيهات، قم، نشر البلاغة، الطبعة الأولى، ١٣٧٥ش.

العراقي، ضياء الدين، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ.

العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، تقرير محمد تقي بروجردي، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٧هـ.

لاريجاني، صادق، «استدلال در اعتباریات»، فصلنامه علمي پژوهشي «پژوهش های فلسفي كلامي»، جامعة قم، العدد الرابع.

المطهري، مرتضى، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، قم، صدرا، الطبعة التاسعة، ١٣٧٥ش.

مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، تقرير أحمد قدسي، قم، نشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الثانية، ١٤٢٨هـ.

النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، قم، مطبعة العرفان، الطبعة الأولى، ١٣٥٢ش.

ـــــ، فوائد الأصول، تقرير محمد علي كاظمي، قم، جامعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ش.

الهوامش

1. الفرق بين هذا الدليل والدليل السابق هو أن الدليل السابق أقام الدليل على إثبات المدعى عن طريق مشاركة الحد والبرهان، لكن في هذا الدليل أقيم الدليل عن طريق فقدان خصائص مقدمات البرهان.

2. أقام هذا الدليل الشهيد المطهري في هوامش أصول الفلسفة (مطهري، المصدر نفسه: ٢/ ١٦٩؛ لاريجاني، المصدر نفسه: ٧).

3. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن النقطة الأساسية في هذا الدليل هي واقعية المجعولات الشرعية نفسها في المباحث الأصولية.

4. لاريجاني، المصدر نفسه: ٢٧-٢٩. في هذه المقالة، طُرح دليل آخر لإثبات هذه الرؤية.

Scroll to Top