الملخص
إنّ المبحث الحاضر في مجال علم الأصول هو بحثٌ بالغ الأهمية وفريد من نوعه؛ إذ يتناول بالدراسة إحدى النسب القائمة بين أدلة الأحكام الشرعية، ويسعى في هذا الصدد إلى الكشف عن نسبة جديدة بين هذه الأدلة تختلف عن النسب الأربع السابقة، وهي: التخصّص، والورود، والتخصيص والتقييد، والحكومة. وقد أطلقنا على هذه النسبة الجديدة اسم (نسبة التطبيق الافتراضي). وهذه النسبة المقترحة هي عبارة عن تنزيل خاص من خلال لحاظ موضوع لا وجود له فعلاً وحقيقةً، ومن ثمّ تطبيق الحكم عليه بغية التوصل إلى حكم الموضوع المنظور، وفي النهاية إرادة ذلك الحكم. وكان الكاتب قد أنجز سابقاً بحثاً مستقلاً في تبيين هذه النسبة وشرحها من الناحية التصورية، وهو في هذه المقالة بصدد بيان الدلالات والشواهد التي يمكن من خلالها إثبات هذه النظرية.
المقدمة
حدّد الأصوليون النسب بين الأدلّة وعرّفوها على النحو التالي: 1. التخصّص. 2. الورود. 3. التخصيص والتقييد. 4. الحكومة. في البحث الحاضر، وفي هذا السياق، نحاول أن نقترح نوعاً جديداً من النسبة والعلاقة بين هذه الأدلّة، وقد أطلقنا على هذه النسبة اسم نسبة التطبيق الافتراضي. وغني عن القول إن مجرد اقتراح وتقديم تصوري لموضوع ما ليس كافياً في هذا المجال، ولا بد من السعي لإكماله من الناحية التصورية من خلال الاستناد إليه بالأدلة والشواهد المختلفة. وفي الحقيقة، يختص البحث الحاضر بهذا الأمر ويسعى إلى تأييد هذه الرؤية من الناحية التصديقية.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن هناك فروقاً جذرية وعميقة بين هذه النسبة المقترحة والنسب الأربعة المذكورة أعلاه. فالورود عبارة عن رفع الموضوع أو إخراجه – أو التصرف فيه تضييقاً أو توسيعاً – وهذا الأمر يتم بشكل وجداني وحقيقي ومع لحاظ التعبد بالقيام به. أما الحكومة فهي عبارة عن رفع الموضوع – أو التصرف فيه أو التصرف في محمول الموضوع بشكل تضييقي أو توسيعي – وهذا الأمر إما أن يكون تنزيلياً أو تعبدياً. أما في التخصّص فلا يوجد تعبد ولا عناية، وهنا يتم الرفع أو الخروج بشكل ذاتي (العراقي، 1405: 3/ 196 و 4، ق 2/ 16)، في حين أن التخصيص عبارة عن إخراج بعض أفراد العام والكلي من دائرة الحكم، دون أن يقع أي دخل وتصرف في عقد موضوعه أو محموله (الروحاني، 1412: 4/ 168-169؛ الحكيم، 1416: 395/6).
أما نسبة التطبيق الافتراضي – المقترحة هنا – فهي عبارة عن نوع من التنزيل والإنابة الخاصة التي تتم من خلال افتراض موضوع ليس له وجود حقيقي خارجي، ثم تطبيق الحكم عليه، للتمكن من خلال ذلك من الحصول على حكم الموضوع الحقيقي وتطبيقه. وهذا النوع من التنزيل والإنابة يختلف عما شهدناه في مبحث الورود أو الحكومة؛ إذ إن هذا التنزيل سواء في الورود أو الحكومة يتم من خلال إعطاء هوية جديدة وشخصية مغايرة للفرد أو المصداق وجعله فرداً من أفراد ماهية أخرى – سواء كان ذلك حقيقياً أو تعبدياً – حتى يمكن من خلال ذلك تطبيق أحكام وآثار الماهية الجديدة الثابتة على هذا الفرد بشكل كلي أو نفيها عنه.
ولكننا نواجه نوعاً ثالثاً من التنزيل، نُطبّق من خلاله مجموعة من الأحكام بشكل افتراضي على مورد ما، لنصل من خلاله إلى نتيجة محددة. وهذا النوع من التنزيل يختلف عن النوعين السابقين؛ إذ ليس المقصود هنا مطابقة وترتيب أحكام وآثار الماهية – التي تتم عليها عملية التطبيق الافتراضي – على هذا الفرد الجديد الذي طُبّقت عليه هذه الموارد، سواء كان هذا التنزيل حقيقياً كما شهدناه في مبحث الورود، أو كان عنائياً كما في مبحث الحكومة. في الواقع، إن هذا التطبيق هنا أمر افتراضي وغير واقعي تماماً.
ضرورة البحث
بقيت عملية التنظير الأصولي لسنوات طويلة في خضم دراسة النسب الأربع ولم تخرج عن دائرتها. وفي الدراسات المنجزة لم نواجه من اقترح نسبة جديدة في هذا المجال، فضلاً عن تقديم أصول وأسس لنسبة جديدة في هذا المجال وتنظيمها. وبناءً على ذلك، بما أننا اقترحنا نسبة جديدة باسم «نسبة التطبيق الافتراضي»، فإننا نسعى إلى تقديم الأدلة والشواهد لإثبات نظريتنا.
أهداف البحث
الهدف الأساسي من إجراء البحث الحاضر هو الوصول إلى رؤية كاملة حول هذه النظرية الصحيحة، حتى يمكن من خلالها دراسة النسبة القائمة بين بعض الأدلة من وجهة نظر أصولية، وبالتالي يمكن تقديم صورة فنية لها.
خصائص هذا الرأي وعناصره المكوِّنة له
من الضروري هنا أن نُعرّف القارئ على أهم خصائص وعناصر هذه النسبة المقترحة:
1. تتضمن هذه النسبة نوعاً من الإنابة والتنزيل في موضوع دليل معين ليكون موضوعاً لدليل آخر.
2. لا يتم هذا النوع من التنزيل بشكل مباشر، بل من خلال عملية افتراضية تتمثل في تطبيق حكم على موضوع افتراضي للوصول إلى حكم الموضوع الموجود والمطلوب.
3. تتم هذه العملية الافتراضية أحياناً في مرحلة واحدة، ولذلك تسمى العلاقة علاقة أو نسبة تطبيق افتراضي بسيط، وأحياناً أخرى تشمل أكثر من عملية افتراضية وتسمى نسبة التطبيق الافتراضي المركب أو المعقد.
4. تتم عملية التنزيل والإنابة هذه من خلال الدخل والتصرف في موضوع أحد الدليلين وترك الدليل الآخر على حاله. في الواقع، نحن هنا نتعامل مع التصرف في موضوع كلا الدليلين.
5. تختلف هذه النسبة عن النسب المعروفة مثل الورود والحكومة والتخصيص أو التقييد والتخصّص.
أصول هذه النظرية وأسسها
توصل الكاتب خلال دراساته وأبحاثه العلمية المتنوعة في المجالات الفقهية إلى بعض الأفكار والأطر الفقهية والأصولية في هذا المجال، ولكنه عند تقديم هذا البحث – في المجالين التصوري والتصديقي – يعتقد أن الأطر والمباني التي تم التوصل إليها في هذا المجال لا تحتاج إلا إلى مبنى ثابت واحد. وهذا المبنى هو أن النسب الحاكمة بين الأدلة لا تقتصر ولا تنحصر في النسب الأربع أو الخمس المعروفة – أي التخصّص والورود والحكومة والتخصيص والتقييد – لأن إيجاد هذا النوع من التحديد ليس أمراً عقلياً، وإنما هو مستند إلى الاستقراء فقط.
أدلة هذا الرأي ومستنداته
1. انطلاق هذه الرؤية وحركتها الأولى تبدأ من تحديد ظاهرة فقهية في باب الإرث تسمى «قاعدة التنزيل أو التقرب أو الجر».
2. اليقين الحاصل من إثبات هذا الأمر في الشرع وبواسطة أدوات الإثبات الفقهي المعروفة، أي الكتاب والسنة.
3. تحليل ودراسة هذه الظاهرة وتحديد حقيقتها وخصائصها وعناصرها المكوّنة لها.
4. إقامة نوع من التطبيق بين هذه الظاهرة التشريعية والنسب الأربع أو الخمس المعروفة، أي: التخصّص، الورود، الحكومة، التخصيص والتقييد، ومن ثم إثبات الفرق بين هذا الأمر والنسب المذكورة وتحديد نقاط الامتياز وكذلك الخصائص المشتركة بينها.
5. بيان الحالات المختلفة للتطبيق على هذه الرؤية وتقسيمها إلى قسمين: تطبيق بسيط وتطبيق مركب.
بيان الاستدلال
يتم الاستدلال على وجود مثل هذه النسبة على النحو التالي:
الدليل الأول: أصل ثبوت هذا النوع من النسب في الأدلة الشرعية، وإن كان هذا الأمر قد حدث في مورد واحد فقط.
في هذا المجال في باب الإرث، وردت قاعدة فقهية في مورد إرث الأقارب الذين لم يُعيّن لهم سهم محدد – مثل أولاد الأولاد وأولاد الإخوة – وشرحها كالتالي: كل ذي رحم هو في الواقع بمنزلة الشخص الذي يتصل به، بمعنى أنه يأخذ نصيب وسهم إرث من يتصل به، ويتقرب به إلى الميت.
ويرث. وبناءً على ذلك، وعلى أساس المثال الأول، فإن أولاد الأولاد (الأحفاد) سيرثون سهم أولادهم الأصليين (أي والديهم)، وبالمثل فإن أولاد الإخوة في المثال الثاني سيرثون سهم أخيهم (أي أبيهم). لهذا الأمر عدة أدلة أهمها:
المتن الأول: حديث صحيح لأبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام):
في كتاب علي (عليه السلام) جاء: «العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم وكل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به إلا أن يكون وارث أقرب منه فيحجبه» (الحر العاملي، 1412: 26/ 68).
دراسة سند الحديث
سند الكليني: محمد بن يعقوب الكليني عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة، وهو أيضاً عن بعض أصحابنا نقلاً عن سهل بن زياد وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وجميعهم عن ابن محبوب نقلاً عن أبي أيوب الخزاز (الكليني، 1388: 7/ 77). أبو القاسم حميد بن زياد بن حماد بن حماد بن زياد هوار الدهقان ثقة بالكامل (النجاشي، 1416: / 132؛ الجواهري، 1424: 2). أبو محمد الحسن بن محمد بن سماعة الكندي الصيرفي أيضاً من الشيوخ الثقات (النجاشي، نفسه: 40 – 41؛ الجواهري، نفسه: 154)، وأبو علي الحسن بن محبوب السرّاد (= الزرّاد) أيضاً كوفي وثقة بالكامل ومن أركان وأعمدة عصره (الطوسي، 1404: 2/ 851؛ همو، 1417: 96- 97؛ همو، 1415: 334؛ النمازي الشاهرودي، 1412: 3/ 30 – 31؛ الجواهري، نفسه: 15). أبو أيوب الخزاز الكوفي، إبراهيم بن عيسى (= بن عثمان) أيضاً شخص جليل وثقة بالكامل (النجاشي، نفسه: 20؛ الطوسي، 1417: 41؛ همو، 1415: 159؛ الجواهري، نفسه: 8)، ولكن الشيخ ذكر اسمه في الرجال باسم «إبراهيم بن زياد» (الطوسي، 1415: 159). وسند الشيخ كالتالي: محمد بن الحسن الطوسي عن المفيد وحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون وجميعهم عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزاز (الطوسي، 1390: 9/ 325 – 326).
أما سند الشيخ: محمد بن الحسن الطوسي (عن المفيد وحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون وجميعهم عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري عن حميد بن زياد عن) الحسن بن محمد بن سماعة عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزاز (الطوسي، 1390: 9/ 325 – 326 و 10/ 75).
المتن الثاني: صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يجعل العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم وولد الأخ بمنزلة الأخ»، وبالتالي «يفعل بكل ذي رحم ليس له فريضة على هذا النحو». وأيضاً في تتمة الحديث قال: قال علي (عليه السلام): «إذا كان الوارث من أصحاب الفرائض كان أحق بالمال وأولى به» (الحر العاملي، نفسه: 26/ 188 – 189).
دراسة سند الحديث
سند الحديث: محمد بن الحسن الطوسي عن (علي بن إبراهيم عن أبيه) عن الحسن بن محبوب عن حماد أبي يوسف الخزاز عن سليمان بن خالد (الطوسي، نفسه: 9/ 326 و 10/ 52 – 54)، أبو يوسف حماد الخزاز شخص مجهول (الجواهري، نفسه: 192)، وأبو الربيع الأقطع سليمان بن خالد بن دهقان بن نافة ثقة ومعروف بأنه قارئ وفقيه (النجاشي، نفسه: 183؛ الطوسي، نفسه: 2/ 644؛ الجواهري، نفسه: 264).
ولهذا السبب، يُقال إن هذا السند غير تام بسبب جهالة أبي يوسف الخزاز.
ولكن هذا الشخص (أبو يوسف الخزاز) ليس له وجود خارجي، ومن المحتمل قوياً بل قطعاً ويقيناً أن هناك تصحيفاً في هذا المجال وأن المقصود به «أبو أيوب الخزاز». ورواية الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزاز عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) شاهد على هذا الادعاء (الحر العاملي، نفسه: 28/ 272) مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الشخص له أسماء مختلفة مثل ابن عيسى أو ابن عثمان أو ابن زياد (نفسه: 30/ 297 – 298)، فمن المحتمل أن يكون التصحيف والخطأ في الاسم ناشئاً عن الاختلاف في اسمه.
هذا الأمر بالإضافة إلى تقارب المضمون بل وتطابق بعض فقرات الرواية في العبارات، لأن هذه الرواية مطابقة تماماً للرواية السابقة، وإلى جانب ذلك، فإن الشخص الذي روى هذا المطلب عن الخزاز هو في كلتا الحالتين شخص واحد وهو الحسن بن محبوب. وبالتالي، فإن سند هذه الرواية تام وكامل دون أي شك أو ريب، ولا مجال لمثل هذه الوساوس غير المنطقية.
الدليل الثاني: إثبات الفرق بين هذه النسبة والنسب الأخرى مثل الورود والحكومة، سيثبت حقيقة ادعائنا.
على هذا الأساس نقول: ما هي نوع النسبة بين هذه القاعدة – أي قاعدة الجر – وأدلة إرث الورثة الذين حلوا محل الورثة الأصليين؟ في هذا المجال، يمكن الإشارة إلى هذه الآية الشريفة التي بينت حكم إرث الأولاد وكيفية اختصاص الميراث بهم: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (النساء: 11). ما حقيقة هذا الأمر؟ وهل هذه الآية تعد قيداً أم لا؟ وبالمثل، ما نسبة هذه الآية إلى الآية الشريفة التي تليها والتي بين فيها الله تبارك وتعالى حكم إرث الكلالة من الأم وكيفية إرثهم؟ نص الآية هو: «وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» (النساء: 12).
في هذا المجال، نبين الجهود التي بذلت للإجابة على هذا السؤال:
المحاولة الأولى: قاعدة التنزيل الواردة في الآيتين السابقتين، إذا فُسرت بمعناها البسيط والمباشر، تقتضي أن يرث جميع الإخوة من أخ المتوفى أو أخت المتوفى (أي من العمة أو العم) بشكل مباشر ويعتبرون إخوة له، وعلى هذا الأساس يحصلون على السهم المحدد في الآية مع مراعاة الخصائص المؤثرة في سهم الإرث، مثل الذكورة والأنوثة أو التعدد والاتحاد.
وعلى هذا المنوال، يقتضي أيضاً أن يرث أولاد الأولاد (الأحفاد) مباشرة من أب وأم أبيهم (أي الجد أو الجدة) ويعتبرون أولاداً صلبيين (أولاد أصليون وبدون واسطة)، وبالتالي يحصلون على السهم المحدد في الآية مع مراعاة الخصائص التي لها دور في الإرث، مثل الذكورة أو الأنوثة – لأن سهم الابن ضعف سهم البنت. في حين أن الروايات الموجودة في هذا المجال لا تعتبر هؤلاء الأفراد وارثين مباشرين وبدون واسطة للوارث الفعلي، وإنما تعتبرهم وارثين لمن حلوا محله.
من هنا يتضح وجود تنافٍ وتخالف بين هذين الدليلين، على الرغم من عدم وجود هذا التنافي في حيز البنية والتعبير. ولهذا السبب بالذات، يُطرح الحديث هنا عن إمكانية رفع هذا التنافي وتشخيص نوعه – أي هل هو من قبيل التقييد أم لا.
المحاولة الثانية: قيل أحياناً إن هذه النسبة هي نفسها التقييد أو التخصيص، مع توضيح أن الروايات الواردة في إرث أولاد الأولاد هي روايات مقيدة لأدلة إرث الأولاد، مثل الآية الشريفة «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (النساء: 11). وهذا الأمر مبني على شمول الآية لأولاد الأولاد، وخاصة بناءً على دعوى شمول هذه الحقيقة. وفي هذا السياق، وفي ضوء هذا الأمر، يُستثنى أولاد الأولاد من بعض الأحكام الواردة في هذه الآية، مثل الحكم بأنهم يرثون سهم آبائهم، وهذا الأمر بدوره يؤدي أحياناً إلى أن تأخذ المرأة نصف سهم الرجل أو نفس سهم الرجل أو حتى أكثر منه، وعلى هذا الأساس يمكن أن يتغير سهم ذكرين أو أنثيين بسبب اختلاف الوسائط التي تصلهم بالميت. وبالمثل، فإن الروايات الواردة في إرث أولاد الإخوة تقيد آية الإخوة (آية الإخوة)، وهذه الآية هي: «وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» (النساء: 12)، هذه الآية تدل على ثبوت أحكام توريث الإخوة وبواسطتها تثبت بعض هذه الأحكام لأولاد الإخوة.
بحث ودراسة
1. الآية الأولى لا تشمل أولاد الأولاد لا حقيقة ولا مجازاً. وبالمثل، الآية الثانية لا تشمل أولاد الإخوة. وبالتالي، ومع الأخذ في الاعتبار أن الآيات المذكورة ليس لها أي شمول أو عموم بخصوص هؤلاء الأفراد، لا يمكن استثناؤهم – سواء بالتقييد أو التخصيص – من الحكم الأصلي أو إخراجهم منه.
2. مقولتا التقييد والتخصيص لا تجريان إلا عندما يكون هناك تنافٍ أو تكاذب بين مدلول دليلين، في حين أننا لا نشهد هنا أي نوع من التكاذب بين الجعلين.
3. مفهوم ومنظور تطبيق قاعدة التنزيل والإنابة في هذه المسألة التي نحن بصددها أو في موارد أخرى – مثل أولاد العمات والخالات – ليس استثناء وفصل جزء وسهم من السهم الكلي للحكم وإخراجه من الحكم، بل المقصود هنا هو قبول الحكم المذكور والتسليم به. وهذه القاعدة إنما وردت لتوضيح كيفية وجودة تطبيق هذا الحكم في مورد أولاد الإخوة وأولاد الأولاد.
وسبب هذا الأمر يعود إلى أن نسبة الإطلاق والتقييد بين دليلين لا تتشكل إلا عندما يكون بينهما نوع من التنافي المعنوي، بمعنى أن أحد هذين الدليلين يؤكد الحكم والآخر ينفيه. وهذا المطلب يختلف عما نشهده هنا، إذ إن كلا الدليلين هنا مؤيدان للحكم ويؤكدانه.
المحاولة الثالثة: قيل إن هذه النسبة هي نفسها نسبة الورود، لأن مفاد وفحوى هذه الروايات هو جعل أولاد الأولاد بمنزلة آبائهم، بمعنى أنهم يعتبرون فرداً من أفراد الموضوع المأخوذ من الآية. وبناءً على ذلك، فإن الدليل المذكور هنا في الواقع يوجد فرداً جديداً لموضوع الحكم أي «الأولاد» وهذا الأمر في حقيقته نوع من الورود.
بحث ودراسة: مقتضى الورود هو ترتب جميع الأحكام المأخوذة في الدليل المورود على العنوان المأخوذ في الدليل الوارد، في حين أننا لا نواجه في هذا المقام مثل هذه المسألة. وعلى هذا الأساس، فإن هذا الأمر لا يُعد من النوع الثاني من أنواع الورود، وهو عبارة عن الوقت الذي يكون فيه الدليل الوارد – مع الأخذ في الاعتبار ترتب بعض – أو أكثر – الأحكام وبقاءها على هذه المسألة – نافياً لموضوع الدليل المورود.
المحاولة الرابعة: قد يُقال إن هذه النسبة هي الحكومة، لأن مفاد هذه الروايات هو تنزيل عنايِي لأولاد الأولاد بمنزلة آبائهم، بمعنى أننا نعتبرهم فرداً من أفراد الموجودين في الآية. إذن، هذا الدليل هنا أدى إلى ادعاء فرد جديد في موضوع الحكم – أي الأولاد – وهذا الأمر في الواقع نوع من الحكومة.
بحث ودراسة: توضيح هذا المطلب هو بالضبط ما تم بيانه في السطور السابقة.
المحاولة الخامسة: قد يُقال إنه لا يوجد أي ارتباط بين هذه الروايات والآية المذكورة. وهذا الأمر مبني على إنكار وعدم قبول شمول هذه الآيات لأولاد الإخوة وأيضاً أولاد الأولاد – سواء حقيقة أو مجازاً – وفي الحقيقة هذه الآية هنا بصدد بيان تشريع جديد. وقد تم بحث ودراسة هذا المطلب سابقاً بشكل إجمالي وعابر.
المحاولة السادسة: هي ما يعتقده الكاتب من وجود نسبة خاصة بين هذه الآية والروايات المذكورة تختلف وتغاير النسب المذكورة – أي التقييد والورود – والنسب الشبيهة بها – مثل التخصيص والحكومة. وميزة وتفوق هذه النسبة على التقييد والورود هو أن الاعتبار الموجود فيها ليس اعتباراً بسيطاً وقد تم الحصول على أكثر من اعتبار واحد. بعبارة أخرى، هذا الاعتبار مرهون باعتبارين أو أكثر، لأن هذه النسبة في وقت واحد يمكن أن تشمل التصرف في موضوع كلا الدليلين. ولهذا السبب، لا يستطيع موضوع الدليل الأصلي أن يحافظ على هويته بشكل كامل وتام. إذن، بناءً على ما سبق، فإن مدلول هذه النسبة التنزيلية هو أنه لموضوع الدليل الأول – أي الدليل الذي بُيّن فيه مطلب ما مثل دليل إرث الأولاد الصلبيين – يتولد موضوع مركب وهو عبارة عن الموضوع الفعلي والمطلوب بالإضافة إلى موضوع افتراضي جديد. وعلى هذا الموضوع الافتراضي يترتب أثر الموضوع الفعلي – أي نفس التوريث الافتراضي. وعلى هذا الأساس، يتسبب هذا الأمر في إيجاد موضوع جديد آخر مركب من نفس الموضوع الافتراضي والموضوع الفعلي للدليل الثاني – أي دليل إرث الشخص النائب – ويترتب عليه أثره – أي نفس الإرث الافتراضي. وبناءً على ما سبق، لا يبقى موضوع الدليل الأول على حاله ولا موضوع الدليل الثاني.
وهذا الأمر خلاف سائر النسب المعتادة في علم الأصول – أي التقييد والتخصيص والحكومة والورود – لأن هذه النسب تمثل نوعاً من التصرف في أحد الدليلين وترك الآخر على حاله، بمعنى أنه في أحد الدليلين، من خلال توسيع أو تضييق دائرة الحكم المذكور فيه أو دائرة الموضوع المأخوذ منه، يتم نوع من الدخل والتصرف. وعلى أي حال، هذا التصرف يتم فقط في أحد الطرفين ويبقى الطرف الآخر على حاله.
في المطلب الذي نحن بصدد دراسته، فإن موضوع الإرث الوارد في الآية هم نفس الأولاد الذين يرث فيهم الذكر ضعف الأنثى. وبناءً على ذلك، يأخذ الأولاد الذكور سهمين والأولاد الإناث سهماً واحداً.
إلى جانب هذه الآية الشريفة، لدينا روايات تعتبر عنوان «أولاد الأولاد» فرداً من أفراد المطلوبين في الآية، أي الأولاد. وهذا الأمر بدوره نوع من التصرف أو التنزيل والإنابة أو الافتراض، ولكن الروايات المذكورة لا تكتفي بهذا القدر بل تجعل العنوان الأول (أي الأولاد) موروثاً أيضاً وتجعلهم بمنزلة الأب. إذن، هنا لم يعد الأولاد ملتزمين بهويتهم السابقة كورثة وأبناء. وهذا الأمر أيضاً تصرف وتنزيل وافتراض آخر ومنفصل عن الأول. وبالتالي، ومع الفرض المذكور، يتحول الأولاد إلى موروثين وآباء يرث أبناؤهم سهمهم، وكأننا هنا نواجه عملية توريث أخرى لم تُذكر بشكل صريح وواضح. وبالتالي، نرى أن الابن هنا يُعتبر مرة وارثاً ومرة أخرى موروثاً. وهذا هو ما ذكرناه بعنوان عدم الالتزام والحفاظ على الموضوع المأخوذ في الدليل الأول، وهذا المطلب هو المقصود بالتعبير الوارد في روايات هذا الباب في مجال تنزيل أولاد الأولاد في مكانة آبائهم ونيابتهم عنهم. وهذا الأمر أيضاً مثل نيابة الوكيل عن الأصيل ونسبة الفعل إليه، لأنه لا يوجد هنا أي تكرار، وعملية الاعتبار هنا تظهر في تنزيل أو نيابة واحدة، وهذه العملية عملية بسيطة وسهلة، في حين أن المطلب الذي نحن بصدد بيانه يتضمن تنزيلين أو نيابتين. بعبارة أخرى، نحن هنا نواجه عمليتين للنيابة.
بتحليل ما سبق، يتم الجمع بين الآية والروايات المطروحة حولها ويصبح نهائياً. وهذا الجمع هو جمع عرفي واضح، وليس جمعاً برهانياً دقيقاً ومعقداً. ومع الأخذ في الاعتبار ما سبق، فإننا نشهد هنا إضافة نسبة جديدة إلى النسب الأربع المعروفة بين الأدلة. وهذه النسبة هي عبارة عن التطبيق الافتراضي لحكم دل عليه الدليل الأول.
ومن حسن الحظ أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أشاروا أيضاً في عدة مواضع، مضموناً ولفظاً، إلى هذه القاعدة، وفي هذا المجال – ورغم ادعائنا بوضوح هذه القاعدة في العرف – فقد اهتموا بكيفية وجودة العملية التنفيذية وتطبيق هذه القاعدة. والسبب يعود إلى أن احتمال وجود خطأ عرفي في تطبيق هذه القاعدة أمر جدير بالاهتمام، لأن هذه المسألة تتعلق بتطبيق موضوع على فرد اعتباري حدده الشارع. بعبارة أخرى، نحن هنا نشهد تطبيق الموضوع على مصاديقه الخارجية، ولو لم يكن الأمر كذلك، لما انقاد العرف لمثل هذا التطبيق.
وبالتالي، بناءً على ما تم بيانه، لم يعد هناك أي إبهام أو إشكال في الأحكام المبينة بخصوص أولاد الأولاد والأشخاص المشابهين لهم من الأقارب، لأنه في هذا المجال يُفترض أنهم يرثون من والديهم – سواء الأب أو الأم – ومقدار إرثهم هو بالضبط نفس مقدار الإرث الذي كان والدهم سيحصل عليه من أبيه، وهذا المقدار سيختلف في الحالات المختلفة. وفي هذا المجال أيضاً، تلعب بعض الأمور دوراً، منها: كون الشخص ذكراً أو أنثى، كونه وحيداً أو له شركاء في هذا الأمر، مع وجود أبيه وأمه أو أحدهما أو عدم وجودهما، وأيضاً بناءً على ما ورد في الآية. وبناءً على ما سبق، تنشأ في هذا الإطار حالات مختلفة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أن «أولاد الأولاد» هم في الحقيقة أولاد آبائهم، فإن الأحكام الواردة في الآية تنطبق عليهم مرة أخرى.
من هنا يتضح أنه حتى لو كانت دعوى دلالة هذه الآية على أن «أولاد الأولاد»، سواء حقيقة أو مجازاً، يدخلون في عنوان (الولد = الابن) الوارد في الآية، دعوى كاملة وتامة، فإن الروايات التي تبين كيفية إرثهم ستكون كافية لنا.
أقول: ربما يكون المقصود ببعض المجاز هو ما بيناه نحن، وليس المعنى الاصطلاحي عند أهل الفن، وإن كنا في هذا المجال وفي هذا النوع من الفهم سنشهد تكلفاً بل وتسرعاً وعدم تفكير.
بناءً على هذا المطلب، يتضح بجلاء حجية هذا النوع من الجمع العرفي بين دليلين. وهذا الأمر هو السنة وتأكيد العرف الذي لا يمكن رده.
ملاحظات
أولاً: ليس مقصودنا من هذه النسبة التنزيلية أن تنحصر في تكرارها مرتين، إذ يمكن أن يتكرر هذا الأمر عدة مرات – وليس مرتين فقط – لأنه طالما أن هذه النسبة هي نسبة تطبيقية، فلا يوجد أي مانع من تكرارها عدة مرات. وقد تجلى هذا الأمر في المثال أعلاه – أي نيابة أولاد الأولاد عن آبائهم – لأنه من المحتمل هنا أن تزداد البطون – أي الأجيال اللاحقة – وبالتالي تزداد الوسائط، وبناءً على ذلك تزداد عملية الافتراض والنيابة (التنزيل) بنفس النسبة وبعدد هذه الوسائط.
على سبيل المثال، إذا افترضنا أن شخصاً توفي وترك أحفاد أولاده، وهؤلاء الأفراد هم: ابن وبنت من بنت ابن المتوفى، وابن وبنت من ابن بنت المتوفى، ففي هذه الحالة سيكون تقسيم السهام لكل من هؤلاء الأفراد على النحو التالي:
1. نفترض أن الأولاد الصلبيين (الأولاد بدون واسطة) للمتوفى – أي البنت والابن – على قيد الحياة. في هذه الحالة، يرثون من أبيهم (المتوفى) بحيث يحصل الابن على ضعف البنت وفقاً للآية. وبالتالي، سترث بنت المتوفى ثلث أمواله وابنه ثلثي أمواله.
2. ثم نفترض أن أولاد أولاد المتوفى – أي بنتهم وابنهم – أيضاً على قيد الحياة. بناءً على ذلك، سترث البنت الثانية سهم أبيها – أي الثلثين – وسيرث الابن الثاني سهم أمه – أي الثلث. هنا انعكس سهمهم من الإرث، أي أصبح سهم البنت ثلثين وسهم الابن ثلث. والآن، إذا افترضنا على سبيل الجدل أن هذه البنت الثانية لها أخ، ففي تلك الحالة سيقتسمون الإرث بحيث تأخذ البنت ثلث المال والابن ثلثيه.
3. ثم نفترض أن الأحفاد يرثون من آبائهم وأمهاتهم مباشرة. وفي هذه الحالة:
بالنسبة للشخصين الأولين: يأخذ الابن سهمين من ثلاثة (2/3) وتأخذ البنت سهماً من ثلاثة (1/3). أما بالنسبة للشخصين التاليين: يأخذ الابن سهمين من ثلاثة (2/3) وتأخذ البنت سهماً من ثلاثة (1/3).
وتوضيح هذا المطلب يكون على النحو التالي: المسألة: ابن وبنت من بنت ابن المتوفى، وابن وبنت من ابن بنت المتوفى.
هنا نواجه ثلاث خطوات (ثلاث مراحل):
الخطوة الأولى: (عملية إرث الأولاد الصلبيين – بدون واسطة): بنت وابن المتوفى.
يأخذ الابن ثلثي الإرث = 2/3 = 6/9.
والبنت أيضاً ثلث = 1/3 = 3/9.
الخطوة الثانية: (عملية إرث الجيل الثاني): بنت وابن.
تأخذ البنت سهم أبيها أي ثلثي الإرث = 2/3 = 6/9.
والابن أيضاً سيأخذ سهم أمه أي الثلث = 1/3 = 3/9.
الخطوة الثالثة: (عملية الإرث في الجيل الثالث): ابن وبنت، ابن وبنت.
الابن والبنت الأوليان سيرثان سهم أمهما الذي كان ثلثين (أي 6/9). وهنا يُقسم هذا المقدار من الإرث بينهما ويأخذ الابن ضعف البنت. وفي هذه الحالة، يكون سهم الابن ثلثي الإرث الكلي (4/9) وسهم البنت ثلث الإرث الكلي (2/9).
والبنت والابن الثانيان أيضاً سيأخذان سهم أبيهما، أي ثلث الإرث الكلي (3/9).
ثانياً: ليس من المهم جداً أن نقترح مصطلحاً جديداً لهذه العملية. في الحقيقة، ما يهم هنا هو مضمون النظرية التي بيناها. ولكن على أي حال، إذا كان هناك إصرار على هذا الأمر – أي اقتراح اسم أو مصطلح لهذه العملية – فيمكن اختيار إحدى هذه العبارات لهذا الغرض: «نسبة التنزيل الافتراضي» أو «نسبة التطبيق الافتراضي»، أو يمكن اقتراح مصطلحات وعبارات شبيهة بهذين الموردين. وتجدر الإشارة إلى أن العملية التنفيذية لدينا في هذا المجال تكون أحياناً بسيطة وأحياناً أخرى مركبة أو معقدة، وفي الحالة الثانية يمكن استخدام عبارات «نسبة التنزيل المركب» أو «نسبة الافتراض المركب» أو «نسبة التطبيق المركب» لهذا الغرض.
مثل هذه العملية يمكن إجراؤها في باب إرث أولاد الإخوة وكذلك في باب إرث أولاد العمات والخالات بنفس الطريقة تماماً. وقد سبق أن بينا أن هذه الطريقة كما تجري في الأجيال اللاحقة (الأحفاد) فإنها قابلة للتطبيق في الأجيال السابقة (الأجداد) أيضاً، بل يمكن إجراؤها وتطبيقها في موارد أخرى في باب الإرث، مثل أعمام الأب وأجداده وأخوالهم أيضاً.
وهذا الأمر من الأبحاث الجديدة والقيمة والدقيقة التي تحتاج إلى دراسة وتدقيق وتحرير، ومن الضروري فتح فصل مستقل لها في علم الأصول، وبهذه الطريقة من الضروري بحث ودراسة موارد تطبيقها في مختلف مجالات علم الفقه، ومعرفة ما إذا كان يمكن تطبيق هذه القاعدة في مجالات أخرى وأبواب فقهية أخرى غير باب الإرث أم لا. نأمل من الله تعالى أن ندرس هذا الأمر بدقة في الأبحاث القادمة.
ثالثاً: شمول هذه النسبة للأجيال السابقة (الأجداد) مثل شمولها للأجيال اللاحقة (الأحفاد والأجيال التي تليهم). بعبارة أخرى، هذه النسبة كما تشمل الأحفاد والأجيال التي تليهم، فإنها تشمل الأجداد والأجيال التي قبلهم – أي والد الجد ووالد جده وأعمام وعمات وخالات المتوفى من جهة الأب أو أعمام وعمات وخالاته من جهة الأم. في الحقيقة، تتم عملية تحديد الإرث هنا في أكثر من مرحلة تنفيذية وبعدد الأجيال السابقة. ونتيجة هذه العملية أيضاً تتضح جيداً في الحالات التي يحدث فيها اختلاف بخصوص الوارث الفعلي مع واسطة محذوفة – سواء كانت ذكراً أو أنثى. وإلى جانب هذا الأمر، فإن هذه النتيجة يمكن ملاحظتها جيداً في الموارد التي يحدث فيها تغيير في نوع القرابة والصلة وتتغير العناوين – مثل أخوال أعمام المتوفى أو أعمام أخوال المتوفى وأمثال ذلك. ولبيان هذه المسألة، نكتفي بذكر مثالين:
المثال الأول: عم الخال، وخال الخال، وعم العم، وخال العم.
نحن هنا نواجه مرحلتين:
المرحلة الأولى: (إرث مجموعة الأصول الأولى) وهم الخال والعم.
للخال الثلث: 1/3 = 3/9.
وللعم الثلثان: 2/3 = 6/9.
الخطوة الثانية: (إرث مجموعة الأصول الثانية) وهم أربعة أشخاص: عمة وخال الخال، وعمة وخال العم.
يأخذ عم وخال الخال سهم ابن أخيهما أو ابن أختهما (الذي هو، حسب الفرض، خال الميت). هذا السهم هو ثلث الميراث أي 3/9، ويُقسم بحيث يأخذ عم الخال ثلثيه أي 2/9، وخال الخال ثلثه أي 1/9.
ويأخذ عم وخال العم سهم ابن أخيهما أو ابن أختهما (الذي هو، حسب الفرض، عم الميت). هذا السهم هو ثلثا الميراث الكلي أي 6/9، ويُقسم بحيث يأخذ عم الخال ثلثيه أي 4/9، وخال العم ثلثه أي 2/9.
وكما هو واضح، فإن الخطوة الأولى من هذه العملية هي أمر افتراضي وخيالي تماماً، لأنه في الحقيقة لا يوجد خال وعم مباشر للميت (خال وعم حقيقي للميت).
المثال الثاني: عم وعمة الخال، وخال وخالة الخال، وعمة وعم العم، وخال وخالة العم.
هنا أيضاً أمامنا مرحلتان:
الأولى: (تحديد إرث الجيل الأصلي الأول) وهما شخصان: الخال والعم.
سهم الخال الثلث = 1/3 = 9/27، وسهم العم الثلثان = 2/3 = 18/27.
الثانية: (تحديد إرث الجيل الأصلي الثاني): يشمل ثمانية أشخاص وهم: الأعمام والعمات والأخوال والخالات من جهة الخال، والأعمام والعمات والأخوال والخالات من جهة العم.
سيأخذ عم وعمة وخال وخالة الخال سهم ابن الأخ أو ابن الأخت (الذي هو، حسب الفرض، خال الميت). وهذا السهم يعادل الثلث أو 9/27، ويُقسم بحيث يأخذ أعمام الخال ثلثيه أي 6/27، وأخوال الخال ثلث الإرث أي 3/27.
أما عم وعمة وخال وخالة العم، فسيأخذون سهم ابن الأخ أو ابن الأخت (الذي هو هنا، حسب الفرض، عم الميت). وهذا المقدار يعادل الثلثين أو 18/27، ويُقسم بحيث يأخذ عم وعمة الخال ثلثيه أي 12/27، وخال وخالة الخال ثلثه أي 6/27.
وكما لوحظ، فإن الخطوة الأولى من هذه العملية هي أمر افتراضي تماماً، لأن الميت في الواقع ليس له عم وخال.
النتيجة
1. في البحث الحاضر، أثبتنا وجود نسبة جديدة بين الأدلة، واقترحنا علاقة في هذا المجال من خلال تحليل ظاهرة شرعية. وهذه النسبة هي نفسها قاعدة الجر أو التقرب أو التنزيل الواردة في باب الإرث. وهذا الأمر في الواقع قاعدة فقهية تدل على تنزيل وإنابة وارث محل شخص آخر. وفي هذا السياق، سعينا إلى التوصل إلى النسبة بينها وبين أدلة توريث النائب.
2. في هذا المجال، استدللنا بنصين صحيحين، وبنفس الطريقة من خلال تفسير وتحليل هذه العلاقة وبيان خمس محاولات مختلفة، سعينا إلى تفسير هذه المسألة تفسيراً فنياً ومتوافقاً مع المجال الأصولي، ولكن في النهاية درسنا جميع هذه المحاولات الخمس ورفضناها جميعاً، وبدلاً منها، قدمنا رؤية جديدة تشتمل على وجود نسبة خاصة باسم نسبة التطبيق الافتراضي. وهذه الرؤية عبارة عن نوع من التنزيل والإنابة الخاصة، ولكن ليس من خلال تنزيل وإنابة الموضوع الموجود والفعلي كونه موضوعاً فعلياً آخر، بل من خلال افتراض موضوع ليس له وجود خارجي بنفسه، ثم تطبيق الحكم عليه، للتمكن من خلال ذلك من الوصول إلى الحكم المطلوب وتطبيقه.
قائمة المصادر
القرآن الكريم.
الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1419 هـ.
البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية، قم، انتشارات الهادي، الطبعة الأولى، 1419 هـ.
الجواهري، محمد، المفيد من معجم رجال الحديث، قم، انتشارات كتابخانه محلاتي، الطبعة الثانية، 1424 هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
الحكيم، عبد الصاحب، منتقى الأصول، قم، چاپخانه الهادي، الطبعة الثانية، 1416 هـ.
الروحاني، محمد صادق، زبدة الأصول، قم، مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، رجال الكشي، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي التابعة لجامعة المدرسين، 1404 هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1390 هـ.ش.
الطوسي، محمد بن حسن، رجال الطوسي، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي التابعة لجامعة المدرسين، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، الفهرست، إيران، انتشارات فقاهت، چاپخانه انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى، 1417 هـ.
العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي التابعة لجامعة المدرسين، 1405 هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 هـ.ش.
النجاشي، أبو العباس أحمد بن علي الأسدي الكوفي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة انتشارات إسلامي التابعة لجامعة المدرسين، الطبعة الخامسة، 1416 هـ.
النمازي الشاهرودي، علي، مستدركات علم رجال الحديث، طهران، شفق، الطبعة الأولى، 1412 هـ.