المستخلص
في العصر الحاضر، ومع نمو التكنولوجيا وتقدمها وظهور العديد من الشبهات والتساؤلات حول كيفية تكييف التراث مع الحداثة، قُدّمت آراء ونظريات مختلفة من قبل المثقفين والمفكرين المسلمين الجدد حول فهم القرآن وتفسيره، والسمة المشتركة بينها جميعًا هي النظرة التاريخانية للقرآن الكريم. ومن الواضح أن اعتبار القرآن الكريم تاريخانيًا يتعارض مع كونه فوق التاريخ، ويترتب عليه عواقب سلبية، منها نفي تعاليم هذا الكتاب الإلهي. إن وجود هذه المشكلة يجعل من الضروري تتبع جذور هذا النوع من النظرة إلى القرآن للوصول إلى حل جذري للتغلب عليها. وفقًا للدراسة الحالية، التي نُظمت بمنهج وصفي-تحليلي، فإن إشكالية النظرة التاريخانية للقرآن متجذرة في بعض المباحث المشوهة والمعيبة في علوم القرآن، وبقليل من التأمل، يمكن رؤية آثار بعض مباحث علوم القرآن مثل “أسباب النزول”، و”المكي والمدني”، و”الناسخ والمنسوخ” في آراء ووجهات نظر المثقفين والمفكرين المسلمين الجدد.
طرح المسألة
لقد كان القرآن الكريم على الدوام المرجع العلمي للمسلمين في كل زمان ومكان. ومع ذلك، في العصر الحاضر، وفي أعقاب التقدم والنمو التكنولوجي، أُثيرت العديد من الأسئلة والتحديات والشبهات حول فاعلية تعاليم هذا الكتاب الإلهي وكيفية توافق الإسلام مع الحداثة، مما أدى إلى طرح نظريات ورؤى متنوعة من قبل المفكرين والمثقفين الدينيين الجدد في محاولة للإجابة عليها. ورغم ذلك، وكما بُيّن وأُثبت في بحث مستقل،1 فإن السمة المشتركة لجميع هذه النظريات والآراء، على الرغم من انتماء أصحابها إلى بيئات جغرافية وسياسية مختلفة وتباين وجهات نظرهم بشأن إلهية أو بشرية القرآن، هي النظرة التاريخية للقرآن الكريم؛ حيث يرى أصحاب هذه الآراء أن جميع ألفاظ وعبارات القرآن الكريم أو جزءًا منها غير مناسبة وفعالة للعالم المعاصر، ويحصرون فائدة هذه التعاليم في عصر النزول. وفي المقابل، فإن ما يعتبرونه فوق تاريخي وخالد، بصرف النظر عن التعاليم الأخلاقية والعقائدية، هو المفاهيم الكامنة وراء هذه الألفاظ، والتي أطلقوا عليها مصطلحات مختلفة.
إن وجود هذه النظرة التاريخية، على الرغم من انتماء هؤلاء الأفراد إلى بيئات جغرافية وسياسية مختلفة، يثير هذا السؤال: ما هي المسألة أو المسائل التي أدت إلى طرح هذه المباحث والنظرة التاريخية للقرآن الكريم؟ وبعبارة أخرى، ما هو أصل ومنشأ هذه النظرة التاريخية للقرآن الكريم؟ وهو سؤال يشكل الإجابة عليه جوهر البحث الحالي.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن العديد من الباحثين والدارسين يعتقدون أن هذا النوع من التوجه نحو أسس الدين وآراء وفرضيات المفكرين والمثقفين المسلمين الجدد في العصر الحاضر هو نوع من إعادة الصياغة والاقتباس من الأفكار السائدة في العالم الغربي، ويعتبرون المباحث الفلسفية والهيستورية (النظرة التاريخية) في الغرب هي منشأ وأصل هذه النظرة. (على سبيل المثال، انظر: عرب صالحي، ١٣٩١: ٥) وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار تأثير هذه التعاليم والمباحث على تيار المثقفين المسلمين، إلا أنه يبدو أن منشأ النظرة التاريخية للقرآن الكريم أعمق وأكثر تجذرًا من هذه المسألة؛ إذ من الصعب القبول بأن تيار المثقفين الدينيين، على الرغم من تخصص غالبيتهم -وليس جميعهم- في المسائل الدينية وقضائهم فترة طويلة في دراسة وبحث التراث الإسلامي، قد انجذبوا لهذه المباحث في الغرب بمجرد الاطلاع عليها وأطلقوا نداء التاريخانية لتعاليم القرآن. إلا إذا قبلنا بوجود بعض المباحث في التراث الإسلامي واعتقاد هؤلاء الأفراد بها، مما أدى إلى تأييد وقبول هذه النظريات والآراء الغربية من قبلهم، وفي النهاية، إلى اعتقادهم بتاريخانية القرآن الكريم.
إن تتبع هذه المسألة والتأمل الدقيق في آراء ونظرات هذا التيار يظهر أنه يمكن في جميعها ملاحظة بصمات بعض مباحث علوم القرآن، ويبدو أن وجود هذه المباحث في التراث الإسلامي ودورها البارز في تفسير القرآن هو الذي أدى إلى طرح هذه النظريات المتنوعة والمتكثرة حول فهم وتفسير القرآن والاعتقاد بتاريخانية القرآن الكريم. وكمؤيد لهذه الرؤية، يمكن ملاحظة أن بعض الباحثين غير الإيرانيين، عند دراسة وبيان نظرية «التفسير ذي الحركتين»، سعوا إلى إثبات تأثر «فضل الرحمن» بآراء المسلمين التقليديين والهرمنيوطيقا الغربية والخلفية التاريخية لهذه النظرية، وإلى جانب الإشارة إلى تأثر هذا المثقف بالهرمنيوطيقا الغادامرية، وبغض النظر عن أي اهتمام وبحث حول تأثير علوم القرآن على تاريخانية القرآن وتتبع جذور هذه النظرة، فقد تطرقوا إلى بيان التشابه بين بعض عبارات فضل الرحمن وآراء بعض العلماء التقليديين، مثل «شاه ولي الله الدهلوي» في «الفوز الكبير في أصول التفسير» و«الشاطبي» في نظرية «مقاصد الشريعة»، وفي النهاية، عرّفوا هذه النظرية بأنها متجذرة في التاريخ ومستقاة من «المكي والمدني»، و«أسباب النزول»، و«الناسخ والمنسوخ». (Muhammad Yufuf, Nahdhiyah&Anwar Sadat, 2021: 51) بناءً على ذلك، في الفصل الحالي، وبهدف الإجابة على السؤال أعلاه وبيان هذه المسألة، سيتم قبل كل شيء التطرق إلى بيان ماهية علوم القرآن ومكانتها في التفاسير التقليدية. ثم، بالنظر إلى الدور الأبرز لـ«أسباب النزول»، و«المكي والمدني»، و«الناسخ والمنسوخ» في آراء المفكرين الجدد، مقارنة بأنواع أخرى من علوم القرآن، وضمن بيان هذه الأنواع الثلاثة، سيُسعى إلى توضيح ارتباطها بالنظرة التاريخانية للمثقفين تجاه القرآن الكريم. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من كتابة العديد من الأعمال حول كون القرآن فوق تاريخي والإسلام، وكذلك الرد على أفراد هذا التيار، وأيضًا أهمية تبيين وكشف جذور طرح هذه المباحث في تقديم حل أساسي للخروج من هذه النظرة وإثبات أزلية وأبدية القرآن – كما سيتطرق المؤلفون إلى ذلك في بحث آخر – إلا أنه بعد البحث والتقصي، لم يُعثر على بحث يتناول تتبع جذور هذا النوع من النظرة إلى القرآن وطرح نظريات المفكرين الجدد.
١. ماهية علوم القرآن
إن ماهية علوم القرآن وتعريفها، بقدر ما أُغفلت من قبل المتقدمين ولم يُرَ لها أثر في كتبهم ومؤلفاتهم، كانت موضع اهتمام وتوجه من قبل مفكري العصر الحديث؛ بحيث إن هذا المفهوم لا يمكن تتبعه فقط في الكتب المختصة بهذا العلم وفي معظم مقدمات التفاسير الموجودة، بل كُتبت مقالات وكتابات مختلفة في تبيين وتعريف هذا المصطلح.
لقد تحدث المفكرون كثيرًا عن معنى التركيب الإضافي «علوم القرآن». فبعضهم فسره بمعنى «علوم في القرآن» – أي كل العلوم والمعارف التي تُستخرج وتُستنبط من القرآن نفسه بطريقة ما – و«علوم للقرآن» التي تشمل أنواع العلوم الدينية والإسلامية. (الزرقاني، د.ت: ١/ ٢٨؛ إقبال، ١٣٨٥: ٢٣) كما اعتبر البعض الآخر لهذا المركب الإضافي معنيين: عام – كل العلوم المتعلقة بالقرآن، سواء كانت علوماً خادمة للقرآن أو مستقاة منه – وخاص – أي العلوم المستقاة من القرآن فقط. (أوسط باقري، ١٣٨٧: ٥٢) وأشار آخرون في بيان مقصود هذا التركيب إلى العلوم المستخرجة من القرآن – علوم في القرآن – والعلوم المقدماتية لفهم القرآن. (الطالقاني، ١٣٦١: ٢٧) وبحسب قول بعض المفكرين، فإن مصطلح علوم القرآن بمعنى «علوم في القرآن» كان شائعاً في الغالب بين المتقدمين الذين كانوا يرون أن جميع أنواع العلوم، الدينية والأخروية والدنيوية، يمكن الوصول إليها واستخراجها من القرآن. (نفسه) وفي نظر هؤلاء، فإن التركيب الإضافي «علوم للقرآن» قد شهد تحولاً دلالياً مع مرور الزمن، وبدلاً من الدلالة على أنواع العلوم الدينية والإسلامية، تحول إلى اسم علم خاص بفرع معرفي مدون، يُعرف اليوم بمصطلح «علوم القرآن». (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٣١؛ الزرقاني، د.ت: ١/ ٢٨؛ إقبال، ١٣٨٥: ٢٣)
في نظر بعض المفكرين، فإن مصطلح علوم وفنون القرآن يتألف من «مجموعة من المعارف والعلوم والمهارات التي ظهرت من أجل معرفة القرآن الكريم وتقديمه وفهمه وتفهيمه بشكل أفضل وأعمق وأصح». (حاجي ميرزائي، ١٣٩٣: ٢/ ١٤٧٨) وأحيانًا يُطلق هذا المصطلح على مجموعة من العلوم التي توفر أداة لمعرفة القرآن الكريم – سواء بشكل كلي، جزئي، من حيث الألفاظ، المعاني، ارتباط الأجزاء والكلمات أو أجزاء أكبر منه مثل ترتيب وأرقام الآيات – وبيان صحيح لهذا الكتاب. (إقبال، ١٣٨٥: ٢٣) وفي أحيان أخرى، بتعريف هذا المصطلح كعلوم «تبحث عن الحالات والعوارض الذاتية والاختصاصية للقرآن الكريم» (صالحي كرماني، ١٣٦٩: ١٨)، جرت محاولة لحصر نطاق علوم القرآن في العلوم التي تختص بالقرآن فقط وتبحث مباشرة عن القرآن نفسه؛ لا عن أمور مثل الصرف والنحو والمعاني والبيان التي نشأت بتأثير هذا الكتاب الإلهي، وتدرس عربيته بدلاً من القرآن نفسه. (نفسه، ١٩) ومع ذلك، وبالاتساق مع بعض الباحثين القرآنيين، يمكن القول إن المراد بمصطلح علوم القرآن هو «علوم حول القرآن» (معرفت، ١٤١٥: ١٠/ ٥٢١؛ الحمد، ١٤٢٣: ٧؛ موسوي دارابي، ١٤٢٢: ١٥) أو جميع المعلومات والمباحث المتعلقة بالقرآن والمرتبطة به، والتي تناولت القرآن من جوانب مختلفة (حكيم، ١٤٤١: ١٩؛ الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٣١)، وجعلت هذا الكتاب الإلهي محور وموضوع بحثها وتحقيقها. (موسوي دارابي، ١٤٢٢: ١٥)
٢. مكانة علوم القرآن في فهم القرآن وتفسيره
إن مكانة علوم القرآن في فهم وتفسير القرآن الكريم والعلاقة بينهما قابلة للدراسة من جانبين. بشكل عام، من ناحية، يُعتبر علم التفسير أهم علم قرآني وأساس جميع علوم القرآن، حيث يتناول دراسة القرآن الكريم من حيث كونه كلاماً دالاً على معنى (حكيم، ١٤٤١: ٢٠). يجب الانتباه في هذا الصدد إلى أن علم التفسير، كأحد فروع علوم القرآن، يقتصر على دراسة والإشارة إلى بعض المباني والأصول والقواعد التفسيرية، وليس شرح المعاني وتبيين المدلولات ومقاصد القرآن الكريم؛ كما ظن البعض. (نفسه)
من ناحية أخرى، من الضروري لكل مفسر قبل الدخول إلى مجال فهم وتفسير الآيات الإلهية أن يكون على دراية ببعض العلوم والموضوعات التي تندرج تحت مجموعة علوم القرآن. لذا، في هذا السياق، تُعد علوم القرآن مقدمة وتمهيداً لعلم التفسير. ويمكن ملاحظة هذه العلاقة بوضوح في مقدمات بعض التفاسير، مثل «مجمع البيان في تفسير القرآن» و«آلاء الرحمن في تفسير القرآن»، حيث تناول مؤلفوها بحث وتبيين بعض مباحث علوم القرآن. وأحيانًا، تظهر هذه المقدمات على شكل كتب مستقلة في علوم القرآن، ومنها كتابا «الإتقان في علوم القرآن» – الذي كان، حسب قول السيوطي، مقدمة لتفسيره بعنوان «مجمع البحرين ومطلع البدرين» (السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٤٨) – و«التمهيد» الذي قدمه مؤلفه، آية الله معرفت، كمقدمة لتفسيره بعنوان «الوسيط». (معرفت، ١٤١٥: ١/ ي-يو)
إن هذه العلاقة بين علوم القرآن والتفسير ترشدنا إلى الدور والمكانة الأساسية لعلوم القرآن في تفسير وفهم القرآن الكريم؛ وهي أن تصميم علم علوم القرآن تم أساساً بهذا الهدف، وهو أن تكون العلوم المندرجة تحته في خدمة القرآن وتفسيره، وتساعد المفسر في فهم وتفسير القرآن الكريم. وعلى الرغم من وجود إجماع حول هذه الفلسفة المهمة لعلوم القرآن، أي معرفة هذه العلوم لفهم القرآن، إلا أن المسألة التي حظيت باهتمام أقل هي مدى تحقق هذا الهدف ونجاح علوم القرآن في الوصول إلى هذه الغاية الهامة؛ وهي مسألة يبدو أن لها ارتباطاً وثيقاً بتعدد وتنوع وتكاثر وتضخم علوم القرآن.
فيما يتعلق بعدد العلوم والفنون التي تندرج تحت عنوان علوم القرآن، هناك اختلاف في وجهات النظر. ولكن بنظرة كلية وإجمالية إلى عدد هذه العلوم، وخاصة مسارها التطوري منذ بداية تشكل هذا الفن حتى الآن، يمكن أن ندرك بوضوح أن هذه العلوم والمباحث الفرعية لهذا العلم كانت دائمًا في مسار نمو وتطور مستمر.2 وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة باختصار أنه في المراحل الأولى من تاريخ هذا العلم، لم يُذكر سوى عدد قليل من الفنون، وتم التأكيد فقط على ضرورة إلمام المفسر بعدد محدود منها – مثل «علم اللغة» – لفهم هذا الكتاب الإلهي.3 وعلى الرغم من هذه المسألة، خطت هذه العلوم في القرون اللاحقة خطوات تصاعدية، وفي النهاية في القرن الخامس، أصبح فهم كلام الله مشروطًا بمعرفة خمسة وعشرين مبحثًا من علوم القرآن.4 استمر هذا الاتجاه، وارتفع هذا الرقم في كتاب «الإتقان في علوم القرآن»، الذي يعد نقطة تحول في تاريخ هذا العلم، على يد السيوطي (ت ٩١١ هـ)، إلى ثمانين نوعًا.5
ومن منظور آخر، يمكن تفسير هذا التراكم في علوم القرآن؛ بحيث إذا قبلنا قول البعض (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٣٣ و٦٠) الذين اعتبروا أوائل القرن الخامس إلى العاشر فترة تشكل أولى المؤلفات المستقلة تحت عنوان «علوم القرآن»، نلاحظ أنه في أول كتاب مسمى بعنوان «علوم القرآن»، أي «فنون الأفنان في علوم القرآن»، لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، يتناول مؤلفه بيان عشرة أنواع من علوم القرآن، وقبل تأليف أهم وأشهر كتاب في علوم القرآن، أي الإتقان، وتورم وتراكم هذه العلوم بشكل متزايد، حصر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في كتاب «البرهان في علوم القرآن» نطاق علوم القرآن في سبعة وأربعين نوعًا.
في استمرار لهذا المسار، يمكن بسهولة إدراك أنه اليوم، بالإضافة إلى علوم القرآن السابقة، مثل المباحث الموجودة في الإتقان، طُرحت علوم جديدة متعددة، ويُتحدث مرارًا عن ضرورة الإلمام بها للدخول في فهم وتفسير القرآن. هذه العلوم متنوعة وفي نمو مستمر بحيث يمكن تقسيمها بشكل منفصل عن «علوم القرآن التقليدية» وتحت عنوان «علوم القرآن الحديثة»، والتي تشمل جميع العلوم الجديدة مثل الهرمنيوطيقا، الفينومينولوجيا، السيميائيات، اللسانيات، الأنثروبولوجيا وغيرها.
في النهاية، من مجمل دراسة علوم القرآن، وخاصة مسار نموها التصاعدي في العصر الحاضر، يتضح أن هذا العلم، سواء كان تقليديًا أو حديثًا، قد انحرف عن مقصده وهدفه، أي خدمة القرآن، وسار في طريق خاطئ؛ لأنه في البداية، كان لهذه العلوم دور هامشي فقط في فهم وتفسير القرآن؛ بمعنى أنه لرفع حجاب فهم الآيات، كان من الضروري أن يكون المفسر على دراية ببعض العلوم قبل الدخول إلى ساحة التفسير وفهم الآيات الإلهية. ولكن في المقابل، مع التضخم التدريجي لهذه العلوم، تحولت هذه المباحث والعلوم إلى حجاب لفهم القرآن الكريم، وتحول هذا الدور الهامشي إلى دور أساسي ومفتاحي في تفسير وفهم كلام الله، وفي النهاية، العلوم التي كان يجب تعلمها كمقدمة لفهم القرآن، حولت القرآن إلى مقدمة لفهمها. ولهذا السبب نرى أن البعض في الوقت الحاضر يعتبرون مفتاح فهم القرآن هو علوم القرآن! (أوسط باقري، ١٣٨٧: ٦٧) وحتى بدون علوم القرآن، يعتبرون أحيانًا فهم وتفسير القرآن الكريم أمرًا مستحيلًا! (قرائي وآخرون، ١٣٩٣: ٦٧؛ أوسط باقري، ١٣٨٧: ٦٧) وبدلاً من خدمة القرآن، قدموا الدور الأساسي لهذا العلم على أنه جعل القرآن قابلاً للفهم. (قرائي وآخرون، ١٣٩٣: ٧٨)
٣. علوم القرآن وتاريخانية القرآن
من الواضح تمامًا أن الاعتقاد بالدور المفتاحي والحاسم لمباحث علوم القرآن في تفسير وفهم الآيات الإلهية لا يتعارض تمامًا مع الآيات التي تعرف القرآن بأنه «هدى»، و«نور» (النساء: ١٧٤)، و«مبين» (النمل: ١)، و«تبيان» (النحل: ٨٩) فحسب، بل يتعارض أيضًا مع روايات مثل «كتاب الله… ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض» (نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢؛ المجلسي، ١٤٠٣: ٨٩/ ٢٢). هذه المسألة تظهر أن هذا العلم في مساره للوصول إلى هدفه، أي رفع الحجاب عن إبهامات ظاهر الآيات، قد أخطأ الطريق وتحول هو نفسه إلى حجاب لفهم القرآن الصحيح. علاوة على ذلك، أدى انتشار هيمنة مباحث علوم القرآن على فهم وتفسير القرآن إلى عواقب سلبية لا يمكن تداركها في الأبحاث المتعلقة بالقرآن الكريم، والتي يعتبر اعتقاد المثقفين والمفكرين المسلمين الجدد بتاريخانية تعاليم القرآن من أهمها. في هذا المجال، يمكن القول إن ما أدى إلى هذه النظرة التاريخية، وبالتالي طرح آراء متنوعة ومتعددة حول فهم وتفسير القرآن الكريم، هو التأثيرات الناتجة عن مباحث علوم القرآن ودورها المحوري في فهم وتفسير القرآن. وما يؤكد هذه النظرية أكثر من البحث المشار إليه في القسم السابق، هو كلام بعض المثقفين أنفسهم الذين، على الرغم من عدم انتباههم لعواقب النظرة التاريخية للقرآن والسير في هذا المسار، يصرحون بوضوح بهذا الأمر. على سبيل المثال، يعترف «نصر حامد أبو زيد»، المثقف المصري، بأنه استنبط تاريخانية نص القرآن من مجموعة مباحث علوم القرآن. (أبو زيد، ١٣٨٢: ٥٠٥) أو أن «السيد كمال الحيدري»، بالإشارة إلى مباحث علوم القرآن كأحد أهم أسباب تاريخانية القرآن لدى المفكرين الجدد، سواء كانوا مستشرقين أو مفكرين عرب، يذكر أنه عندما يقال في هذا العلم إن هناك تفاعلًا بين نص القرآن والواقع، كيف يمكن الادعاء بأن القرآن ليس نصًا تاريخيًا؟! (الحيدري، «التاريخية عند محمد أركون»، https://www.aparat.com/v/atZYS، تاريخ المراجعة: ١٤٠٢/٢/١)
على أي حال، في تتمة هذا البحث، من بين مختلف علوم القرآن، سيتم بشكل خاص تناول ثلاثة أنواع منها، وهي «أسباب النزول»، «المكي والمدني»، و«الناسخ والمنسوخ»، والتي يمكن تتبعها بوضوح في نظريات المثقفين المسلمين حول فهم وتفسير القرآن، وسيُسعى إلى تبيين ارتباط هذه العلوم بالنظرة التاريخية للقرآن.
٣-١. أسباب النزول
«أسباب النزول» من أهم مباحث علوم القرآن التي تلعب دورًا كبيرًا في تفسير القرآن الكريم. بالإضافة إلى ذلك، من خلال استعراض الكتابات الموجودة، يتضح بوضوح أنه لم يُعتبر هذا المبحث ضروريًا لتفسير كلام الله فحسب (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ١٠٤)، بل في كثير من الحالات، اعتُبر فهم بعض الآيات دون معرفة سبب نزولها أمرًا مستحيلًا. وفي هذا الصدد، يمكن ملاحظة النقل المتكرر والمقبول ظاهريًا لقول «الواحدي» حول أسباب النزول، والذي ينص على أنه «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها». (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٣٨؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١٢١؛ عتر، ١٤١٦: ٤٧؛ خلف، د.ت: ١٦٤؛ معرفت، ١٤١٥: ١/ ٢٤١؛ الصابوني، ١٤٠٥: ٢٠؛ صابر حسن، ١٤٢٠: ١٢٨). بالإضافة إلى هذه المسألة، أي «الاطلاع على معنى الآية ورفع الإشكال عنها» (السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١٢١)، اعتُبرت أمور أخرى مثل معرفة حكمة تشريع الأحكام، تخصيص الحكم بسبب نزوله في رأي من يعتبر السبب مخصصًا، دفع توهم الحصر (السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١٢٠؛ الزركشي، ١٤١٠: ١/ ١١٦)، معرفة الذين نزلت الآية بشأنهم، وسهولة حفظ وفهم القرآن (الزرقاني، د.ت: ١/ ١٠٢-١٠٧)، من الفوائد المؤكدة لهذا العلم.6
إن لأسباب النزول ارتباطًا وثيقًا بالنزول التدريجي للقرآن الكريم. ووفقًا لما ورد في الآثار ذات الصلة، فإن آيات القرآن إما لها سبب نزول خاص أو عام. والمراد بأسباب النزول الخاصة هي الحوادث والوقائع التي حدثت خلال فترة رسالة النبي التي دامت قرابة ثلاث وعشرين سنة، وأدت بالتالي إلى نزول آية أو آيات من القرآن الكريم. وأحيانًا يُعبَّر عن هذا السبب بـ«شأن النزول»، وكلاهما يُستخدمان بشكل مترادف وبنفس المعنى. ومع ذلك، أحيانًا في بعض الآثار، وخاصة الكتابات المتأخرة، مع التمييز بينهما، يُعرَّف شأن النزول بأنه أعم من سبب النزول؛ بمعنى أنه خلافًا لسبب النزول الذي يقتصر على الوقائع والأسباب التي حدثت في عصر النزول وتلتها ونزلت آية أو آيات ناظرة إليها، فإن الحوادث المسماة بـ«شأن النزول» التي نزلت آية أو آيات في شرحها وتوضيحها وبيانها، لا تقتصر على زمن النزول، بل تشمل الماضي والحاضر أو المستقبل. (معرفت، ١٤١٥: ١/ ٢٥٤؛ وهو، ١٣٨٢: ٦٦) على أي حال، كما قيل، في مقابل هذه الفئة من الآيات ذات سبب النزول الخاص، هناك قسم ثانٍ من الآيات التي لها سبب نزول عام؛ أي فئة من الآيات التي نزل بها على الرسول الأكرم ﷺ، دون دافع أو سبب خاص، وإنما فقط لتنوير وهداية عامة الناس. (الزرقاني، د.ت: ١/ ٩٩؛ راميار، ١٣٦٩: ٦٢٥)
٣-١-١. علاقة أسباب النزول بتاريخانية القرآن
إن الدور البارز لعلم أسباب النزول في خلق نظرة تاريخية تجاه القرآن واضح لدرجة أنه دفع المستشرق المعاصر «أندرو ريبين» (Andrew Rippin) إلى الاعتراف بذلك. فهو، ضمن إشارته إلى «تأريخ القرآن» (to historicize the Quran) كالوظيفة الرئيسية لروايات أسباب النزول، يرى أن أسباب النزول تربط نص القرآن بحياة محمد [ﷺ] بشكل وثيق، وتحول نصًا من القرآن ذا سياق غامض إلى جزء من تاريخ الحجاز في القرن السابع. (Rippin, 2003: 3/572) وبهذه الطريقة، فإن اشتراط وتقييد فهم القرآن الصحيح بمعرفة أسباب النزول لا يربط القرآن الكريم بوقائع عصر النزول فحسب، بل على عكس الأمر بالتدبر العام للقرآن، يؤدي إلى إنكار كونه مفهومًا لعامة الناس وحصر تفسير وفهم القرآن بالكامل في العارفين بأسباب ووقائع عصر النزول. وفي هذا السياق، على الرغم من أنه يبدو أن علماء علوم القرآن حاولوا من خلال طرح قواعد مثل «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد» (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ١٢٧؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١٢٣؛ معرفت، ١٣٨٢: ٦٧؛ وهو، ١٤١٥: ١/ ٢٤١ و٢٦١؛ حكيم، ١٤٤١: ٤٢)، أن يحرروا كلام الله، وخاصة آيات الأحكام التي نزلت عقب بعض الأسباب، من هذه التاريخانية،7 إلا أنه ليس فقط لم تكن هذه القاعدة ظاهريًا عامة ومقبولة لدى جميع الباحثين القرآنيين، بل نظرًا للتأكيد الشديد على أسباب النزول كعامل ضروري ومسار راسخ لفهم معاني القرآن (السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١٢١)، يُلاحظ في الممارسة العملية أنهم لم يكونوا ناجحين جدًا في تحقيق هذا الهدف – أي دفع التاريخانية عن القرآن الكريم – ونتيجة لذلك، نشهد يومًا بعد يوم ظهور آراء وأفكار مختلفة حول فهم وتفسير القرآن.
بالإضافة إلى ذلك، عندما نقبل الكلام المطروح حول أسباب النزول في مجمله، وحتى أحيانًا دون التأكد من صحة أسباب النزول، ونؤكد على تعليم واستخدام هذا الجزء من التراث الإسلامي، فلن يكون من المستغرب الادعاء بأن بعض الآيات، وخاصة آيات الأحكام، تتعلق فقط بعصر النزول وليست قابلة للاستخدام في الوقت الحاضر. (شحرور، ٢٠٠٠: ٣٦٩؛ وهو، ٢٠١٤: ٢٦٢) أو أن هذه الفئة من الآيات هي مجرد أوامر ونواهٍ وضعها النبي في زمن حكمه لتنظيم الشؤون الاجتماعية، بناءً على الأخلاق النبوية. (مجتهد شبستري، قراءة نبوية من العالم ١٤، تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٩/٣) أو بهذا المبرر أن «وضع القانون من قبل النبي كان فقط بناءً على ضرورة مجتمعه وإجابة لأسئلة أتباعه، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك أي اهتمام بكيفية حياة الناس في مناطق أخرى مثل إيران أو الهند»، يُنكر كون هذه الفئة من الآيات فوق زمانية ومكانية (وسمقي، د.ت: ١٤١)، وفي النهاية، تُطرح الترجمة الثقافية وتقشير القشور والعوارض العرضية للوصول إلى جوهر الدين ومقاصد الشارع كحل فعال للقرآن. (سروش، ١٣٨٢: ٢٩-٨٢)
وبهذه الطريقة، عندما يُلاحظ أنه في آثار علوم القرآن، وُجدت أسباب نزول – سواء كانت خاصة أو عامة – لجميع الآيات كأمر مسلم به، وحتى أن هناك إصرارًا وتأكيدًا على وجود هذه المسألة، فلا ينبغي أن يثير الدهشة القول بأنه بدون تفسير القرآن حسب ترتيب النزول – التفسير التنزلي – لا يمكن الوصول إلى فهم صحيح منها. (الجابري، ٢٠١٠: ١/ ١٣) أو أنه بالاعتقاد بالواقع كمصدر ومنبع للوحي، يُقدَّم حل لمشاكل اليوم بإعطاء الأولوية للمجتمع على الوحي، والناس على القرآن، والحياة على الفكر والعقيدة. (حنفي، ١٩٩٨: ٢٠) أو أن النتيجة التي يتم التوصل إليها هي أن القرآن يتعلق بعصر النزول ومتوافق تمامًا مع عرب ذلك الزمان، وأن ظاهر ألفاظه وعباراته ليس معتبرًا وفعالًا للعصور الأخرى، وفي النهاية، سعيًا لتقديم حلول لكيفية تطبيقه في العصر الحاضر، يتم طرح نظريات مثل «الدلالة والمغزى» (أبو زيد، ١٩٩٨: ٢٣٠؛ وهو، ١٩٩٤: ١٤٢-١٤٤)، و«قراءة مقاصدية للقرآن» (الطالبي، ١٩٩٢: ١٤٢-١٤٤)، و«تفسير ذو حركتين» (Rahman, 1982: 5-7)، و«تفسير ثلاثي الطبقات» (نكونام، مدونة مدهامتان، تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٣/١) وأمثالها.
٣-٢. المكي والمدني
أحد العلوم المهمة في علوم القرآن وأشرفها، والذي تُعد معرفته واجبة ولازمة لكل مفسر، هو علم «المكي والمدني». (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٢٨٠؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٥٤؛ الزرقاني، د.ت: ١/ ١٩٣) وعلى هذا الأساس، وبناءً على مراحل دعوة النبي في مهبطي الوحي، أي مكة والمدينة، سعى علماء علوم القرآن – منذ القرون الأولى حتى الآن – إلى تحديد الآيات والسور التي نزلت في هذين المكانين، واعتبروا هذا العمل ليس مفيدًا فحسب، بل ضروريًا في أمور مثل تفسير القرآن، وتعيين الناسخ والمنسوخ (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٢٧٨؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٥٤)، والمساعدة في معرفة أسباب النزول (معرفت، ١٤١٥: ١/ ١٢٩)، ومعرفة تاريخ وتسلسل الآيات والسور، والاستدلالات الفقهية والكلامية (وهو، ١٣٨٢: ٤٦)، وتحديد تاريخ التشريع، وحكمة نزول الآيات، وكشف مراحل مختلفة للدعوة الإسلامية، والاطمئنان على سلامة القرآن من التغيير والتحريف (راميار، ١٣٦٩: ٦٠٣).
تُعرَّف المصطلحات «مكي» و«مدني» بناءً على ثلاثة معايير: الأول، المكاني؛ وعلى أساسه، الآيات التي نزلت في مكة وضواحيها تُسمى مكية، والآيات التي نزلت في المدينة وضواحيها تُسمى مدنية. الثاني، المخاطَب بالآيات؛ بمعنى أن جزءًا من القرآن الذي يخاطب أهل مكة هو مكي، والآيات التي تخاطب أهل المدينة هي مدنية. أما التعريف الثالث، فيعتمد على زمان نزول الآيات، حيث تُطلق صفة «مكي» على الآيات والسور التي نزلت قبل هجرة النبي الأكرم ﷺ من مكة إلى المدينة، و«مدني» على ما نزل بعد الهجرة. وتجدر الإشارة إلى أن التعريف الثالث هو الوحيد الذي حظي بقبول غالبية العلماء المسلمين وشهرة تفوق التعريفين السابقين؛ لأنه بخلاف المعيارين الأولين، فإن زمان النزول هو أساس شامل وكامل، وباستخدامه يمكن تحديد ما إذا كانت جميع آيات وسور القرآن مكية أم مدنية.8
وفيما يتعلق بكيفية تمييز الآيات المكية والمدنية في القرآن، فقد تحدث علماء علوم القرآن مرارًا واعتبروا ذلك «سماعيًا» أو «قياسيًا». (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٢٧٦؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٨٢؛ معرفت، ١٣٨٢: ٥٠) ففي الطريقة السماعية، يتم تحديد كون الآيات والسور مكية أو مدنية، مثل أسباب النزول، عن طريق الروايات والأخبار المنقولة عن الصحابة والتابعين في هذا الصدد. وفي هذا السياق، توجد روايات تبين ترتيب نزول سور القرآن على مدى ٢٣ عامًا في مكة والمدينة. لذلك، سعى الباحثون القرآنيون من خلال الاستفادة من هذه الروايات – التي نُقل معظمها عن ابن عباس – إلى استقصاء السور المكية والمدنية، وتحديد عددها وترتيبها الدقيق، على الرغم من اختلاف الروايات في هذا المجال. (للمثال، انظر: السيوطي، ١٤٢١: ١/ ١١١؛ معرفت، ١٣٩١: ٩٠؛ وهو، ١٤١٥: ١/ ١٣٥-١٤٦) وفي الطريقة «القياسية» أيضًا، يكون كشف كون الآيات والسور مكية أو مدنية أمرًا اجتهاديًا، وتُبنى هذه المسألة على ضوابط تُشخَّص من خلال مقارنة ودراسة الآيات والسور التي عُرف كونها مكية أو مدنية من خلال المصادر الروائية أو التاريخية. (حكيم، ١٤٤١: ٧٦) ويتعلق جزء من هذه الخصائص والميزات بأسلوب وبنية الآيات والسور، والجزء الآخر بمضمونها ومحتواها. (حكيم، ١٤٤١: ٧٧؛ معرفت، ١٣٨٢: ٥١) بالإضافة إلى ذلك، قيل إن جزءًا من هذه العلامات في التمييز بين المكي والمدني قطعي ولا يتخلف، وبعضها الآخر ميزات شائعة وسائدة توجد في غالبية الآيات والسور المكية والمدنية – وليس جميعها – وفي حالات الاختلاف، يمكن أن تكون مفيدة في التمييز بين المكي والمدني. (صبحي صالح، ١٣٧٢: ١٨٣)9
ومن بين الضوابط التي ذُكرت بشكل عام للقسم المكي، يمكن الإشارة إلى «قصر الآيات والسور، الإيجاز، التجانس الصوتي لها»، «الدعوة إلى أصول الإيمان بالله والوحي وعالم الغيب والآخرة والأخلاق الحسنة والاستقامة في طريق الخير»، «المجادلة مع المشركين»، ووجود عبارات مثل «يا أيها الناس»، ولفظ «كلا»، و«السجدة»، و«الحروف المقطعة»، والإشارة إلى قصة آدم وإبليس وقصص الأنبياء السابقين. وفي المقابل، فإن وجود عبارة «يا أيها الذين آمنوا»، وطول السور والآيات، وتفصيل البراهين والأدلة على الحقائق الدينية، والمجادلة مع أهل الكتاب، والحديث عن الحدود والفرائض والأحكام والجهاد والمنافقين والأنظمة السياسية والاجتماعية والحكومية في الآيات والسور، هي جزء من الميزات القطعية والشائعة التي ذُكرت للقسم المدني. (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٢٧٥؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٨١؛ الزرقاني، د.ت: ١/ ١٩٠؛ حكيم، ١٤٤١: ٧٧)
٣-٢-١. علاقة المكي والمدني بتاريخانية القرآن
إن تأثير مبحث المكي والمدني على تاريخانية القرآن الكريم واضح لدرجة أن بعض كبار علماء علوم القرآن المتأخرين، مع علمهم بهذه المسألة، سعوا في آثارهم ضمن هذا المبحث إلى توضيح هذه المسألة ورفعها والرد على الشبهات المتعلقة بها. وكما أشاروا هم أيضًا، فإن التأكيد والإصرار على فصل الآيات والسور المكية والمدنية، والفروق والميزات التي ذُكرت لهاتين الفئتين من الآيات والسور، والسعي لتتبع ميزات مكة والمدينة في صدر الإسلام في مختلف الآيات والسور وفرضها على فهم وتفسير القرآن، قد أدى إلى غرس هذا الاعتقاد لدى البعض مثل المستشرقين بأن القرآن الكريم قد وُجد تحت تأثير الظروف والبيئة الاجتماعية والجو السائد في عصر ومكان نزوله. بالإضافة إلى أن هذه المسألة أدت إلى نفي كون القرآن إلهيًا ووحيانيًا وأوجدت الاعتقاد بكون هذا الكتاب الإلهي بشريًا. (الزرقاني، د.ت: ١/ ١٩٨-٢٠٥؛ حكيم، ١٤٤١: ٧٩؛ معرفت، ١٣٩١: ٨٤)
بعبارة أخرى، عندما يُلاحظ أنه في أحد أهم وأشرف وضروري علوم القرآن، يُركَّز بشكل كبير على الميزات المتعلقة بأهل ومجتمع مكة والمدينة في عصر النزول، في إطار خصائص قطعية أو شائعة للآيات المكية والمدنية، والاهتمام بهذه المسألة يُعتبر الحل الوحيد للعديد من المسائل القرآنية (معرفت، ١٣٩١: ٨١)، فلا ينبغي أن يثير الدهشة أن تكون توضيحات الباحثين القرآنيين في الرد على الشبهات المتعلقة بالمكي والمدني غير مجدية، ونتيجة لذلك، يُنزَّل القرآن الكريم – سواء من قبل المستشرقين أو بعض المثقفين المسلمين – إلى مرتبة نص بشري وأرضي، ويُعتبر كلام محمد وتجاربه في مكة والمدينة، وفي النهاية، يُستخدم لفهمه سائر الطرق العلمية التي تُستخدم للنصوص العادية والأرضية والإنسانية. (مجتهد شبستري، قراءة نبوية من العالم ١، تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٩/١) أو يُقترح أنه لتفسيره الصحيح، «يجب أن يُقرأ هذا النص بحيث يكون حقًا كلام محمد ونتاج عقله وخياله». (سروش، ١٣٩٧: ٩)
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إنكار أن آثار بعض المستشرقين مثل ويليام موير، وفيل، ونولدكه، وشبرنغر، وغريم في مجال إعادة تصنيف الآيات القرآنية، وكذلك كتاب نولدكه الشهير بعنوان «تاريخ القرآن»، الذي يعكس نظرته التاريخية للنص القرآني، بالإضافة إلى المباحث الموجودة في علم المكي والمدني، وخاصة الروايات المختلفة والمتعددة المرتبطة بترتيب نزول السور، قد تأثرت بجهود المسلمين في كتابة مؤلفات تسعى للوصول إلى ترتيب نزول صحيح للسور، بطريقة مختلفة عن الترتيب الحالي للمصحف. وعلاوة على ذلك، لفهم القرآن، اعتبروا الإلمام بأنواع مختلفة من الآيات في هذا المجال، مثل «الآيات المدنية النازلة في مكة»، «الآيات المكية النازلة في المدينة»، «الآيات النازلة في المدينة عن أهل مكة»، و«الآيات النازلة في مكة عن أهل المدينة»، «الآيات النازلة في مدن مختلفة مثل بيت المقدس، الجحفة، الطائف، الحديبية و…» (الزركشي، ١٤١٠: ١/ ٢٨٠؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٥٤؛ الزرقاني، د.ت: ١/ ١٩٣) أمرًا ضروريًا.
وبهذه الطريقة، بالإضافة إلى الحالات المذكورة أعلاه، يمكن ملاحظة الدور الجذري لمباحث المكي والمدني في آراء المفكرين المسلمين الجدد. على سبيل المثال، عندما يُعتبر فصل الآيات المكية والمدنية وترتيب نزول الآيات جزءًا من القواعد المسلم بها في فهم مطالب القرآن الكريم، وتكون نتيجة هذه المباحث حاكمة على فهم مضمون الآيات، فإن حاصلها هو أن المثقف السوداني، محمود محمد طه، يعتبر الآيات المكية «أصولاً» ومتعلقة بجميع الناس، والآيات المدنية «فروعًا» للقرآن ومتعلقة فقط بعرب عصر النزول (محمد طه، ١٣٨٩: ١٣١)، وفي النهاية، باعتقاده أن آيات الفروع أو المدنية هي أول تطبيق لآيات الأصول ورسالة الإسلام الأولى، يقدم الانتقال من النص القرآني الفرعي إلى النص الأصلي وتغييرها بما يتناسب مع احتياجات اليوم كحل للمشاكل الحالية (وهو، ١٩٦٩: ٣٣). أو كما ورد في القسم السابق، يعتبر عابد الجابري فهم الأقسام المختلفة من القرآن المكي والمدني بناءً على بعضها البعض وحسب ترتيب النزول أمرًا ضروريًا ولازمًا لفهمها الصحيح، وبهذا الاعتقاد، يبادر إلى كتابة تفسير تنزيلي للقرآن الكريم. (الجابري، ٢٠١٠: ١/ ١٣)
٣-٣. الناسخ والمنسوخ
علم الناسخ والمنسوخ هو أحد الفنون المهمة والمثيرة للجدل (معرفت، ١٣٩١: ٢٤٨) في علوم القرآن، والذي تم تناوله في الغالبية العظمى من الكتب المتقدمة والمتأخرة المتعلقة بهذا العلم. بالإضافة إلى أن هذا العلم قد قُدِّم كركن عظيم لفهم الإسلام (الزرقاني، د.ت: ٢/ ٧٠)، فقد اعتُبرت معرفته واجبة وضرورية لتفسير القرآن. (الزركشي، ١٤١٠: ٢/ ١٥٨). ضمن هذا العلم، طُرحت مباحث مختلفة، منها تعريف مصطلح «النسخ». يُستخدم «النسخ» في اللغة بمعانٍ مختلفة مثل «الإزالة»، «التبديل»، «التحويل»، «النقل من موضع إلى موضع آخر» (الزركشي، ١٤١٠: ٢/ ١٥٨؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٦٤٧)، و«الاستكتاب» (الخوئي، د.ت: ٢٧٥). كما تحدث الباحثون القرآنيون بمعانٍ مختلفة ومتعددة في بيان المعنى الاصطلاحي لكلمة «النسخ». فبعضهم عرَّفه بمعنى «رفع حكم شرعي بدليل شرعي» (الزرقاني، د.ت: ٢/ ٧٢؛ صبحي صالح، ١٣٧٢: ٢٦١)، وآخرون اعتبروه «رفع حكم من الأحكام الثابتة في الدين بانقضاء وقته وأمده» (الخوئي، د.ت: ٢٧٦) كمعنى اصطلاحي لهذه الكلمة. ومع ذلك، يعتقد آية الله معرفت أن كل هذه التعاريف المختلفة تشير إلى حقيقة واحدة، وهي رفع تشريع سابق كان يقتضي الدوام في الظاهر، بتشريع لاحق، بحيث لا يمكن الجمع بينهما ذاتيًا – عندما يكون التنافي بين الحكمين واضحًا – أو بدليل خاص – مثل الإجماع أو النص الصريح. (معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٢٧٤)
أنواع النسخ هي مسألة أخرى تُبحث ضمن هذا العلم. غالبًا ما يُذكر أن النسخ في القرآن يتصور بثلاث صور. الأولى، نسخ الحكم والتلاوة؛ بمعنى أن حكم وألفاظ بعض الآيات التشريعية في زمن النزول قد زالت ولا وجود لها في المصحف الحالي. ويستند هذا النوع من النسخ إلى حديث منسوب لعائشة يفيد بوجود آية «عشر رضعات» في القرآن وكان المسلمون يعملون بها، ولكن بعد فترة، نُسخت هذه الآية بآية «خمس رضعات»، وبعد وفاة النبي زالت أيضًا! الثانية، نسخ التلاوة وبقاء الحكم؛ بمعنى أن بعض الآيات التي تتضمن حكمًا تشريعيًا كانت موجودة في القرآن وتُتلى، ولكن فيما بعد مُحيت هذه الآيات وبقي حكمها إلى الأبد. ومستند هذا النوع من النسخ هو نقل عن عمر يدعي وجود آية «الرجم» في القرآن! ويقال إن هذه الآية قد زالت، ولكن حكمها باقٍ. الثالثة، نسخ الحكم وبقاء تلاوة الآية (الزركشي، ١٤١٠: ٢/ ١٦٣؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٦٥١؛ معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٢٨٢؛ الخوئي، د.ت: ٢٨٣)؛ أي أن حكم بعض الآيات التشريعية الموجودة في المصحف الحالي منسوخ، وهذه الأحكام غير واجبة التنفيذ في الوقت الحاضر.
من بين هذه الأقسام الثلاثة للنسخ، يعتبر علماء الإمامية (على سبيل المثال، انظر: الخوئي، د.ت: ٢٨٣؛ معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٢٨٢) وبعض علماء أهل السنة10 النوعين الأولين باطلين لأسباب مختلفة، مثل دلالتهما على وقوع تحريف في القرآن. أما النوع الثالث من النسخ، أي نسخ حكم الآية، فهو من أشهر أنواع النسخ. وعلى الرغم من وجود إجماع بين المسلمين على وقوع النسخ، وكذلك نسخ الأديان السابقة وكثير من أحكام الشرائع السابقة بالشريعة والأحكام الإسلامية، ونسخ بعض أحكام الإسلام الأولى بأحكام أخرى – مثل تغيير قبلة المسلمين الأولى، بناءً على تصريح القرآن – وهو أمر مقبول لديهم، إلا أن مثل هذا الإجماع لا يُلاحظ بشأن النوع الثالث من النسخ في القرآن الكريم، الذي قيل إنه يقع فقط في الأحكام (الزركشي، ١٤١٠: ٢/ ١٦٤؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٦٤٩؛ الزرقاني، د.ت: ٢/ ١٠٧)، ولا يُلاحظ كون بعض آيات الأحكام منسوخة. (الخوئي، د.ت: ٢٨٥) وعلى الرغم من أن أهم دليل لمؤيدي وقوع النسخ في القرآن هو الآية ١٠٦ من سورة البقرة – المشهورة بآية النسخ – إلا أن البعض لم يعتبروا هذه الآية دالة على نسخ آيات القرآن، وبالتالي أنكروا وقوع هذه المسألة في القرآن الكريم. (العسكري، ١٤١٧: ٢/ ٢٩٣-٢٩٥؛ القاسمي، ١٤١٨: ١/ ٣٧١؛ رشيد رضا، ١٤١٤: ١/ ٤١٦؛ الشهرستاني، د.ت: ٢٠)
المسألة الأخرى هي عدد الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن الكريم، والتي يختلف فيها مؤيدو وقوع النسخ في القرآن. لقد استُخدم مصطلح النسخ في لسان القدماء والمتقدمين بمعنى ومفهوم أوسع، وكان يُطلق على أي نوع من التعارض الظاهري بين الآيات والتغيير في الحكم السابق، سواء كان مطلقًا ومقيدًا أو عامًا وخاصًا. (الخوئي، د.ت: ٢٨٥) على سبيل المثال، يُلاحظ أن أبا جعفر النحاس، من علماء القرن الرابع، في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، قد أوصل عدد الآيات المنسوخة إلى ١٣٨. (نفسه) ومع ذلك، قلص السيوطي، بتضييق نطاق النسخ، عدد هذه الآيات إلى ٢٠. (السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٦٥٣-٦٥٨) كما يعتقد آية الله معرفت بوجود ثماني حالات نسخ في القرآن (معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٣٠٠-٣١٦)، ويثبت آية الله الخوئي، مع رده على كون العديد من الآيات منسوخة، النسخ في آية واحدة فقط من القرآن. (الخوئي، د.ت: ٣٧٢-٣٨١)
٣-٣-١. علاقة الناسخ والمنسوخ بتاريخانية القرآن
إن دلالة المباحث المتعلقة بالنسخ على تاريخانية القرآن، وخاصة آيات الأحكام، واضحة لدرجة أن الباحثين القرآنيين أنفسهم قد أدركوا ذلك، ولهذا السبب حاولوا ضمن هذا المبحث الرد عليها ورفعها في قالب شبهات. (الزرقاني، د.ت: ٢/ ٩٣-١٠٥؛ معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٢٩٤-٢٩٧) وفي هذا السياق، يُلاحظ حتى أن أشخاصًا مثل آية الله معرفت أضافوا نوعًا آخر إلى الأقسام الثلاثة للنسخ بعنوان «النسخ المشروط»، لعلهم بهذا الترتيب يزيلون شبهة التاريخانية عن ساحة القرآن القدسية. وبناءً على هذا النوع من النسخ، فإن كون بعض الآيات منسوخة ليس مطلقًا، وهذه المسألة تعتمد على الظروف الخاصة بذلك العصر. لذلك، إذا تكررت تلك الظروف الزمانية والمكانية مرة أخرى، فلن تكون تلك الآيات منسوخة بعد الآن وستكون واجبة التنفيذ. (معرفت، ١٣٩١: ٢٦٥)
على الرغم من هذه الإجابات وجهود علماء علوم القرآن في رفع شبهة تاريخانية القرآن الكريم، يمكن عمليًا ملاحظة الدور الجذري لهذا المبحث أيضًا في خلق نظرة تاريخية لدى المفكرين المسلمين الجدد تجاه القرآن. وكمثال على أحد أوضح تأثيرات مباحث هذا القسم من علوم القرآن على النظرة التاريخية تجاه القرآن الكريم، إلى جانب مبحث المكي والمدني، يمكن الإشارة إلى نظرية «نسخ آيات الفروع وإحياء آيات أصول القرآن» للمفكر السوداني محمود محمد طه، الذي قدم الانتقال من النص القرآني الفرعي إلى نصه الأصلي وتطور وتغيير آيات الأصول بما يتناسب مع احتياجات اليوم كطريق للتوافق بين التراث والحداثة. (محمد طه، ١٩٦٩: ٣٣)
بالإضافة إلى ذلك، عندما يُطرح ضمن هذا المبحث أن وجود الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن يُظهر المسار التدريجي ومراحل تشريع الأحكام (معرفت، ١٣٩١: ٢٦٩؛ صبحي صالح، ١٣٧٢: ٢٥٩؛ الزرقاني، د.ت: ٢/ ٩٠)، فلا ينبغي أن يكون من المستغرب أن يقوم شخص مثل الطاهر الحداد بطرح نظرية «التشريع التدريجي»، ويُعتبر فيها، بدليل تدريجية الأحكام، بعض الآيات مثل الإرث وتعدد الزوجات متناسبة مع ظروف النزول وغير فعالة للزمن الحاضر! (الحداد، ٢٠١١: ١٢) أو عندما تُرجع حكمة الله في نسخ الأحكام الإسلامية إلى كيفية إدارة وقيادة الأمة الإسلامية وسموها وتحركها التدريجي لأهل عصر النزول في مسار الكمال ومراحل النمو (الزرقاني، د.ت: ٢/ ٩٠)، ويُقال إنه «ما لم تصل الحركة إلى النمو النهائي والكمال المقصود»، فإن النسخ سيستمر (معرفت، ١٣٩١: ٢٤٩)، فلا ينبغي الاستغراب من أن يُعتبر حل مشاكل اليوم هو اكتشاف «السهم الموجه» نحو غاية وهدف الله أو «مقاصد النص» والتحرك في مساره. (الطالبي، ١٩٩٢: ١٤٢-١٤٤)
كما يمكن أن نلاحظ بوضوح أن كلام بعض المفكرين الجدد الذين حصروا كون القرآن فوق زماني ومكاني في تعاليمه الأخلاقية والعقائدية ونفوا أبدية آيات الأحكام وحصروا فعاليتها في عصر النزول (وسمقي، د.ت: ١٤٠ و٢٣٠)، لا يمكن أن يكون سوى ترديد لهذه المقولة بأن النسخ، على عكس آيات الأحكام والأمر والنهي التي يقع فيها النسخ فقط (الزركشي، ١٤١٠: ٢/ ١٦٤؛ السيوطي، ١٤٢١: ١/ ٦٤٩)، فإن العقائد والمبادئ الأخلاقية وأصول العبادات والمعاملات في القرآن هي حقائق صحيحة وثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، ومرور الزمن أو اختلاف الأشخاص والمجتمعات لا يؤثر فيها. (الزرقاني، د.ت: ٢/ ١٠٧). بالإضافة إلى ذلك، إلى جانب علم أسباب النزول، يمكن ملاحظة نوع من تأثير هذا المبحث من علم الناسخ والمنسوخ في نظريات «الحركتين» لفضل الرحمن، و«الدلالة والمغزى» لأبي زيد، و«التفسير ثلاثي الطبقات» لجعفر نكونام؛ حيث إن أصحاب هذه الآراء، باعتقادهم بانقضاء ونسخ وعدم فعالية ظاهر ألفاظ وعبارات القرآن، يسعون إلى كشف الرسائل الأخلاقية الكامنة وراءها، ويعتبرونها وحدها أزلية وأبدية.
وبهذه الطريقة، عندما تُقدَّم «مقتضيات المصلحة» كأحد حِكَم النسخ (الخوئي، د.ت: ٢٧٨؛ معرفت، ١٤١٥: ٢/ ٢٩٤)، ويُقال إن نسخ حكم ما كان بسبب تغيير المصلحة التي أدت في البداية إلى صدور ذلك الحكم، فمن الطبيعي أن يعتبر المثقف السوري، محمد شحرور، نطاق آيات الرسالة، الذي يشمل في تصنيفه المبتكر الحلال والحرام والواجبات والمحظورات (شحرور، ١٩٩٦: ٣٧)، مرتبطًا بالسيادة البشرية، ويعتقد أن القانون البشري يمكنه وضع قيود وشروط عليها للمجتمع (وهو، ١٣٩٩: ٢٢١)، وبهذه الطريقة يلغي حكمها. أو أن يعتبر السيد كمال الحيدري نزول بعض الآيات مثل الآية ٣٤ من سورة النساء ومسائل مثل «ضرب الزوجة» مقتضى لمصلحة ذلك الزمان، وبناءً على عدم جوازها في العصر الحالي، نظرًا لتغير المصلحة وإنكار هذا الفعل، يصدر حكمًا. (الحيدري، تغيير أحكام فقهي بسته به شرايط زماني و مكاني (١)، تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٥/١٠) أو أن يعتبر نصر حامد أبو زيد، المثقف المسلم المصري الآخر، تحول الحقائق الاجتماعية والتاريخية سببًا لتغيير مصالح تشريع الأحكام، ونتيجة لذلك، يعتبر أمورًا مثل أحكام العبيد والإماء والجزية وتسليم أهل الكتاب والربا والشورى، وحتى السحر والحسد والجن والشياطين في القرآن مجرد شواهد تاريخية وغير فعالة للزمن الحاضر. (أبو زيد، ١٩٩٤: ٢١٠-٢١٥)
الخاتمة
من مجمل المباحث المطروحة، اتضح أن جذور الفهم التاريخي للقرآن الكريم واعتبار الوحي الإلهي تاريخانيًا، وكذلك منشأ طرح مباحث وأفكار المفكرين الجدد، يتجه قبل كل شيء إلى المباحث الإشكالية والمعيبة في علوم القرآن. على الرغم من أن العديد من المباحث الناقصة في علوم القرآن لها دور في خلق هذه النظرة، وأن طرحها وهيمنتها في فهم وتفسير القرآن الكريم يؤدي إلى تأريض وتأريخ حقيقة الوحي الإلهي، إلا أن دور ثلاثة علوم هي «أسباب النزول»، و«المكي والمدني»، و«الناسخ والمنسوخ» يظهر بوضوح أكبر. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا لارتباط كل من هذه العلوم الثلاثة ببعضها البعض – مثلًا أهمية تفكيك الآيات المكية والمدنية في معرفة الناسخ والمنسوخ – يمكن في حالات متعددة ملاحظة أن مجموعة من فروع هذا العلم كانت لها دور في خلق هذه النظرة، وأن إرجاع كلام المفكرين الجدد إلى أحد هذه العلوم وإظهار الدور الجذري لكل منها بشكل منفصل وتفكيكها عن بعضها البعض هو عمل شاق؛ وعلى الرغم من ذلك، في هذه المقالة، وبهدف توضيح الدور الجذري لهذه المباحث، بُذلت محاولة قدر الإمكان للقيام بهذا التفكيك.
من الواضح أن النظرة التاريخية تجاه القرآن الكريم ستكون لها آثار وتبعات ضارة، وأن انتشار هذا النوع من النظرة تجاه القرآن سيؤدي في النهاية إلى نفي المرجعية العلمية للقرآن الكريم وأبديته وأزليته وتعاليمه. من هذا المنطلق، سعى الباحثون من خلال كتابة مؤلفات مختلفة والرد على الشبهات التي طرحها تيار المثقفين المسلمين وغير المسلمين إلى الدفاع عن الساحة القدسية للقرآن الكريم. ومع ذلك، يبدو أنه ما لم يُلتفت إلى جذور هذا النوع من النظرة تجاه القرآن ولم يُفكر في حل أساسي لها، فلن تكون هذه الجهود مجدية كثيرًا، بل سنشهد بشكل طبيعي، يومًا بعد يوم، طرح آراء ونظرات أكثر في مجال فهم وتفسير القرآن، والتي ستشترك جميعها في النظرة التاريخية تجاه القرآن.
لذا، قبل أن يكون تيار المثقفين الدينيين في مرمى الهجمات والانتقادات والمعارضات، يبدو من الضروري أن نوجه إشكال تأريخ القرآن إلى طرح بعض المباحث المشوهة والمعيبة في علوم القرآن، وأن نفكر في حل أساسي للخروج من هذه النظرة. وبما أن علوم القرآن تشكل جزءًا من التراث الإسلامي، فمن الواضح أن هذا الحل لا يمكن أن يكون بمعنى الإنكار والنفي الكامل لعلوم القرآن ودورها في فهم وتفسير القرآن، بل على العكس – كما سيتم تناوله في بحث مستقل – فإن هذه المسألة رهينة بتبيين صحيح لماهية القرآن والمكانة الصحيحة لعلوم القرآن في فهمه، وبالتالي إعادتها إلى هدفها الأصلي، أي خدمة القرآن.
قائمة المصادر
١. نهج البلاغة.
٢. أبو زيد، نصر حامد (١٣٨٢)، معنى النص: دراسة في علوم القرآن، ترجمة مرتضى كريمي نيا، طهران: طرح نو.
٣. أبو زيد، نصر حامد (١٩٩٤)، نقد الخطاب الديني، القاهرة: سينا للنشر.
٤. أبو زيد، نصر حامد (١٩٩٨)، مفهوم النص (دراسة في علوم القرآن)، بيروت: المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع.
٥. إقبال، إبراهيم (١٣٨٥)، معجم علوم القرآن، طهران: مؤسسة انتشارات أمير كبير.
٦. أوسط باقري، علي (١٣٨٧)، «علوم القرآن؛ ماهيتها، أسبابها وكيفيتها»، قرآن شناخت، العدد ١، ص ٣٧-٦٤.
٧. الباقلاني، القاضي أبو بكر (١٤٢٢هـ)، الانتصار للقرآن، عمان: دار الفتح، بيروت: دار ابن حزم.
٨. الجابري، محمد عابد (٢٠١٠)، فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
٩. حاجي ميرزائي، فرزاد (١٣٩٣)، «علوم القرآن» في موسوعة القرآن والبحث القرآني، بإشراف بهاء الدين خرمشاهي، طهران: دوستان وناهيد.
١٠. الحداد، طاهر (٢٠١١)، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، القاهرة: دار الكتاب المصري.
١١. الحكيم، السيد محمد باقر (١٤٤١هـ)، علوم القرآن، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
١٢. الحمد، غانم قدوري (١٤٢٣هـ)، محاضرات في علوم القرآن، عمان: دار عمار.
١٣. حنفي، حسن (١٩٩٨)، هموم الفكر والوطن “التراث والعصر والحداثة”، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.
١٤. الحيدري، السيد كمال، «التاريخية عند محمد أركون»، https://www.aparat.com/v/atZYS، تاريخ الاستلام: ١٤٠٢/٢/١.
١٥. الحيدري، السيد كمال، تغيير أحكام فقهي بسته به شرايط زماني و مكاني (١)، موقع مكتب سماحة آية الله العظمى السيد كمال الحيدري، http://alhaydari.com/fa/2019/10/9195، تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٥/١٠.
١٦. خلف، عبد الجواد (د.ت)، مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن، القاهرة: دار البيان العربي.
١٧. الخوئي، السيد أبو القاسم (د.ت)، البيان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
١٨. راميار، محمود (١٣٦٩)، تاريخ القرآن، طهران: أمير كبير.
١٩. رشيد رضا، محمد (١٤١٤هـ)، تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، بيروت: دار المعرفة.
٢٠. الزرقاني، محمد عبد العظيم (د.ت)، مناهل العرفان في علوم القرآن، د.م: دار إحياء التراث العربي.
٢١. الزركشي، محمد بن عبد الله (١٤١٠هـ)، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة.
٢٢. سروش، عبد الكريم (١٣٨٢)، بسط التجربة النبوية، طهران: انتشارات صراط.
٢٣. سروش، عبد الكريم (١٣٩٧)، كلام محمد رؤياي محمد، طهران: انتشارات صراط.
٢٤. السيوطي، جلال الدين (١٤٢١هـ)، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتاب العربي.
٢٥. شحرور، محمد (١٣٩٩)، الدين والسلطة: قراءة جديدة في الحاكمية، ترجمة عبد الله ناصري طاهري، سمية سادات طباطبائي، طهران: مرواريد.
٢٦. شحرور، محمد (١٩٩٦)، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، بيروت: شركة المطبوعات.
٢٧. شحرور، محمد (٢٠٠٠)، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.
٢٨. شحرور، محمد (٢٠١٤)، الإسلام والإيمان، بيروت: دار الساقي.
٢٩. الشهرستاني، محمد علي (د.ت)، تنزيه التنزيل، تبريز: كتابفروشي صابري.
٣٠. صابر حسن، محمد أبو سليمان (١٤٢٠هـ)، أضواء البيان في تاريخ القرآن، الرياض: دار عالم الكتب.
٣١. الصابوني، محمد علي (١٤٠٥هـ)، التبيان في علوم القرآن، بيروت: عالم الكتب.
٣٢. صالحي كرماني، محمد رضا (١٣٦٩)، مدخل إلى علوم القرآن، طهران: انتشارات جهاد دانشگاهي دانشگاه تهران.
٣٣. صبحي الصالح (١٣٧٢)، مباحث في علوم القرآن، قم: منشورات الرضي.
٣٤. الطالبي، محمد (١٩٩٢)، عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين، تونس: دار سراس للنشر.
٣٥. الطالقاني، السيد عبد الوهاب (١٣٦١)، علوم قرآن وفهرست منابع، قم: دار القرآن الكريم.
٣٦. عتر، نور الدين (١٤١٦هـ)، علوم القرآن الكريم، دمشق: مطبعة الصباح.
٣٧. عرب صالحي، محمد (١٣٩١)، النظرة التاريخية والدين، طهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه إسلام.
٣٨. العسكري، السيد مرتضى (١٤١٧هـ)، القرآن الكريم وروايات المدرستين، بيروت: شركة التوحيد للنشر.
٣٩. القاسمي، جمال الدين (١٤١٨هـ)، تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، بيروت: دار الكتب العلمية.
٤٠. قرائي سلطان آبادي، أحمد؛ نظري توكلي، سعيد؛ نقي زاده، حسن؛ حقي، علي (١٣٩٣)، «مدخل إلى فلسفة علوم القرآن»، علوم قرآن وحديث، العدد ١، ص ٤٧-٨٨.
٤١. مجتهد شبستري، محمد، قراءة نبوية من العالم ١، /4-1/https://neeloofar.org (تاريخ المراجعة ١٤٠١/٩/١).
٤٢. مجتهد شبستري، محمد، قراءة نبوية من العالم ١٤ (تاريخ المراجعة: ١٤٠١/٩/٣) https://neeloofar.org/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%AA-%D9%86%D8%A8%D9%88%DB%8C-%D8%A7%D8%B2-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D9%86-14/.
٤٣. المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٤٤. محمد طه، محمود (١٣٨٨هـ)، الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين، د.م: د.ن (كتاب إلكتروني).
٤٥. محمد طه، محمود (١٣٨٩هـ)، الرسالة الثانية من الإسلام، د.م: د.ن (كتاب إلكتروني).
٤٦. معرفت، محمد هادي (١٣٨٢)، تاريخ القرآن، طهران: سمت.
٤٧. معرفت، محمد هادي (١٣٩١)، علوم القرآن، قم: مؤسسة فرهنگي تمهيد.
٤٨. معرفت، محمد هادي (١٤١٥هـ)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٤٩. موسوي دارابي، السيد علي (١٤٢٢هـ)، نصوص في علوم القرآن، مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.
٥٠. وسمقي، صديقة (د.ت)، قراءة جديدة للشريعة، د.م: د.ن (كتاب إلكتروني).
51. Muhammad Yusuf, Nahdhiyah, Anwar Sadat (2021), “Fazlur Rahman’s Double Movement and Its Contribution to the Development of Religious Moderation”, Internationa journal of Islamic Studies and Humanities. vol. 4, no. 1, p: 51–71.
52. Rahman, Fazlur (1982), Islam & Modernity: Transformation of an intellectual tradition, Chicago: The University of Chicago Press.
53. Rippin, Andrew (2003), “occasions of Revelation”, in the Encyclopedia of the Quran, ed. Jane Dammen McAuliffe, vol.3, Boston: Brill, Leiden.
الهوامش
١. مقالة «النظرة التاريخية إلى القرآن؛ دراسة للوجه الجامع لآراء المفكرين الدينيين الجدد حول فهم وتفسير القرآن الكريم»، المنشورة في العدد ١٠٨ من مجلة الدراسات القرآنية، خريف ١٤٠٢.
٢. بهدف تجنب الخروج عن صلب البحث، لا يقصد الكاتب في هذا القسم بيان هذا المسار التطوري، بل يكتفي بالإشارة إلى بعض الحالات في هذا الصدد لتوضيح البحث.
٣. على سبيل المثال، نُقل عن مجاهد (ت ١٠٤هـ) قوله: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب». (السيوطي، ١٤٢١: ٢/ ٤٤٩)
٤. ابن حبيب النيسابوري من علماء علوم القرآن في القرن الخامس، وقد نُقل عنه قوله: «قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب «التنبيه على فضل علوم القرآن»: من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة… فهذه خمسة وعشرون وجهاً من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى». (نفسه، ١/ ٥٤)
٥. في الصفحة ٣٤ من الكتاب نفسه، ذُكر ٩ أنواع، وفي الصفحة ٦٠، ذُكر ١٠ أنواع.
٦. يمكن استنباط هذا المطلب من الفوائد التي عُدّت لأسباب النزول؛ كما بُيّن. ومن جملة هذه الفوائد، «تخصيص الحكم بسبب نزوله في رأي من يعتبر السبب مخصصاً». وهذه العبارة توضح بجلاء أن الحكم والمعنى لكل آية عند البعض يختص بمورد نزولها.
٧. بناءً على هذه القاعدة، على الرغم من وجود سبب نزول خاص لآية ما، فإن معنى وحكم الآية لا ينحصر في سبب النزول، بل يظل حكمها، نظراً لعمومية ألفاظها، سارياً وجارياً في الأزمنة الأخرى.
٨. للإطلاع على كيفية تصنيف وترتيب السور في هذه الكتب، انظر: راميار، ١٣٦٩: ٦٢٠-٦٢٤.
٩. تجدر الإشارة إلى أنه ذُكرت استثناءات لبعض هذه الخصائص أيضاً. مثلاً، سورة الحج، على الرغم من كونها مكية، ورد في أواخرها «يا أيها الذين آمنوا». أو على الرغم من كون سورة البقرة مدنية، أُشير فيها إلى قصص الأنبياء السابقين وقصة آدم وإبليس.
١٠. على سبيل المثال، يشير الباقلاني في كتاب الانتصار إلى جماعة أنكرت هذا النوع من النسخ بسبب كون أخباره آحاداً. (الباقلاني، ١٤٢٢: ١/ ١١٤)