ملخص
توجد نظريات كثيرة في تفسير الخلق والأمر في آية «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ». فمنهم من يفسر الخلق والأمر بالإيجاد والفرمان، ومنهم بعالم الخلق وعالم الأمر، وآخرون بالدنيا والآخرة، وفئة بالإبداع والفرمان، وطائفة بالاختراع والتدبير والتصرف، وغير ذلك. إن هذه التفاسير محل تأمل وشك من وجوه عدة، من أهمها الخلط بين المفاهيم، وعدم الانسجام مع السياق، وإغفال الاستعمال القرآني، والخلط بين المفهوم القرآني والكلامي والفلسفي وغيرها. الرأي المختار الذي يتبناه هذا البحث هو تفسير الخلق بالخلق التدريجي في الزمان والمكان، وتفسير الأمر بالخلق الدفعي غير المقيد بزمان أو مكان. هذا الرأي لا يعاني من نقائص النظريات الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك، فهو ينسجم مع موضوع الآية وأصل انسجام الآيات. لقد تشكل هذا البحث من خلال دراسة مكتبية مصحوبة بفحص وتقويم مختلف النظريات في تفسير الآية، ويهدف إلى نقد وتقويم مختلف النظريات في تفسير كلمتي الخلق والأمر.
المقدمة
حظيت آية «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» باهتمام كبير في التفسير والكلام والفلسفة، وقُدمت عنها قراءات متباينة. فالبعض يستند إلى الآية لإثبات وجود عالمي الأمر والخلق (الفخر الرازي، د.ت: ١١٩/١٤؛ الخميني، ١٤١٨: ٢٧٩/٤)، والبعض الآخر يعدّها دليلاً على قدم القرآن وكلام الله (النحاس، ١٤٠٩: ٤٣/٣؛ السمرقندي، د.ت: ٥٣٧/١؛ السبحاني، ١٤٠٩: ٢١٣)، وفئة تستنتج منها حدوث القرآن (الطوسي، ١٤٠٩: ٤٢٣/٤ و ٣٦٤/١)، وجماعة تعتبر الأمر والخلق من صفات الله لا من مخلوقاته (الفخر الرازي، د.ت: ١٢٤/١٤)، وفريق آخر يستند إلى الآية في تأسيس اصطلاحات خاصة به حول الأمر والخلق. علاوة على ذلك، فإن الاستخدام الخاطئ لمصطلحي الخلق والأمر في مبحث الخلق جدير بالاهتمام؛ حيث يُستخدم مصطلح الخلق في المواضع التي يجب فيها استخدام مصطلح الأمر، وحيث يجب أن يُنسب الخلق إلى الأمر الإلهي، يُنسب إلى خلق الله. بناءً على ذلك، من المناسب أن يتم بحث ودراسة عبارة «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» في بحث مستقل، لتتضح صحة أو عدم صحة القراءات المختلفة للآية، وبالتالي، إزالة الإبهام عن ساحة بحث الخلق.
خلفية البحث
استُخدمت عبارة «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» من الآية ٥٤ من سورة الأعراف (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) في مواضع شتى من المصادر التفسيرية والكلامية والفلسفية، وقُدمت عنها فهوم وتفاسير مختلفة، ولكنها لم تُبحث وتُدرس بشكل مستقل، ولم تُجمع القراءات والنظريات المختلفة وتُقيّم وتُحلل في مجموعة واحدة. بناءً على ذلك، فإن البحث الحالي يتميز بالجدة من عدة جوانب. الجانب الأول، جمع جميع النظريات المتعلقة بالخلق والأمر في الآية الشريفة في مجموعة واحدة. الجانب الثاني، نقد ودراسة جميع النظريات بالاستناد إلى الآيات والسياق وقواعد علم الأصول. الجانب الثالث، تقديم نظرية تكون خالية من نقائص وإشكالات النظريات الأخرى، أو على الأقل تكون إشكالاتها أقل، والأهم من ذلك كله، أن تكون أكثر انسجاماً مع آيات القرآن.
١. تفسير «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»
يتم فهم وتفسير الآية الشريفة في ثلاث مراحل تالية:
١-١. المرحلة الأولى: عرض النظريات
في تفسير الآية الشريفة، توجد عدة نظريات، من أهمها ما يلي: ١- الخلق في الآية بمعنى الإيجاد، والأمر بمعنى الفرمان، والآية تدل على وجود النهي والخبر والتكليف والكلام لله، وقرينة السياق تدل على صحة هذه النظرية. (الفخر الرازي، د.ت: ١٢٥/١٤؛ الكاشاني، ١٣٣٣: ٤٠/٤). ٢- الخلق بمعنى الاختراع، والأمر بمعنى الفرمان. (الطوسي، ١٤٠٩: ٤٢٣/٤؛ الطبرسي، ١٤١٥: ٢٦٩/٤؛ الرازي، ١٣٧١: ٢٢١/٨؛ الأندلسي، ١٤٢٢: ١٣١١/٤). هذه النظرية تتفق مع النظرية الأولى في معنى الأمر وتختلف عنها في معنى الخلق. ٣- الخلق بمعنى الإيجاد، والأمر بمعنى التدبير والمشيئة. (الكاشاني، ١٤٢٣: ٥٣٠/٢؛ البيضاوي، د.ت: ٢٧/٣؛ الطباطبائي، د.ت: ١٥١/٨؛ مكارم الشيرازي، د.ت: ٧٥/٥؛ الزحيلي، ١٤٢٧: ٦٧٤/١؛ الطنطاوي، ١٤٢٧: ٢٨٦/٥). هذه النظرية تتفق مع النظرية الأولى في معنى الخلق وتختلف عن النظرية الثانية، وفي معنى الأمر، تختلف عن كلتا النظريتين. الكاشاني والبيضاوي يفسران الخلق بالمعنى المصدري، والزحيلي والطنطاوي بمعنى اسم الفاعل. الطنطاوي لا يرى الخلق إيجاداً مطلقاً، بل «إيجاد الشيء من العدم»، والأمر هو التدبير والتصرف حسب إرادة وحكمة الله في الإيجاد. العلامة الطباطبائي ومكارم الشيرازي يريان الخلق بمعنى إيجاد الذوات والأمر بمعنى تدبير الذوات وإيجاد النظام الأحسن، ومن هنا، يقدّمان الأمر على الخلق، ويعتبران الآية نقداً لنظرية عدم حاجة بقاء واستمرار العالم إلى الباري تعالى. (الطباطبائي، د.ت: ١٥١/٨؛ مكارم الشيرازي، د.ت: ٧٥/٥). ٤- الخلق بمعنى الإيجاد والأمر بمعنى مفرد الأمور. (الغرناطي، د.ت: ٢٩٠/١؛ الثعالبي، ١٤١٨: ٣٧/٣). هذه النظرية تشترك مع النظرية الأولى والثالثة في معنى الخلق، وفي معنى الأمر، تختلف عن النظريات الأولى والثانية والثالثة. ٥- الخلق بمعنى المخلوق والأمر بمعنى الكلام والقرآن والفرمان. (القرطبي، د.ت: ٢٢١/٧؛ السمرقندي، د.ت: ٥٣٧/١). وعطف الأمر على الخلق يدل على التغاير وقدم القرآن وكلام الله. (النحاس، ١٤٠٩: ٤٢/٣؛ الباقلاني، ١٤١٤: ٢٧١؛ الغرناطي، د.ت: ٢٩٠/١؛ الأندلسي، ١٤٢٢: ٣١١/٤؛ الثعالبي، ١٤١٨: ٣٧/٣؛ الشوكاني، د.ت: ٢١١/٢). ٦- الخلق بمعنى عالم الخلق، والأمر بمعنى عالم الأمر. وعالم الخلق هو عالم الجسمانيات، وعالم الأمر هو عالم الروحانيات. (إخوان الصفا، ١٣٧٦: ٢٣٨/٣؛ الفخر الرازي، د.ت: ١١٨/١٤؛ الفيض الكاشاني، ١٤١٨: ٢٠٥/٢). والكلمات والقضاء والروح وكن من أسماء الأمر الأخرى. (الشيرازي، ١٤٠٢: ٧٤). ٧- الخلق بمعنى «ما دون العرش» والأمر بمعنى «ما فوق العرش». (الفخر الرازي، د.ت: ١٤٩٨/٥؛ الشوكاني، د.ت: ٢١٣٠/٢). ٨- الخلق بمعنى الدنيا والأمر بمعنى الآخرة. (الأندلسي، ١٤١٣: ٤٠٩/٢؛ وهو، ١٤٢٢: ٣١١/٤).
النقد والتحليل
يمكن تقويم النظريات المذكورة بطريقتين. الطريقة الأولى هي أن تُذكر إشكالات كل نظرية تحتها مباشرة، والطريقة الثانية هي أن تُعرض الإشكالات بعد ذكر جميع النظريات. من بين الطريقتين، الطريقة الأولى ليست مرضية تماماً لأنها تؤدي إلى تكرار الإشكالات المشتركة، وبالتالي يتم اختيار الطريقة الثانية. بناءً على ذلك، تُعرض أولاً تفاسير كل من الخلق والأمر في النظريات المذكورة بشكل مستقل، وتحت كل تفسير، تُذكر التأملات المتعلقة به، وبإبطال كل تفسير، تسقط النظرية التي تحمله من الاعتبار، وفي النهاية، بعد تقويم وتقييم جميع النظريات المقدمة، يُعرض الرأي المختار للكاتب.
١-١-١. تفاسير الخلق
في النظريات المذكورة لعبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، توجد سبعة تفاسير لكلمة الخلق، وكلها محل تأمل وشك من وجوه عدة: ١- الإيجاد؛ هذا المعنى وإن كان يوضح المعنى التقريبي للخلق، إلا أنه محل شك من وجهين: أ) تفسير الخلق بالإيجاد يؤدي إلى الخلط المفهومي بين الخلق، والأمر، والإبداع، والاختراع، والتكوين، وغيرها. ب) الخلق بمعنى الإيجاد ليس خاصاً بالله، في حين أن عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» تدل على اختصاص الأمر بالله. ٢- الاختراع؛ معنى الخلق بالاختراع له إشكالان رئيسيان أيضاً: الأول أن الاختراع هو إيجاد «لا من شيء»، بينما الخلق هو إيجاد «من شيء». الثاني أن الخلق تدريجي. ٣- المخلوق؛ تفسير الخلق بالمخلوق محل تأمل وشك من عدة وجوه: أ) لفظ الخلق ظهوره في المعنى المصدري، وبالتالي فإن تفسير الخلق بالمخلوق الذي هو من أقسام المجاز اللغوي، أولاً خلاف الظاهر، وثانياً يحتاج إلى دليل لصرف اللفظ عن معناه الظاهر. ب) في السياق السابق من صفتي الخلق «خَلَقَ» والأمر الإلهي «أَمْرِهِ»، وفي السياق اللاحق، من غنى الله ووحدانيته وتدبيره وبركاته على مربوبيه (الطباطبائي، د.ت: ١٥٣/٨؛ مغنية، ١٩٨١: ٣٣٩/٣؛ الفخر الرازي، د.ت: ١١٩/١٤) تم الحديث، وبالتالي، فإن تفسير الخلق في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» بالمخلوق، يقطع الارتباط بين صدر الآية وذيلها، أو على الأقل لا يتناسب مع صدر الآية وذيلها. ج) الخلق في آيات القرآن يُستخدم بالنسبة لجميع المحسوسات والمجردات وليس خاصاً بعالم المحسوسات؛ «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» (الزمر: ٦٢)، «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» (غافر: ٦٢). ٤- عالم الخلق؛ هذا التفسير مردود أيضاً من عدة وجوه: أ) الأصل عدم تقدير كلمة عالم، إلا إذا كان هناك دليل على تقدير كلمة عالم. ب) تفسير الخلق بعالم الخلق يقطع ارتباط «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» بصدر الآية وذيلها؛ لأن صدر الآية وذيلها يتعلقان بصفات الله، لا بملكية الله. ج) بناءً على آية «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، العلاقة بين الخلق والأمر هي علاقة تقابل، وبالتالي إذا أخذنا الخلق بمعنى المخلوق، فلا بد أن نأخذ الأمر بمعنى المأمور، في حين لم يفسر أي من مفسري القرآن الأمر بمعنى المأمور. ٥- عالم الأجسام؛ تفسير الخلق بعالم الأجسام لا يمكن قبوله لعدة أسباب: أ) لفظ الخلق ظهوره في المعنى المصدري ومعنى الخلق بعالم الأجسام، أولاً خلاف الظاهر، وثانياً يحتاج إلى دليل لصرف لفظ الخلق عن معناه الظاهر إلى غير الظاهر. ب) الخلق بمعنى عالم الأجسام يقطع ارتباط صدر الآية وذيلها. ج) عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» ظهورها في تقابل الخلق والأمر، وتفسير الخلق بعالم الأجسام لا يكون في تقابل مع الأمر إلا إذا كان المراد من الأمر أيضاً عالم الأرواح أو على الأقل غير الأجسام، في حين أن الأمر الإلهي يجري في غير الأجسام أيضاً وليس خاصاً بالأمور الروحانية. ٦- ما دون العرش والدنيا؛ هناك عدة تأملات في تفسير الخلق بما دون العرش والدنيا: أ) خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل لصرف الخلق عن معناه الظاهر. ب) بقرينة تقابل الخلق والأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، فإن النقطة المقابلة لمعنى ما دون العرش والدنيا ستكون الآخرة، في حين أن تفسير الأمر بالآخرة أولاً غير منسجم مع استخدام الأمر في الأمور الدنيوية، وثانياً غير منسجم مع المعنى القرآني للأمر.
٢-١-١. تفاسير الأمر الإلهي
في تفسير «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، ذُكرت عدة معانٍ ومرادات، كل منها يستدعي النقد والتقييم من وجوه عدة: ١- الفرمان في مقابل النهي؛ هذا المعنى يستدعي التقييم من عدة وجوه: أ) تفسير الأمر بمعنى الفرمان في مقابل النهي، يؤدي إلى كون الأمر الإلهي لفظياً، وهذا بينما لفظية الأمر محل تأمل وشك من عدة وجوه: أولاً، الأمر اللفظي يتطلب مخاطباً ذا قوة سمع، بينما في حالات أخرى، يكون مخاطب أمر الله أموراً لا تملك قوة السمع؛ مثل الأمر للسماء، والأرض، والقمر، والشمس، والنجم. ثانياً، الأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» ظهوره في اختصاص الأمر بالله، بينما الأمر اللفظي مشترك بين الله والمخلوقات. ٢- التدبير والمشيئة؛ هناك عدة إشكالات أساسية في هذا التفسير: أ) التدبير والمشيئة ليسا من المعاني اللغوية للأمر، وحمل الأمر على هذا المعنى يحتاج إلى دليل. ب) التدبير والمشيئة لهما معنيان مختلفان، وبالتالي لا يمكن أن يكونا معاً معنى للأمر، وعلى فرض أنهما بمعنى واحد، فإن الأمر بمعنى التدبير والمشيئة لا يُعطف على الخلق؛ لأن الخلق في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» والسياق دائماً مصحوب بالتدبير والمشيئة؛ «يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا» (النور: ٤٥)، ولا يمكن تصور خلق لله بدون تدبير ومشيئة حتى نحتاج إلى عطف الأمر بمعنى التدبير والمشيئة على الخلق. ج) في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، الأمر هو شكل من أشكال الإيجاد الذي يتحقق في آيات الوحي (يس: ٨٢، النحل: ٤٠، البقرة: ١١٧) بعد الإرادة والمشيئة (التي يعتبرها البعض صفة واحدة لا متعددة) وقضاء الله، تماماً كما أن الخلق هو شكل آخر من أشكال الإيجاد الذي يحدث بعد مشيئة الله وإرادته؛ «يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا» (النور: ٤٥)، «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ» (القصص: ٦٨). بناءً على ذلك، إذا كان المراد من الأمر في الآية هو فرمان الله، ففي هذه الحالة يُعطف شكل من الإيجاد على شكل آخر من الإيجاد، ويتحقق التقابل بينهما. ولكن إذا كان المراد من الأمر هو المشيئة أو التدبير، ففي هذه الحالة لن يتحقق التقابل، ولن يُعرف الأمر والخلق كمتقابلين. د) إذا كان تفسير الأمر بمراحل تحقق فعل الله -المشيئة، الإرادة، والعلم- صحيحاً، ففي هذه الحالة سيكون تفسير الخلق أيضاً بالمراحل المذكورة صحيحاً، وبالتالي، لن يكون تقابل الخلق والأمر دائمياً، بل في بعض الحالات سيكونان متقابلين وفي بعض الحالات لن تكون هناك علاقة تقابل، وهذا بينما حرف العطف في الآية يدل على تقابل الأمر والخلق. على سبيل المثال، إذا كان المراد من الخلق والأمر مرحلة من مراحل تحقق فعل الله، بأن يكون الأمر هو مشيئة الله والخلق هو نفس المشيئة، فلن يكون الأمر والخلق متقابلين. ولكن إذا كان المراد من الخلق مرحلة والمراد من الأمر مرحلة أخرى، ففي هذه الحالة سيتحقق التقابل. على سبيل المثال، إذا كان المراد من الخلق هو الإرادة والمراد من الأمر هو العلم، ففي هذه الحالة سيكون الأمر والخلق متقابلين، تماماً كما لو كان المراد من الخلق هو علم الباري تعالى والمراد من الأمر هو المشيئة، فسيتحقق التقابل بين الخلق والأمر. ٣- مفرد الأمور؛ تفسير الأمر بمفرد الأمور له أيضاً عدة نقائص مهمة: أ) عطف الأمر على الخلق في آية «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» يحكي عن نوع من التقابل بين الخلق والأمر، بينما تفسير الأمر بمفرد الأمور لا يقع في تقابل مع معنى ومراد الخلق. ب) عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» تدل على اختصاص الأمر والخلق بالله، وهذا بينما الأمر بمعنى مفرد الأمور ليس خاصاً بالله ولا يقع في تقابل مع الخلق. ج) الأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» هو بنفس معنى ومراد الأمر في سياق «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ»، وكما أن الأمر في السياق ليس بمعنى مفرد الأمور، فإن الأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» لن يكون بمعنى مفرد الأمور أيضاً. د) الأمر بمعنى مفرد الأمور يُعرف من مخلوقات الباري تعالى، وبالتالي فإن عطف الأمر على الخلق في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، سيكون عطف مخلوق على مخلوق، وهذا العطف غير لائق. ٤- الكلام؛ هذا المعنى أيضاً يستدعي النقد والدراسة من وجوه: أ) «الْأَمْرُ» مصدر وله معنى مصدري، وتفسيره بالكلام أولاً خلاف الظاهر، وثانياً يحتاج إلى دليل لصرفه عن الظاهر إلى غير الظاهر. ب) الأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» خاص بالله، بينما الأمر بمعنى الكلام ليس مختصاً بالله. ج) الأمر بمعنى الكلام هو نفسه مخلوق من مخلوقات الله، وبالتالي فإن عطفه على الخلق سيكون عطف مخلوق على صفة أو عطف مخلوق على مخلوقات، وهذا العطف لن يحكي عن تقابل الخلق والأمر. ٥- عالم الأمر؛ أ) الأصل عدم التقدير وعدم الإضمار لا ينسجم مع تقدير كلمة عالم في الآية، إلا إذا كان هناك دليل معتبر على تقدير كلمة عالم. ب) إطلاق «الأمر» على عالم الأمر غير منسجم مع السياق السابق من وجهين. الأول أنه في السياق، وردت صفتا الخلق والأمر، وبالتالي فإن الخلق والأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» ناظران إلى اختصاص هاتين الصفتين بالله. الثاني أنه في السياق، استُخدم الأمر في مورد الماديات لا المجردات: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ». ج) استخدام الأمر في القرآن غير منسجم مع تفسير الأمر بعالم الأمر؛ ذلك أنه في بعض الآيات، استُخدمت كلمة الأمر في مورد الماديات والمجردات والأمور غير المحسوسة؛ مثل «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» (الطلاق: ١٢)، «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (البقرة: ١١٧). ٦- عالم الأرواح؛ أ) الأمر بمعنى عالم الأرواح لا ينسجم مع أصلي أصالة الظهور وأصالة عدم التقدير. ب) اختصاص الأمر بعالم الأرواح غير منسجم مع استخدام الأمر في الماديات «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ»، «يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ»، «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا». ج) تفسير الأمر بعالم الأرواح بحكم التقابل في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، يستلزم تفسير الخلق بعالم الأجسام، بينما بناءً على آيات الوحي، الخلق ليس خاصاً بالأجسام ويجري بالنسبة لغير الأجسام أيضاً. ٧- ما فوق العرش؛ أ) استخدام الأمر في أمور مادية مثل «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ»، «يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ»، «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا» غير منسجم مع معنى الأمر بما فوق العرش. ب) معنى ما فوق العرش غير منسجم مع ظهور الأمر في المعنى المصدري وعدم التقدير والإضمار، إلا في حالة وجود قرينة وشاهد على المعنى غير الظاهري وتقدير كلمة «ما فوق العرش». ٨- الآخرة؛ أ) الأمر بمعنى الآخرة خلاف ظاهر معنى الأمر، وكل خلاف للظاهر يحتاج إلى تقديم دليل. ب) ارتباط أقسام الآية المختلفة يقتضي أن يكون الأمر في «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» بمعنى الأمر في «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ». ج) في اختصاص الآخرة بالله لا يوجد أي شبهة، حتى نحتاج إلى عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» لدفع شبهة عدم اختصاص الآخرة بالله.
٢. الرأي المختار
عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» جزء من الآية ٥٤ من سورة الأعراف، وفهمها وتفسيرها الأمثل يجب أن يتم عبر مرحلتين:
١-٢. المرحلة الأولى: تحديد موضوع الآية
تتكون الآية من أربعة مقاطع رئيسية مترابطة. في المقطع الأول «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ… وَالنُّجُومَ» يُنسب خلق السماء والأرض والقمر والنجوم إلى الله، ويُعرّف الله كخالق للكون. في المقطع الثاني «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ»، تُعتبر جميع المخلوقات مسخرة للأمر الإلهي. في المقطع الثالث «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، يُخص الخلق والأمر بالله. في المقطع الرابع «تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ»، يتم التأكيد على غنى الله ووحدانيته وتدبيره وبركاته على مربوبيه. الموضوع في جميع المقاطع الأربعة هو إثبات وجود الله وصفاته تعالى، وبالتالي، فإن التفسير والفهم الأمثل لكل جزء، بما في ذلك «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، لا يمكن أن يتحقق إلا بالنظر إلى الأجزاء الأخرى.
٢-٢. المرحلة الثانية: ارتباط أقسام الآية المختلفة
عندما يُذكر في المقطع الأول خلق السماء والأرض وغيرها، وفي المقطع الثاني تُعرّف السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم بأنها مسخرة لأمر الله، نستنتج أن المقطعين الأول والثاني مترابطان. أحدهما يتحدث عن خلق الذوات والآخر عن تسخير تلك الذوات للأمر الإلهي، وعندما يُعرّف الخلق والأمر في المقطع الثالث بأنهما خاصان بالله، فبقرينة ارتباط الآيات والسياق، سيكون هذا الخلق والأمر هو نفس الخلق والأمر في المقطعين الأول والثاني من الآية. وبذلك نتأكد من أن المراد من الخلق والأمر في المقطع الثالث هو نفس الخلق في المقطع الأول والأمر في المقطع الثاني. ولكن فهم المراد من الخلق والأمر في المقطعين الأول والثاني يعتمد بنفسه على فهم معنى الخلق والأمر في آيات أخرى، أو على الأقل في الآيات التي تم فيها بيان خلق السماء والأرض بكلمة الخلق، أو تم تعريف تسخير السماء والأرض بأنه مرتبط بالأمر الإلهي. بناءً على ذلك، في الخطوة الأولى يجب أن نفهم معنى الخلق في المقطع الأول، وفي الخطوة الثانية نحدد معنى الأمر في المقطع الثاني، وفي الخطوة الثالثة نوضح معنى الأمر والخلق في المقطع الثالث.
١-٢-٢. الخطوة الأولى
ذُكر خلق السماء والأرض في صدر الآية محل البحث وبعض الآيات الأخرى بكلمة «خلق» (آل عمران: ١٩٠، الأنعام: ١، هود: ٧)، ومدة الخلق ذُكرت سبعة أيام (الأعراف: ٥٤، هود: ٧، يونس: ٣، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، ق: ٣٨، الحديد: ٤)، وفي عدد آخر من الآيات، ذُكر بكلمة «بديع» (الأنعام: ١٠١) أو مركب من «بديع» و«أمر» (البقرة: ١١٧)، أو مركب من «خلق» و«كن» (الأنعام: ٧٣). استخدام المفردات المختلفة في خلق السماء والأرض يرجع إلى اختلاف شكل الخلق. فالخلق الفوري والدفعي، بلا نموذج، بلا مكان، بلا زمان، وبلا واسطة، يُعبّر عنه بكلمتي «بديع» و«أمر»، والخلق التدريجي، بنموذج، وبواسطة، وفي زمان ومكان، يُعبّر عنه بكلمة «خلق». بناءً على ذلك، فإن الخلق في صدر الآية بقرينة «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» في هذه الآية والآية ٣ من سورة يونس، و٧ من سورة هود، و٥٩ من سورة الفرقان، هو خلق تدريجي، وباستناد إلى آية «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ» (فصلت: ١١)، تم بواسطة الدخان، وأصل الخلق وإن كان يُرى غير مختص بالله استناداً إلى آية «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (المؤمنون: ١٤، الصافات: ١٢٥) و«وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي» (المائدة: ١١٠)، إلا أن خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم خارج عن قدرة غير الله. النتيجة هي أن الخلق في صدر الآية يعني الخلق التدريجي، بواسطة، وفي زمان ومكان، وهذا الشكل من الخلق ليس في قدرة غير الله.
٢-٢-٢. الخطوة الثانية
في الآية محل البحث (الأعراف: ٥٤) وعدة آيات أخرى، تُعرّف السماوات والأرض والشمس والقمر… بأنها مسخرة للأمر الإلهي؛ «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ» (النحل: ١٢)، «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ» (إبراهيم: ٣٢)، وفي بعض الآيات مثل «وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» (الرعد: ٢، فاطر: ١٣)، «وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» (لقمان: ٢٩)، نُسب التسخير إلى الله. الأمر المذكور أولاً، باعتبار إسناده إلى الله، هو بمعنى الإيجاد وليس بمعنى العمل، والأمر البشري، والعفو، وترك الخندق والانتصار. ثانياً، باعتبار عبارة «كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى»، يتعلق بنظام وحركات المسخرات. ثالثاً، بقرينة مخاطب الأمر -السماوات، الأرض، الشمس، وغيرها- هو غير لفظي؛ لأن المسخرات لا تملك قوى السمع. رابعاً، بسبب تقابل الأمر في «مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ» مع الخلق في صدر الآية «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»، فإن الأمر والخلق متقابلان، وبالتالي، بما أن الخلق هو إيجاد تدريجي، بنموذج، بزمان، ومكان، فإن الأمر في المقطع الثاني سيكون إيجاداً دفعياً، لا من شيء، بلا زمان وبلا مكان؛ مع فارق أن متعلق الإيجاد ليس ذات الشيء، بل نظام وحركة السماوات والأرض وغيرها؛ كما يُعرف الأمر في آيات أخرى من القرآن بمعنى الإيجاد الدفعي، لا من شيء، بلا زمان وبلا مكان؛ مثل «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (الإسراء: ٨٥)، «إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (مريم: ٣٥)، «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (يس: ٨٢)، «هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (غافر: ٦٨)، «وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ» (القمر: ٥٠).
٣-٢-٢. الخطوة الثالثة
المقطع الثالث من الآية، أي «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»، يمكن فهمه وتفسيره بطريقتين مختلفتين: أ) أن يُنظر إليه في ارتباط بالسياق وأن يُفهم ويُفسر بشكل مستقل عن السياق. هذا الاحتمال محل تأمل وشك من وجهين. الأول أن هذا الاستقلال لا ينسجم مع أصل انسجام آيات القرآن، خاصة انسجام الأقسام المختلفة لآية واحدة. الثاني أنه لا ينسجم مع ظهور آيات مثل «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»؛ لأن المقطع الثالث يدل على اختصاص الخلق والأمر بالله، بينما تعريف الله كأحسن الخالقين يدل على عدم اختصاص الخلق بالله، لأنه لو كان الخلق خاصاً بالله، لكان استخدام عبارة «أحسن الخالقين» غير صحيح. ب) أن يُنظر إليه في ارتباط بالمقطعين الأول والثاني من الآية وأن يُفهم ويُفسر في ارتباط بالسياق. هذا الاحتمال، على عكس الاحتمال الأول، لا يتعارض مع أصل الانسجام وآية «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»؛ لأنه يرتبط ويتصل بالمقطعين السابقين من الآية، ولا يتعارض مع ظهور آيات عدم اختصاص الخلق بالله، وذلك لأن الألف واللام في الخلق والأمر في المقطع الثالث ستكون للعهد، والمراد من الخلق والأمر هو نفس الخلق والأمر في المقطعين الأول والثاني من الآية وهو خاص بالله. اختصاص الخلق بالله من حيث أن غير واجب الوجود لا يملك القدرة على إيجاد السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، وهذا المستوى من الخلق خاص بالله؛ وإن كانت المستويات الأدنى من الخلق ليست مختصة بالله، واختصاص الأمر بالله واضح أيضاً؛ لأن مثل هذا الإيجاد لا يملكه إلا الله؛ فالله وحده يملك القدرة على إيجاد الحركة والنظام والروابط بين المخلوقات، وذلك أيضاً على مستوى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، والآخرون لا يملكون مثل هذه القدرة.
الاستنتاج
بناءً على هذا الاحتمال، أولاً، الأمر في المقطع الثالث هو نوع من الإيجاد ولا يُعرف كشيء لفظي، وبالتالي، لا يدل على حدوث قرآن الشيعة والمعتزلة، ولا على قدم قرآن وكلام الأشاعرة. ثانياً، الأمر والخلق في المقطع الثالث ليسا بمعنى واحد، وإحلال أحدهما محل الآخر غير صحيح. لا يمكن استبدال الخلق في المقطع الأول بالأمر في المقطع الثاني، كما لا يمكن استبدال الأمر في المقطع الثاني بالخلق في المقطع الأول، وصحة الاستبدال تشبه أن نقول إن الله خلق السماء والأرض وسخرهما بخلقه، أو أن الله أمر السماء والأرض وسخرهما بأمره. جميع تفاسير الخلق والأمر في عبارة «أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» محل تأمل وشك من وجوه عدة، وفهم وتفسير الآية الصحيح أولاً منوط بكشف موضوع الآية، وثانياً يعتمد على الحفاظ على الارتباط بين المقاطع المختلفة للآية. بناءً على ذلك، مع الأخذ في الاعتبار الأقسام المختلفة للآية، فإن موضوع الآية هو إثبات ربوبية الباري تعالى وصفات واجب الوجود، وباعتبار الموضوع وانسجام الأقسام المختلفة للآية، فإن المراد من الخلق والأمر في المقطع الثالث (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، هو نفس المراد من الخلق في المقطع الأول «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»، والمراد من الأمر في المقطع الثاني «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ». الخلق في المقطع الأول هو إيجاد تدريجي في الزمان والمكان، والخلق في المقطع الثالث هو بنفس المعنى. والأمر في المقطع الثاني بمعنى الإيجاد الدفعي، بلا زمان وبلا مكان، والمراد من الأمر في المقطع الثالث هو نفس هذا المعنى للأمر. بناءً على ذلك، لا يُستنتج من هذه الآية الشريفة حدوث القرآن ولا قدمه؛ لأن الأمر في الآية بمعنى الإيجاد الدفعي والفوري، ومثل هذا الأمر لا يقع في قالب الألفاظ والكلمات. علاوة على ذلك، لن يكون الاستناد إلى الآية الشريفة لإثبات نظرية عالم الأمر والخلق ممكناً؛ لأن الآية تدل فقط على صفة الأمر والخلق واختصاصهما بالله، وعالم الأمر والخلق يقع خارج مدلول الآية. إضافة إلى ذلك، في الرأي المختار، لا يجوز استبدال الأمر والخلق أحدهما بالآخر.
الهوامش
1. في نظر أنصار هذا المعنى، الخلق ليس خاصاً بالله تعالى ويُستخدم لغيره أيضاً؛ «فتبارک الله أحسن الخالقین»؛ مع أن الحقيقة في الخلق هي لله سبحانه فقط. فإن المراد من الخلق إيجاد الشيء مقدراً تقديراً لا تفاوت فيه. وهذا إنما يكون من الله سبحانه وتعالى، ودليله قوله «ألا له الخلق والأمر». (الطوسي، ١٤٠٩: ٤٢٣/٤؛ الطبرسي، ١٤١٥: ٢٦٩/٤ و ١٨٠/٧؛ الرازي، ١٣٧١: ٢٢١/٨).
2. يقسم بعض الفلاسفة والعرفاء العالم إلى عالمي الخلق والأمر، ويستندون في ذلك إلى الآية ٥٤ من سورة الأعراف. حسب اعتقادهم، عالم الخلق هو عالم المحسوسات الذي يُدرك بالحواس الخمس، وعالم الأمر هو عالم المجردات الذي لا يُدرك بالحواس الخمس الظاهرية.
قائمة المصادر
1. إخوان الصفا (1376 هـ.ق)، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، بيروت: دار صادر للطباعة والنشر.
2. الأندلسي، ابن عطية (1413 هـ.ق)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، بيروت: دار الكتب العلمية.
3. الأندلسي، أبو حيان (1422 هـ.ق)، تفسير البحر المحيط، بيروت: دار الكتب العلمية.
4. الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب (1414 هـ.ق)، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.
5. البيضاوي، عبد الله بن عمر (بلا تاريخ)، تفسير البيضاوي، بيروت: دار الفكر.
6. الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد (1418 هـ.ق)، جواهر الحسان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
7. الخميني، السيد مصطفى (1418 هـ.ق)، تفسير القرآن الكريم، قم: مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني.
8. الرازي، أبو الفتوح (1371)، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی.
9. الرازي، أبو حاتم (بلا تاريخ)، تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الفكر.
10. الرازي، فخر الدين محمد بن عمر (بلا تاريخ)، التفسير الكبير، بلا مكان: بلا ناشر.
11. الزحيلي، وهبة (1427 هـ.ق)، التفسير الوسيط، بيروت: دار الفكر.
12. السبحاني، جعفر (1409 هـ.ق)، الإلهيات، بيروت: دار الإسلامية.
13. السمرقندي، أبو الليث (بلا تاريخ)، تفسير السمرقندي، بيروت: دار الفكر.
14. الشوكاني، محمد بن علي (بلا تاريخ)، فتح القدير، بلا مكان: عالم الكتب.
15. الشيرازي، محمد (1402)، أسرار الآيات، طهران: انتشارات انجمن اسلامی حکمت و فلسفه ایران.
16. الطباطبائي، السيد محمد حسين (بلا تاريخ)، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر نشر إسلامي.
17. الطبرسي، الفضل بن الحسن (1415 هـ.ق)، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: أعلمي.
18. الطنطاوي، محمد (1427 هـ.ق)، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، بيروت: دار الفكر.
19. الطوسي، محمد بن الحسن (1409 هـ.ق)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: مكتب الإعلام الإسلامي.
20. الغرناطي، محمد بن أحمد بن جزي (بلا تاريخ)، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت: شركة دار الأرقم.
21. الفيض الكاشاني، الملا محسن (1418 هـ.ق)، التفسير الأصفى، قم: نشر إسلامي.
22. القبادياني، ناصر خسرو (1363)، جامع الحكمتين، طهران: طهوري.
23. القرطبي، محمد بن أحمد (بلا تاريخ)، الجامع لأحكام القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
24. الكاشاني، فتح الله (1333)، تفسير كبير منهج الصادقين في إلزام المخالفين، بلا مكان: محمد حسن علمي.
25. الكاشاني، فتح الله (1423 هـ.ق)، زبدة التفاسير، قم: مؤسسة معارف إسلامي.
26. مغنية، محمد جواد (1981)، الكاشف، بيروت: دار العلم للملايين.
27. المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (1414 هـ.ق)، أوائل المقالات، بيروت: دار المفيد.
28. مكارم الشيرازي، ناصر (بلا تاريخ)، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، بلا مكان: بلا ناشر.
29. النحاس، أبو جعفر (1409 هـ.ق)، معاني القرآن، الرياض: جامعة أم القرى.