دور علامات الوقف والابتداء في فهم القرآن (دراسة حالة: الوقف اللازم)

الملخص

من العلامات المهمة والدقيقة للوقف والابتداء في القرآن الكريم، والتي يؤدي الالتزام بها دورًا جوهريًا في الفهم الصحيح للآيات الإلهية، علامةُ الوقف اللازم أو «الميم». ويمكن إدراك دور هذا الوقف، بالإضافة إلى علم التجويد وحسن تلاوة القرآن الكريم، في تفسير وتبيين مراد الله من آياته. يسعى هذا البحث، من خلال منهج وصفي-تحليلي، إلى دراسة الخطاب الإلهي في آيات محددة من السور الأولى للقرآن الكريم في مرحلة التحليل القضوي، التي تلي مرحلة التحليل الدلالي والمفرداتي، وتوضيح دور هذه العلامة في تحسين فهم الآيات الإلهية. تظهر الدراسات أن معظم الآيات التي استُخدم فيها الوقف اللازم تتعلق بالمسائل العقائدية. وفي حال عدم مراعاة الوقف اللازم، ينتج فهم ناقص، بل ومعاكس للمراد الإلهي الأصلي، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى معنى كفري. هذا الأمر هو ما جعل الوقف اللازم يُعتبر من أهم علامات الوقف والابتداء وعاملاً أساسيًا لتجاوز سوء الفهم المحتمل لآيات القرآن الكريم.

1. المقدمة

لفهم القرآن مراتب متدرجة يمكن إدراكها عبر عملية تصاعدية تبدأ من فهم الكلمات، فالقضايا المشتملة على الآيات، ففهم الآيات، ففهم الخطابات (الركوعات أو الارتباطات الموضوعية)، ففهم السورة، وصولًا إلى فهم ما بين النصوص. كل مرحلة من هذه المراحل، باتباع أسلوب خاص، تكشف عن أبعاد مختلفة من الفهم قد تتباين عن المراحل الأخرى. ورغم ذلك، توجد أوجه شبه عامة بين هذه التصنيفات في الفهم. على سبيل المثال، في التحليل القضوي، أي تقسيم الآية إلى أجزاء مختلفة، يجتمع موضوعان أو أكثر، ومن ثم يُستخلص فهم لهذه الموضوعات، وهذا الأمر يصدق أيضًا في تقسيم الخطاب (الركوعات)؛ بمعنى أنه في هذا التقسيم، وبمساعدة عدة آيات، يُتحصل على فهم كلي يشمل فقرة أو مقطعًا.

من الأبعاد المهمة جدًا في التحليل القضوي للقرآن ودور القضايا القرآنية في الفهم، الانتباه إلى علامات الوقف والابتداء في القرآن الكريم.

إن الأثر الكبير الذي يتركه الوقف والابتداء في معنى الآيات ومفهومها هو أحد الأسباب التي توجب على مفسري القرآن الكريم الاهتمام به وعدم الغفلة عنه. فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يتعلمون القرآن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يتعلمون مواضع الوقف منه أيضًا (الداني، المكتفى في الوقف والابتداء، 1407 ق: 134 و 135؛ الحصري، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، 1370: 22). ولهذا، يرى بعض المحققين أن مواضع الوقف في القرآن توقيفية. وقد نُقل عن أبي حاتم السجستاني (248 ق) قوله: «من لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن» (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1392: 1: 249؛ وانظر: أماني، طيب حسيني، حسيني زاده، دراسة الوقف والابتداء على كلمة «كلا» في القرآن، دراسات قراءة القرآن، الدورة 6، العدد 11، خريف وشتاء 1397).

علامات الوقف والابتداء، التي تُعد من الفنون والمعارف الأساسية في القراءة، غالبًا ما يُلتفت إليها في إطار مباحث علوم التجويد وحسن تلاوة القرآن؛ ولكن يجب القول إن وضع هذه العلامات، بالإضافة إلى الموضوعات المتعلقة بحسن تلاوة القرآن، يؤدي دورًا كبيرًا في سبيل فهم القرآن، بحيث يمكن اعتباره الخطوة الثانية في فهم القرآن بعد معرفة المفردات؛ أي فهم القضايا. في هذا السياق، يتناول هذا البحث، من خلال اختيار إحدى علامات الوقف والابتداء المهمة، وهي الوقف اللازم (م)، الدور الأساسي لهذا الوقف في فهم آيات القرآن الكريم، ويقوم بدراسته وتحليله.

2. دراسة المفهوم

أ. تعريف علامات الوقف والابتداء ودورها في الفهم

الوقف في اللغة يعني الوقوف (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن مع تفسير لغوي وأدبي، 1369 ش: 4/ 479)، وأحيانًا يُقصد به الحبس (الطريحي، 1375 ش: 5/ 129)؛ وقد ورد أيضًا: «الوَقْفُ: مصدر قولك: وَقَفْتُ الدابةَ ووَقَفْتُ الكلمة» (الفراهيدي، كتاب العين، 1409 ق: 5/ 223). وكلمة ابتداء مشتقة من بدأ وتعني «الشروع وبداية كل عمل» (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن مع تفسير لغوي وأدبي، 1369 ش: 1/ 250).

وتناسبًا مع التعريف اللغوي، قدم المتخصصون في هذا الفن تعريفات متعددة لهذا المصطلح. يصف الحصري هذا الفن قائلاً: «علم الوقف والابتداء هو معرفة في أي جزء من الآية يمكن السكوت، ومن أين يمكن البدء بالقراءة مجددًا. وله الأثر الأكبر في تحسين قراءة القرآن الكريم؛ لأنه من خلال هذا العلم، يميز القارئ المواضع التي يجب عليه الوقف فيها، والمواضع التي يكون الوقف فيها أفضل، والمواضع التي يكون الوقف فيها قبيحًا، وبهذه الطريقة يدرك أيضًا من أي كلمة يبدأ التلاوة مجددًا، ومن أي كلمة يكون الابتداء حسنًا، أو من أي كلمة يكون الابتداء قبيحًا ومستهجنًا» (الحصري، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، 1370 ش: 17).

ويُعرّف الزركشي في البرهان هذا العلم من حيث أهميته في عكس معنى ومفهوم راوي القرآن للمستمع بقوله: «وهو فن جليل، وبه يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة، وبه تتبين معاني الآيات ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات» (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1408 ق: 237).

ب. بيان الخلفية التاريخية لاستخدام علامات الوقف والابتداء في القرآن

يحتاج كل كاتب أو متحدث إلى استخدام أدوات وعلامات في كتابته وكلامه لإيصال مفهوم خطابه إلى السامع أو القارئ، حتى تصل جوهر رسالته بشكل صحيح إلى المخاطبين. والقرآن الكريم، وهو وحي إلهي وكتاب لسعادة البشر وهدايتهم في كل العصور، يكتسب في هذا الموضوع أهمية مضاعفة؛ لأنه بواسطة شخص معصوم ومنزه عن الخطأ – وهو في الحقيقة الناطق بكلام الله على الأرض للعالمين – يوصل المفهوم الحقيقي والصحيح لكلام الوحي بوضوح إلى أسماع أهل عصره وجميع العصور؛ وهذا المطلب يمكن البحث عنه في كلام القرآن وروايات الأئمة الذين هم مبينون ومفسرون لبعضهم البعض. يأمر الله تعالى نبيه بهذا الأمر في القرآن الكريم فيقول: ﴿… وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل / 4). ويرى الإمام علي عليه السلام في ذيل هذه الآية أن الترتيل هو معرفة مواضع الوقوف في القرآن وإتقان أداء الحروف (انظر: الكليني، الكافي، 1407 ق: 2/ 614). كما روى ابن مسعود، الصحابي الشهير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الوقوف منازل القرآن» (السجاوندي، علل الوقوف، 1427 ق: 20). ويشرح الأنصاري في كتابه «المقصد للتلخيص» هذا الحديث قائلاً: «القارئ كالمسافر، ومواضع الوقف كالمنازل التي ينزل فيها المسافر، فكما أن المنازل بين الطرق تختلف من حيث طيب هوائها وتوفر إمكانياتها، كذلك منازل القرآن متفاوتة…» (الأنصاري، المقصد للتلخيص، 1393 ق: 5).

إضافة إلى الصحابة، أولى التابعون والمفكرون في العصور اللاحقة اهتمامًا خاصًا بهذا الفن، وأشاروا إلى العديد من المطالب ضمن هذا الموضوع. على سبيل المثال، نُقل عن عبد الله بن عمر أنه قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن. ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه» (ابن النحاس، إعراب القرآن، 1419 ق: 28؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1408: 1/ 415؛ لمزيد من الاطلاع على اهتمام العلماء بهذا الفن، انظر: السجاوندي، علل الوقوف، 1427 ق: 17-22).

بالتأمل فيما مضى، يمكن إرجاع قدم هذا الفن إلى عصر نزول القرآن وأئمة أهل البيت عليهم السلام، الذين أولوا اهتمامًا وعناية خاصة بنقل المفاهيم الصحيحة للآيات الإلهية وأدائها من قبل فئات المجتمع، وقد انتقل هذا الجهد في العصور التالية من جيل إلى جيل على يد المتخصصين والخبراء في هذا المجال؛ لكن يجب القول إن ابن الجزري ينسب أول تأليف في موضوع الوقف والابتداء إلى شيبة بن نصاح المدني الكوفي (130 ق)، إلا أن كتابه بعنوان «الوقوف» لم يصل إلينا. وتُعد كتب «الوقف والائتناف» لابن النحاس (338 ق) و«إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل» لابن الأنباري (228 ق) من أوائل المؤلفات في هذا المجال (رضائي أصفهاني وأميني تهراني، تصنيف مصادر علوم وفنون القراءات في مجال الوقف والابتداء، 1394: 126).

ويرى بعض المحققين أن كتاب «المقطوع والموصول في القرآن» هو أول أثر مستقل في موضوع الوقف والابتداء (إقبال، فرهنگنامه علوم قرآن، 1385: 160). ومؤلف هذا الكتاب هو ابن عامر عبد الله بن عامر بن يزيد أبو عمر اليحصبي الشامي (ت 118 ق). وفي بعض المصادر أيضًا، يُعرّف «كتاب الوقف والابتداء» لضرار بن صرد (129 ق) بأنه أول كتاب في موضوع الوقف والابتداء (فاطمي، بحث في الوقف والابتداء، 1382: 27). كما نُسب إلى حمزة بن حبيب (ت 156 ق)، وهو من القراء السبعة، كتاب في الوقف والابتداء بعنوان «المقطوع والموصول في القرآن» (القمي، سفينة البحار، 1414 ق: 2/ 427). تشير هذه التقارير إلى تاريخ طويل من الدراسات في مجال الوقف والابتداء والقيمة العالية لهذا الموضوع لدى العلماء المسلمين.

من أهم الآثار المتبقية في مجال الوقف والابتداء: «الإيضاح في الوقف والابتداء» لمحمد بن قاسم بشار الأنباري، النحوي والأديب الشهير (ت 328 ق)، «القطع والائتناف» لأحمد بن محمد المشهور بابن النحاس (ت 338 ق)، «المكتفى في الوقف والابتداء» للداني، «وقوف القرآن» للسجاوندي، «المقصد لتلخيص ما في المرشد» لزكريا بن محمد الأنصاري، «منار الهدى في الوقف والابتداء» لمحمد بن عبد الكريم الأشموني من كبار علماء القرن الحادي عشر الهجري (لساني فشاركي وعابديني، دراسة علاقة دور الوقف والابتداء بتفسير الآيات وإلقاء وفهم المعنى، 1388: 11).

3. تصنيف الوقف في القرآن

في كل مرحلة من تاريخ هذا الفن، عرّف الخبراء أنواعًا مختلفة من الوقف؛ وفي تقسيم عام، طُرحت ثلاث نظريات في هذا المجال. يرى البعض، مثل أبي يوسف من فقهاء أهل السنة، أن معيار الوقف هو «انقطاع النفس»؛ بمعنى أن «القارئ يمكنه أن يقرأ براحة تامة، وحيثما انقطع نفسه، سواء كان ذلك في رأس الآية أو في وسطها، سواء كانت الجملة تامة أو ناقصة، ذات معنى أو بلا معنى، يقف عليه» (شاكر، قواعد الوقف والابتداء في قراءة القرآن الكريم، 1392 ش: 30).

ويرى فريق آخر أن «تمام الآية» هو أساس الوقف، حيث قالوا: «أصلاً، فواصل الآيات وُضعت ليُوقف عليها حتى يُخلق تقابل بين الكلمات الأخيرة في آيتين، مثل «مسيطر» و«مذكر» في نهاية الآيتين 21 و 22 من سورة الغاشية، و«أكبر» و«كفر» في نهاية الآيتين 23 و 24 من نفس السورة» (نفس المصدر: 30).

النظرية الثالثة، وهي الأفضل والأصح ومعيار معتمد لدى علماء علوم القرآن والقراءة، هي «تمام المعنى». يعتقد أنصار هذه النظرية أنه «لا يمكن ترك الوقف لانقطاع النفس والسماح للقارئ بالوقوف حيثما يصل في القرآن؛ ولا يمكن حصر مواضعه في رؤوس الآيات وعدم جوازه في مواضع أخرى، بل الوقف وكماله ونقصانه منوط بتمام المعنى أو عدم تمامه، سواء كان ذلك في رأس الآية أو في وسطها» (نفس المصدر: 31). حول النظرية الأخيرة، تم تقديم تقسيمات مختلفة سيتم طرحها لاحقًا.

قام علماء هذا الفن في كل عصر بتقديم تقسيمات مختلفة لهذه المعرفة، وقد خصص السجاوندي في «علل الوقوف» بابًا لآراء العلماء في هذا الشأن؛ وأهم هذه النظريات هي:

  1. ابن الأنباري: الوقف التام، الوقف الحسن، والوقف القبيح.
  2. الداني: تام مختار، كافٍ جائز، صالح مفهوم، قبيح متروك.
  3. الأنصاري: مراتب الوقف: أعلاها الوقف التام، ثم الحسن، ثم الكافي، ثم المفهوم، ثم الجائز، ثم البيان، ثم القبيح، وأقسامه ثمانية.
  4. بعض العلماء يعتقدون أن الوقف ينقسم إلى قسمين فقط: الوقف التام والوقف القبيح.
  5. بعض العلماء يعتقدون أن الوقف على آيات القرآن يكون على ثمانية أوجه: تام، وشبيه به، وناقص، وشبيه به، وحسن، وشبيه به، وقبيح، وشبيه به» (السجاوندي، علل الوقوف، 1427 ق: 10-11).

فيما يلي عرض موجز لأشهر علامات الوقف بين متخصصي علوم القرآن، والتي تشمل تعريفات شبه شاملة ومشتركة لهذا الموضوع:

أولاً. الوقف التام: «الوقف التام هو الوقف على كلمة يكون القطع عليها والابتداء بما بعدها حسنًا، ولا يتعلق بما قبله أو بما بعده لا من حيث المعنى ولا من حيث اللفظ؛ ومثاله في نهاية القصص القرآنية وآخر الآيات» (الداني، المكتفى في الوقف والابتداء، 1428 ق: 8/2).

ثانياً. الوقف الحسن: هو أن يكون الوقف عليه حسنًا، ولكن الابتداء بما بعده ليس حسنًا. مثل «الحمد لله»، حيث إن الابتداء بـ«رب العالمين» ليس حسنًا؛ لأنه صفة لما قبله (السيوطي، 1376 ش: 1/ 275).

ثالثاً. الوقف الكافي: هو الوقف على كلمة لا تتعلق الجملة التي بعدها بها لفظًا، ولكنها مرتبطة بها أو بالجملة التي قبلها من حيث المعنى. يقع هذا الوقف في نهاية الآيات وفي وسطها. من أمثلة هذا النوع من الوقف في نهاية الآيات، الوقف على كلمة «لا يعقلون» في آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات/ 4)؛ حيث إن الآية 5: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات/ 5)؛ لا ترتبط بما قبلها من الناحية اللفظية باعتبارها جملة مستأنفة، ولكنها ترتبط بالآية السابقة من حيث المعنى؛ لأن جميع الآيات تهدف إلى بيان المقام الرفيع للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومنزلته السامية عند الله تعالى، وفي هذا السياق، تؤكد على تعظيمه واحترامه وحفظ آداب الحديث والخطاب معه (الحصري، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، 1370 ش: 57-58).

رابعاً. الوقف القبيح: «هو ما لا يُفهم منه المراد، مثل «الحمد». وأقبح منه الوقف على ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ والابتداء من ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾؛ (المائدة/ 17)» (السيوطي، 1376 ش: 1/ 276).

4. دور علامات الوقف والابتداء في فهم القرآن

نزل القرآن الكريم بهدف إرشاد الناس وهدايتهم. والخطوة الأولى لنيل الهداية من هذا الكتاب السماوي هي أن يتدبر كل شخص في معاني الآية ويتفكر فيها ليفهم مراد الله ومقصده بشكل صحيح. فبعد المعرفة والفهم وقراءة الكتاب الإلهي، تأتي أهمية التعريف والإفهام وإلقاء المعنى الصحيح للآية.

بما أن مسألة الوقف والابتداء من المباحث المهمة في تلاوة القرآن الكريم، ولكون كيفية الوقف والابتداء تؤثر في استنباط المعنى من الآية، فمن المحتمل أن يؤدي الوقف أو الابتداء غير المناسب إلى إلقاء معنى يخالف مراد الله، وقد يكون القارئ، نتيجة اتباعه لبعض التفاسير المرجوحة أو الخاطئة المبنية على الرأي والعقيدة الشخصية أو التعصبات المختلفة، قد قام بوقف أو ابتداء خاطئ. وتكمن أهمية البحث في مجال الوقف والابتداء، بعيدًا عن الجانب المذكور، في أن كثيرًا من قراء القرآن الكريم لا يولون اهتمامًا كافيًا لهذه المباحث، أو يعتبرونها أمرًا سهلاً وغير علمي؛ في حين أن الوقف والابتداء لا يرتبط بالتفسير والترجمة واستنباط المعنى من الآية ارتباطًا مباشرًا فحسب، بل إن التفسير نفسه له أثر متبادل على كيفية الوقف والابتداء.

إن معرفة الوقوف هي نتاج تدبر القرآن وفهمه، وأداؤها يؤدي إلى تدبر وفهم لدى السامع والمخاطب؛ لأن الوقف والابتداء صانع للمعنى. فمن الممكن أن ينشأ معنى كفري من حقيقة توحيدية بسبب وقف وابتداء غير مناسبين، كما يحدث عند الوقف على «لا إله» في كلمة التوحيد «لا إله إلا الله». وحتى لو أدت الأوجه المختلفة للوقف والابتداء في آية واحدة إلى معانٍ مختلفة ولكنها صحيحة ظاهريًا، فإن الوصول إلى المقصد الأصلي والحقيقي للحق تعالى، وهو أحد تلك المعاني فقط، يكتسب أهمية. ومن هنا، تقع على عاتق القارئ والمتلو مسؤولية معرفة أثر وقفه وابتدائه على مفاهيم القرآن، والسعي لإيجاد المعنى المرجوح وبناء قراءته عليه. لذا، فإن مراعاة مواضع الوقف والابتداء في القرآن الكريم تُعد من المسائل التجويدية والتفسيرية المهمة جدًا.

5. الوقف اللازم وتاريخه

ربما كان أول من طرح هذا النوع من الوقف هو محمد بن طيفور السجاوندي. يذكر السجاوندي في كتابه «علل الوقوف» أنواع الوقف كالتالي: الوقف اللازم بعلامة (م)، الوقف المطلق بعلامة (ط)، الوقف الجائز بعلامة (ج)، الوقف المجوز لوجه بعلامة (ز)، الوقف المرخص للضرورة بعلامة (ص)، والوقف الممنوع بعلامة (لا) (لمزيد من المعلومات حول التعريفات المذكورة، انظر: السجاوندي، علل الوقوف، 1427 ق: 62-64).

ويُعرّف الوقف اللازم بقوله: «ما لو وصل طرفاه غير المرام وشنع معنى الكلام؛ أي ما يلزم الوقف عليه لأنه لو وُصل طرفاه لأدى إلى جملة غير منطقية ومعنى قبيح» (نفس المصدر: 62).

6. التطبيق العملي: دراسة حالة للوقف اللازم (م) في سور منتخبة

من خلال استقراء وتفحص الآيات التي استُخدم فيها الوقف اللازم وكشف سبب وجود هذه العلامة في بعض الآيات، يمكن إدراك دورها في فهم أفضل لآيات الله. وفيما يلي الآيات من السور المختارة التي استُخدمت فيها علامة الوقف اللازم:

أولاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (م) تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة/118)

في الآية 113 من سورة البقرة، ذُكرت ثلاث فئات، وأُسند الحكم على طريقة تفكيرهم إلى الله. هذه الفئات هي: اليهود، والنصارى، والذين لا يعلمون (المشركون) (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374: 1/ 390). في هذه الآية، تم نقد أفكار المشركين في موضوع التوحيد الإلهي ومعرفة صفات الله. وفي الآية 118، كما في الآية 113، طُرحت أفكار هذه الفئات الثلاث مرة أخرى ونُقدت. مع فارق أن الحديث في هذه الآية يبدأ بالمشركين «الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»، وطُرح سؤالاهم اللذان يعكسان أيديولوجيتهم الفكرية. وهما: سبب عدم تكلم الله معهم مباشرة، وسبب عدم إرسال معجزة من الله لهم (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1371 ش: 1/ 423). ثم ذُكر الذين كانوا قبل المشركين (اليهود والنصارى) وعُمّم هذان السؤالان عليهم أيضًا: «كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ». في تتمة الآية، ينتقد الله أفكارهم ويصف أفكار هذه الفئات الثلاث بأنها متشابهة، ويبين أن الآيات التي طلبوها قد أُرسلت للجميع؛ ولكن لا يدرك هذه الآيات إلا من وصل إلى مرحلة اليقين. في الحقيقة، في الآية 118، يقابل «الذين لا يعلمون» «لقوم يوقنون»؛ ولكن يجب القول: علامة الوقف اللازم تأتي بعد كلمة «قَوْلِهِمْ». فإذا لم يتم الوقف بعد هذه الكلمة واستمرت الجملة، فقد يُفهم نقد الله لأفكار الفئات الثلاث على أنه كلام اليهود والنصارى؛ أي قد ينشأ لبس بأن قول اليهود والنصارى «مثل قولهم» نُقل في تتمة الآية؛ أي أن اليهود والنصارى يقولون إن قلوب المشركين متشابهة. بينما تتمة الآية هي نقد الله لأفكار الفئات الثلاث: المشركين واليهود والنصارى. لذا، تلعب علامة الوقف اللازم دورًا كبيرًا في فهم معنى الآية الكريمة.

ثانياً: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا (م) وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة/212).

يُبرز التقابل بين الإيمان والكفر في هذه الآية من خلال بيان إحدى صفات الكافرين وإحدى صفات المؤمنين. في هذه الآية، يُعرّف الكافرون بأنهم الذين يسخرون من المؤمنين في الدنيا. في الواقع، أصبح الكفر عاملاً يزين فعل السخرية من المؤمنين لدى الكافرين (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407 ق: 1/ 254). والمؤمنون هم الذين يتصفون بـ«التقوى». في الواقع، تنقسم الآية إلى قسمين رئيسيين: الأول يصف أفعال الكافرين الشنيعة، والثاني يصف صفات المؤمنين. وتقع علامة الوقف اللازم (م) بالضبط بين هذين القسمين. فبعد أن بيّنت الآية أن سبب سخرية الكافرين من المؤمنين هو تزيين الحياة الدنيا لهم، انتقلت لبيان حال المؤمنين، وأوكلت الرزق الحقيقي إلى الإيمان والتقوى وجعلته بيد الله تعالى. وجود علامة الوقف في الآية ضروري؛ لأنه بدون الوقف على الآية، سيمتد مفهوم سخرية المشركين إلى القضايا التالية في الآية. في حين أن تتمة الآية تصف صفة من صفات المؤمنين وتبرز تفوقهم يوم القيامة؛ ولكن في حالة عدم الوقف، سيصبح معنى الآية: «الكافرون يسخرون من المؤمنين المتقين الذين هم فوقهم يوم القيامة». وهذا المعنى ينتج عنه فهم ناقص للآية؛ لأن جملة «والذين اتقوا…» تصف المؤمنين وقيمتهم ومكانتهم، وليست تكملة لفعل السخرية من الكافرين.

ثالثاً: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (م) سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران/ 181).

تتكون الآية الكريمة من قسمين رئيسيين. في القسم الأول، يُذكر قول اليهود الكفري حول فقر الله وغناهم. ويستمر هذا القول حتى كلمة «أغنياء». وفي الواقع، هذا التصور اليهودي نابع من الكتب المحرفة التي كانت بحوزتهم (سيد قطب الشاذلي، في ظلال القرآن، 1425 ق: 1/ 537). في القسم الثاني، يُذكر نقد الله لنظرتهم الكفرية. وقد تعهد الله تعالى في قضية «سنكتب ما قالوا…» بتسجيل وحفظ هذه الأقوال اليهودية، واعتبر هذه النظرة في مصاف الأعمال الشنيعة مثل قتل الأنبياء على يد اليهود بغير حق. كما بين أن عاقبة أوهامهم وأفعالهم الشنيعة هي العذاب الأخروي وتذوق عذاب نار غضب الله يوم القيامة. تلعب علامة الوقف اللازم (م) في الآية الكريمة دورًا مهمًا جدًا في كيفية فهم القضايا ومعنى الآية؛ لأنه بعلامة الوقف، تنقسم الآية إلى قسمين. القسم الأول: نظرة اليهود، والقسم الثاني: نقد الله لنظرة اليهود. عدم الوقف في الآية قد يؤدي إلى استنباط مفهوم كفري. بمعنى أنه في حالة عدم الوقف، تعود قضية «سنكتب ما قالوا» وتتمتها حتى نهاية الآية إلى القضايا السابقة في الآية وتُعتبر تكملة لكلام اليهود، وفي هذه الحالة سيكون معنى الآية: «لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وسنكتب ما قالوا». بينما المعنى الصحيح للآية، مع مراعاة علامة الوقف اللازم، هو: «لقد سمع الله قول الذين قالوا: «إن الله فقير ونحن أغنياء»؛ سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول: «ذوقوا عذاب الحريق».

رابعاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا (م) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة/2)

في هذه الآية، تُبيَّن الأحكام المتعلقة بالحج والمحرمات الخاصة به. وفي جزء من الآية الكريمة، يُنهى عن العداوة مع الذين منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام، ويُحذَّر من التعدي والاعتداء عليهم: «لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا»؛ حاصل معنى هذا الجزء من الآية هو: أن هذا الحقد والعداوة منهم لأنهم لم يدعوكم تدخلون المسجد الحرام، لا يحملنكم على أن تعتدوا عليهم، وقد سلطكم الله عليهم، فيكون وبال هذا الجرم عليكم (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374: 5/ 265). في الواقع، في هذا الجزء من الآية، يُنهى عن الحقد والمعاملة بالمثل حتى تجاه المشركين. وفي تتمة الآية، يُؤمر أمرًا جماعيًا بفعل الخير والتقوى، ويُنهى عن ارتكاب جماعي للإثم والمعصية. تلعب علامة الوقف اللازم دورًا أساسيًا في الفهم الصحيح للآية؛ لأن الأمر بعدم التعدي ينتهي بعد قضية «أن تعتدوا»، وفي تتمة الآية، تبدأ قضية وحكم جديدان، وهما الأمر بفعل الخير والتقوى. لذا، فإن ربط الجزء الجديد بالأحكام السابقة يسبب فهمًا ناقصًا للآية. في الواقع، تتكون الآية من قضيتين، نهي وأمر (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420 ق: 5/ 16)، وتوجد بينهما علامة الوقف اللازم. في حالة عدم الوقف، سيكون معنى الآية: «لا يحملنكم شنآن قوم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا وتتعاونوا على البر والتقوى». في حين أن مراد الآية هو العفو والصفح عن خطأ المشركين وعدم المعاملة بالمثل من خلال بيان الأمر بالخير والتقوى، وعدم الوقف على الآية يغير معناها تمامًا، مما يؤدي إلى فهم خاطئ ومعكوس للمراد الإلهي.

خامساً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (م) بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة/51)

تتكون الآية الكريمة من قسمين رئيسيين. في القسم الأول، يُؤمر المؤمنون بعدم اتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وفي القسم الثاني، تُبيَّن عاقبة موالاة اليهود والنصارى، ويُعرّف الذين يوالونهم بأنهم مثلهم وظالمون. في الواقع، في قسمي الآية، يُطرح الإيمان والظلم في تقابل؛ أي أن انضمام المؤمنين إلى اليهود والنصارى يسبب زوال إيمانهم، ونتيجته «الظلم». في عبارة «بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ»، يخبر الله تعالى بأن الكفار أولياء بعضهم لبعض، ويناصرون بعضهم البعض ضد المسلمين (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372 ش: 7/ 73). تلعب علامة الوقف اللازم دورًا أساسيًا في الفهم الصحيح للآية؛ لأنه في حالة الوقف، ينتهي الأمر الموجه للمسلمين بعد كلمة «أولياء» الأولى، وبعد الوقف، يُبيَّن مصير اليهود والنصارى بذكر «أولياء» الثانية، ويُحذَّر من عاقبة موالاتهم؛ أي أن الآية تشتمل على جملة أمرية وقضية خبرية، حيث تستمر الجملة الأمرية حتى كلمة «أولياء». بعد ذلك، تُبيَّن القضية الخبرية عن مصير اليهود والنصارى في تتمة الآية. في حالة عدم الوقف، قد ينشأ فهم ناقص للآية، ويصبح معناها: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الذين بعضهم أولياء بعض أولياء لكم». وبهذا المعنى، تُخصَّص الآية، ويُفهم أن المقصود فئة معينة من اليهود والنصارى؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن مراد الآية ليس فئة معينة من اليهود والنصارى، وسياق الآية يدل على عمومية الحكم.

سادساً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا (م) بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة/64)

تتكون هذه الآية أيضًا من قسمين رئيسيين؛ في القسم الأول، يُذكر قول اليهود الكفري القائل بأن يد قدرة الله مقيدة، وفي القسم الثاني، يتم نقد هذه النظرة. في الواقع، بيان النظرة ونقدها هما عنصران أساسيان في الآية 64 من سورة المائدة. ومن ناحية أخرى، يمكن تقسيم قضايا الآية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: طرح النظرة؛ القسم الثاني: الاعتراض والعتاب على النظرة؛ القسم الثالث: نقد النظرة. قضايا القسم الأول هي: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ»؛ القسم الثاني من الآية الذي يحمل لهجة اللعن والعتاب هو: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا» (م)؛ والقسم الثالث الذي هو نقد النظرة يشمل ما تبقى من الآية الكريمة. وتقع علامة الوقف اللازم في نهاية القسم الثالث، أي لعن وعتاب اليهود، وبعد هذه العلامة يبدأ نقد النظرة. تلعب علامة الوقف اللازم دورًا أساسيًا في الفهم الصحيح للآية؛ لأن نظرة اليهود تستمر حتى كلمة «قالوا»، ويبدأ القسم الأول من الآية بـ«قالت» وينتهي بـ«قالوا». وببدء «بل»، يبدأ نقد الله لليهود ويستمر حتى نهاية الآية. في حالة عدم الوقف، قد يُستنبط مفهوم كفري من الآية، ويُفسر معناها كالتالي: «قالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان». وعليه، في حالة عدم الوقف، قد يُعتبر نقد الله لنظرة اليهود تكملة لكلام اليهود؛ أي أن اليهود بالإضافة إلى قولهم إن يد الله مغلولة، قالوا إن يديه مبسوطتان.

سابعاً: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ (م) وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة/73)

الآية الكريمة هي نقد للمسيحيين القائلين بالتثليث، وتعتبر عبادة الآلهة الثلاثة: الأب والابن والروح القدس كفرًا بالله الواحد (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374 ش: 6/ 101). تتكون هذه الآية من قسمين رئيسيين. في القسم الأول، تُطرح الأيديولوجية الاعتقادية للمسيحيين، وفي القسم الثاني، يُنتقد هذا الفكر الاعتقادي الكفري. وتقع علامة الوقف اللازم بين القضية الأولى والقضية الثانية للآية، أي بين النظرة ونقدها. والواو في بداية القضية الثانية هي «واو» حالية (درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، 1415 ق: 2/ 533). تلعب علامة «الواو» في الآية دورًا أساسيًا في بيان مفهوم الله المنشود. كما أن مراعاة علامة الوقف اللازم تلعب دورًا مهمًا جدًا في الفهم الصحيح للآية. ففي حالة مراعاة علامة الوقف اللازم، سيكون معنى الآية: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، والحال أنه ما من إله إلا إله واحد…». وفقًا لهذه الترجمة، تنفصل النظرة عن نقدها، وعلامة الواو الحالية تلعب دورًا بارزًا في إفادة المعنى الصحيح. في حالة عدم الوقف، يُستنبط معنى كفري وفهم خاطئ من الآية، وسيكون معنى الآية: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد». وفقًا لهذه الترجمة، يتغير معنى الآية تمامًا وينتج فهم يخالف المراد الإلهي.

ثامناً: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (م) الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام/ 20)

تشتمل الآية على قضيتين. معنى القضية الأولى هو تذكير بمعرفة أهل الكتاب الكاملة بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، والقضية الثانية تشمل حكمًا كليًا في مصداق خسران النفس. في كلتا القضيتين، يمكن العثور على كلمة «الذين». في بداية الآية، باستخدام «الذين» الأولى، تُبيَّن أوصاف اليهود والنصارى أو بعبارة أخرى أهل الكتاب الذين وردت البشارة بنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420 ق: 12/ 500)؛ والمراد من «الذين» الثانية التي تبدأ بها الآية الجديدة هم المشركون وأهل الكتاب (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407 ق: 2/ 11). وعليه، في «الذين» الأولى، تُبيَّن أوصاف أهل الكتاب، وفي «الذين» الثانية، بشكل أعم، المخاطب هم المشركون وأهل الكتاب. وكلا «الذين» في محل رفع مبتدأ (دعاس، 1425: 1/ 295)، أي مع كل استخدام لـ«الذين» في الآية، تبدأ قضية جديدة. تلعب علامة الوقف اللازم دورًا مهمًا في الفهم الصحيح للآية. فإذا رُوعيت علامة الوقف، يكون معنى الآية: «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ إنما الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون» (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1371: 1/ 130)؛ ولكن في حالة عدم الوقف، يُتصور معنى مخالف لمراد الله للآية، وتُعطف القضية الثانية للآية، التي هي خطاب أعم، على ما قبلها. فإذا لم تُرَاعَ علامة الوقف اللازم، يكون معنى الآية: «الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم ولا يؤمنون».

تاسعاً: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ (م) وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (الأنعام/36)

تتكون الآية الكريمة من قضيتين كليتين، وتقع علامة الوقف اللازم بالضبط بينهما. مصداق القضية الأولى هم المؤمنون، ومصداق القضية الثانية هم الكافرون (ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، 1419 ق: 4/ 1285؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بيتا: 4/ 125). في القضيتين القرآنيتين المذكورتين اللتين تشكلان الآية، يوجد تقابل وتضاد مفهومي، وآخر كلمة من القضية الأولى؛ أي الفعل المضارع «يسمعون»، وأول كلمة من القضية الثانية؛ أي «والموتى»، هما أهم أركان هذا التقابل. في هذا التضاد المفهومي، المقصود بـ«يسمعون» هم المؤمنون الذين يستجيبون للدعوة الإلهية بالتوحيد، والمقصود بـ«والموتى» هم المشركون الذين يقاومون الاستجابة لأمر التوحيد ولا يسمعون كلام الله ولا يفهمونه. يبعثهم الله يوم القيامة، كما كانوا في الدنيا لا يسمعون، بصورة صم وبكم باطنيًا (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407 ق: 2/ 20). في القضية الثانية، تبدأ الجملة بـ«واو» استئنافية (صالح، الإعراب المفصل لكتاب الله المرتل، 1998م: 2/ 211)، مما يدل على بيان مطلب جديد. تلعب علامة الوقف اللازم دورًا مهمًا جدًا في الفهم الصحيح للآية. ففي حالة الوقف، يكون معنى الآية: «إنما يستجيب الذين يسمعون للدعوة الإلهية؛ وأما الذين لا يسمعون (الموتى)، فيبعثهم الله يوم القيامة ويرجعون إليه». عدم مراعاة علامة الوقف اللازم يؤدي إلى تغيير في معنى الآية، وتفسير القضية الثانية مع القضية الأولى للآية يؤدي إلى فهم خاطئ لها. ففي حالة عدم الوقف، يكون معنى الآية: «إنما يستجيب لله الذين يسمعون دعوتك ويبعثهم الله موتى».

عاشراً: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ (م) اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيَصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام/124)

تتكون الآية الكريمة من قسمين. في القسم الأول، يُنقل كلام عبدة الأوثان حول أنهم «لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374 ش: 7/ 470). وفي القسم الثاني، يُبيَّن نقد الله لهذه النظرة الاستهزائية لعبدة الأوثان، ويعتبر الله نفسه أعلم من الجميع في إسناد مقام الرسالة، ويُذكر أن جزاء قول وفعل عبدة الأوثان هو عذاب إلهي. تقع علامة الوقف اللازم بين لفظي الجلالة «الله» في الآية الكريمة. وكلمة «الله» في استخدامها الثاني في الآية، في محل رفع ومبتدأ، وخبرها الجملة التي بعدها (درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، 1415 ق: ج 3/ 218). في حالة مراعاة علامة الوقف اللازم، تُطرح في الآية قضيتان، إحداهما نظرة والأخرى نقد لتلك النظرة، وتُفهمان بشكل منفصل؛ ولكن إذا لم تُرَاعَ علامة الوقف اللازم (م)، ينشأ معنى مخالف لمراد الله، ناتج عن ارتباط النظرة بنقدها، وفي هذه الحالة، يُعتبر كلام الله تكملة لكلام المشركين، ويكون معنى الآية: «وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الذين يعلم الله حيث يجعل رسالته…».

حادي عشر: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا (م) اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الأعراف/148)

تتكون الآية من ثلاثة أقسام رئيسية، يبدأ اثنان منها بجملة فعلية، وكلاهما يبدأ بالفعل «اتخذ». تُعتبر علامة الوقف اللازم فاصلة بين قضيتين فعليتين في الآية الكريمة. في القضية الأولى، ببيان جملة خبرية، تُذكِّر بعبادة بني إسرائيل للعجل: «وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ»؛ وبعد التذكير بعبادة العجل من قبل بني إسرائيل في غياب موسى عليه السلام، ينتقد الله تعالى عبادة العجل، مشيرًا إلى عدم جدواها في هداية الإنسان الصحيحة؛ وبهذا يبين الله أنهم سلكوا طريق الفساد؛ لأن ما لا يتكلم بخير أو شر ولا يهدي إلى سبيل، هو جماد لا نفع فيه ولا ضر، فكيف يكون إلهًا؟! (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 10/ 59). وعليه، في القضية الثانية، يُطرح نقد عبادة العجل من قبل بني إسرائيل. وفي القضية الثالثة للآية، يُشار مرة أخرى إلى عبادتهم للعجل، ويُعبَّر عن هذا الفعل من بني إسرائيل بالظلم: «اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ». تقع علامة الوقف اللازم بين القضية الثانية والقضية الثالثة للآية الكريمة. تلعب هذه العلامة دورًا مهمًا جدًا في الفهم الصحيح للآية. ففي حالة الوقف، لا يكون لكلمة «اتخذوه» أي ارتباط معنوي بالكلمة التي قبلها؛ أي «سبيلًا»، وفي الواقع، «اتخذوه» هي تذكير ثانٍ بعبادة العجل من قبل بني إسرائيل؛ ولكن في حالة عدم الوقف، قد يُعتبر معنى «اتخذوه» مرتبطًا بالكلمة السابقة، وهو في الحقيقة نقد الله لشرك بني إسرائيل. في حالة عدم الوقف، يكون معنى الآية: «… ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا اتخذوه…».

الخاتمة

بعد دراسة الوقوف اللازمة في آيات من سور مختارة وتحليل دورها في الفهم، تبين أن الآيات التي استُخدمت فيها علامة الوقف اللازم تقع غالبًا في مجال الآيات العقائدية. وعلى الرغم من أن وضع علامة الوقف اللازم له تاريخ قديم، إلا أنه في حالة عدم مراعاتها، قد ينشأ فهم مخالف لمراد الله من آيات القرآن الكريم. ويمكن أن يصل هذا الفهم الخاطئ إلى درجة أن يُعرض مراد الله من آيات القرآن الكريم بشكل معاكس تمامًا، وعلى سبيل المثال، يؤدي مفهوم توحيدي إلى مفهوم كفري، أو أن يظهر خطاب موجه إلى أشخاص إيجابيين كخطاب سلبي ومعكوس. كما أنه يؤدي إلى أن يتحول حوار يتعلق بشخصية معينة إلى شخصية أخرى. وبهذه التفاصيل، يمكن الادعاء بأن مراعاة الوقف اللازم هي من أهم المسائل المتعلقة بعلم التجويد، والتي تلعب دورًا محسوسًا في تفسير القرآن الكريم أيضًا، وتمنع الفهم الناقص لآيات القرآن المجيد.

الهوامش

1 دور علامات الوقف والابتداء في فهم القرآن (دراسة حالة: الوقف اللازم)

2 إبراهيم فلاح

3 ميثم خليلي

4 رسول صالح بور

1. تاريخ الاستلام: 19 أغسطس 2020، تاريخ القبول: 1 يناير 2021.

2. أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس في جامعة آزاد الإسلامية فرع ساري (الباحث المسؤول): fallahabrahim@gmail.com.

3. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة ميبد: meysam.khalili1370@gmail.com.

4. ماجستير في علوم القرآن والحديث بجامعة ميبد: rasool.salehpuor@gmail.com.

Scroll to Top