دراسة مقارنة للـ “توحيد” من وجهة نظر السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

الملخص: تُعدّ مسألة التوحيد إحدى المسائل المهمة في حقول الكلام والعرفان والفلسفة الإسلامية. في هذا المقال، تمت دراسة وتحليل آراء السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره) في هذه المسألة، من خلال مقاربة كلامية عرفانية، لا سيما العرفان النظري. يرى السيد حيدر الآملي في آثاره، عند تعريفه للتوحيد وبيان مكانته وأقسامه، أنه لا يمكن تعريفه، وله درجات، وقد ميّز بين توحيد أهل الشريعة وأهل الطريقة وأهل الحقيقة. من جهة أخرى، طرح الإمام الخميني (ره) مباحث حول بساطة الحق ووحدته ومعناه اللغوي. وفيما يتعلق بأهمية التوحيد ومكانته في ثلاثة حقول هي: الأنطولوجيا (علم الوجود)، والإبستمولوجيا (علم المعرفة)، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) التوحيدية، أكد السيد حيدر الآملي (ره) على الفطرة تأكيداً بالغاً، بينما أولى الإمام الخميني اهتماماً بالتوحيد العلمي والقلبي والعملي. كما توجد أوجه اشتراك واختلاف بين آرائهما فيما يخص تقسيمات التوحيد ودرجاته وأركانه. وقد أكد الإمام الخميني (ره) على أن علم التوحيد قد يكون حجاباً في السير إلى الحق، في حين يرى المرحوم السيد حيدر الآملي أن هذا العلم هو الأصل والأساس لجميع العلوم. وبالطبع، فإن أوجه الاشتراك في آراء هذين المفكرين في هذه المسألة كثيرة.

مفهوم لفظ “التوحيد

لفظ “التوحيد” هو مصدر من باب “تفعيل” بمعنى نسبة الشيء إلى الوحدة. أصل هذه الكلمة هو “وَحَدَ”، وتعني الانفراد، ولذلك يُطلق “الواحد” على ما لا جزء له. والتوحيد في الاصطلاح الإسلامي هو إثبات وجود الحق تعالى ونفي الألوهية عن غيره. ويعتقد ابن عربي أن معنى هذا المصطلح يختلف بين العلماء والعرفاء؛ فالعلماء يرون التوحيد هو الاعتقاد بوحدانية الله تعالى، أما عند العرفاء فهو معرفة الوحدانية الثابتة للحق تعالى في الأزل والأبد. وفي هذا الشأن، يقول العرفاء إن للتوحيد معنيين: “القول بالواحد” و”جعله واحداً”. المعنى الأول هو شرط الإيمان الذي هو مبدأ المعرفة، أي التصديق بأن الله تعالى واحد، وفي هذا المعنى يشتركون مع العلماء. أما المعنى الثاني، فهو كمال المعرفة الذي يحصل بعد الإيمان، بحيث يحصل للمؤمن اليقين بأنه لا يوجد في الوجود سوى الباري تعالى وفيضه، وأن فيضه ليس له وجود مستقل. حينها، ينصرف نظره عن الكثرات ويراها جميعاً واحدة ويعاينها واحدة.

تعريف “التوحيد” عند السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

في تعريف التوحيد، يرى السيد حيدر الآملي أن هذه المسألة أعظم من أن تسعها العبارة، وأن تعريفها أصعب من أن تقبلها الإشارة. وفي هذا الصدد، يفسر التوحيد لغةً بأنه “جعل شيئين شيئاً واحداً” أو “صيرورة شيئين شيئاً واحداً” لكونه مصدراً. ثم يعرّف لفظه ظاهراً بأنه نفي الآلهة الكثيرة وإثبات الإله الواحد، وهو ما يسميه “توحيد أهل الشريعة” أو “التوحيد الألوهي”. ويعرّفه باطناً بأنه نفي الوجودات الكثيرة وإثبات الوجود الواحد، وهو ما يعتبره “توحيد أهل الطريقة” أو “التوحيد الوجودي”. أما الإمام الخميني (ره)، فقد بيّن في تعريفه للتوحيد، مع الأخذ بالاعتبار المعنى اللغوي، ما يلي: “التوحيد من باب التفعيل، وهو إما للتكثير في الفعل بمعنى جعله في غاية الوحدة ونهاية البساطة، أو بمعنى نسبة المفعول إلى أصل الفعل [مثل] التكفير والتفسيق. وقد ذهب بعض أهل الفضل إلى أن باب التفعيل لم يأتِ بمعنى نسبة المفعول… ولكن في كتب الأدب، عُدّ أحد معاني باب التفعيل نسبة المفعول إلى أصل الفعل. بالجملة، معنى التوحيد هو النسبة إلى الوحدانية”. وخلاصة القول، إنه بناءً على ما ذكره السيد حيدر الآملي، فإن التوحيد لا يقبل التعريف والإشارة، ولذلك يلجأ لتوضيحه إلى تقسيم التعريفات، ويقدم من خلال ذلك تعريفاً خاصاً بحسب أصحابه. ففي بداية تعريفه ومقدمته، يشير إلى التعريف الحقيقي للتوحيد الذي لا يمكن بيانه أو الإشارة إليه أو إدراكه، ثم ينتقل إلى التعريف اللفظي. وفي هذا التعريف، يغلب فكر السيد حيدر العرفاني، ولهذا السبب يركز على مضمون التوحيد، ويبين مراتبه وفقاً لتقسيماته المشهورة في كتاب “أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة”. أما الإمام الخميني (ره)، فيعتقد أن التوحيد هو “اعتقاد أن الله في نهاية الوحدة والبساطة”. وبالطبع، فإن تعريف الإمام الخميني ناظرٌ إلى فعل الموحِّد في معتقداته، وناظرٌ أيضاً إلى المحتوى الاعتقادي للتوحيد، مع اهتمامه بالجانب اللغوي للتوحيد بشكل أكبر. وهذا يعني أنه أولى اهتماماً لعمل الذهن عند مواجهته لمفهوم الله.

أهمية ومكانة “التوحيد” عند السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

لقد بحث السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره) في مكانة التوحيد لإظهار أهميته، وتناولاه من زوايا مختلفة، يمكن تصنيفها في ثلاثة أقسام: الأنطولوجيا التوحيدية، والإبستمولوجيا التوحيدية، والأنثروبولوجيا التوحيدية. وفيما يلي شرح آرائهما في هذه المباحث بشكل منفصل:

١. الأنطولوجيا التوحيدية

يقول السيد حيدر الآملي في هذا الشأن: “للتوحيد فضائل وأوصاف كثيرة تفوق الحصر… وأهمها أن تعلم أن عالم الوجود بأسره قائم على نهج التوحيد، ومشتمل على مراتب التوحيد، وأن التوحيد مودع في فطرة جميع الموجودات”. إضافة إلى ذلك، يعتقد أن الموجودات خُلقت من أجل التوحيد، وأن الأنبياء والأولياء بُعثوا لإظهار التوحيد ودعوة الخلق إليه، وأن مدار جميع الكمالات وأساس كافة المقامات في الظاهر والباطن منوط بالتوحيد ومراتبه. وللإمام الخميني (ره) رأي مشابه لآراء السيد حيدر الآملي. فهو يعتقد أنه وفقاً لهذا الأصل، فإن خالق ومبدع العالم وجميع عوالم الوجود والإنسان هو الذات المقدسة لله وحده، الذي هو مطّلع على كل الحقائق، وقادر على كل شيء، ومالك لكل شيء.

٢. الإبستمولوجيا التوحيدية

في مبحث الإبستمولوجيا التوحيدية، يقول السيد حيدر الآملي: “كل عبارة في طريق معرفة التوحيد حجاب، وكل إشارة إلى صورته النورانية نقاب؛ لأن حقيقة التوحيد منزهة عن أن يبلغ كنهها الفهم والعقل، ومعرفتها أقدس من أن ينال إدراكها الفكر والوهم”. من جهة أخرى، يرى الإمام الخميني (ره)، في نظرة مختلفة، أن التوحيد هو أصل أصول المعارف، حيث قال: “حقيقة التوحيد أصل أصول المعارف، وأكثر الفروع الإيمانية والمعارف الإلهية والأوصاف الكاملة الروحية والصفات النورانية القلبية تتشعب منه”. وبالطبع، فإنه كالسيد حيدر الآملي، يرى في نظرته المعرفية أن يد البشر قاصرة عن معرفة كنه ذات الحق الأحد، ويعتقد أن ذات الحق الأحد لا يعرفها أحد.

٣. الأنثروبولوجيا التوحيدية ونسبة التوحيد إلى السلوك

يقول السيد حيدر الآملي في هذا الشأن: “لا سبيل إلى عتبته العالية إلا بالاستغراق والهلاك في محيط حضرته المطلقة الذي لا ساحل له. فكل ما يُبيَّن عنه ليس إلا إشارة؛ إذ لا يبقى له أثر في العقل والضمير”. من وجهة نظره، فإن مقام التوحيد رفيع جداً وسامٍ، وهو مقام يُعرف في المصطلحات العرفانية بمقام الوجود المطلق المحض والذات الصرفة البحتة (المحضة). ويرى المرحوم الآملي أن شأنه أسمى من أي عبارة وإشارة، لذا فإنه لا يُحصَّل إلا بفناء الطالب في المطلوب، والشاهد في المشهود. وبناءً على ذلك، يعتقد أن التعريفات والعبارات التي قيلت بشأن التوحيد كلها ذات طابع تنبيهي وإعلامي، لا برهاني وتحقيقي. وبعد نقله لعبارات المتقدمين والمتأخرين من أرباب التوحيد (العرفاء)، يستنتج أنه لا يُلاحظ فرق كبير بينها، لأنهم جميعاً يتبعون هدفاً واحداً، وهو إثبات وجود الحق ونفي وجود الغير، سواء كان ذهنياً أم خارجياً. من جهة أخرى، يقول الإمام الخميني (ره) في مبحث الأنثروبولوجيا التوحيدية: “إن نفوس البشر مفطورة على التوحيد وجميع العقائد الحقة، ولكن مع الدخول إلى الدنيا، تنمو في الإنسان الميول النفسانية والشهوات الحيوانية”. وفي موضع آخر، يعتبر كالسيد الآملي أن هدف القرآن والحديث – وهو من وجهة نظره تصفية العقول وتزكية النفوس – هو الوصول إلى المقصد الأعلى للتوحيد. وفي هذا السياق، يعتبر أهمية التوحيد إلى درجة أنه يراه الغاية القصوى للسير الإنساني والسلوك العرفاني، ويعبر عن هذه المسألة بقوله: “ما لم تحصل للنفس الصفاء الباطني، ولم تصل إلى الكمالات المتوسطة، فإنها لا تكون محلاً لتجلي الأسماء والصفات والمعرفة الحقيقية، ولا تصل إلى كمال المعرفة؛ بل إن جميع الأعمال الصورية والأخلاق النفسية مقدمة لحقيقة التوحيد والتفريد التي هي الغاية القصوى للسير الإنساني ومنتهى النهاية للسلوك العرفاني”. وبمقارنة آراء هذين العلمين، يمكن القول إن المرحوم السيد حيدر الآملي أولى اهتماماً بمبحث المكانة الأنطولوجية للتوحيد أكثر من الإمام، وعبّر عن رأيه بشكل مباشر وواضح. كما أن السيد حيدر الآملي اعتبر هذا المبحث أعمّ، ورآه في فطرة جميع الموجودات؛ بينما اهتم المرحوم الإمام بهذا الجانب بشكل غير مباشر ومن خلال طرح رؤية عميقة حول علاقة الخالق الأنطولوجية بالمخلوقات. وتوضيح هذه الرؤية هو أن العرفاء والفلاسفة الإسلاميين، خاصة أتباع مدرسة الحكمة المتعالية، صرحوا بأن كل علة عالمة بمعلولها علماً ذاتياً، وأن علم الخالق بالمخلوقات أشد وأعلى من أي علم آخر. فإذًا، علم الحق تعالى بجميع الوجود فرع على تعلق المخلوقات به في تمام وجودها. لذلك، أشار الإمام الخميني إلى القسم الثاني من هذا المبحث، وربط بين علم الله وكونه هو واهب الوجود. في مبحث المكانة الإبستمولوجية للتوحيد، يتفق العارفان على استحالة وصول البشر إلى كنه معرفة التوحيد. لكن الإمام الخميني (ره) أشار إلى نقطة معرفية أخرى، وهي أن التوحيد هو أصل الأصول لجميع المعارف الإنسانية. وهذه الرؤية، في منظور أوسع، تشير إلى جميع العلوم، سواء كانت تجريبية أو رياضية أو إنسانية أو إلهية. وفي منظور أضيق، تعتقد بتبعية جميع المعارف الإلهية لمعرفة الحق، وهو بالطبع موضوع يحتاج إلى مقال آخر لمناقشته. في مبحث الأنثروبولوجيا التوحيدية، اهتم كلا العارفين ببحث علاقة التوحيد بالسلوك، إذ يعتقد كلاهما أن للبشر طريقاً واحداً ومقصداً واحداً، وهو التوحيد. وفي الوقت نفسه، فإن السلوك والاستغراق في التوحيد هو السبيل الوحيد للبشر للوصول إلى هذه الغاية. من هذا المنطلق، فإن سلوك طريق الحق ومعرفته بمقدار الطاقة البشرية والإنسانية أمر ممكن من وجهة نظر كليهما.

التوحيد العلمي عند السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

وصف السيد حيدر الآملي علم التوحيد بأنه لب ولباب جميع العلوم الرسمية والحقيقية، ولهذا السبب اعتبره أصل الدين وأساس الإسلام الذي يؤدي في النهاية إلى الجنة والنار. وفي سياق هذا البحث، يصرح بشأن التوحيد العلمي بأن علم التوحيد هو زبدة جميع العلوم الرسمية والحقيقية، ويعتقد أن العلم قسمان: الأول: علم يتعلق بالظاهر، والثاني: علم يتعلق بالباطن. العلم المتعلق بالظاهر، أشرفه وأعظمه عند العلماء هو علم الكلام، وعند الحكماء هو الإلهيات، وكلاهما يشتمل على معرفة الله تعالى. والعلم المتعلق بالباطن، أشرفه وأعلاه عند الأنبياء والأولياء والموحدين هو علم التوحيد… (المصدر نفسه: ٦٩-٧٠). وفي النهاية، يعتبر السيد حيدر الآملي علم التوحيد خلاصة العلوم الظاهرية والباطنية، ويصف التوحيد بأنه أشرف العلوم. ويذكر سبب هذا الشرف بقوله: “شرف العلم بشرف المعلوم، ولا معلوم أشرف من التوحيد، فإذًا علم التوحيد هو أشرف العلوم”. (المصدر نفسه). وبالطبع، هذا الاستدلال يعود إلى أبي علي سينا، لكن الملا حيدر استخدمه بأسلوب جميل. من جهة أخرى، تحدث الإمام الخميني (ره) في هذا الشأن بتفصيل أكبر، وكانت له نظرة مختلفة تماماً لعلم التوحيد ومكانته. فمن وجهة نظره، جميع العلوم، حتى علم التوحيد، هي علوم عملية. ويستدل على ذلك بأنه ربما يمكن استنباط كونه عملياً من كلمة “توحيد” التي هي على وزن “تفعيل”، حيث إنها، بمناسبة الاشتقاق، تعني الانتقال من الكثرة إلى الوحدة، واستهلاك وإمحاء جهات الكثرة في عين الجمع. كما يعتقد أن هذا المعنى لا يُنال بالبرهان، بل بالرياضة القلبية والتوجه الغريزي إلى مالك القلوب، حيث يطّلع القلب على ما يفيده البرهان وتتحقق حقيقة التوحيد. ومن جهة أخرى، ما لم يصل هذا المطلب البرهاني إلى القلب ويصبح صورة باطنية للقلب، فإن الإنسان لا ينتقل من حد العلم إلى الإيمان. أي إنه، بحسب اعتقاد الإمام، بالبرهان وحده يظل الشخص في الكثرة، ويبقى غافلاً عن التوحيد الذي هو قرة عين أهل الله (الإمام الخميني، ۱۳۷۰: ۹۳-۹۴). كما أنه يعتبر علم التوحيد والتوحيد العلمي مقدمة لحصول التوحيد القلبي، الذي هو توحيد عملي يُنال بالعمل والتذكر والرياضة القلبية. ويرى أن التوحيد العلمي دون التوحيد العملي لا طائل منه، ويقول في هذا الصدد: “كم من أناس أفنوا أعمارهم في التوحيد العلمي، وصرفوا كل أوقاتهم في مطالعته ومباحثته وتعليمه وتعلمه، ولم يتلونوا بصبغة التوحيد، ولم يصبحوا علماء إلهيين وحكماء ربانيين، بل إن تزلزلهم القلبي أشد من غيرهم؛ لأن علومهم لم تكن لها سمة الآية، ولم تكن لهم علاقة بالرياضات القلبية، وظنوا أن هذا المنزل يُطوى بمجرد المدارسة” (المصدر نفسه، ۱۳۷۷: ۹-۱۰). ويتابع قائلاً إن جميع العلوم الشرعية، كعلم الكلام والأخلاق، هي مقدمة لمعرفة الله وحصول حقيقة التوحيد في القلب. ويذكر في موضع آخر أن علم التوحيد نفسه قد يكون حجاباً؛ فعلم التوحيد يقيم البرهان على وجود الحق تعالى، وفي الوقت نفسه يُحجب به. وفي توضيح هذا المطلب يقول: “هذا البرهان نفسه يصبح سبباً للابتعاد عن التوحيد، ولهذا السبب كان الأولياء والأنبياء، مع علمهم بالبرهان، لم يسعوا إلى إثباته بالبرهان”. في الواقع، يمكن استنباط ما يلي من آراء المرحوم الآملي وحضرة الإمام حول علم التوحيد: لقد اهتم المرحوم الآملي فقط بعلم الإنسان ومعرفته بتوحيد الحق تعالى، وفي هذه النظرة لم يلتفت إلى مباحث السلوك والحجب التي قد تعترض طريق العالم به. لذا، فإن رؤيته ذات طابع علمي بحت. أما رؤية الإمام الخميني (ره)، فبالإضافة إلى تناولها لقيمة علم التوحيد، فقد اهتمت بقيمته من حيث السلوك وقبوله من قبل الحق تعالى، وتناولت أمراضه في السلوك إلى الله. من وجهة نظر الإمام الخميني (ره)، فإن العلم مقترن بالعمل، والعالم الذي يتعلم علم التوحيد يجب أن يكون متنبهاً لحجب هذا الطريق، وألا تغويه جاذبية علم التوحيد في هذه المسألة. من ناحية أخرى، يرى السيد حيدر الآملي، في سياق تقسيماته الثلاثية، أن جزءاً من علم التوحيد يقع في حقل الكلام، ويعتبر الإلهيات متعلقة بالتوحيد الظاهري الذي يستخدمه المتكلمون والحكماء. وبالتالي، يُسمى علم التوحيد نسبة إلى العالم به: متكلم، حكيم، موحد، ولي، نبي… ومن جهة أخرى، يرى الإمام الخميني، بتعبير آخر، أن ما يتعلق بالظاهر، كالبرهان والاستدلال، قد يكون أحياناً مانعاً من التوحيد، ويعتبر توحيد الأولياء والأنبياء هو التوحيد الحقيقي. ونتيجة لذلك، فإن التقسيم إلى ظاهر وباطن، أو حجاب الظاهر وعدم الحجاب في الباطن، مشترك بين الرأيين. لكن النظرة الوسيطية مطروحة في رأي المرحوم الآملي، الذي يعتبر الشريعة مقدمة للطريقة والحقيقة والعرفان.

أقسام التوحيد عند السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

تختلف نظرة العارفين في مسألة أقسام التوحيد، وقد قسّماه بأساليب مختلفة. لكن اختلاف التقسيم بينهما لا يعني اختلافاً في المعنى. وكما يعتقد السيد حيدر الآملي بشأن الاختلاف في تقسيمات العرفاء، فإن الاختلاف في التقسيم كالخلاف في تعريف التوحيد؛ فبما أن خلاف العرفاء في التعريف لم يكن عميقاً، فكذلك هو الحال في التقسيم. ذلك أن الاختلاف في اللفظ لا يدل على اختلاف في المعنى، وبما أن هذا [العلم] ليس من عند غير الله، فلا يختلفون فيه كثيراً. ومن عجيب الاتفاق أن هذا القول للسيد حيدر الآملي يصدق أيضاً على اختلاف الرأي بينه وبين الإمام الخميني. ثم يقسم التوحيد إلى قسمين: ألوهي ووجودي، ويبيّن سبب هذا التقسيم بقوله: “التقسيمات، وإن كانت كثيرة من حيث العبارات والاعتبارات، وطالت بسبب الإشارات والاختلافات، فإنها جميعاً تعود إلى ذلك التقسيم”. (المصدر نفسه: ۸۱). وهو يعتقد أن جميع التقسيمات تندرج تحت التوحيد الوجودي، وأن التوحيد الألوهي هو في الواقع توحيد العوام. وتفصيل البحث كما يلي: ١. التوحيد الألوهي: هذا التوحيد هو توحيد الأنبياء والتوحيد الظاهري، وهو عبارة عن دعوة العباد من عبادة الآلهة المقيّدة إلى عبادة الإله المطلق، أو دعوتهم إلى إثبات الإله الواحد ونفي الآلهة الكثيرة… وهذا التوحيد يقابل الشرك الجلي، كعبادة الصنم والحجر… ٢. التوحيد الوجودي: هذا التوحيد هو توحيد الأولياء والتوحيد الباطني، وهو عبارة عن دعوة العباد إلى مشاهدة الوجود الواحد ونفي الوجودات الكثيرة. وهذا التوحيد يقابل الشرك الخفي، كإثبات وجود الغير من الممكنات والمحدثات… (المصدر نفسه: ۸۲ و ۸۳). ويقول عن هذا التقسيم: “إذا خصصنا التوحيد الألوهي بالأنبياء والتوحيد الوجودي بالأولياء، فلا ينبغي أن يسبب ذلك توهم أن الأنبياء ليس لهم نصيب وحظ من توحيد الأولياء، أو العكس. بل كل واحد من هذين القسمين من التوحيد جامع للآخر أيضاً. غاية ما في الأمر أن التوحيد الخاص بكل منهما غالب على صاحبه، وهو مأمور بالدعوة إلى مثل هذا التوحيد”. (الآملي، ۱۳۹۱: ۸۴ و ۸۵). ويضيف أن الأنبياء يدعون في الظاهر إلى التوحيد الألوهي، وفي الباطن إلى التوحيد الوجودي، فيوجهون الخطاب الأول إلى العوام، والخطاب الثاني إلى الخواص وخواص الخواص. وفي النهاية، يعتبر السيد حيدر أن التوحيد الحقيقي هو الجامع لكلا قسمي التوحيد، ويسميه الصراط المستقيم. (المصدر نفسه: ۸۵-۹۲). من جهة أخرى، قام الإمام الخميني (ره) بتقسيم مراتب التوحيد بأسلوب آخر. وقد تبنى في هذا الشأن رأي المتكلمين. وبالطبع، فقد تحدث الإمام في مواضع متفرقة من آثاره بشكل مستقل ومفصل عن أقسام التوحيد. ومع ذلك، فإنه في موضع ما، بالإشارة إلى علم الكلام، يقسمه إلى ثلاثة أقسام: التوحيد الذاتي، والصفاتي، والأفعالي. وبشكل عام، يمكن القول إن الإمام لم يقدم رأياً خاصاً في تقسيمات التوحيد، وقبل رأي جمهور الحكماء والعرفاء. وعلى أي حال، يعتقد الإمام في تعريف كل من هذه المراتب: “التوحيد في الصفات يعني أنه مع إثباتنا أوصافاً لذاته الأقدس، فإن كثرة الأوصاف لا توجب كثرة في الذات، بل في عين إثباتنا له أوصافاً كثيرة دون أن يكون مرجع وصف وصفاً آخر، فإن الله جل جلاله في كمال البساطة واحد من جميع الجهات وبسيط من جميع الجهات”. وفيما يتعلق بالتوحيد في الأفعال يقول: “هذا التوحيد يعني أن لله في مقام الأحدية فعلاً إلهياً واحداً”. وكذلك في التوحيد في الذات، يذكر استدلالات عقلية ونقلية، مثل اقتضاء ذات الواجب انتفاء الكثرة الطولية والعرضية عن الله. ويقول في موضع آخر عن هذه الأقسام الثلاثة: “الأفعال والحركات والتأثيرات في مظاهر الموجودات كلها منه. فالحق فاعل بفعل العبد، وقوة العبد ظهور لقوة الله، كما جاء في القرآن خطاباً لنبي الإسلام (ص): {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}. فجميع ذوات الموجودات وصفاتها ومشيئاتها وإراداتها وآثارها وحركاتها من شؤون ذات الحق وصفته، وظل لمشيئته وإرادته، وبروز لنوره وتجليه، وكلها جنوده ودرجات قدرته، والحق حق، والخلق خلق، والحق تعالى ظاهر فيها، وهي مرتبة ظهوره”.

درجات التوحيد عند السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره)

بعد تقسيم التوحيد، يُطرح بحث درجات التوحيد، لأن تقسيمات التوحيد تشير إلى وحدانية الحق تعالى. من جهة أخرى، توجد درجات للعباد في الوصول إلى هذه المراتب من التوحيد. وقد بحث كل من المرحوم السيد حيدر الآملي وحضرة الإمام (ره) في هذه المسألة بتفصيل ومنهجية، وإن كانت آراؤهما مختلفة في هذا البحث. يعتبر السيد حيدر الآملي في كتاب “أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة” أن توحيد أهل الشريعة، سواء كان تقليدياً أو تحقيقياً، هو “توحيد فعلي”، لأنهم يقيمون البرهان على وجود الفاعل والصانع من خلال الفعل والصنع الإلهي. وبذلك، يفقد كل فعل وفاعل استقلاله، ويبقى فقط الفعل والفاعل الحقيقي. ويرى أن “توحيد أهل الطريقة” هو “توحيد وصفي”، لأنه في رؤية العارف لا يبقى أي وصف وموصوف، ويبقى فقط وصف الله الذي هو الموصوف الحقيقي لجميع الأوصاف الكمالية. ويعتبر “توحيد أهل الحقيقة”، مع حفظ المراحل السابقة، “توحيداً ذاتياً”؛ بمعنى أن جميع الذوات والوجودات تغيب عن نظرهم، وترجع فقط إلى موجدها الحقيقي، وهو الله. ثم يشير إلى الدعاء المعروف للنبي الأكرم (ص): “اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك”، حيث تشير الفقرة الأولى إلى التوحيد الفعلي، والثانية إلى التوحيد الوصفي، والثالثة إلى التوحيد الذاتي. وفي هذا السياق، في أثره الآخر “جامع الأسرار ومنبع الأنوار”، يتناول البحث بشرح وتمهيد، ويقول إن العرفاء يسمون الموحّد الأول “ذا العقل”، والموحّد الثاني “ذا العين”، والموحّد الثالث “ذا العقل والعين”، لأن الثالث جامع لهما وفائق عليهما، بحيث لا تحجبه مشاهدة أحد الطرفين عن الآخر. وإلا فإنه يخرج من دائرة التوحيد، لأن كل من يشاهد وجوده وذاته من حيث هو هو، منزهاً عن جميع القيود ومستغنياً عن جميع الاعتبارات، ويرى الغير عدماً مطلقاً ولا شيء محضاً، ويهتف بنداء “ليس في الوجود إلا هو”، فإنه واجد لنصف المعرفة والشهود، لأنه احتجب بوجوده وذاته عن الأسماء والصفات والكمالات المفصلة والمجملة الظاهرة في مظاهرها، وشهوده شهود جزئي لا تام؛ لأن الحق تعالى جل جلاله، في حد ذاته، أزلاً وأبداً، موصوف بجميع الكمالات، وله ظهور أزلي وأبدي في صور جميع الموجودات. فصاحب هذا المقام، بسبب شهوده الجزئي، محجوب عن كمالات وخصوصيات تلك الذات. وكذلك، إذا شاهد شخص الوجود الواحد متكثراً بالكثرات ومتعيناً بالتعينات، وهتف بنداء “هذا مظهر اللطف وهذا مظهر القهر وهذا مظهر الجلال وهذا مظهر الجمال”، أي إنه لا يشاهده مجرداً عن هذه المظاهر، ولم يحصل له فرق وجمع بين الكثرة والوحدة، والظاهر والمظهر، وكان على عقيدة أن “هو الكل وليس في الوجود إلا هو”، فإنه أيضاً واجد لنصف المعرفة وشهوده ناقص؛ لأنه وإن كان الحق تعالى -جلت عظمته- في حد ذاته مطلقاً ومنزهاً عن الكثرات والتعينات الخارجية والذهنية، إلا أن جميع الكثرات والتعينات هي كمالاته الاسمائية والصفاتية الموجودة بالمرتبة والتعين الثاني، وترجع إلى مرتبة الذات. أما إذا شاهد كلتا المرتبتين، الوحدة والكثرة، والفرق والجمع، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل معاً، أي إنه شاهد المطلق في عين المقيد، والمقيد في عين المطلق، والمجمل في عين المفصل، والمفصل في عين المجمل، ولم يحتجب بأي منهما، فمثل هذا الشخص هو قطعاً الموحّد العارف الكامل المكمِّل، ويدرك أنه “ليس في الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله”، ويتحقق أنه “إن الكل هو وبه ومنه وإليه”، ويهتف بلسان الحال بنداء “هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم”، ويدرك يقيناً معنى الآية: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ…} (النور: ۳۵). وهذا مقام يكون فيه العارف الواصل صاحب الفرقان والقرآن. لأن الفرقان هو العلم التفصيلي الخاص بحضرة موسى وعيسى (عليهما السلام)، والقرآن هو العلم الإجمالي مع التفصيلي الخاص بحضرة محمد (ص). من جهة أخرى، يبيّن الإمام الخميني (ره) بنظرة أخرى درجات التوحيد في قالب أركان التوحيد. ففي هذه النظرة، للتوحيد أربعة أركان، ولكل ركن ثلاث درجات: درجة ظاهرية ودرجتان باطنيتان. ويقول في هذا الشأن إن الاسم تابع للدرجة الظاهرية، كما هو الحال في الأسماء الإلهية التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أسماء ذاتية وصفاتية وأفعالية. وأركان التوحيد عند الإمام (ره) هي كما يلي:

  • الركن الأول: “التحميد” (الحمد لله): وهو مقام توحيد الأفعال ودرجته الظاهرية، وفيه يكمن التوحيدان الآخران، أي الذاتي والصفاتي؛ لأن التحميد هو مقام رجوع المحامد والثناءات إلى الله ونفيها عن غير الحق تعالى. وهذا الأمر لا يتحقق إلا بأن تكون جميع الأعمال الصالحة وكل العطايا منه. بحيث يرى العابد الشاهد لهذا المقام أن جميع العطايا، التي هي في صورة الكثرة التفصيلية، ظهور للعطية المطلقة التي هي المشيئة المطلقة ووجه الله الفاني في صاحب الوجه. وعليه، فليس في دار الوجود جميل ولا فاعل جميل غير الجميل المطلق حتى يُحمد على جماله أو فعله. ولفظ “الحوقلة”، الذي هو مقام نفي الحول والقوة عن غيره، يؤكد ذلك ويثبت أن وجودهما بالله الجميل. ويرى أصحاب الأسرار والإشارات أن باطن هذا التوحيد هو توحيد الصفات والذات.
  • الركن الثاني: “التهليل” (لا إله إلا الله): وهو مقام توحيد الصفات واضمحلال جميع الكمالات، بحيث يرى العبد الجمال والكمال والحُسن والضياء ظهوراً لجمال الحق وكماله وجلوة من جلواته. والتهليل في هذا المقام لنفي الألوهية عن غيره، وهذه الألوهية هي ألوهية صفاتية لا ألوهية فعلية. ويقول في هذا الصدد: “من وجهة نظر أصحاب القلوب، فإن التوحيدين الآخرين محجوبان في هذا المقام”.
  • الركن الثالث: “التكبير” (الله أكبر): وهذا مقام توحيد الذات وفناء جميع الأنّيات (الذوات)، لأن معناه الوارد هو “أنه أكبر من أن يوصف”. وهذا لا يعني أنه أكبر من كل شيء، لأنه لا وجود لشيء في ذلك المقام. ويقول الإمام عن هذا التوحيد: “من وجهة نظر الأحرار ذوي السوابق الحسنة، فإن التوحيدين الآخرين وردا فيه”.
  • الركن الرابع: “التسبيح” (سبحان الله): وهو مقام التنزيه عن التوحيدات الثلاثة؛ لأن في سائر التوحيدات تكثيراً وتلويناً، أما هذا التوحيد فهو مقام التنزيه والتمكين الذي يبلغ فيه التوحيد تمامه. فالسالك في التوحيد الفعلي يرى كل فعل ظهوراً لفعل الحق، وتنزيهه هو ألا يرى فعلاً لغيره أبداً. وفي التوحيد الصفتي، يكون استهلاك الأسماء والصفات في أسماء الحق وصفاته، والتنزيه في هذا التوحيد هو ألا يرى في دار الحقيقة أي اسم وصفة سوى صفات الحق وأسمائه. وفي التوحيد الذاتي، يكون اضمحلال الذوات عند ذات الحق، والتنزيه في هذا التوحيد هو ألا يرى أي أنّية وهوية سوى هوية الأحدية. ثم يذكر أن “التوغل” بمنزلة نتيجة جميع المقامات والتوحيدات، ويعبر عنه بأنه عدم رؤية الفعل والصفة حتى من الله تعالى، والنفي الكلي للكثرة، ومشاهدة الوحدة الصرفة والهوية المحضة التي هي في عين البطون ظاهرة، وفي عين الظهور باطنة. وفي النهاية، يصرح بأن التنزيه في كل مقام يختفي في المقامين الآخرين. وبناءً على ذلك، يمكن القول إنه من وجهة نظر الإمام، التحميد هو التوحيد الأفعالي، والتهليل هو التوحيد الصفاتي، والتكبير هو التوحيد الذاتي، والتسبيح هو تنزيه هذه التوحيدات الثلاثة.

وبالإجمال، على الرغم من أن كلام العارفين يبدو مختلفاً في الظاهر، إلا أنهما عملا بنفس الطريقة في بيان مراتب التوحيد: أولاً التوحيد الأفعالي، ثم التوحيد الصفاتي والذاتي. ومن جهة أخرى، اعتبر كلا العارفين أن المقام الجامع للثلاثة هو أعلى مرتبة. لكن تأكيد الملا حيدر الآملي كان على الأسلوب والطريقة الصحيحة في السلوك العرفاني، وتجنب النظرة الأحادية وعدم البقاء في الكثرة. ربما في عصره كانت نظرة الكثرة في حضور الحق في الموجودات قد غلبت على البعض. وقد تناول المرحوم الملا حيدر هذا القسم من التوحيد أيضاً على غرار تقسيمه الثلاثي لتوحيد أهل الشريعة والطريقة والحقيقة، بينما أشار المرحوم الإمام الخميني إلى أركان التوحيد.

الخاتمة

باعتباره أصلاً أساسياً للإسلام، يُعدّ التوحيد بحثاً مهماً بين المتكلمين وعلماء الإلهيات. وقد أولى السيد حيدر الآملي (ره) والإمام الخميني (ره) هذه المسألة اهتماماً في آثارهما، وتناولاها بعمق وتفصيل، نظراً لكونهما من كبار العرفاء وعلى دراية بالكلام الإسلامي. كلا العارفين اعتبرا التوحيد ذا أهمية بالغة، وقدما بيانات حول مكانته الأنطولوجية والإبستمولوجية والأنثروبولوجية. في بحث الأنطولوجيا التوحيدية، اعتبر كلاهما التوحيد أصلاً أساسياً وفطرياً؛ مع فارق أن السيد حيدر الآملي (ره) رأى فطرية التوحيد أعمّ، بينما أكد الإمام الخميني (ره) في بحث الفطرة على الإنسان. في بحث الإبستمولوجيا التوحيدية، اعتبر كلاهما أن معرفة حقيقة التوحيد خارجة عن إدراك الإنسان وفكره. وفي بحث الأنثروبولوجيا التوحيدية، أكد كلا العارفين، بنظرة عرفانية، على السلوك سبيلاً لنيل الإنسان التوحيد. في بحث علم التوحيد، كانت آراء العارفين مختلفة ظاهراً، ولكن في الباطن، موضوع الرأيين مشترك. فقد اعتبر السيد حيدر الآملي (ره) علم التوحيد علماً باطنياً، ووصف ما قاله الحكماء والعلماء بأنه علم ظاهري ومعرفة الله؛ بينما اعتبر حضرة الإمام (ره) علم التوحيد أولاً علماً عملياً، وثانياً مقدمة للتوحيد القلبي. وقوله بأن البرهان لا فائدة منه بدون عمل هو في الواقع إشارة إلى علوم مثل الفلسفة والكلام، في حين أن السيد حيدر الآملي لا يسمي هذه العلوم علم التوحيد، بل يعتبرها مجرد معرفة الله. من ناحية أخرى، فإن اعتبار الإمام له مقدمة للتوحيد القلبي يدل بحد ذاته على أنه يعتقد أن التوحيد العلمي والقلبي في طول بعضهما البعض، لذا يمكن استنباط أنه يرى أن كلاهما لازم للآخر. في بحث تقسيمات التوحيد، كانت آراء العارفين مختلفة. قسم السيد حيدر الآملي التوحيد إلى قسمين: ألوهي ووجودي، واعتبر التوحيد الألوهي توحيد العامة والظاهري، والتوحيد الوجودي توحيد الخواص والباطني. كما أنه، مع إشارته إلى تقسيمات الآخرين، اعتبر التقسيمات الجزئية مراتب من التوحيد الوجودي. ويسمي هذين التوحيدين على التوالي توحيد الأنبياء والأولياء، ويقابلهما الشرك الجلي والشرك الخفي. ومن وجهة نظره، فإن التوحيد الأفعالي والصفاتي والذاتي هي في الواقع مراتب من التوحيد الوجودي. ويُستفاد من أقوال السيد حيدر الآملي (ره) أنه يرى أن التوحيد الأفعالي يأتي أولاً، ثم التوحيد الصفاتي والذاتي في مرتبة أعلى منه. بينما قسم حضرة الإمام (ره) التوحيد، كالمتكلمين، إلى ثلاثة أقسام: أفعالي، وصفاتي، وذاتي. كما أنه في بحث كيفيات ودرجات التوحيد، اعتبر للتوحيد أربعة أركان، وعلى هذا الأساس تظهر الأقسام الثلاثة للتوحيد في هذه الأركان. وفي النهاية، رأي الإمام (ره) هو أن التحميد هو التوحيد الأفعالي، والتهليل هو التوحيد الصفاتي، والتكبير هو التوحيد الذاتي، والتسبيح هو تنزيه هذه التوحيدات الثلاثة. كما أنه اعتبر “التوغل” نتيجة للأركان الثلاثة الأولى. في المقابل، أكد المرحوم الملا حيدر تأكيداً بالغاً على الجمع بين الوحدة والكثرة في التوحيد، وأكد على ابتكاره المتعلق بالشريعة والطريقة والحقيقة، واستخدمه في مواضع كثيرة. ما يُستفاد من مجمل أقوال العارفين هو أن الاختلاف في كلامهما ذو طابع ظاهري في الغالب، لأن كلا العارفين اعتبرا مراتب التوحيد وفقاً للتقسيمات الثلاثة وبشكل طولي، وبالترتيب: فعلي، ثم صفتي، ثم ذاتي. واعتبر كلاهما أن أكمل مرتبة هي التي تكون فيها التوحيدات الثلاثة في كمالها. والاختلاف في نظريات العارفين كان في تسمية هذه المراتب.

المصادر والمآخذ

  • القرآن الكريم.
  • الآملي، السيد حيدر (۱۳۷۷ هـ.ش)، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، ترجمة وتعليق السيد جواد هاشمي عليا، ج۱، قادر، طهران.
  • الآملي، السيد حيدر (۱۳۹۱ هـ.ش)، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ترجمة محمدرضا جوزي، ج ۱، هرمس، طهران.
  • الأردبيلي، عبد الغني (۱۳۸۱ هـ.ش)، تقريرات فلسفة الإمام الخميني (الأسفار)، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • ابن عربي، محيي الدين (۱۳۸۷ هـ.ش)، حجاب هستى (حجاب الوجود)، ترجمة وتوضيح گل بابا سعيدي، ج ۲، زوار، طهران.
  • أبو علي سينا (۱۴۰۳ هـ.ق)، الإشارات والتنبيهات، ج ۳، دفتر نشر الكتاب، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۰ هـ.ش)، آداب الصلاة، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۳ هـ.ش)، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۴ هـ.ش)، شرح دعاء السحر، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۵ هـ.ش)، تفسير سورة الحمد، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۷ هـ.ش)، شرح حديث جنود العقل والجهل، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۷۸ هـ.ش)، صحيفة الإمام، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الخميني، روح الله (۱۳۹۰ هـ.ش)، شرح الأربعين حديثاً، ج ۵۳، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران.
  • الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد (۱۳۸۸ هـ.ش)، مفردات ألفاظ القرآن، ترجمة وتحقيق غلامرضا خسروي حسيني، نشر مرتضوي، طهران.
  • رحيميان، سعيد (۱۳۸۳ هـ.ش)، مبانى عرفان نظرى (أسس العرفان النظري)، ج ۱، سمت، طهران.
  • السجادي، السيد جعفر (۱۳۶۱ هـ.ش)، فرهنگ علوم عقلى (معجم العلوم العقلية)، انجمن حکمت، طهران.
  • السجادي، السيد جعفر (۱۳۸۱ هـ.ش)، فرهنگ اصطلاحات و تعبيرات عرفانى (معجم المصطلحات والتعابير العرفانية)، ج ۱، طهوري، طهران.
  • الكليني، محمد بن يعقوب (۱۳۸۸ هـ.ق)، الأصول من الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران.
  • مطهري، مرتضى (۱۳۶۶ هـ.ش)، شرح منظومة الملا هادي السبزواري، ج ۲، انتشارات حکمت، طهران.
Scroll to Top