دراسة مقارنة للتخيير في علم الأصول

ملخص

من المباحث التي لم تحظَ حتى الآن باهتمام مستقل، دراسة أنواع وأقسام التخيير التي تُطرح في مختلف مباحث علم الأصول. يسعى هذا المقال، بأسلوب تحليلي وصفي، وبتقسيم ثنائي للتخيير إلى قسمين: «التخيير في أصل العمل» و«التخيير التطبيقي»، إلى دراسة الصور الثبوتية والإثباتية للتخيير بشكل مقارن. في البداية، يتم تحليل أقسام التخيير في أصل العمل، أي الإباحة الواقعية والبراءة الظاهرية. ثم يتم بحث الأقسام الأربعة للتخيير التطبيقي، وهي التخيير الأصولي، والفقهي، والإيجابي، والتحريمي، والترخيصي. وستُظهر نتائج البحث أن نظرية «تعلق الحكم بعنوان الجامع الانتزاعي» هي النظرية الموجهة والخالية من المحاذير الثبوتية والإثباتية في معظم أقسام التخيير التطبيقي. وفي ختام المقال، سيتم عرض بعض النزاعات وعدد من الفوائد والآثار لأقسام التخيير بشكل موجز.

مقدمة

إن مسألة معرفة ماهية التخيير، ودراسة أقسامه وأحكامه، قابلة للاستفادة في أبواب متعددة من علم الأصول. ففي سبعة مباحث على الأقل من مباحث علم الأصول، تُطرح مسألة التخيير: ففي مبحث الإباحة الواقعية، تُعرّف الإباحة بالتخيير. وفي مسألة الواجب التخييري، لا يمكن فهم ماهية الواجب التخييري دون تحليل التخيير. وفي مبحث البراءة وفي مبحث العلم الإجمالي، لا بد من الاستعانة ببحث التخيير لبيان الصورة الثبوتية للترخيص الظاهري والترخيص المشروط. وفي تحديد نوع التخيير في بابي الدوران بين المحذورين والتزاحم، يجب تحقيق ماهية التخيير. وفي باب التعارض، لا مفر من المباحث التحليلية للتخيير لبيان مفاد الأخبار العلاجية الدالة على التخيير.

هذه الأحكام التخييرية السبعة، على الرغم من أن كل واحد منها يُطرح في مبحث خاص من مباحث علم الأصول، إلا أنها تشترك في مجموعة من المسائل التي يبحثها الأصوليون، كلاً أو بعضاً، بحسب ما يقتضيه كل مبحث. وقد أدى غياب الهيكلية والانسجام الكامل إلى تكرار بعض المسائل المشتركة في أبواب مختلفة من علم الأصول، بالإضافة إلى التشتت والنقص في المباحث.

إن بحث تعريف التخيير وتقسيمه وثمراته بشكل منسجم ومستقل يفتقر إلى سابقة بحثية. وما يمكن العثور عليه في المدونات الأصولية هو تحليل ودراسة لبعض أقسام وتطبيقات التخيير. ففي علم أصول أهل السنة، طُرحت دراسات حول ماهية التخيير في مبحثي تعريف حكم الإباحة وتعريف الواجب التخييري فقط. أما في أصول الإمامية، فقد انتشرت المباحث المتعلقة بالتخيير بشكل محدود وغير منسجم في مختلف أبواب علم الأصول. ولاستخراج مباحث التخيير، بالإضافة إلى المبحثين المذكورين، يجب البحث في مباحث أخرى مثل الدوران بين المحذورين وباب التعارض. وعلى الرغم من أن كتاب الموسوعة الفقهية الميسرة (اصطلاحات فقهي وأصولي) قد أورد المباحث وأقسام التخيير بشكل فهرسي وموجز تحت حرف «التاء»، إلا أن هذا العرض ناقص.

وتتمثل إسهامات هذا المقال في تنظيم أقسام التخيير، وجمع المباحث، وتكميل الأبحاث السابقة.

تقسيمات التخيير

للتخيير خمسة تقسيمات: التقسيم الأول: التخيير في أصل العمل وفي تطبيق العمل. المقصود من التخيير في أصل العمل هو أن للمكلف حرية في أصل فعل شيء أو تركه، كالإباحة الواقعية. أما في التخيير التطبيقي، فمع أنه ليس مختاراً في أصل العمل وتركه، لأن ذمته مشغولة وعليه وظيفة ومسؤولية، لكنه مختار في كيفية امتثاله وتفريغ ذمته، من حيث اختيار نوع العمل الذي يؤديه وكيفية تطبيق وظيفته العملية، مثل التخيير في باب التزاحم (فلو لم يكن هذا الاختيار والسعة، لكان عليه إما أن يختار الطرفين معاً، أو أن يطبقه على طرف معين فقط).

التقسيم الثاني: التخيير الشرعي والعقلي. في التخيير الشرعي، يحكم الشارع المقدس بالتخيير ويفوض حق الاختيار إلى المكلف؛ وذلك بأن يأخذ قيد اختيار المكلف في متعلق الحكم أو في لسان الخطاب، مثل البراءة الشرعية. أما التخيير العقلي، فالحاكم فيه هو العقل.

التقسيم الثالث: التخيير الواقعي والظاهري. في التخيير الواقعي، يكون التخيير ثابتاً في مرتبة الواقع، وحتى مع فرض إحراز الحكم الواقعي والعلم به، كالتخيير في الواجب التخييري أو باب التزاحم. أما في التخيير الظاهري (الذي يعد حكماً ظاهرياً)، فيثبت في فرض الشك في الحكم الواقعي، مثل البراءة.

التقسيم الرابع: التخيير البدوي والاستمراري. المقصود من التخيير البدوي هو أن المكلف يجب أن يلتزم بامتثال الفرد أو الطرف الذي اختاره في الواقعة الأولى، ويبقى على ذلك إلى آخر عمره. وفي المقابل، يعني التخيير الاستمراري أن المكلف يجوز له في كل زمان وواقعة يبتلى فيها بموضوع التخيير أن يختار فرداً وطرفاً آخر خلافاً لما اختاره في السابق.

المفروض في هذا التقسيم هو فرض تعدد الواقعة وتكرارها، أي ليس الأمر بأن الحكم التخييري يكون فعلياً ومنجزاً في حق المكلف في واقعة وزمان واحد فقط، بل يتكرر ويتعدد، وفي الوقائع أو الأزمنة الأخرى، يصبح نفس الحكم التخييري فعلياً ومنجزاً مرة أخرى. وفرض تعدد الواقعة يكون على شكلين؛ إما أن يكون موضوع الحكم انحلالياً أو ذا أفراد عرضية متعددة (بحيث تتعدد التخييرات الفعلية بتعدد الأفراد)، كالتخيير في دفن الكافر الذي فُرض الحكم فيه بالتخيير بسبب الدوران بين المحذورين. في هذا المثال، إذا ابتُلي المكلف بعدة أموات كفار، فهل يمكنه دفن جنازة كافر وترك جنازة كافر آخر؟ أو يكون ذا أفراد طولية زمانية، كالتخيير في صلاة الجمعة؛ التي حُكم فيها بالتخيير بسبب الدوران بين المحذورين. في هذا المثال، بما أنه في كل أسبوع يحدث فرد وموضوع جديد لهذا الحكم التخييري، فهل يمكن للمكلف أن يقيمها في أسبوع ويتركها في أسبوع آخر ويصلي الظهر؟

التقسيم الخامس: التخيير الفقهي والأصولي. في التخيير الأصولي، يكون المكلف مختاراً في تطبيق وتعيين نوع الحجة على الحكم الشرعي، أي يُعطى المكلف هذا الاختيار ليختار بإرادته أحد الدليلين (اللذين ينجز كل منهما تكليفاً ووظيفة عملية مختلفة عليه) كحجة معتبرة، ويلتزم به قلباً وجزماً، ويبني على أن هذا الدليل هو الحجة المعينة بينه وبين المولى. أما في التخيير الفقهي، فتُبيّن الوظيفة والحكم الفقهي، ويكون للمكلف توسعة وحق في الحرية والاختيار تكليفاً، كالإباحة الواقعية أو الواجب التخييري.

من هنا يتضح أن المقصود بالتخيير الفقهي أو الأصولي ليس أن نفس حكم التخيير يُعد من الأحكام الفقهية أو المسائل الأصولية، فإن أصالة التخيير التي تجري في الدوران بين المحذورين، على الرغم من أنها حكم أصولي كسائر الأصول العملية، تُعتبر تخييراً فقهياً. بل المقصود بالتخيير الفقهي أن متعلق التخيير مسألة فقهية ومن موضوعات علم الفقه، ومعنى التخيير الأصولي هو أن متعلق التخيير مسألة أصولية ومن موضوعات علم الأصول (وهو نفس الحكم الوضعي للحجية).

في الختام، ولبيان أفضل لأقسام التخيير، وتسهيلاً لتطبيقاتها، يمكن تقديم صياغة جديدة للأقسام المستخرجة، وبجعل التقسيم الأول (التخيير في أصل العمل والتخيير في تطبيق العمل) هو الأصل، يمكن توضيح أقسام التقسيمات الأخرى ضمن هذين القسمين، والبحث في صورها وتطبيقاتها.

الصنف الأول: التخيير في أصل العمل

يرجع بحث حقيقة التخيير في أصل العمل إلى تحليل ماهية الترخيص الواقعي والظاهري (حمد، 1431هـ، ص 505)، لذا يجب الشروع في معرفة ماهية هذين الترخيصين.

1. ماهية الترخيص الواقعي

هناك اختلاف في وجهات النظر حول ماهية الإباحة الواقعية. فالبعض يرى الإباحة عدماً مضافاً وخالية من أي اعتبار وإرادة، أي أن الإباحة مجرد مصطلح فقهي وعنوان مشير لبيان عدم جعل الأحكام التكليفية الأربعة (الوجوب، الحرمة، الندب، والكراهة). (الصدر، 1430، القسم الأول، ج3، ص 263)

في المقابل، يعتقد آخرون أن حكم الإباحة هو أيضاً مجعول شرعي كسائر الأحكام التكليفية، وينقسم هؤلاء إلى ثلاث فئات: فئة ترى أنه حكم تكليفي، كما هو المشهور الذي يقسم التكاليف الشرعية إلى الأحكام الخمسة. (الخوئي، 1418هـ، ج48، ص 93). وفئة أخرى مثل الإمام الراحل (الذي يعتبر كل حكم لا يتضمن بعثاً أو زجراً حكماً وضعياً) تراه حكماً وضعياً. (الخميني، 1368ش، ج1، ص119). ويعتقد البعض، مثل الفاضل التوني، أنه قسم ثالث بعنوان الحكم التخييري، يقع في مقابل الحكم التكليفي والوضعي. (التوني، 1415هـ، ص 201).

لدراسة هذا النزاع، الذي هو نزاع معنوي وذُكرت له ثمرات (الصدر، 1430هـ، القسم الأول، ج3، ص267 و 268؛ الصدر، 1426هـ، ج2، ص385؛ الهاشمي، 1433هـ، درسنامه، ج7، ص91؛ الخميني، 1376ش، ج3، ص 287؛ الخميني، 1392ش، ج5، ص 269)، يجب أن نبدأ من مبادئ وروح الإباحة. للإباحة، يمكن تصور قسمين: الإباحة الاقتضائية وغير الاقتضائية. (الصدر، 1426هـ، ج4، ص 204). الأفعال التي تسمى مباحة لا تخرج عن ثلاث حالات: إما أنها خالية من ملاكات ومرجحات الفعل والترك، أو بسبب تساوي ملاكات الفعل والترك، أو ناشئة عن وجود مصلحة غالبة ملزمة في الترخيص والحرية التامة للمكلفين، بحيث يكونون أحراراً حتى من قيد الاستحباب والكراهة. (الحائري، 1424هـ، ج1، ص 150).

فيما يتعلق بالفرض الثالث، لا شك أن الإباحة الناشئة عن مصلحة ملزمة (والتي تسمى الإباحة الاقتضائية) لها حالة إيجابية وهي مجعولة شرعاً، لأن روح ومبادئ الإباحة الاقتضائية أمر وجودي: فلها ملاك تكويني في الخارج، وفي نفس المولى، تنقدح إرادة تشريعية لزومية للترخيص وحرية المكلف. وأما الفرض الثاني، فكما صرح به المرحوم الإمام (الخميني، 1381ش، ج1، ص 424)، يجب اعتبار الإباحة الناشئة عن تساوي الملاكات مجعولة شرعاً ونوعاً من الأحكام الاقتضائية؛ لأن تساوي الملاكات يقتضي جعل الإباحة.

أما بالنسبة للفرض الثالث، أي الإباحة الخالية من الملاك والاقتضاء، فيعتقد البعض (النراقي، 1375ش، ص 368-372؛ الحكيم، 1414هـ، ج1، ص 4543؛ الخميني، 1376ش، ج3، ص 284) أن الإباحة ثبوتاً لا مصحح لجعلها؛ لأن جميع الأهداف التي يمكن أن تترتب على جعل الإباحة، مثل تخيير المكلف وإطلاق عنانه، وطمأنته بالحرية، وصحة استناد حريته في العمل إلى تشريع الشارع أو دفع توهم الحظر، كل هذه الأهداف يمكن تحقيقها إما بالسكوت وعدم جعل الأحكام الأربعة، أو على الأكثر بجعل الإباحة بالمعنى الأعم، أي الاستحباب والكراهة. ولا حاجة إلى إعمال مؤونة زائدة وجعل الإباحة بالمعنى الأخص.

يبدو أنه حتى في هذا النوع من الإباحة، يجب تصور وجود إرادة الترخيص، وبتعبير المرحوم الحائري، يجب اعتبار لب الإباحة أمراً وجودياً (الحائري، 1424هـ، پاورقي، ج1، ص 150)؛ لأنه إذا كان من المفترض أن الشارع المقدس ليس لديه أي إرادة تجاه بعض الأفعال ولم يتخذ أي موقف شرعي، لزم أن نعتبر نطاق هذه الأفعال داخلاً في فرض ما قبل ورود الشرع (وهو موضوع بحث أصالة الحظر والإباحة)، وأن نعد إباحتها من سنخ الإباحة الأصلية والعقلية.

هذا اللازم، على الرغم من أنه يمكن الالتزام به من وجهة نظر المرحوم النراقي والمرحوم الإمام، إلا أن له ثلاثة نقائص أساسية: النقص الأول هو أنه يتنافى مع شمولية الشريعة الإسلامية، التي أشار إليها الشهيد الصدر بعنوان «شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة» (الصدر، 1405هـ، ج2، ص 14)، ويمكن حمل التعبير المشهور «عدم خلو واقعة من حكم» عليه. النقص الثاني هو أنه لا يتوافق مع المفروض والارتكاز الفقهي؛ لأنه في مجال المباحات، المفروض هو أنه بعد ورود وملاحظة التشريع والتقنين، حُكم بالإباحة. بالإضافة إلى أن هذا النوع من المباحات قابل للاستناد إلى الشارع المقدس، بحيث يمكن للمكلف من الناحية الفقهية أن يستند في جميع المباحات إلى ترخيص وحرية الشارع المقدس؛ بينما بفرض «قبل ورود الشرع» والإذعان بأن هذه الإباحة عقلية وغير مشمولة بقاعدة الملازمة، فإن استنادها إلى الشارع المقدس سيكون بدعة. النقص الثالث هو أنه فقط وفقًا لمسلك أصالة الإباحة، يمكن إرجاع الإباحة الخالية من الملاك إلى الإباحة الأصلية؛ بينما حتى القائلون بأصالة الحظر، مع أنهم يعتقدون أنه في الأفعال التي لم يشرع فيها الشارع المقدس حكماً يجب الاحتياط والاجتناب، يقولون بمثل هذه المباحات.

بناءً على هذا، عندما يتضح أن روح الإباحة الواقعية أمر وجودي وواجد للإرادة، حتى لو قبلنا أن المولى ثبوتاً لا يحتاج إلى صياغة جعل واعتبار للوصول إلى أهدافه، وأنه بالسكوت وعدم جعل الأحكام الأربعة سيصل إلى مقصوده، ولكن كما ورد في كلمات الشهيد الصدر (الصدر، 1405هـ، ج1، ص12)، في عرف التشريع، يعتبر عنصر الاعتبار والإنشاء عنصراً عقلائياً، وبالتالي فإن اعتبار الإباحة عدماً مضافاً يتعارض مع الارتكاز العرفي.

النتيجة هي أن حكم الإباحة (الذي يُعبر عنه في المصادر الوحيانية بعناوين مثل الحلية، الرخصة، وعدم البأس) هو كسائر الأحكام الأربعة من المجعولات الشرعية التي تُنشأ وتُعتبر بصياغة عدم البأس أو تخيير المكلف (الخوئي، 1418هـ، ج48، ص 93) وبداعي إرخاء العنان والحرية التشريعية للمكلف. (السيستاني، 1437هـ، ص 815)

2. ماهية الحكم الظاهري: البراءة

تعريف البراءة العقلية

البراءة العقلية من الأصول التي يقبلها جمهور الأصوليين والأخباريين (الحائري الأصفهاني، 1429هـ، ج3، ص543؛ الاسترآبادي، 1426هـ، ص276)، وإن كان الأخباريون يعتقدون في بعض الشبهات البدوية أن الشرع قد ورد وجعل وجوب الاحتياط.

في كلمات الأصوليين المتقدمين، يُعبر عنها بالبراءة الأصلية (الباجي، 1424هـ، ص 191؛ الحلي، 1423هـ، ص293). وفي لسان المتأخرين، ولأول مرة على ما يبدو على يد الوحيد البهبهاني أو المرحوم النراقي (البهبهاني، 1416هـ، ص 350؛ النراقي، 1380ش، ص 45)، عُرّفت البراءة العقلية بـ «قبح العقاب بلا بيان».

يبدو أن تعريف البراءة العقلية بـ «قبح العقاب بلا بيان» هو تعريف باللازم، والتعريف الماهوي هو «حكم العقل بعدم تنجيز احتمال التكليف»؛ ذلك أن إثبات قبح أو حسن عقاب المولى على ترك الاحتياط في الشبهات البدوية، أو بعبارة أخرى إثبات عدالة أو ظلم عقابه، يتفرع على إثبات قبح أو حسن ترك الاحتياط، وأن المكلف بترك الاحتياط هل يستحق العقاب ليكون عقاب المولى عادلاً، أم لا يستحق ليكون عقاب المولى ظالماً؟ وبغض النظر عن وضع حسن وقبح فعل المكلف، لا يمكن للعقل أن يتيقن بحسن أو قبح عقاب المولى.

بناءً على ذلك، في بحث البراءة العقلية، ما يكون محط نظر العقل مباشرة هو معرفة وضع فعل المكلف (أي ترك الاحتياط في الشبهات البدوية)، حتى يتحدد حكمه، وبالتالي يتحدد وضع عقاب وعقوبة المولى بشكل قهري. أي يجب البحث في أن ترك الاحتياط في الشبهات البدوية، وبتعبير أفضل، عدم مراعاة وعدم الاعتناء باحتمال التكليف الإلزامي للمولى، هل هو قبيح عقلاً وفاعله مستحق للعقاب والجزاء؟ ومن الواضح أنه للوصول إلى الوضع العقلي لترك الاحتياط، يجب دراسة ملاك حجية تكليف المولى وموضوع حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفة التكليف، وهل هو محدود ومقيد بالعلم بثبوت التكليف، أم أنه مطلق ويشمل موارد احتمال ثبوت التكليف أيضاً؟

تعريف البراءة الشرعية

البراءة الشرعية من الأصول التي يلتزم بها جميع الأصوليين، حتى منكري البراءة العقلية، وأغلب الأخباريين (على الأقل في بعض الشبهات البدوية).

فيما يتعلق بتحليل البراءة الشرعية، هناك بحثان: البحث الأول حول روح البراءة الشرعية. والسؤال في هذا البحث هو: في ظرف الشك في الواقع، هل يرفع الشارع المقدس يده عن الحكم الواقعي ويجد إرادة جديدة ومستقلة للترخيص وتخيير المكلفين بجعل البراءة الشرعية؟

في الإجابة على هذا السؤال (الذي يمكن متابعته في مباحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي)، توجد ثلاثة مسالك: الأول: مسلك الطريقية المحضة (الذي نُسب إلى المحقق النائيني والعراقي) (الهاشمي، 1433هـ، ج2، ص 344-346): إذا كان مطابقاً للواقع، فهو نفس الواقع، وبنوع ما تعبير ثانوي عن نفس إرادة الحكم الواقعي، ولكن إذا كان مخالفاً للواقع، فهو إنشاء صوري وفارغ لا يقترن بإرادة جديدة في مقابل فعلية وإرادة الحكم الواقعي. الثاني: مسلك التصويب المتوسط (الخراساني، 1409هـ، ص278): في حالة مخالفة الواقع، يرفع المولى يده عن إرادة الحكم الواقعي المجعول ويجد إرادة جديدة طبقاً لمفاد الترخيص الظاهري. الثالث: مسلك المصلحة السلوكية (الأنصاري، 1428هـ، ج1، ص114-123): بجعل الترخيص الظاهري، لا يحدث أي تغيير أو تبديل في مبادئ الأحكام الواقعية المشكوكة؛ ولكن في نفس سلوك الترخيص الظاهري، تكمن مصلحة تجبر الخسائر التي تلحق بالمكلف في فرض المخالفة للواقع.

البحث الثاني حول صياغة البراءة الشرعية. (ومحل بحثه في مباحث البراءة). ما يمكن قوله بإيجاز هو أن البحث عن صياغة جعل البراءة (أي بأي لسان وعنوان، اعتبر الشارع المقدس أو أنشأ البراءة الشرعية؟) هو بحث إثباتي واستظهاري؛ لأن الغرض من جعل البراءة هو التأمين من العقاب والتعذير العقلي على مخالفة الأحكام الواقعية المشكوكة، أي أن هدف الحاكم من جعل الترخيص الظاهري هو أن يصبح موضوع حكم العقل بالتعذير في حق المكلف الجاهل بالواقع فعلياً في ظرف وصول الترخيص الظاهري، وتكون مخالفته غير المقصودة للواقع معذورة ومجازة عقلاً. لذا يمكن للحاكم أن يختار أي صياغة ولسان يتناسب مع غرضه ويبين أهدافه.

بناءً على ذلك، يجب بالبحث في أدلة وخطابات البراءة الشرعية استظهار أي نوع من الصياغة اختاره الشارع المقدس. وفقاً لحديث الرفع (وهو من أهم أدلة البراءة الشرعية)، الظاهر هو أن نفس العنوان السلبي «الرفع» قد أُنشئ؛ ولكن في تشخيص المرفوع أو متعلق المتعلق للإنشاء، يوجد اختلاف: رفع التنجز والعقاب على مخالفة الحكم الواقعي المشكوك (الشهيد الثاني، 1380ش، ج2، ص549)، رفع وجوب الاحتياط (الكرباسي، 1411هـ، پاورقي، ج4، ص42)، أو الرفع التشريعي أو التنزيلي لنفس الحكم الواقعي المشكوك. (النائيني، 1376ش، ج3، ص342-343؛ العراقي، 1417هـ، ج3، ص211).

بالطبع، وفقًا لأحاديث الحل، فإن لسان الجعل هو عنوان إيجابي للحلية والترخيص، ولكن ظاهر كلمات بعض الأصوليين،[2] هو أن قاعدة الحل من الأصول الترخيصية المستقلة، وإن كانت أخص من البراءة مثل قاعدة الطهارة، وتختص بالمأكولات والمشروبات.

الصنف الثاني: التخيير في تطبيق العمل

مجموع الصور التي طُرحت في كلمات الأصوليين في بيان الصياغة الثبوتية لـ«التخيير التطبيقي» تصل إلى سبع صور، وقد قام الشهيد الصدر بجمعها ودراستها في مبحث الواجب التخييري وباب التعارض. من هذه الصور، ست صور مشتركة بين جميع أقسام التخيير التطبيقي (أي التخيير الأصولي، والفقهي الإيجابي، والتحريمي، والترخيصي)، وصورتان يمكن أن تكونا فقط من الصور الخاصة بالتخيير الأصولي (الحجية التخييرية).

في هذا المقال، نسعى إلى إكمال المسار الذي بدأه الشهيد الصدر بشكل مستقل ومنسجم؛ ولكن لبيان أفضل، يمكن تلخيص الصور الثبوتية للتخيير التطبيقي في صنفين:

الصنف الأول: الصور غير المشروطة. لا يدخل أي من أطراف التخيير التطبيقي بعينه في متعلق الحكم، بل يؤخذ في متعلق الحكم عنوان آخر؛ وفي تعيين هذا العنوان، توجد عدة صور: 1- الفرد المردد؛ 2- الجامع الماهوي أو الانتزاعي «أحدهما»؛ 3- الحصة الخاصة؛ ولها ثلاث فرضيات: الحصة المختارة، الحصة المقرونة بترك الطرف الآخر، والحصة التي ليست محكية للعلم الإجمالي بالكذب، أي جعل الحجية لخصوص ذلك الفرد من الطرفين الذي لم يكن في الواقع مصداقاً للمعلوم الإجمالي، وإن كان في الواقع كاذباً هو الآخر.

الصنف الثاني: الصور المشروطة. كل طرف من أطراف التخيير التطبيقي، على نحو مشروط، يُعتبر معروضاً ومتعلقاً للحكم، وبعددها تُجعل أحكام متعددة. وفيما يتعلق بشرط فعلية هذه الأحكام، توجد ثلاث فرضيات: إما أن تكون مشروطة بترك سائر الأطراف، أو مشروطة بكذب سائر الأطراف، أو مشروطة بأخذ المكلف. وبالطبع، فيما يتعلق بالمقصود من «الأخذ»، هناك ثلاثة احتمالات (شهيدي بور، 1379ش، جلسة 1706): 1- الأخذ العملي، أي الامتثال الخارجي أو الإرادة والالتزام بامتثال أحد الأحكام المشروطة. 2- الالتزام القلبي بصدق ومطابقة أحد الأحكام المشروطة للواقع. 3- اختيار وانتخاب أحد الأحكام المشروطة كحكم فعلي، حتى يكون مكلفاً شرعاً بامتثاله.

يبدو أنه في الحالات التي لا يكون فيها أخذ المكلف شرطاً للواجب وقيداً لمتعلق الحكم التخييري التطبيقي، بل شرطاً لفعلية وثبوت الحكم (مثل الوجوب أو الحجية)، يجب حمل «الأخذ» على المعنى الثالث (الانتخاب)؛ لأنه إذا كان شرط فعلية كل حكم هو الأخذ العملي، أي الامتثال والعمل بمفاد الحكم، فكما ورد في كلمات الشهيد الصدر، سيحدث إشكال اللغوية وتحصيل الحاصل؛ ذلك أن الغرض من الحكم بالوجوب أو الحجية هو إيجاد الداعي والإلزام العقلي للمكلف بمفاد الحكم. فإذا كان من المقرر أن أصل ثبوت الحكم المشروط معلق على أن يعمل المكلف بمفاده في الرتبة السابقة، بحيث تثبت فعلية الحكم في الرتبة المتأخرة وبعد إتيان المكلف، فإن جعل الحكم سيكون لغواً ولن يكون له أي دور في إيجاد المحركية لفعل المكلف. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص248).

المعنى الثاني (الالتزام بالصدق) أيضاً يقع في البدعة والتهافت؛ لأنه إذا كان من المقرر أن شرط فعلية وجوب الفعل أو حجية الخبر هو الاعتقاد بصدق الحكم أو الخبر، فبالإضافة إلى أنه لن يكون ممكناً إلا من خلال التشريع والبدعة، سيحدث خلف الفرض؛ لأن مقتضى اشتراط الحكم بالالتزام هو أن يتشكل الواقعي بعد التزام المكلف. لذا، قبل أخذ المكلف، لا يوجد حكم ثابت وفعلي في الخارج ليكون للمكلف الحق في اعتباره صادقاً ومطابقاً للواقع.

على أي حال، الفرق بين هذين الصنفين من الصور هو أنه طبقاً للصور غير المشروطة، يُنشأ ويُجعل حكم واحد فقط، ولكن في الصور المشروطة، بعدد الأطراف، تُجعل أحكام مشروطة. (الهاشمي، 1433هـ، درسنامه، ج7، ص 150).

بناءً على ذلك، للوصول إلى الصياغة الواقعية للتخيير التطبيقي، يجب دراسة الصور الثبوتية في أربعة أقسام من التخيير التطبيقي، وهي الحجية، والوجوب، والحرمة، والترخيص التخييري؛ ولكن لدراسة صياغة الأقسام الأربعة، يجب أن نبدأ من مبادئ التخيير التطبيقي. أي يجب في البداية تحديد غرض وروح التخيير التطبيقي حتى يمكن في دراسة الصياغات اختيار الصياغة كتعريف وتفسير نهائي يكون وافياً بالغرض وحاكياً عن روح التخيير التطبيقي.

وفقاً لتوضيحات المرحوم الهاشمي، فإن روح التخيير التطبيقي من سنخ العام البدلي الذي له خاصيتان: اهتمام المولى بحد حرمة مخالفة مجموع الأطراف، أي عدم الرضا بترك جميع أطراف التخيير، مع التوسعة والترخيص في انتخاب أحد الأطراف؛ وبالطبع، هذا الترخيص أحياناً يكون لا بشرط من الزيادة مثل خصال كفارة الصوم، حيث يجوز للمكلف القيام بجميع الأطراف أيضاً، وأحياناً يكون بشرط لا من الزيادة مثل وجوب القصر أو التمام في أماكن التخيير. (الهاشمي، 1433هـ، أضواء، ج3، ص 450 و 480 و 489).

بناءً على ذلك، يجب البحث عن التعريف الواقعي للتخيير التطبيقي في الصور التي ليست فقط خالية من المحاذير الثبوتية، بل لها أكبر تناسب عرفي مع روح التخيير التطبيقي أيضاً؛ لأنه وفقاً لتوضيحات الأستاذ الآملي اللاريجاني، على الرغم من أنه يمكن ثبوتاً في الاعتبار وصياغة الحكم اختيار مفاهيم وعناوين لا تناسب ولا ظهور لها في الحكم عرفاً، ولكن في مقام الاستظهار، يجب اختيار صياغة لها تناسب عرفي أكبر. (الآملي اللاريجاني، 1400ش، جلسات 179 و 193 و 197).

القسم الأول: تعريف التخيير الفقهي الإيجابي

في تعريف التخيير الفقهي الإيجابي (الذي مثاله الوحيد هو الواجب التخييري)، يمكن تصور ست صور، تترتب عليها ثمرات أيضاً في مثل الشك في تعيين وتخيير الوجوب (الروحاني، 1413هـ، ج5، ص 244؛ الصدر، 1426هـ، ج5، ص 355-357):

  1. تعلقه بعنوان جامع وانتزاعي: أحدهما؛
  2. تعلقه بحصة مختارة؛
  3. تعلقه بحصة مقرونة بترك سائر الأطراف؛
  4. تعلق الوجوب بفرد مردد؛
  5. وجوب تعييني لجميع الأطراف، مشروط بترك سائر الأطراف؛
  6. وجوب تعييني لكل طرف، مشروط بالأخذ والانتخاب، أي أن المكلف أي وجوب أراده أن يكون فعلياً في حقه، سيصبح خصوص وجوب ذلك الطرف فعلياً عليه.

من بين الصور الست المذكورة، فإن الصور الثلاث الأولى فقط خالية من المحاذير الثبوتية والإثباتية، ويمكن أن تحكي عن روح التخيير التطبيقي الوجوبي. ولكن ما يستحق الاهتمام هو أن الصورتين «الحصة المختارة أو المقترنة بالأخذ» و«الحصة المقرونة بالترك لسائر الأطراف» قابلتان للإدغام والإرجاع إلى صورة «الجامع الانتزاعي»؛ لأن المقصود من عنوان «ما يختاره المكلف»، مثل عنوان «فعليك بهذا الجالس»، ليس عنواناً مشيراً ليكون العنوان الواقعي متكثراً، ولكل مكلف طرف خاص (نفس الطرف الذي يختاره) هو متعلق الوجوب، فإنه بالإضافة إلى كونه خلاف قاعدة الاشتراك (الخوئي، 1418هـ، ج45، ص207؛ الهاشمي، 1433هـ، درسنامه، ج7، ص157)، فهو خلاف الارتكاز القانوني (الصدر، 1426هـ، ج2، ص409؛ شهيدي بور، بي تا، ج3، ص 504 و 505)؛ لأنه في العرف القانوني، عندما يوضع الواجب التخييري، يكون المتعارف هو أن نسبة الوجوب وغرض المولى متساوية بالنسبة لجميع الأطراف وجميع المكلفين.

بناءً على ذلك، فإن نفس عنوان «ما يختاره المكلف» قد أُخذ في متعلق الوجوب بحيث إن أي طرف يختاره المكلف سيكون مصداقاً للواجب لا نفس الواجب. وبما أن هذا العنوان، نظير عنوان «أحدهما»، هو من العناوين الانتزاعية والجامعة، فإنه يندرج تحت الصورة الأولى.

على هذا الأساس، يجب اعتبار صورة وجوب الجامع «أحدهما» أو «ما يختاره المكلف» – التي هي أقرب إلى الارتكازات العرفية والقانونية – هي التعريف النهائي للواجب التخييري. وفيما يلي، يتم التطرق إلى مناقشات الصور الثلاث الأخيرة:

نقد صورة «وجوب الفرد المردد»

يعتقد البعض أن تعلق الحكم بالفرد المردد غير معقول ثبوتاً. (الأصفهاني، 1426هـ، پاورقي، ج2، ص 271و272؛ الروحاني، 1413هـ، ج5، ص 49). في المقابل، لا يرى المحقق النائيني والمرحوم البروجردي أنه ممكن ثبوتاً فحسب، بل يفسران الوجوب التخييري وقوعاً بوجوب الفرد المردد. (النائيني، 1355ش، ج1، ص183؛ البروجردي، 1419هـ، ص 209).

يبدو أن توضيحات المحقق الأصفهاني في إثبات امتناع الفرد المردد مقبولة: إذا كان المقصود من الترديد في الفرد المردد هو أن نفس مفهوم «أحدهما» مردد، فهذا أولاً خلاف الواقع لأن المفهوم المذكور هو قطعاً مفهوم معين وإن كان مصداقه مردداً لدى المكلف. وثانياً، لن تكون صورة جديدة، وستعود إلى نفس صورة تعلق الحكم بالجامع الانتزاعي (الهاشمي، 1433هـ، ج7، ص 158). وإذا كان المقصود أن محكي «مفهوم أحدهما» هو الفرد المردد الخارجي، فهذا أيضاً مستحيل؛ ويمكن إقامة دليلين على امتناعه:

الدليل الأول (الذي يدل على الاستحالة الذاتية للفرد المردد) هو التلازم بين التحقق والتشخص؛ لأن «أحدهما المصداقي» أو نفس الفرد المردد هو عبارة عن موجود ليس له تعين وتشخص في الذهن أو في الخارج، على الرغم من تحققه الذهني أو الخارجي. أي أنه على الرغم من تحققه، لم يكتسب بعد خصوصية شخصية ومميزة، وبتعبير آخر لم يصبح جزئياً بالكامل؛ مع أنه من الواضح جداً أن الوجود والتحقق مساوقان للتعين والتشخص. لذا، لا يمكن للفرد المردد أن يكون معلوماً بالذات ويتحقق في الذهن، ولا معلوماً بالعرض ويوجد في الخارج، لأن ما يوجد في الذهن أو الخارج لا بد أن يكون متعيناً، وإن كان مشكوكاً ومردداً عند المكلف.

الدليل الثاني (الذي يدل على استحالة وقوع الفرد المردد) هو لزوم التناقض؛ لأن الفرد المردد بين العنوانين، بعد تحققه ووجوده، لا يخرج عن حالتين: إما أن ينطبق عليه أحد العنوانين، فيُعلم أنه في الواقع فرد معين، أو لا ينطبق عليه كلا العنوانين، وهذا أيضاً له حالتان: إما أن ينطبق عليه كلا العنوانين بالفعل، أي أن ذلك الفرد الخارجي يتصف في آن واحد وبالفعل بكلا العنوانين، فيُعلم أنه في الواقع فرد معين، ولكنه مثل مسألة اجتماع الأمر والنهي، موصوف ومجمع لعنوانين متضادين، أو أن له قابلية الانطباق على كلا العنوانين، أي أن ذلك الفرد الخارجي له قابلية الاتصاف بكلا العنوانين وقابلية سلب كلا العنوانين، وبسبب هاتين القابليتين المتناقضتين، أصبح مردداً بأنه متصف ومنطبق بالفعل على أيهما؟! إذن هذا المعنى يستلزم التناقض، لأنه يلزم أن يكون وجود وشيء واحد له صلاحية الانطباق وعدم الانطباق في نفس الوقت.

نقد صورة «مجموع الوجوبات التعيينية المشروطة بالترك»

هذه الصورة مستظهرة من ظاهر كلام المحقق الخراساني. فهو في تحليل الواجب التخييري يميل إلى التفصيل؛ لأنه في الواجبات التخييرية، لا يخرج عالم الملاكات التكوينية وأغراض المولى عن حالتين: إما أن يوجد ملاك وغرض واحد تكون أطراف الواجب التخييري محصلة له بشكل متساوٍ، أو يوجد بعدد الأطراف ملاكات وأغراض لزومية متعددة ومستقلة وكلها فعلية؛ ولكن بسبب التزاحم والتمانع في مرحلة الاستيفاء (حيث إن تحصيل كل ملاك يمنع من تحصيل الملاك الآخر)، يمكن استيفاء ملاك وغرض واحد فقط. في الفرض الأول، وبسبب قانون الواحد، يعتبر متعلق الوجوب عنواناً جامعاً، ولكن في الفرض الثاني، يدعي أنه قد جُعلت وجوبات تعيينية بعدد الأطراف، مشروطة بترك إتيان سائر الأطراف. (الخراساني، 1409هـ، ص 140 و 141).

يبدو أن هذه الصورة أيضاً لا تخلو من محذور: الإشكال الأول هو أنه حتى في فرض تعدد الملاك، ليس المولى ملزماً بأن يجعل وجوبات متعددة مشروطة؛ بل بالأمر بالجامع أيضاً، يصل إلى كل مقصوده ومطلوبه. (الهاشمي، 1433هـ، درسنامه، ج7، ص 172). الإشكال الثاني هو أن الصورة المذكورة لها تاليان فاسدان: في ظرف ترك جميع أطراف الواجب التخييري، يلزم أن تصبح جميع الوجوبات المعلقة فعلية، لأن شرط الفاعلية قد تحقق في كل واحد من الأطراف، وبالتالي يجب أن تثبت عقوبات متعددة بعدد الترك ووجوبات فعلية. بينما المفروض في التخيير التطبيقي هو أن مخالفة المكلف (بأي شكل كانت) بما أنها تؤدي فقط إلى تفويت غرض واحد، فلن يترتب عليها أكثر من عقوبة واحدة. كذلك في ظرف إتيان جميع الأطراف، يلزم أن لا يصل أي من الوجوبات المشروطة إلى الفاعلية، لأن شرط فعلية الوجوب لم يتحقق في أي من الأطراف؛ بينما هذا المعنى غير قابل للالتزام به، لأن المفروض هو أن وجوب أحد الأطراف فعلي قطعاً في حق المكلف. إلا إذا وجهنا بأن المقصود من ترك سائر الأطراف هو الترك المقارن أو المسبوق بترك الطرف المشروط نفسه؛ ولكن هذا توجيه متكلف. (شهيدي بور، بي تا، ج3، ص 506) أو أن نرجع الوجوب المشروط بالترك إلى نفس «الحصة المقترنة بالترك»، وفي هذه الحالة، بما أن ترك سائر الأطراف سيكون شرطاً للواجب لا شرطاً للوجوب، فإن كلا التاليين الفاسدين سينتفيان؛ ولكن هذه الصورة ستكون جديدة، وبنوع ما سترجع إلى نفس وجوب الجامع.

نقد صورة «مجموع الوجوبات التعيينية المشروطة بالأخذ»

هذه الصورة، التي تعلق فعلية الوجوب في كل طرف على اختيار المكلف، تعاني من نفس التاليين الفاسدين اللذين وردا على الصورة الثانية: في فرض ترك جميع الأطراف وعدم الالتزام بامتثال أي منها، يلزم أن لا يصل أي من الوجوبات إلى الفاعلية، ولا يثبت أي عصيان وعقاب؛ بينما هذا المعنى يخالف روح التخيير التطبيقي. (الخوئي، 1418هـ، ج45، ص 208؛ شهيدي بور، بي تا، ج3، ص 502). وفي فرض ارتكاب جميع الأطراف أيضاً، يلزم أن تصل وجوبات جميع الأطراف إلى الفاعلية، ويترتب على عدد الامتثال ثوابات متعددة؛ بينما المفروض هو أنه لا يوجد أكثر من غرض لزومي واحد وثواب استحقاقي واحد.

القسم الثاني: تعريف التخيير الفقهي التحريمي

من بين الأحكام الخمسة، الإباحة هي نفس التخيير. الاستحباب والوجوب أيضاً قابلان للجعل على نحو التخيير، مثل وجوب القصر والتمام في المواطن الأربعة، واستحباب إتيان أحد الفعلين الذي نذر أن يقوم بأحدهما، ولكن بسبب خلل مثل عدم وجود صيغة، ليس واجب الوفاء. (النراقي، 1388ش، ج1، ص 128 و 129).

أما بالنسبة لجعل الكراهة والحرمة التخييرية، فهناك خلاف في الرأي بين الأصوليين من أهل السنة: فالبعض مثل القرافي ومشهور المعتزلة يرون الحرام التخييري غير ممكن. وخلاصة استدلالهم، بالإضافة إلى الاستشهاد بالآية الشريفة «وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا» التي تعني النهي التخييري عن الطاعة، أي ترك طاعة كل من الفاسقين والكافرين (الضويحي، 1415هـ، ص 245)، هو إشكال نقض الغرض: إذا كان من المقرر أن تكون الحرمة أيضاً مثل الوجوب التخييري (الذي يتعلق بإيجاد عنوان جامع «أحدهما لا بعينه») تتعلق بترك جامع «أحدهما لا بعينه»، فيلزم أن تُترك جميع الأطراف والأفراد، لأنه بخلاف إيجاد الطبيعة، فإن ترك الطبيعة رهين بترك جميع أفرادها؛ بينما هذا المعنى يتنافى مع غرض وروح الحرمة التخييرية (التي تتضمن التوسعة وجواز إتيان بعض الأطراف). بعبارة أخرى، من ثبوت التخيير في الحرمة يلزم عدم التخيير، ولن يكون هناك أي فرق مع الحرمة التعيينية.

رد القرافي على الاستشهاد بحرمة الزواج بالأختين أو الأم وابنتها (الذي هو بإذعان الآخرين حرام تخييري) بأن متعلق الحرمة هو عنوان المجموع. وهذا يختلف عن الحرمة التخييرية (التي تتعلق بعنوان جامع «أحدهما لا بعينه»). أي أن هذا النوع من الحرمات هو من قبيل الحرمات التعيينية؛ مع الفارق أنه ليس نفس الأفراد مشمولين بالحكم، ولا العنوان المشترك والجامع للأفراد هو متعلق التكليف، بل مجرد الجمع بين الأفراد المنهي عنها. (القرافي، 1431هـ، ج2، ص 5-8).

إشكال ادعاء هؤلاء هو أنهم فهموا الآية المذكورة بشكل خاطئ، وظنوا أن حرف «أو» للتخيير، بينما هو من أدوات التفصيل والتنويع (الضويحي، 1415هـ، ص 249)، كما أنهم فهموا معيار وصياغة الحكم التخييري بشكل خاطئ. توضيح ذلك: روح الحرمة التخييرية هي عدم الرضا بإتيان جميع أطراف التخيير، شبيهة بحرمة المخالفة القطعية التي هي علامة على عدم الرضا بالمخالفة مع جميع أطراف العلم الإجمالي. لذا، فإن الترخيص في الحرام التخييري هو من قبيل الترخيص في تطبيق العمل لا في أصل العمل؛ لأن المكلف ليس مختاراً شرعاً في ترك جميع الأطراف، ولكنه مختار في الامتثال وتفريغ الذمة في أي منها يشاء أن يترك (فلو لم تكن هذه التوسعة وحق الانتخاب، لكان عليه إما أن يترك جميع الأطراف، أو يطبقها على طرف معين فقط).

النتيجة هي أن حقيقة الحرام التخييري تعود إلى عدم الرضا بفعل جميع الأطراف والترخيص في تطبيق الترك، كما أن حقيقة الواجب التخييري هي عدم الرضا بترك جميع الأطراف والترخيص في تطبيق الفعل. بناءً على ذلك، الحرام التخييري هو من قبيل التخيير الواقعي، الفقهي، الشرعي، والتطبيقي، وفي تعريفه يمكن طرح ثلاثة تفاسير:

  1. تعلق الحرمة بالعنوان الانتزاعي «أحدهما المختار». خاصية هذا العنوان هي أنه مع كونه مشتركاً وقابلاً للانطباق على جميع أطراف التخيير، فإنه يكفي للامتثال وصدق تركه، ترك أحد الأطراف، وهو بخلاف تصور المعتزلة، ليس شبيهاً بالنكرة في سياق النفي أو العناوين الماهوية الجامعة ليقال: الطبيعة لا تنعدم إلا بانعدام جميع أفرادها.
  2. مجموعة من الحرمات التعيينية لكل طرف، مشروطة بإتيان سائر الأطراف.
  3. مجموع الحرمات التعيينية بعدد الأطراف، مشروطة بالالتزام وانتخاب المكلف.

من هذه التعريفات الثلاثة، يجب اختيار التعريف الأول؛ لأنه ليس فقط خالياً من المحاذير الثبوتية والإثباتية، بل هو أقرب إلى الارتكازات القانونية. أما الصورتان الأخيرتان، فإنهما تعانيان من نفس التوالي الفاسدة التي كانت في الوجوب التخييري: إذا اعتبرنا شرط فعلية الحرمة هو إتيان سائر الأطراف، يلزم في ظرف ارتكاب جميع الأطراف أن تصل جميع الحرمات المشروطة إلى الفاعلية، وبعددها يثبت العصيان والعقوبات المتعددة؛ مع أنه غير قابل للالتزام. كما أنه في ظرف ترك جميع الأطراف، يلزم أن لا تصبح أي من الحرمات فعلية؛ مع أن المفروض هو أن حرمة أحد الأطراف فعلية قطعاً في حق المكلف. كذلك إذا اعتبرنا شرط فعلية حرمة كل طرف هو أخذ وانتخاب حرمة ذلك الطرف، يلزم أنه في فرض أخذ وانتخاب الجميع (وترك جميع الأطراف) تصبح حرمة جميع الأطراف فعلية. كما أنه في ظرف عدم أخذ أي منها (وارتكاب جميع الأطراف) يلزم أن لا تصل أي من الحرمات المعلقة إلى الفاعلية.

القسم الثالث: تعريف التخيير الأصولي

حول الحكم الوضعي للحجية التخييرية، يمكن دراسة خمس صور: حجية الجامع، حجية الفرد غير المعلوم الكذب، الحجية المشروطة بالكذب، الحجية المشروطة بترك الآخر، والحجية المشروطة بالأخذ.

في تعريف الحجية التخييرية، يجب التفصيل؛ لأن الدليل على ثبوت الحجية التخييرية إما نص خاص وحكم مباشر من الشرع، أو نتيجة لتقييد الإطلاقات الأولية لأدلة حجية الأمارات. لذا يجب تقييم الصور المذكورة وفقاً لكلتا الحالتين، للوصول إلى الصورة الأكثر توافقاً مع لسان ومقتضى أدلة كل منهما، بعد دراسة المحاذير الثبوتية والإثباتية.

النوع الأول: الحجية التخييرية المستفادة من تقييد الإطلاقات الأولية

يبدو أنه لا يمكن تعريف هذا النوع من الحجية التخييرية بأي من الصور المذكورة؛ لأن هناك إشكالاً في جميع الصور. النتيجة الحتمية للإشكال في جميع الصور هي أنه يجب من الأساس إنكار هذا القسم من الحجية التخييرية.

نقد الصور الوحدانية

يعتبر المحقق الخراساني في باب التعارض أن نتيجة قبول تقييد إطلاقات أدلة الحجية هي «حجية الفرد غير المعلوم الكذب». (الخراساني، 1409هـ، ص439 و 440). إشكال هذا الادعاء هو أن جميع الصور التي تعبر عن وجوب واحد وغير مشروط، مثل حجية الفرد غير المعلوم الكذب وحتى حجية الجامع، لها محذور إثباتي، والعرف في مقام الاستظهار لا يحمل الحجية التخييرية المستفادة من تقييد الأدلة على هذا النوع من الصور. لأنه كما في موارد عدم التعارض، تكون نتيجة التحفظ على إطلاقات أدلة حجية كل من الأخبار هي كثرة وتعدد الحجج المطلقة؛ ففي باب التعارض أيضاً، يجب أن تكون نتيجة تقييد إطلاق كل من الحجج المتعارضة هي ثبوت حجج متعددة مشروطة. وفقاً لتوضيحات الشهيد الصدر، من خصائص الحجية المستفادة من تقييد الإطلاقات أن لا تكون حجة جديدة، بل يجب أن تُحسب من أفراد وحصص نفس الحجة العامة التي كانت مفاد الأدلة الأولية للحجية. لأن السبيل الوحيد لاستنباط الحجية التخييرية من الأدلة الأولية هو استخدام قانون «الضرورات تقدر بقدرها». ومقتضى هذا القانون هو رفع اليد عن الإطلاق والالتزام بالتقييد والاشتراط. أي أن نفس العنوان الذي كان في غير فرض التعارض محكوماً بالحجية المطلقة، يكون في فرض التعارض متصفاً بالحجية ولكن من نوع الحجية المشروطة؛ بينما طبقاً لهذا النوع من الصور، في فرض التعارض، من المقرر أن يتصف عنوان جديد غير عنوان هذين الخبرين المتعارضين بالحجية. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص247، 250 و 251 و 254).

نقد «الحجج التعيينية المشروطة بترك سائر الأطراف»

نفس الإشكالين اللذين كانا في هذه الصورة في الوجوب التخييري يردان على هذه الصورة أيضاً: في فرض ارتكاب جميع الأطراف، يلزم أن لا تصل أي منها إلى الفاعلية. وفي فرض ترك جميع الأطراف، يلزم أن تصل حجج جميع الأطراف إلى الفاعلية. لأن شرط الحجية قد تحقق في كل طرف من أطراف التعارض؛ بينما هذا نقض للغرض، لأن الهدف النهائي من جعل الحجية المشروطة هو رفع التعارض؛ مع أنه في بعض حالات المكلف، يؤدي إلى وقوع التعارض واجتماع التنجيز والتعذير. (الخوئي، 1418هـ، ج48، ص441 و 442).

نقد صورة «الحجج التعيينية المشروطة بأخذ المكلف»

هذه الصورة تعاني من نفس التاليين الفاسدين اللذين يحدثان في فرضي أخذ أو عدم أخذ جميع الأطراف. في فرض انتخاب أو ارتكاب جميع الأطراف، يجب أن تصل كلها إلى الفاعلية. وفي ظرف ترك انتخاب أي من الأطراف، يجب أن لا تصل أي من الحجج إلى الفاعلية. لأن شرط الحجية لم يصبح فعلياً في حق أي منها؛ بينما هذا المطلب غير قابل للالتزام، لأن الحجية للاحتجاج على المكلف وتنجيز التكليف عليه، ويجب أن نفسر الحجية التخييرية بحيث تكون من أقسام «التخيير التطبيقي» ولا تدخل في قسم «التخيير في أصل العمل». (الخوئي، 1418هـ، ج48، ص441 و 442).

في كلمات الشهيد الصدر، أُضيف محذوران إثباتيان أيضاً، وبموجبهما، لن يكون استظهار الصورة المذكورة من إطلاق الأدلة الأولية للحجية عرفياً. وفقاً لتوضيحاته، من خصائص الحجية التخييرية المستفادة من تقييد الإطلاقات أن لا تتنافى حجية كل من طرفي التعارض مع فرض الحجية المطلقة للطرف الآخر؛ لأنه في غير هذه الصورة، لا ينحل التعارض، بل يتحول نوع التعارض من تعارض بين إطلاقين إلى تعارض بين إطلاق الحجية في طرف وأصل الحجية في الطرف الآخر. ولا يتنافى مع الحجية التخييرية للطرف الآخر، لأنه إذا بقي التنافي بين حجتين تخييريتين في بعض الصور، يُعلم أن التعارض لم يُحل بشكل كامل. بناءً على ذلك، إشكال تعريف الحجية التخييرية بالحجج المشروطة بالأخذ هو أنها تفتقر إلى هاتين الخاصيتين وليست رافعة للتعارض بشكل مطلق؛ لأنها تتنافى مع فرض إطلاق حجية الطرف الآخر، وتؤدي إلى تعارض جديد، كما أنها قابلة للتعارض مع تقييد حجية الطرف الآخر؛ لأنه في بعض الموارد، يمكن الأخذ العملي بمقتضى كلا طرفي التعارض. على سبيل المثال، في صورة ما إذا كان مفاد خبرين متعارضين هو وجوب صلاة الجمعة وعدم وجوبها أو استحبابها، فإذا صلى صلاة الجمعة، يكون قد عمل بمفاد الخبر الدال على الوجوب وبمقتضى الخبر الدال على الإباحة. إذن في مثل هذه الموارد، يصبح شرط الحجية فعلياً في كلا الطرفين، ويحدث مرة أخرى التعارض واجتماع التنجيز والتعذير بالنسبة للفعل الواحد. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص247 و 248).

يبدو أن هذين الإشكالين الإثباتيين ليسا واردين؛ فجواب المحذور الأول (التنافي مع إطلاق حجية الطرف الآخر) هو أن أصل الخاصية المذكورة (عدم التنافي مع إطلاق حجية الطرف الآخر) غير مقبول؛ لأنه بتقييد حجية أحد طرفي التعارض، لا يبقى فرض لإطلاق حجية الطرف المعارض؛ لأن الذين يستظهرون الحجية التخييرية من تقييد إطلاق أدلة الحجية (التي هي في حد ذاتها وبشكل متساوٍ قابلة للتطبيق على كلا طرفي التعارض) ويفسرونها بالحجج المتعددة المشروطة، لا يلحظون كل طرف من أطراف التعارض بشكل منفرد، بل يلحظون جميع أطراف التعارض، وعندما يرفعون اليد عن إطلاق حجية الطرف الأول، يرفعون اليد في نفس الوقت عن إطلاق حجية الطرف الآخر أيضاً.

جواب المحذور الثاني (التنافي مع الحجية المشروطة بأخذ الطرف الآخر)، كما مر، هو أن المقصود بالأخذ ليس الأخذ العملي حتى في مثل هذه الموارد، يكون عمل المكلف بشكل قهري وغير إرادي منطبقاً على كلا الطرفين، بل المقصود هو الأخذ الاستنادي واختيار حجية أحد الأخبار ليكون عمل المكلف مستنداً إلى ذلك الخبر.

نقد صورة «الحجج المشروطة بكذب الطرف الآخر»

هذه الصورة المشروطة، وكذلك الصورة الوحدانية «حجية الفرد غير المعلوم الكذب» – التي كانت مختار المحقق الخراساني – كما أوضح الشهيد الصدر، لها إشكال ثبوتي؛ لأن تطبيقات الحجية التخييرية لا تخرج عن حالتين: إذا كان التعارض والعلم الإجمالي بالكذب من قبيل مانعة الخلو (حيث إن كذب كلا الطرفين ممتنع مثل صدقهما)، فمع أن الفرد المعلوم الإجمالي واقع معين وقابل للتفكيك عن الفرد الآخر، إلا أن جعل الحجية لذلك الفرد الآخر لغو وغير مؤثر؛ لأن المكلف لا يخرج عن حالتين: إما أن يحرز كذب أحد الطرفين، وبما أنه بشكل قهري، يُحرز صدق الطرف الآخر أيضاً، فإن جعل أصل الحجية لأي من الطرفين لا موضوع له ولا مجرى، وأصلاً يخرج عن موضوع التعارض، أو لا يحرز كذب أي منهما (كما هو مفروض باب التعارض المستقر)، فإن جعل الحجية للواقع الفرد الآخر لا أثر عملي وتنجيزي له، ونظير العلم الإجمالي بالجامع بين الإلزام والترخيص، لن يكون له تأثير في تنجيز أي من طرفي التعارض. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص251).

وفي صورة ما إذا كان التعارض والعلم الإجمالي بالكذب من قبيل مانعة الجمع (حيث إن صدقهما فقط غير ممكن ولكن كذبهما محتمل)، فمع أن الإشكال اللغوي الذي كان في فرض مانعة الخلو لا يرد هنا، ولا يمكن القول إن جعل الحجية المشروطة لغو وفاقد للأثر التنجيزي؛ لأن طرفي التعارض في فرض مانعة الخلو شبيهان بـ«الضدين بلا ثالث» ونفي الحكم الثالث وجداني، لذا فإن التعبد مرة أخرى بنفيه لغو. ولكن في فرض مانعة الجمع، هما نظير «الضدين مع الثالث»، لأن هناك احتمالاً أن يكون كلا طرفي التعارض كاذبين ويكون حكم آخر صادقاً. لذا، في صورة عدم إحراز كذب أي من طرفي مانعة الجمع، فإن الأثر العملي والفقهي لجعل الحجية المشروطة بالكذب هو النفي التعبدي للحكم الثالث، وإن لم تصبح حجية أي من الطرفين فعلية أبداً. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص252 و 253). ولكن إشكال هذا القسم من التعارض هو أنه في فرض الكذب الواقعي لكلا الطرفين، فإن الفرد الذي من المقرر أن يكون حجة ومصداقاً للعلم الإجمالي، ليس له تعين واقعي. وقد مر أن جعل الحجية للفرد المردد مستحيل. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص254).

النوع الثاني: الحجية التخييرية المستفادة من نص خاص

البعض في باب التعارض، يعتبرون مفاد الأخبار العلاجية للتخيير هو جعل الحجية التخييرية (الصدر، 1426هـ، ج7، ص397؛ السبحاني، 1414هـ، ج4، ص495). لذا يجب دراسة على أي الصور يمكن حمل الحجية التي هي مدلول أخبار التخيير.

نقد الصور المشروطة

يجب البحث عن تعريف النوع الثاني من الحجية التخييرية في الصور الوحدانية؛ لأن جميع الصور المشروطة لها محذور إثباتي؛ لأن الظهور العرفي للأخبار العلاجية الدالة على الحجية التخييرية لأحد الخبرين المتعارضين هو جعل حجية حكم جديد للحجية، لا أنه بعدد أطراف التعارض، تُجعل حجج مشروطة. بالإضافة إلى ذلك، فإن صورة «الحجية المشروطة بكذب سائر الأطراف» لها محذور إثباتي مضاعف؛ لأنه من جهة، إحراز شرط الحجية أي كذب سائر الأطراف ليس في اختيار المكلف؛ مع أن ظهور أخبار التخيير هو أن تفعيل حجية كل من الطرفين باختياره. ومن جهة أخرى، إذا كان من المقرر أن يكون كذب سائر الأطراف شرطاً لفعلية الحجية، فإن قيد «أخذ المكلف» سيكون لغواً، لأنه كما ورد في كلام الشهيد الصدر (الصدر، 1426هـ، ج7، ص269 و 270)، فإن أخذ المكلف لا تأثير له في تعيين الحجية الواقعية وإحراز شرط الحجية؛ مع أن ظاهر أخبار التخيير هو أن أخذ المكلف هو شرط الحجية. وتجدر الإشارة إلى أنه في المناقشة على الصور المشروطة، بالإضافة إلى المحذور الإثباتي المذكور، يجب أيضاً مراعاة المحاذير الثبوتية (التي مرت في قسم الحجية التخييرية المستفادة من تقييد الإطلاق). على سبيل المثال، التوالي الفاسدة لـ«الاشتراط بترك سائر الأطراف» هي أنه في فرض ارتكاب جميع الأطراف، يلزم أن لا تصل أي من الحجج إلى الفاعلية، وفي فرض ترك جميع الأطراف، يلزم أن تصل حجية جميع الأطراف إلى الفاعلية. كما أن «الاشتراط بالأخذ» له نفس التوالي الفاسدة (ولكن بشكل متعاكس). وقد أجاب الشهيد الصدر على هذه المحاذير الثبوتية بالالتزام بوجود تلازم عرفي بين الحجية المشروطة بالأخذ والوجوب الطريقي للأخذ بأحدهما؛ لأن العرف في فرض دلالة النص الخاص على الحجية المشروطة بأخذ كل من طرفي التعارض، من باب دلالة الاقتضاء وبسبب دفع المحاذير المذكورة، يستظهر أيضاً الوجوب الطريقي للأخذ بأحد الطرفين. وبتصريح الشهيد الصدر، فإن الحجية التخييرية المستفادة من النص الخاص تتشكل في الواقع من ثلاثة أحكام: حكمان وضعيان للحجية المشروطة، وحكم طريقي لوجوب الأخذ الجامع. والوظيفة الوحيدة لهذا الحكم الثالث هي أنه يوجب عدم جواز ترك المكلف لكلا الطرفين. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص269 و 270).

الإشكال الأساسي في هذا الاستكشاف الإضافي واستظهار الحكم الثالث، بالإضافة إلى إيرادات المرحوم الهاشمي (الهاشمي، 1433هـ، أضواء، ج3، ص451)، هو أن أصل تشكل دلالة الاقتضاء يكون في صورة إثبات بطلان الصور الأخرى، وتبقى الصورة الوحيدة هي الحجية المشروطة بالأخذ، حتى نضطر إلى تصحيحها بإعمال مؤونة زائدة واستظهار وجود الحكم الثالث؛ بينما كما سيأتي، فإن صورة «حجية الجامع الانتزاعي» خالية من المحاذير الثبوتية والإثباتية.

نقد صورة «حجية الفرد غير المعلوم الكذب»

هذه الصورة، بالإضافة إلى المحذور الثبوتي الذي مرت توضيحاته، لها محذور إثباتي أيضاً، لأنه بسبب وجود ظهورين في أخبار التخيير، لا يمكن استظهار هذه الصورة: الظهور الأول لأخبار التخيير (بمقتضى تعابير مثل «موسع عليك بأيهما أخذت» أو «بأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً») هو أن فعلية حجية كل من الخبرين المتعارضين قد فُوضت إلى انتخاب وإرادة المكلف؛ بينما طبقاً لهذه الصورة الأخرى، فإن فعلية حجية الطرفين ليست في اختيار المكلف، لأن تشخيص الحصة التي ليست مصداقاً للمتعلق بالعلم الإجمالي بالكذب ليس في اختياره. الظهور الثاني لأخبار التخيير هو أن أخذ المكلف هو العلة التامة وشرط الحجية الفعلية للطرف الذي أخذه؛ بينما إذا كان من المقرر أن تكون خصوص الحصة غير الكاذبة هي الحجة الفعلية، يلزم أن يكون قيد أخذ المكلف لغواً وفاقداً للفائدة، لأن أخذ المكلف لا دور له في تشخيص الحجية الواقعية، ولا يمكن الإذعان بأن الطرف المأخوذ هو نفس الحصة غير الكاذبة.

تأييد صورة حجية عنوان جامع «أحدهما»

لا شك أن هذه الصورة خالية من المحذور الإثباتي؛ ولكن هل لها محذور ثبوتي؟ يدعي الشهيد الصدر أن جعل الحجية للجامع بين الأخبار المتعارضة فيه إشكال اللغوية أو نقض الغرض؛ لأنه إذا كان طرفا التعارض مرددين بين حكمين إلزاميين غير قابلين للجمع، مثل تعارض خبرين دالين على وجوب صلاة الجمعة وصلاة الظهر، فإن أثر جعل الحجية للجامع، مثل العلم الإجمالي بالتكليف، سيكون وجوب الاحتياط؛ بينما الهدف من جعل الحجية للجامع هو نفي وجوب الاحتياط وتنجيز أحد الطرفين فقط. وإذا كانا مرددين بين الإلزام والترخيص، وكان التعارض والعلم الإجمالي بالكذب من قبيل مانعة الخلو (حيث إن كذب كلا الطرفين ممتنع مثل صدقهما)، فإن جعل الحجية للجامع لهذين الطرفين لغو ولا يوجد له أي أثر عملي وتنجيزي للمكلف، ومثل نفس العلم الإجمالي بالجامع بين الإلزام والترخيص، لن يكون له تأثير في تنجيز أي من الطرفين. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص394 و 395).

كلا قسمي إشكال سماحته قابل للدفع: جواب القسم الثاني (إشكال اللغوية في التعارض بين دليلين إلزامي وترخيصي) واضح، لأن كل أثر يوجد لحجية الخبر الدال على الترخيص، مثل جواز الإخبار والاستناد، يمكن تصور نظير ذلك الأثر لحجية الجامع بين الإلزام والترخيص أيضاً.

أما القسم الأول من الإشكال (إشكال نقض الغرض في التعارض بين دليلين إلزاميين)، فقد قُدم له جوابان: الجواب الأول هو أن قياس حجية الجامع في الحجية التخييرية على حجية الجامع في العلم الإجمالي هو قياس مع الفارق؛ لأن روح الحجية التخييرية أو نفس الغرض الواقعي للمولى ليس أن تكون الحجية التخييرية بديلاً عن العلم الإجمالي، ولا يريد أن يوجد موضوعاً لقاعدة الاشتغال بتنجيز الواقع أو الجامع، بل الهدف من جعل الحجية التخييرية هو التنجيز في حد حرمة المخالفة القطعية فقط. أي أن روح الحجية التخييرية هي مجرد إظهار الاهتمام وعدم الرضا بترك جميع أطراف التعارض. ومن الواضح جداً أن هذا النوع من حجية الجامع في موارد التعارض بين إلزامين لا يقتضي وجوب الاحتياط. (الهاشمي، 1433هـ، أضواء، ج3، ص 450 و 454 و 455).

الجواب الثاني، الذي ورد في تقريرات بعض المحققين المعاصرين (شهيدي بور، 1379ش، جلسة 1707؛ گنجي، 1395ش، جلسة 95/12/16)، هو أن المقصود بالجامع ليس العنوان الانتزاعي «أحدهما لا بعينه»، بل المقصود هو عنوان «أحدهما المختار» أو نفس الحصة المختارة. ومن الواضح أنه في موارد التعارض بين إلزامين، فإن حجية الفرد المختار لا تقتضي وجوب الاحتياط.

القسم الرابع: تعريف التخيير الفقهي الترخيصي

في تحليل التخيير التطبيقي والفقهي الترخيصي (الذي يعتبر التخيير في التزاحم من تطبيقاته)، يمكن دراسة ست صور: تعلق الترخيص بترك جامع «أحدهما»، تعلق الترخيص بترك الحصة المختارة (أي أي طرف يشاء المكلف نفسه تركه)، تعلق الترخيص بترك الحصة المقرونة بإتيان الطرف الآخر، تعلق الترخيص بترك المجموع، الترخيص بترك كل طرف مشروط باختيار الترك، والترخيص بترك كل طرف مشروط بإتيان الطرف الآخر.

تظهر ثمرة الصور المذكورة في فرض ترك جميع الأطراف (الصدر، 1426هـ، 414 و 415؛ الهاشمي، 1433هـ، درسنامه، ج7، ص179 و 180؛ الصدر، 1430هـ، القسم الأول، ج3، ص 289 و 290): فطبقاً للصورة الثالثة والسادسة (المقرونة أو المشروطة بإتيان الطرف الآخر)، يجب الالتزام بتعدد العقاب، لأنه بترك الجميع، يكون ترك الحصة المقرونة بإتيان الطرف الآخر غير صادق، وشرط فعلية الترخيص (وهو إتيان الطرف الآخر) لم يتحقق في أي من الأطراف التي تركها المكلف. أما طبقاً للصور الأخرى، فإن الشخص العاصي لا يستحق أكثر من عقاب واحد، لأنه بترك جميع الأطراف، يصدق ترك الجامع البدلي وترك المجموع أو اختيار الترك. لذا، فإن أحد التركين اللذين قام بهما الشخص العاصي هو متعلق الترخيص.

بناءً على ذلك، في تطبيقات التخيير الترخيصي، يجب دراسة من الناحية الفقهية أنه في أي مكان يثبت فيه تعدد العقاب (مثل التزاحم الامتثالي)، يجب قبول الصورة الثالثة أو السادسة. وفي أي مكان لا يكون فيه تعدد العقاب قابلاً للالتزام، مثل الواجب التخييري الذي يعرفه المحقق الأصفهاني، يجب البحث عن الصورة الثبوتية في الصور الأخرى.

تطبيقات

نوع التخيير في أربعة موارد واضح ولا خلاف فيه: 1- الإباحة الواقعية، هي من قبيل التخيير الشرعي الواقعي الفقهي الاستمراري وفي أصل العمل. 2- البراءة في الشبهات البدوية والترخيص المشروط في أطراف العلم الإجمالي، هي من قبيل التخيير الظاهري الفقهي العقلي أو الشرعي؛ مع الفارق أن أحدهما في أصل العمل واستمراري، ويثبت بمقتضى الأدلة الخاصة العقلية أو النقلية للبراءة، والآخر في تطبيق العمل وبدوي، ويثبت بمقتضى إطلاق أدلة حجية البراءة. 3- التخيير الموجود في باب التزاحم، هو من نوع التخيير التطبيقي، العقلي، الواقعي، الفقهي، الاستمراري، والترخيصي، بسبب أن الشارع المقدس قد جعل وجوبات تعيينية متعددة ومطلقة، لكل منها عصيان وامتثال مستقل؛ ولكن بسبب عجز المكلف عن امتثال الجميع وعجزه عن تحصيل جميع أغراض المولى، يحكم العقل بالترخيص في ترك المجموع.

ما هو محل النزاع هو ثلاثة موارد فقط، ونكتفي هنا بتقرير موجز عن هذه الاختلافات:

المورد الأول: التخيير في الواجب التخييري

في تحليل الواجب التخييري، هذا القدر متفق عليه وهو أن التخيير الموجود في الواجبات التخييرية هو من قبيل التخيير التطبيقي الواقعي الفقهي والاستمراري؛ ولكن الاختلاف في جهتين: النزاع الأول: هل التخيير عقلي أم شرعي؟ هذا النزاع يعتمد على كيفية صياغة وجوب التخيير. إذا اعتبرنا متعلق الوجوب التخييري عنواناً جامعاً، فكما صرح المحقق الخراساني، يجب أن نعتبر التخيير عقلياً أيضاً (الخراساني، 1409هـ، ص140 و 140)؛ ولكن كما ورد في توضيحات المرحوم الحكيم، بما أن قيد التخيير قد أُخذ في لسان الخطاب الشرعي، فإنه يسمى اصطلاحاً تخييراً شرعياً وإن كان في الواقع تخييراً عقلياً. (الحكيم، 1408هـ، ج1، ص332).

النزاع الثاني: هل التخيير إيجابي أم ترخيصي؟ المشهور يقولون إن التخيير فقهي إيجابي. في المقابل، يعتبر المحقق الأصفهاني التخيير الموجود في الواجب التخييري تماماً مثل التخيير في التزاحم الامتثالي، من قبيل التخيير الفقهي الترخيصي (الأصفهاني، 1429هـ، ج2، ص269 و 271)؛ مع الفارق أن التخيير في التزاحم يكون بحكم العقل وبسبب عجز المكلف، ولكن التخيير في الواجب التخييري يكون بحكم الشرع وبسبب مصلحة التسهيل؛ توضيح ذلك: في الواجبات التخييرية، تُجعل عدة أحكام من قبل الشارع المقدس: من جهة، تُجعل وجوبات تعيينية بعدد الأطراف (وذلك على نحو مطلق لا مشروط (الهاشمي، 1433، درسنامه، ج7، ص175)) بسبب أن جميع أطراف الواجب التخييري لها ملاك وغرض لزومي مستقل. ومن جهة أخرى، بسبب مصلحة التسهيل (التي تقتضي فقط الترخيص في ترك المجموع لا الترخيص في أصل العمل)، يجعل الشارع المقدس ترخيصاً بالنسبة لترك مجموع الأطراف، ويرفع يده عن لزوم امتثال سائر الوجوبات ما عدا وجوب واحد.

المورد الثاني: التخيير في باب الدوران بين المحذورين

المقصود بالدوران بين المحذورين هو الشك الذي له خاصيتان: أولاً، أن يكون من قبيل الشك في المكلف به، وأصل ثبوت التكليف الإلزامي محرز بشكل علم إجمالي. ثانياً، أن لا تكون المخالفة والموافقة القطعية مع العلم الإجمالي ممكنة؛ سواء كانت المخالفة القطعية أيضاً غير ممكنة، مثلما إذا كان طرفا الشك توصليين ولا يوجد تعدد وتكرار للواقعة، أو كانت ممكنة.

من وجهة نظر جمهور الأصوليين، هذا القدر قطعي وهو أن التخيير الموجود في جميع الفروض الثلاثة للدوران بين المحذورين (أي امتناع المخالفة القطعية، إمكان المخالفة القطعية الدفعية، وإمكان المخالفة القطعية التدريجية) هو تخيير ظاهري وفقهي. ولكن لتحديد خصائص أخرى للتخيير المذكور، يجب التفريق بين صورتين:

في الموارد التي تكون فيها المخالفة القطعية الدفعية أو التدريجية ممكنة، مثل فرض كون أحد طرفي الشك تعبدياً على الأقل، أو فرض تعدد الواقعة، فإن الجميع يعتبرون التخيير الظاهري من قبيل التخيير العقلي التطبيقي الذي يكون للمكلف فيه ترخيص في تطبيق العمل فقط لا في أصل العمل؛ ولكن في صورة إمكان المخالفة القطعية التدريجية (مثل فرض تعدد وتكرار الواقعة)، يختلفون في أن هذا التخيير الظاهري التطبيقي هل هو بدوي أم استمراري؟

أما في الموارد التي لا تكون فيها المخالفة القطعية ممكنة (مثل فرض وحدة الواقعة حيث يكون طرفا الشك توصليين)، فيوجد اختلاف في الرأي: 1- جريان البراءة العقلية والشرعية (تخيير عقلي وشرعي في أصل العمل). (الخوئي، 1418هـ، ج47، ص382). 2- جريان أصالة التخيير والبراءة الشرعية (تخيير عقلي تطبيقي وتخيير شرعي في أصل العمل). (الخراساني، 1409هـ، ص355). 3- جريان أصالة التخيير وإنكار جريان البراءة العقلية والشرعية (تخيير عقلي تطبيقي). (النائيني، 1376ش، ج3، ص444 و 445؛ الإيرواني، 1422هـ، ج2، ص315).

المورد الثالث: التخيير في باب التعارض

الذين يقولون بالتخيير في باب التعارض، لا يختلفون في هذا القدر وهو أن المقصود بالتخيير هو تخيير ظاهري وتطبيقي. أما كونه عقلياً أو شرعياً، فقهياً أو أصولياً، (البهبهاني، 1416هـ، ص382)، وبدوياً أو استمرارياً (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص43 و 44؛ الخميني، 1375ش، ص 151)، فيعتمد على الدليل على الحكم بالتخيير، فإذا كان بحكم العقل أو بمقتضى تقييد الإطلاقات الأولية لأدلة الحجية، فسيكون عقلياً وأصولياً، ولكن إذا كان مستفاداً من الأخبار العلاجية، فسيكون شرعياً قطعاً. ولكن هل مفاد أخبار التخيير ناظر إلى تخيير فقهي أم أصولي؟ هذا محل بحث ويحتاج إلى تحليل مفاد ولسان روايات باب التعارض، وهو ما يجب متابعته في باب التعارض.

ثمرات التخيير الفقهي والأصولي

من بين أقسام التخيير، يمكن ذكر ثمرات متعددة فقط للتخيير الفقهي والأصولي (أي بين الوجوب والترخيص التخييري، وبين الحجية التخييرية). لا تترتب ثمرة على التخيير العقلي والشرعي. بالنسبة للتخيير في أصل العمل أو في تطبيق العمل، توجد ثمرة فقهية واحدة فقط: في أصل العمل، يجوز للمكلف أن يترك جميع أطراف التخيير، ولكن في التطبيقي، هو ملزم باختيار طرف واحد. وبالنسبة للتخيير الواقعي والظاهري أيضاً، يبدو أن نفس الثمرة العامة للأحكام الظاهرية تترتب، وهو ما يجب متابعته في محله: فيما يتعلق بالتخييرات الظاهرية (التي تُعد اصطلاحاً من الأحكام الظاهرية والمسائل الأصولية)، يُطرح بحث عام وهو هل المسائل الأصولية مثل البراءة، الاستصحاب، وحجية خبر الواحد خاصة بالمجتهد أم مشتركة بين المجتهد والمقلد؟ يبدو أن المشهور بين الأصوليين يرونها مشتركة بين المجتهد والمقلد؛ مع الفارق أنها في حق المقلدين، بسبب عجزهم عن تحصيل شروط العمل بهذه الأنواع من الأحكام، لا تكون منجزة.

على أي حال، في كلمات الأصوليين، ذُكرت ست ثمرات إجمالاً للتخيير الفقهي والحجية التخييرية (التخيير الأصولي):

  1. جواز الفتوى؛
  2. نفي الثالث المشترك؛
  3. بقاء الاستمرار؛
  4. فرض الشك في راجحية أحد المتعارضين؛
  5. فرض تعذر العمل بأحد المتعارضين؛
  6. إمارية الخبر المأخوذ.

الثمرة الأولى: جواز الفتوى بنفس التخيير

في التخيير الفقهي، لا شك أنه يجب على المجتهد أن يفتي بنفس التخيير في العمل بأحد الطرفين. وبالتالي، يمكن للمقلد أن يختار خلاف ما يختاره المجتهد في مقام العمل. أما في التخيير الأصولي (حيث يختار المجتهد على سبيل المثال أحد الخبرين كحجة فعلية)، فهل يجب أن يفتي بنفس التخيير (الحجية التخييرية)، أم بمفاد الخبر المختار؟ هناك آراء مختلفة بهذا الشكل:

  1. يمكنه فقط أن يفتي بالتخيير (الصدر، 1426هـ، ج7، ص396). طبقاً لهذا الرأي، تنتفي الثمرة الأولى.
  2. يجوز فقط أن يفتي بمضمون الخبر المختار. (النائيني، 1376ش، ج4، ص767).
  3. يجوز أن يفتي بكلا النحوين.
  4. يجب أن يتوقف في مقام الإفتاء، ولا يجوز له أن يفتي بأي منهما.

حل النزاع المذكور رهين بدراسة إشكالين موجودين في بحث الأحكام الظاهرية وفي باب التقليد: إشكال القول الأول هو التصويب في الأحكام الأصولية. يدعي المحقق النائيني أنه في موضوع الأحكام والوظائف الأصولية مثل حجية خبر الثقة، قد أُخذ عنوان الاجتهاد، كما أنه في موضوع الأحكام التكليفية، قد أُخذ قيد البلوغ. لذا، في باب التعارض، فإن الحكم التخييري الأصولي يختص بالمجتهد، ولا يثبت في حق المقلدين. (الصدر، 1426هـ، ج4، ص9).

إشكال القول الثاني هو انصراف دليل حجية الفتوى. يدعي الشهيد الصدر أن أدلة حجية الفتوى (التي هي بملاك رجوع الجاهل إلى العالم) منصرفة إلى الفتاوى التي يفتي بها المجتهد من منطلق الخبرة، (أي الخبرة والتخصص الذي يفتقده المقلد)، لا بناءً على ذوق ورغبة شخصية يمتلكها المقلدون أيضاً. ومن جهة أخرى، هذه الفتوى بمضمون الخبر المختار ليست مبنية على خبرة وتخصص المجتهد، بل هي ناشئة عن إعمال ذوقه وميله النفسي. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص397).

بناءً على ذلك، إذا تمكنا في هذين البحثين (الحجية والتقليد) (اللذين يجب متابعتهما في محلهما) من الإجابة على كلا الإشكالين، يجب قبول القول الثالث. وإذا لم نتمكن من التخلص من كلا الإشكالين، يجب اختيار القول الرابع. وإذا تمكنا من الإجابة على أحد الإشكالين فقط، يجب تصديق نفس القول الذي دُفع إشكاله.

الثمرة الثانية: نفي الثالث المشترك

في باب التعارض، أحياناً يكون خبران متعارضان، على الرغم من التنافي في المدلول المطابقي، لا يتنافيان من حيث المدلول الالتزامي، ويشتركان في نفي حكم يخالف مفاد كلا الخبرين. على سبيل المثال، خبران يدلان على وجوب واستحباب صلاة الجمعة، يشتركان في الدلالة على عدم جعل حكم الحرمة، الكراهة، والإباحة.

من المباحث التي تُطرح في قسم مقتضى القاعدة الأولية في باب التعارض، مسألة نفي الثالث المشترك، وهي هل يسقط الخبران المتعارضان من الحجية فقط من حيث إثبات وتنجيز المدلول المطابقي، أم أنهما يسقطان من الاعتبار حتى من حيث نفي المدلول الالتزامي المشترك (أي من حيث الدلالة على عدم ثبوت حكم يخالف مفاد كليهما)؟

من الواضح جداً أن هذا البحث والسؤال قابل للطرح طبقاً لمبنيي التساقط والتخيير الفقهي، لأنه طبقاً لهذين المبنيين، يسقط المدلول المطابقي والمختص بكلا الخبرين من الاعتبار؛ مع الفارق أنه في التساقط، يجب على المكلف أن يعمل بدليل معتبر آخر (قد يخالف مفاد كلا الخبرين)، ولكن في التخيير الفقهي، مع الإذعان بعدم حجية كلا الخبرين، يجب أن يعمل بمفاد أحد الخبرين كوظيفة عملية خاصة. لذا يطرح هذا السؤال أنه مع رفع اليد عن حجية كلا الخبرين بالنسبة للمدلولين المطابقيين والمختصين، هل يجب أيضاً رفع اليد عن حجية كلا الخبرين بالنسبة للمدلولين الالتزاميين المشتركين؟

أما بناءً على قبول التخيير الأصولي (حجية كلا المتعارضين التخييرية)، وطبقاً لمبنى المحقق الخراساني (الذي ترجع صورة الحجية التخييرية إلى حجية أحد المتعارضين)، فمن الواضح جداً أن نفي الثالث يثبت، وتبقى حجية المدلول الالتزامي المشترك محفوظة.

الثمرة الثالثة: بقاء الاستمرار

في كيفية ترتب الثمرة الثالثة، يوجد تقريبان:

التقريب الأول: تقريب المحقق النائيني

وفقاً لتقرير المرحوم الكاظميني والمرحوم الحلي، يدعي المحقق النائيني أن نفس التخيير الفقهي ملازم للاستمرارية، ونفس التخيير الأصولي مستلزم للبدويّة. (النائيني، 1376ش، ج4، ص768؛ الحلي، 1432هـ، ج12، ص198).

صاحب العروة والمحقق العراقي يوافقان المرحوم النائيني في هذا القدر وهو أن التخيير الفقهي ملازم للاستمرارية؛ ولكنهم يعتبرون استمرارية أو بدويّة التخيير الأصولي محل تردد ونزاع، وإن كانوا في النهاية يقبلون استمرارية التخيير الأصولي، وينكرون الثمرة الثانية عملياً. (اليزدي، 1426هـ، ص293؛ العراقي، 1417هـ، ج4، ص212).

ولكن كما يُستفاد من ظاهر إطلاق كلمات المرحوم الشيخ وغيره (الأنصاري، 1428هـ، ج4، ص43 و 44)، فإن نفس كون التخيير أصولياً أو فقهياً لا تأثير له في إثبات أو نفي الاستمرار؛ لأنه عقلاً يوجد هذا الإمكان وهو أن الحاكم (العقل أو الشارع المقدس) في باب التعارض، يحكم بالتخيير الفقهي على نحو بدوي وابتدائي، أو يحكم بالتخيير الأصولي على نحو استمراري. وأساساً، لم يقم المحقق النائيني ولا حتى المحقق العراقي دليلاً غير توضيح مدعاهما.

التقريب الثاني: تقريب الشهيد الصدر

يقبل الشهيد الصدر الثمرة الثالثة من حيث جريان استصحاب بقاء التخيير، ويعتقد أنه طبقاً للقول بالتخيير الفقهي، لا شك أنه يمكن التمسك باستصحاب بقاء التخيير الفقهي لإثبات الاستمرار، ولكن بناءً على قبول التخيير الأصولي، فإن استصحاب بقاء الحجية التخييرية غير قابل للإجراء؛ بهذا الاستدلال وهو أن المقصود من استصحاب بقاء الحجية التخييرية، إذا كان استصحاب التنجيزي للحجية الفعلية للطرف الذي لم يكن مختاراً للمكلف سابقاً، فمن الواضح جداً أن أركان الاستصحاب غير تامة (الخوئي، 1418هـ، ج48، ص512)، لأن الطرف المختار فقط هو الذي له حالة سابقة من الحجية الفعلية، ولكن هذا الطرف الثاني ليس فقط لم يكن مسبوقاً بحجية فعلية؛ بل أساساً كان مسبوقاً بالعدم. وإذا كان المقصود هو الاستصحاب التعليقي لبقاء الحجية المعلقة للطرف غير المختار، فمع أن الأركان تامة، لأن الطرف الثاني في الزمن السابق كان يصبح حجة فعلية بالأخذ والانتخاب، لذا في الزمن الحاضر وبعد الأخذ بالطرف الأول، إذا حصل شك في هل لا تزال الحجية المعلقة على الأخذ به باقية؟ يمكن إبقاء نفس الحالة السابقة المعلقة؛ ولكن بسبب التعارض مع الاستصحاب التنجيزي للحجية الفعلية للطرف الأول، فإنه غير قابل للإجراء. (الصدر، 1426هـ، ج7، ص399؛ الصدر، 1430هـ، ج5، ص742 و 743).

يبدو أن جريان استصحاب بقاء التخيير قابل للبحث طبقاً لكلا نوعي التخيير: بناءً على التخيير الفقهي، صحة الاستصحاب ليست مُسلّمة، لأن جريان الاستصحاب يواجه إشكال لزوم المخالفة القطعية مع العلم الإجمالي التدريجي. (الهاشمي، 1433هـ، أضواء، ج3، ص491؛ الصدر، 1430هـ، القسم الثاني، پاورقي، ج5، ص743). وطبقاً للتخيير الأصولي أيضاً، بطلان الاستصحاب ليس مُسلّماً، لأنه بالإضافة إلى أن أصل مبنى تعارض الاستصحاب التعليقي مع التنجيزي محل خلاف، فإن كون الاستصحاب تعليقياً يكون في صورة ما إذا فسرنا الحجية التخييرية بالحجية المشروطة والمعلقة؛ بينما بإرجاع الحجية التخييرية إلى حجية الجامع، فإن استصحاب بقاء حجية الجامع سيكون استصحاباً تنجيزياً. (الهاشمي، 1433هـ، أضواء، ج3، ص489 و 490).

الثمرة الرابعة: فرض الشك في رجحان أحد المتعارضين

في باب التعارض، المشهور من القائلين بالتخيير، يشترطون إجراء التخيير بفقدان المرجح (الحلي، 1423هـ، ج12، ص168)، بحيث إذا اشتمل أحد الخبرين على مرجح من المرجحات المنصوصة، يتعين العمل بنفس الخبر الراجح. وإن كان بعض أصحاب التخيير مثل المحقق الخراساني لا يقبلون هذا الشرط، ويحملون روايات الترجيح على الاستحباب. (الخراساني، 1409هـ، ص445).

طبقاً لمسلك اشتراط التخيير بعدم الترجيح، في فرض الشك في رجحان أحد الخبرين، هل يجب الفحص والجهد لتحصيل وتشخيص الخبر الراجح؟ المرحوم الحلي، ببيان هذه النكتة وهي أن فرض الشك في رجحان أحد الخبرين هو من قبيل الشك في التعيين والتخيير (لأنه مع فرض الرجحان الواقعي، يتعين الأخذ أو العمل بنفس الخبر الراجح، ومع فرض التساوي، يكون المكلف مخيراً بالنسبة للأخذ أو العمل بأحد الخبرين)، يكتب في توضيح الثمرة الرابعة:

إذا كان أحدهما المعين من خبرين متعارضين محتمل الرجحان، فبمقتضى جريان قاعدة الاشتغال في الدوران بين التعيين والتخيير، يتعين الأخذ أو العمل بالخبر محتمل الرجحان. ولكن في صورة ما إذا كان أحدهما غير المعين محتمل الرجحان، يجب التفصيل بين التخيير الأصولي (الحجية التخييرية) والتخيير الفقهي (الوجوب التخييري): فطبقاً للتخيير الأصولي، يصبح الفحص عن تشخيص الخبر الراجح واجباً احتياطاً، لأنه في الشك في تعيين وتخيير الحجية، تجري قاعدة الاشتغال، وإن كان محتمل الرجحان غير متعين. أما بناءً على قبول التخيير الفقهي، فالفحص لإحراز الخبر الراجح ليس واجباً، لأنه في موارد الشك في تعيين وتخيير في جعل أو امتثال الحكم الفقهي، تجري قاعدة الاشتغال في صورة ما إذا كان محتمل الأهمية أو محتمل الرجحان هو أحدهما المتعين، ولكن في الفرض الذي يكون فيه محتمل الرجحان غير متعين، تجري البراءة. (الحلي، 1432هـ، ج12، ص169).

ما ادعاه المرحوم الحلي، بالإضافة إلى أنه لم يقم دليلاً عليه، فهو أساساً لا يتوافق مع فرض الدوران بين التعيين والتخيير. كما صرح الأصوليون (الخراساني، 1409هـ، ص359؛ الحكيم، 1408هـ، ج2، ص280)، فإن المقصود من محتمل الأهمية أو محتمل الرجحان (الذي يُطرح في بحث الدوران بين التعيين والتخيير، وطبقاً لفتوى المشهور يقع في مجرى قاعدة الاشتغال) هو الموارد التي يكون فيها لأحدهما المعين مثل هذا الاحتمال والمزية؛ لأنه إذا كان أحدهما غير المعين محتمل الرجحان، فإن الشك الموجود أصلاً لن يكون من قبيل الشك في التعيين والتخيير.

الثمرة الخامسة: فرض التعذر من امتثال أحد المتعارضين

في فرض التعذر الخارجي للمكلف عن امتثال أحد المتعارضين، يقول صاحب العروة: طبقاً للقول بالتخيير الفقهي، يجب عليه متعيناً أن يختار ذلك الخبر الذي ليس عاجزاً عن امتثال حكمه، ويعمل بمفاده. ولكن في التخيير الأصولي، يبقى حق الاختيار محفوظاً، ويمكنه أن يختار نفس الخبر الذي امتثال مفاده غير مقدور وغير قابل للتنجيز، كحجة، وبعد ذلك بسبب عدم القدرة، يُعفى من العمل به، كما أنه كان معفياً من العمل بالخبر الآخر (بسبب عدم الأخذ به). (اليزدي، 1426هـ، ص308).

ولكن يبدو أن هذه الثمرة قابلة للتصديق فقط في الموارد التي يكون فيها التخيير واقعياً، نظير الواجب التخييري، حيث في فرض التعذر من أحد العدلين، يتعين امتثال العدل الآخر. أما في الموارد التي يكون فيها التخيير ظاهرياً، حتى مع قبول التخيير الفقهي، لا يوجد وجه لسلب التخيير وحق الانتخاب.

الثمرة السادسة: اجتهادي أو فقاهتي بودن طرف مأخوذ

في الموارد التي يكون فيها التخيير حكماً ظاهرياً مثل باب التعارض، فإن مقتضى قبول التخيير الأصولي (الذي يجعل فيه العقل أو الشارع المقدس حجية للخبر الذي يختاره المكلف) هو أن ذلك الخبر المختار (الذي بنى المكلف على العمل بمفاده) يُحسب أمارة معتبرة، ويكون مدلوله ومفاده حكماً واقعياً اجتهادياً. بخلاف القول بالتخيير الفقهي، الذي يشبه الأصول العملية، والمكلف مكلف صرفاً بالعمل بمدلول أحد الخبرين كوظيفة ظاهرية وبدون جعل طريقية وتنفيذ حجية لأحد الخبرين.

من الذين صرحوا بهذه الثمرة، يمكن ذكر السيد المجاهد، الميرزا الرشتي، وصاحب العروة. لهذه الثمرة (أي اعتبار الخبر المأخوذ أمارة)، ذُكرت ثلاثة آثار:

1. حجية المثبتات

طبقاً للتخيير الأصولي، تُثبت لوازم نفس الخبر الذي يختاره المكلف العقلية، كما تترتب الآثار العقلية للمخبر به ومفاد الخبر المختار. بخلاف القول بالتخيير الفقهي، حيث لا لوازم نفس الخبر قابلة للإثبات، سواء لأنها ليست حجة وأمارة معتبرة، ولا لوازم المخبر به ومفاد الخبر، سواء لأن مفاده لا يُحسب حكماً واقعياً اجتهادياً. (الطباطبائي، 1296ش، ص686؛ الرشتي، بي تا، ص427؛ اليزدي، 1426هـ، ص305 و 306).

2. مسألة الإجزاء

في بحث الإجزاء عند كشف الخلاف، توجد عدة مبانٍ. أحد المباني هو القول بالتفصيل بين الأمارة والأصل العملي. الدليل الذي عمل به المكلف، وفي الزمن الحاضر كُشف الخلاف، إذا كان من قبيل الأمارات المعتبرة، فعمل المكلف مجزٍ، والإعادة والقضاء ليسا واجبين. ولكن في صورة ما إذا كان الدليل المذكور من الأصول العملية، فإن الإجزاء لا يثبت. طبقاً لهذا المسلك، تظهر الثمرة بين التخيير الأصولي والفقهي؛ بهذا الشكل وهو أنه بناءً على قبول التخيير الأصولي (الذي يبين حجية وأمارية أحد المتعارضين)، يثبت الإجزاء، ولكن طبقاً للتخيير الفقهي (الذي هو مجرد مبين للوظيفة العملية والظاهرية للمكلف)، يجب القول بعدم الإجزاء. (اليزدي، 1426هـ، ص308).

3. الرجوع إلى العام الفوقاني

من الثمرات التي نقلها صاحب العروة هي أنه في موارد التخيير الظاهري، في فرض وجود عام فوقاني، طبقاً للقول بالتخيير الفقهي (الذي هو مبين للوظيفة الظاهرية في فرض فقدان الدليل الاجتهادي)، يجب الرجوع إلى العام الفوقاني، ولكن مقتضى التخيير الأصولي هو أن أحد الخبرين (الذي من المقرر أن يُلتزم به) سيكون مخصصاً للعام الفوقاني. الإشكال الأساسي في هذه الثمرة هو أن المقصود بالتخيير الفقهي في باب التعارض هو تخيير تطبيقي، وليس مثل البراءة من قبيل التخيير في أصل العمل. لذا، فهو ملزم تكليفاً بالعمل بأحد طرفي التخيير. بالإضافة إلى أن صاحب العروة نفسه، بالتمسك بإطلاق أخبار التخيير في باب التعارض، يرد هذه الثمرة، لأن مقتضى إطلاق الروايات هو أنه في فرض وجود التعارض، حتى مع وجود العام الفوقاني، يثبت التخيير مرة أخرى. (اليزدي، 1426هـ، ص312).

النتيجة

نتيجة البحث في هذا المقال هي كما يلي: 1- التخيير في الإباحة الواقعية ليس عدماً مضافاً، بل هو أمر وجودي ومجعول شرعي أُنشئ واعتُبر بلسان الحلية والرخصة. 2- التخيير في البراءة الظاهرية ينقسم إلى قسمين عقلي وشرعي، يمكن تعريفه بحكم العقل بعدم تنجيز الشك البدوي، والإنشاء الشرعي لرفع الحكم. 3- في الواجب والحرام التخييري، بعد نقد التفاسير الأخرى، فإن التفسير المعقول والمعهود الوحيد هو «تعلق الوجوب والنهي بالجامع الانتزاعي». 4- في التخيير الأصولي أو نفس الحجية التخييرية، يجب التفصيل: قسم منه أُعلن بطلانه بسبب المحاذير الثبوتية أو الإثباتية. وقسم آخر، أي الحجية التخييرية المستفادة من أدلة خاصة، بسبب وجود محاذير إثباتية في سائر التعاريف، عُرّف بحجية الجامع. 5- حول التخيير الفقهي الترخيصي، اتضح أن معرفة الصورة الواقعية مبنية على الاستظهارات الفقهية، وهي هل في فرض ترك جميع أطراف التخيير، يثبت تعدد العصيان أيضاً أم لا؟

الهوامش

1. أستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم.

2. على سبيل المثال، في حالة العلم الإجمالي بتنجس الماء أو الثوب، اعتبر المرحوم الخوئي قاعدة الطهارة وأصل البراءة أصلاً مشتركاً في أطراف العلم الإجمالي، ولكنه عدّ قاعدة الحلّ أصلاً مختصاً يجري فقط في طرف الماء المشكوك. (الموسوعة، ج47، ص416 و417).

Scroll to Top