دراسة مسار تطور مكانة العقل في الاستنباط من الشيخ المفيد إلى الشهيد الأول

ملخص

يشتهر في مصنفات الأصوليين المتأخرين أن أدلة الفقه لدى الإمامية أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. ورغم هذه الشهرة الواسعة، فإن الدليل الرابع من منظور تاريخي ومضموني يكتنفه الغموض، وعند دراسة النظام الفقهي لكل فقيه، يجب النظر في تعريفه لدليل العقل. إن بعض المصاديق التاريخية لدليل العقل هي أصول عملية كالبراءة والاستصحاب (الغزالي، ١٤٢٠: ١/ ٢١٧ و ٢٢١)، وبعضها الآخر هو من طرق فهم الخطاب كدليل الخطاب (المحقق الحلي، ١٣١٨: ١/ ٣١). في هذه المقالة، تمت دراسة آراء فقهاء أهل البيت البارزين من الشيخ المفيد إلى الشهيد الأول، ومن خلال رصد التطورات في مكانة العقل في الاستنباط، تمت الإشارة إلى إبداعات كل فقيه.

مقدمة

من المباحث الشائكة التي شغلت أذهان الفقهاء منذ بداية تشكل الفقه الجعفري، دور العقل في مجال الفقه واستنباط الأحكام. إن طرح مبحث القياس كأحد تجليات تدخل العقل الظني في الاستنباط في فقه أهل السنة، خاصة مذهب أبي حنيفة، والموقف الحاسم للإمام الصادق (ع) تجاهه، دفع بعض أصحاب الإمام إلى اتخاذ موقف معارض لأي شكل من أشكال تدخل العقل في الاستنباط. في المقابل، لم يتقبل أصحاب الإمام من المتكلمين الذين كانوا على دراية بتطبيقات العقل في المجال الكلامي تعطيل دور العقل في مجال الاستنباط. ويمكن استنتاج هذا الأمر بوضوح من الأثر الذي ألفه عبد الله بن جعفر الحميري حول الخلاف بين الهشامين. وقد سجل النجاشي عنوان كتاب الحميري على النحو التالي: «كتاب ما بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم والقياس والأرواح والجنة والنار والحديثين المختلفين» (النجاشي، بي تا: ٢١٩). يُستفاد من عنوان الكتاب أن هشام بن سالم كان له خلاف منهجي مع هشام بن الحكم وأتباعه مثل يونس بن عبد الرحمن وغيرهم في عدة موضوعات، منها مبحث الجنة والنار والأرواح في المباحث الكلامية، ومبحث الحديثين المختلفين والقياس في المباحث الفقهية.

في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، كان للخلاف بين الهشامين أصداء في قم. فقد بدأ أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، أحد علماء الحديث في قم، حركة واضحة تعارض أفكار هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن (الكشي، بي تا: ٤٩٦ – ٤٩٧). في الواقع، يجب اعتبار أحمد بن محمد بن عيسى سلفًا وقدوة لسعد بن عبد الله الأشعري، العالم القمي المتشدد الآخر، الذي بدأ بعد أحمد بن محمد بن عيسى صراعًا شديدًا وصريحًا مع مدرسة هشام ويونس العقلانية، وألف في هذا السياق أعمالًا أيضًا. فقد ألف كتابًا بعنوان «مثالب هشام ويونس» (النجاشي، همان: ١٨٧)، والذي يشير عنوانه الصريح إلى أنه بذل جهدًا في نقد آراء هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن العقلانية بلهجة حادة؛ وهي حركة يبدو أنها وصلت حتى إلى أوساط المحدثين في قم.

في تلك الفترة الزمنية، كان يُعتبر هذا العمل حركة متطرفة وغير جديرة بالثناء. بعد تأليف هذا الكتاب وتقديمه إلى الأوساط العلمية في قم، قام علي بن إبراهيم القمي، من أتباع فكر هشام بن الحكم، بتأليف كتاب بعنوان «رسالة في معنى هشام ويونس» (همان: ٢٦٠). حاول من خلاله إزالة الشبهات التي أثيرت حول مكانة هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن. تجدر الإشارة إلى أنه، على الأقل بقدر ما يوحي به العنوان، لم يقدم كتابه مباشرة كرد على كتاب سعد. وفي أعقاب نشر دفاعية علي بن إبراهيم في أوساط قم، قام سعد بن عبد الله بتأليف عمل آخر يعكس غضب المؤلف الشديد في عنوانه، وهذه المرة كتب ردًا لم يقتصر على نقد آراء هشام ويونس، بل وجه سهام نقده بحدة وصراحة إلى شخص علي بن إبراهيم القمي. ونشر هذا العمل بعنوان «الرد على علي بن إبراهيم في معنى هشام ويونس» (همان: ١٧٧).

ابن الجنيد والاتجاه العقلي المفرط

في استمرار للتيار العقلي، يعد ابن الجنيد أحد الفقهاء الذين اتُهموا في القرن الرابع بالانحياز إلى تيار الاتجاه العقلي المفرط. وقد صرحت المصادر بأن ابن الجنيد كان يقول بحجية القياس على طريقة أبي حنيفة وغيره من فقهاء أهل السنة (المفيد، ١٤١٣: ٢٥١؛ النجاشي، همان: ٣٨٨؛ الطوسي، ١٣٥١: ١٣٤). وفي قائمة آثاره، سُجل عنوانان من مؤلفاته دفاعًا عن حجية القياس واجتهاد الرأي (النجاشي، همان: ٣٨٧). ولم يكن يعتبر هذه الطريقة بدعة في المذهب الإمامي، بل كان يرى أن مسألة القياس والرأي قد تم إظهارها بشكل مغاير خلف ستار من الغموض وحتى الإخفاء المتعمد. ورغم أن ابن الجنيد طرح هذا المعتقد في رسالتين أصوليتين أصبحتا الآن في عداد الآثار المفقودة، فإن عنواني هذين الأثرين، وهما «كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس» و«كتاب إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمة العترة في أمر الاجتهاد» (همان)، يحمل كل منهما مادة وافية حول هذا الموضوع.

إن نظرة إلى عنواني هذين الأثرين تظهر أن ابن الجنيد كان يتهم مجموعة من علماء الأجيال السابقة بإخفاء جزء من تعاليم الأئمة (ع)، ومن تعبير «أهل العناد» يتضح أنه كان يعتبر بعضهم على الأقل متعمدًا في هذا الإخفاء. ويُلاحظ العمل بالقياس في مواضع متعددة من فقه ابن الجنيد، منها مسألة تعميم الزكاة لتشمل أجناسًا غير منصوص عليها، خاصة الزيتون والعسل (العلامة الحلي، ١٤١٢: ١٨٠). كما يمكن ملاحظة استدلالاته الاستحسانية بكثرة في مباحث ابن الجنيد (همان: ٣٦٤). أما في الحالات التي يكون فيها أساس الأمر هو علة تشريع الحكم، فإن استدلاله يكون أقل ذوقية (همان: ٤٧).

الشيخ المفيد مؤسس الاجتهاد العقلي المعتدل

في الحقيقة، إن الحد الفاصل بين الاجتهاد العقلي المفرط والاجتهاد المعتدل هو الحضور العلمي والفني لمحمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد، الذي أحدث تحولًا عميقًا في الفقه وأدى إلى ازدهاره وتطوره. إن إشراق الفقه الشيعي وازدهاره مدين لجهود هذه الشخصية الفريدة والعظيمة. كان الشيخ المفيد أول أصولي شيعي يقدم تأليفًا شاملًا في مختلف مباحث علم الأصول. وتنقسم آراء الشيخ المفيد في باب العقل إلى قسمين: العقل وحده لا يكفي لهداية الإنسان (الشيخ المفيد، ١٤١٤: ٤/ ٤٤). العقل طريق للوصول إلى الأحكام المشرعة في مصادر القرآن والسنة والإجماع. وقد قسم هذا العالم الكبير القسم الثاني إلى قسمين: المستقلات العقلية وغير المستقلات العقلية (همان: ٥/ ١٤٣). في المستقلات العقلية مثل حرمة الظلم، يمكن للعقل أن يحكم، ولكن في غير المستقلات العقلية أيضًا، يرى للعقل دورًا في المسائل التالية: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أم لا؟ قال: «وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحة النهي عن ضد ما أمر به» (١٤١٣: ٩/ ٣١).

في مقدمة الواجب كتب: «وما لا يتم الفعل إلا به فهو واجب كوجوب الفعل المأمور به» (همان). في مبحث الإجزاء قال: «وامتثال الأمر منجز لصاحبه ومسقط عنه فرضها كان وجب من الفعل عليه» (همان). يمكن للدليل العقلي أن يخصص العام (همو، ١٤١٣: ٣٨). العقل والشرع متلازمان، والعقل لا ينفصل أبدًا عن السمع (النقل) (همان: ٤٣).

السيد المرتضى

بعد الشيخ المفيد، ذكر السيد المرتضى أيضًا دليل العقل في آثاره وأولاه اهتمامًا. في جوابه على «المسائل الموصليات» ردًا على سؤال حول كيفية الوصول إلى الحق في مسألة شرعية عند اختلاف الإمامية وعدم ثبوت الإجماع وغياب نص قطعي من الكتاب والسنة، يقول: «كل حادثة اختلف فيها الإمامية أو اتفقوا ولم يكن لهم فيها رأي، ولم يكن في الأدلة الموجبة للعلم سبيل إلى حكمها، التزمنا في تلك الحادثة حكم العقل» (الشريف المرتضى، بي تا: ٢١٠). هنا، يعد السيد حكم العقل دليلًا طوليًا بعد الأدلة الثلاثة الأخرى. ويجيز السيد المرتضى تخصيص العموم بالعقل دون أي شبهة (السيد المرتضى، ١٤١١: ١/ ٢٧٧). كما يجيز النسخ بالدليل العقلي (همان: ٢٧٨)، وكذلك العدول عن ظاهر القرآن بالدليل العقلي (همان: ٢٧٨). وفي مبحث الحظر والإباحة في الأشياء، يقول بالإباحة ويستدل بالدليل العقلي في رد رأي المخالفين (همان: ٢/ ٨٢١). وفي مبحث الأخبار، يضع دليل العقل صراحة في مصاف الكتاب والسنة والإجماع، وفي تقسيمه للخبر إلى قسمين، يكتب في تعريف القسم الثاني: «أما الخبر الذي يُعلم بطلانه بالاكتساب، فهو الخبر الذي لا يتوافق مضمونه مع ما يدل عليه الدليل العقلي أو الكتاب أو السنة أو الإجماع» (همان: ٥١١). يتضح من الموارد المنقولة، وهي جل ما يتعلق بالعقل في آثار السيد المرتضى، أنه كان يهتم بدليل العقل بل ويضعه في مصاف الأدلة الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، ولكنه لا يذكره كمصدر مهم لاستنباط الأحكام كبقية الأدلة الثلاثة، والشاهد على ذلك أنه في كتابه الضخم «الذريعة»، بينما يبحث بالتفصيل في سائر الأدلة والمصادر في فصول مستقلة، يتحدث عن دليل العقل قليلًا جدًا وبشكل متفرق ومقتضب.

الشيخ الطوسي

بعد الشيخ المفيد والسيد المرتضى، ذكر الشيخ الطوسي أيضًا دور العقل والدليل العقلي في آثاره. فهو، مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى، يخصص العموم بالدليل العقلي (الشيخ الطوسي، ١٣٨٨: ١/ ٣٣٦). وهو يعتقد أنه يُعدل عن ظاهر وحقيقة الكتاب إلى المجاز بسبب الدليل العقلي (همان: ٣٣٧). ويرى أن العقل حاكم في بابي الطاعة والعصيان (همان: ٣٣١). ويعتبر الدليل العقلي من قرائن صحة خبر الواحد واعتباره (همان: ١٤٣). وفي المسائل المستجدة التي لم يُبيَّن حكمها، يجعل العقل مرجعًا (همان: ٢/ ٤٣٤). ومع ذلك، فإن الشيخ الطوسي، مثله مثل الفقهاء والأصوليين قبله، لم يذكر الدليل العقلي كمصدر إلى جانب المصادر الأخرى لاستنباط الأحكام، ولم يخصص له بحثًا مستقلًا.

الراوندي

طرح الراوندي في تعداد الأدلة الشرعية نظامًا بترتيب العقل، الكتاب، السنة والإجماع، ووضع العقل قبل الأدلة السمعية (الراوندي، ١٤٠٥: ١/ ٦). ولم يقدم تعريفًا لمقصوده من «حجة العقل»، وتجاوز البحث بهاتين الكلمتين، ولكن بناءً على ما يُستفاد من مباحثه الاستدلالية في «فقه القرآن»، يُحتمل أن العقل في نظره كان يقتصر على جهد ذهني للوصول إلى العلاقات المفهومية بين النصوص المتفرقة. والشاهد على هذا الاستنتاج هو توضيحه في مقدمة الكتاب حول هذا النوع من الجهود التي قد يشبّهها البعض بالقياس واجتهاد الرأي. إن وجود هذه الطريقة نفسها في استدلالات الراوندي الفقهية هو ما أجبره، مع إدراك كافٍ للاتهامات التي قد توجه إليه، على أن يتناول مرارًا وتكرارًا نقد القياس واجتهاد الرأي تحت عنوان «دفع الدخل المقدر»، وأن يوضح الفرق بين طريقته المستخدمة والطرق المردودة عند الإمامية (همان: ١/ ٥ – ٦ و ٢/ ٣٨٣). وفي كلمته الختامية في «فقه القرآن»، ذكّر بأن الإمامية في الفقه لا يحتاجون إلى القياس واجتهاد الرأي، وأن جميع الأحكام مبينة لهم في كتاب الله وسنة نبيه وكلام الأئمة (ع). وبعد تأكيده على ضرورة العلم بصحة صدور الأخبار، دخل في بحث فهم النصوص وجعل تطبيق العقل في فقهه واضحًا في قالب مثال. وفي هذا المثال، وفي بضع جمل مشوبة بالغموض والتحفظ، والتي أوردها كخلاصة، أكد على ضرورة استخدام العقل في فهم النصوص والاستنباط منها، وخطّأ بعض السابقين بسبب صمتهم في «العقليات» واكتفائهم بـ«الشرعيات» (همان: ٢/ ٤٢٩ – ٤٣٠).

ابن إدريس الحلي

يذكر ابن إدريس في «السرائر» العقل والدليل العقلي بتعبيرات مختلفة، فتارة يستخدم «دليل العقل» (ابن إدريس، ١٤١٠: ١/ ٤٦، ٤٩٥ و ٤٩٦؛ ٣/ ١٩، ١١٦، ٤٤٩، ٤٨٤، ٥٣٩ و ٥٣٦)، وهو التعبير الأكثر استخدامًا في السرائر. وتارة يستخدم «أدلة العقل» (همان: ٢/ ٣٣٤) في مقابل «أدلة السمع»، وتارة يستخدم عنوان «العقول» أو «أصول أحكام العقلية» (همان: ٣٨٨). ولكن مع كل هذه التعبيرات، لم يوضح ابن إدريس مراده من الدليل العقلي بشكل صريح. لذا، من الضروري من خلال دراسة مواضع استعمال دليل العقل في السرائر، تحديد مراده من دليل العقل، وكذلك تحديد نطاقه ودوره في فقه ابن إدريس. يتضح من بعض الموارد أن مراد ابن إدريس من دليل العقل هو نفس الأصل العملي، كما يقول في بحث الخمس: «لا تعلم المسألة الشرعية إلا من أربعة طرق: كتاب الله، سنة رسول الله (ص) المتواترة، وإجماع الشيعة الإمامية. وإذا لم تكن هذه الطرق الثلاثة موجودة، نلجأ إلى دليل العقل، وهذا الدليل العقلي هو معنى كلام الفقهاء الذي يعبرون عنه بـ«دلالة الأصل»» (همان: ١/ ٤٩٥).

وأحيانًا يعبر صراحة عن أصل البراءة بـ«دليل العقل». وفي كلام آخر، عدّ أصل الإباحة من مصاديق دليل العقل. حتى الآن، كل ما بيناه من مصاديق دليل العقل كان من الأصول. والآن، يطرح هذا السؤال: هل دليل العقل من وجهة نظر ابن إدريس يقتصر على موارد الأصول، أم يشمل موارد أخرى أيضًا؟

من مجمل استخدامات ابن إدريس لدليل العقل، يمكن استخلاص النتائج التالية:

  1. مراده من دليل العقل هو كل ما يقع في نطاق حكم العقل ويطرح في مقابل دليل الكتاب والسنة والإجماع.
  2. نطاق دليل العقل من وجهة نظر ابن إدريس أوسع من الأصول العملية ويشمل الدليل العقلي المستقل والاستدلالات العقلية أيضًا.
  3. بالنظر إلى تفسيره لدلالة الأصل في كلام الفقهاء واعتباره هو نفسه دليل العقل، يمكن القول إنه في رأي الفقهاء قبل ابن إدريس، كان التمسك بالأصول العملية يُعد من مصاديق التمسك بدليل العقل، وتمسكهم الكبير بهذه الأصول يبرر في إطار هذا الأمر نفسه.

من خلال ما سبق، اتضح أن ابن إدريس أولى أهمية كبيرة لدليل العقل وأعطاه اهتمامًا أكثر من غيره من الفقهاء. وهنا يطرح السؤال: ما هي مكانة ومنزلة هذا الدليل في نظر ابن إدريس؟ هل كان دليل العقل في نظره مساويًا ومرادفًا للأدلة الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، أم أنه يأتي في مرتبة تالية لهذه الأدلة ويتمسك به فقط في حال غيابها؟

يصرح ابن إدريس في ثلاثة مواضع من «السرائر» بأن مرتبة دليل العقل طولية بالنسبة لبقية الأدلة، ويتم التمسك به في حال فقدان الأدلة الأخرى، وليس رأيه كذلك فحسب، بل يعتقد أن الأمر كذلك عند محققي الشريعة. يقول في مقدمة السرائر: «الحق لا يتجاوز أربعة طرق: كتاب الله، السنة المتواترة، الإجماع، ودليل العقل» (همان: ١/ ٤٦). كلما غابت الأدلة الثلاثة الأولى في مسألة ما، فإن ما يُعتمد عليه عمليًا من وجهة نظر المحققين في مصدر الشريعة هو دليل العقل، لأن مسائل الشريعة في هذه الحالة تكون مرتبطة بدليل العقل وموكلة إليه. بالإضافة إلى المورد المذكور، في كتاب الخمس (همان: ٤٩٥) وكتاب الصوم (همان: ٣٧٧)، حصر طرق معرفة واستنباط الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل، وفي حال عدم وجود الطرق الثلاثة الأولى، يقدم دليل العقل كمرجع.

المحقق الحلي

بعد قرابة قرن من الزمان، يُلاحظ تطور خاص في كلام المحقق الحلي. فهو، خلافًا للمشهور، اعتبر أدلة الأحكام خمسة، وأضاف الاستصحاب إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل. يتضح من توضيحاته حول هذا التقسيم أنه بإلحاقه أصل البراءة بأصل الاستصحاب، قام بتصنيف الأصول العقلية ليس في القسم الرابع (دليل العقل)، بل في القسم الخامس (تحت عنوان عام هو الاستصحاب)، وخصص لدليل العقل مصاديق خاصة أخرى. لقد قسم القسم الرابع من الأدلة، أي ما أسماه دليل العقل، إلى نوعين: أولًا، الدلالات العقلية المتعلقة بالخطاب، والتي تشمل «لحن الخطاب، فحوى الخطاب، ودليل الخطاب»، وثانيًا، المستقلات العقلية (المحقق الحلي، ١٣١٨: ١/ ٣١). ولكن تجدر الإشارة إلى أن المحقق الحلي، اقتداءً بسنة الأصوليين الإماميين، لم يورد بحثًا عن العقل كدليل رابع من أدلة الفقه في كتابه الأصولي.

فيما يتعلق بالمستقلات العقلية، يجب القول إن علماء الإمامية كانوا قد قالوا سابقًا في مباحثهم الكلامية، وبما يتناسب مع اتخاذهم موقف العدلية، بـ«الحسن والقبح العقليين» للأفعال، وهذا الأمر هو الذي جعلهم يقولون للعقل بأحكام مستقلة تشمل الواجب، المندوب، المباح، المكروه والقبيح؛ وهي الأحكام التي تسمى في الاصطلاح بـ«المستقلات العقلية» (السيد المرتضى همان: ٢٧٦).

المصطلحات الثلاثة: لحن الخطاب، فحوى الخطاب، ودليل الخطاب، لا تستخدم كثيرًا في المصادر الأصولية المتأخرة. وللتوضيح، يجب التذكير بأن مصطلح «دليل الخطاب» هو للمفهوم المخالف، و«فحوى الخطاب» للمفهوم الموافق أو قياس الأولوية، و«لحن الخطاب» هو تعبير تقريبي وليس دقيقًا عن دلالة الاقتضاء. وبهذا، أدرج المحقق الحلي المباحث المتعلقة بالملازمات العقلية، أو على الأقل جزءًا مهمًا منها، في حقل دليل العقل. تجدر الإشارة إلى أنه نظرًا لعدم وجود تطبيق مباشر لمبحث المستقلات العقلية في مسائل الفقه، باستثناء بعض العمومات التي لا يوجد خلاف حولها، فإن دليل العقل في أصول المحقق الحلي كان عمليًا مساويًا للدلالات العقلية أو مبحث الملازمات.

فيما يتعلق بـ«دليل الخطاب»، تحدث المحقق دون أن يستفيد من هذا المصطلح في مباحث الألفاظ في «المعارج»، واعتبر الأقسام المختلفة لمفهوم المخالف من حيث الدلالة اللفظية غير دالة على المفهوم، وطرح الحاجة إلى اعتبار زائد من خلال تعابير مبهمة للدلالة (المحقق الحلي، ١٤٠٣: ٦٩ – ٧٠). كما أشار مرارًا في مباحثه الفقهية إلى «متروكية» دليل الخطاب عنده (المحقق الحلي، ١٣١٨: ٢/ ٣٣ و ٥٤٢)، واعتبر التمسك به في معرض النص باطلًا بالإجماع (المحقق الحلي، همان: ١/ ٣٧٣ – ٣٧٤).

إبداع الشهيد الأول في توسيع دليل العقل

كما مر، فإن طرح العقل كدليل في ساحة الاستنباط الفقهي شهد تقلبات. التحول الأساسي في دليل العقل يتعلق بالشهيد الأول الذي بيّن دليل العقل بشكل شامل وواسع وتفصيلي.

أعلن الشهيد الأول صراحة أن العقل أحد مصادر الاجتهاد (الشهيد الأول، بي تا: ١/ ٧٤)، ويثبت الحسن والقبح العقليين بالدليل (الشهيد الأول، بي تا: ٩٠). وفي رأيه، ينقسم دليل العقل إلى قسمين: قسم لا يتوقف على خطاب شرعي، أي من المستقلات العقلية (همان: ٩٠). ويعدد لهذا القسم خمسة موارد:

  • ما يُستفاد من قضية العقل، مثل وجوب أداء الدين، وحرمة الظلم، واستحباب الإحسان. في مثل هذه الموارد، إذا ورد دليل نقلي، فإنه يكون ذا طابع تأكيدي وإرشادي.
  • عندما لا يكون هناك دليل في المقام، يتم التمسك بأصل البراءة. المستفاد من كلام الشهيد هو أنه يرى أصل البراءة في طول سائر الأدلة، خلافًا لبعض الأصوليين السابقين مثل السيد المرتضى وابن إدريس اللذين كانا يستخدمانه في عرض سائر الأدلة أيضًا.
  • يُعبَّر عن هذا الأصل أيضًا بـ«استصحاب حال العقل». يتمسك الشهيد لأصل البراءة بالدليل النقلي أيضًا. وهذه من النقاط الجديدة التي لم تكن لها سابقة. من وجهة نظر الشهيد، حديث «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» يدل على البراءة.
  • القول في مقام الاستدلال: «لا دليل على المطلب الفلاني، إذن هو منتفٍ»، يرجع إلى أصل البراءة.
  • الأخذ بالأقل عندما لا يكون هناك دليل على الأكثر، يرجع إلى أصل البراءة.
  • أصالة بقاء ما كان، والتي يُعبَّر عنها أيضًا باستصحاب حال الشرع واستصحاب حال الإجماع، هي أصل آخر اختلف الأصوليون في حجيته (الشهيد الأول، ١٤١٩: ١/ ٥٢).

إن هذا التحليل لدليل العقل والتصنيف الشامل الذي يضع العديد من المباحث الأصولية تحت عنوان دليل العقل لم يكن له سابقة حتى زمن الشهيد، ويُعد هذا من إبداعات الشهيد الأول.

القسم الثاني من دليل العقل هو الموارد التي يتوقف فيها العقل على الخطاب. وهذا القسم يحتوي على ستة موارد:

  1. مقدمة الواجب المطلق.
  2. الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
  3. فحوى الخطاب (المفهوم الموافق).
  4. لحن الخطاب، وهو ما يُستفاد من المعنى ضرورةً.
  5. دليل الخطاب، ويُعبَّر عنه بالمفهوم، وله أقسام كثيرة: وصفي وشرطي (وكلاهما حجة عند بعض الأصحاب والشهيد يقبلهما)، مفهوم العدد، ومفهوم الغاية (والذي يرجع من وجهة نظر الشهيد مفهوم الغاية إلى مفهوم الوصف)، مفهوم الحصر (وحجيته مسلمة)، ومفهوم اللقب (وهو ليس بحجة).
  6. أصل الإباحة في المنافع وأصل الحرمة في المضار (همان: ١/ ٥٢ و ٥٤).

يقول الشهيد في مورد عدم العلم بالخلاف: «إذا أفتى جماعة من الأصحاب ولم يُعلم لهم مخالف، فليست هذه المسألة إجماعًا قطعًا، خاصة إذا علمنا أن الإمام ليس داخلًا في تلك الجماعة. وإذا لم يُعلم أن الإمام داخل، ولم يتضح أن سائر العلماء موافقون على تلك المسألة والفتوى، فإن عدم العلم بالخلاف لا يكفي، لأن الإجماع هو الوفاق، لا عدم العلم بالخلاف. ولكن هل مثل هذا عدم الخلاف حجة في صورة فقدان المستند الظاهري (الحجة العقلية والنقلية)؟ الظاهر أنه حجة، لأن عدالتهم تمنع من الفتوى بغير علم» (همان).

النتيجة

كان موضوع تدخل العقل في الاستنباط وكيفيته وحدوده عبر التاريخ أحد الموضوعات الشائكة في استنباط الأحكام الشرعية. وقد تشكل تياران، العقلاني والحديثي، منذ زمن الإمام الصادق (ع). وقد شهد هذان التياران تقلبات عبر التاريخ. كان لابن الجنيد، متأثرًا بالاجتهاد العقلي لأهل السنة، توجه متطرف في تدخل العقل في الاستنباط. وقد أرسى الشيخ المفيد، من خلال ضبط تدخل العقل في الاستنباط وتحديد إطاره، أسس تيار العقلانية المعتدلة. وواصل تلامذته طريق الشيخ. في المنهج الاجتهادي للشيخ المفيد، عُدت الملازمات العقلية مثل مقدمة الواجب والضد وغيرها من مصاديق تدخل العقل في الاستنباط. وبواسطة المحقق الحلي، أضيفت طرق فهم الخطاب مثل لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب إلى مصاديق العقل. أما التحول الأساسي في دليل العقل، فيرتبط بالشهيد الأول الذي بيّن دليل العقل بشكل شامل وواسع وتفصيلي. فقد اعتبر الأصول العملية مثل البراءة والاستصحاب من مصاديق المستقلات العقلية، والملازمات العقلية من مصاديق غير المستقلات.

المصادر

ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر، قم، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، ١٤١٠ هـ.

الراوندي، قطب الدين، فقه القرآن، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ١٤٠٥ هـ.

الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست، مشهد، جامعة مشهد، كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، ١٣٥١ ش.

ــــــــــــــــــــــــ ، العدة، قم، محمد تقي علاقبندان، ١٤١٧ هـ.

الشيخ المفيد، محمد بن محمد، التذكرة بأصول الفقه (مصنفات الشيخ المفيد)، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣ هـ.

ــــــــــــــــــــــــ ، المسائل الصاغانية (مصنفات)، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣ هـ.

ــــــــــــــــــــــــ ، تصحيح الاعتقاد، طهران، روشناي مهر، ١٣٨٨ ش.

ــــــــــــــــــــــــ ، مصنفات الشيخ المفيد، أوائل المقالات، بيروت، دار المفيد، ١٤١٤ هـ.

العاملي، الشهيد الأول، محمد بن مكي، القواعد والفوائد، قم، مكتبة مفيد، الطبعة الأولى، بي تا.

ــــــــــــــــــــــــ ، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.

ــــــــــــــــــــــــ ، رسائل الشهيد الأول، في مجلد واحد، هـ ق.

العلامة الحلي، مختلف الشيعة، قم، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، ١٤١٢ هـ.

علم الهدى، السيد المرتضى، الذخيرة، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، ١٤١١ هـ.

الغزالي، محمد بن محمد، المستصفى، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٠ هـ.

الكشي، محمد بن عمر، رجال، كربلاء المعلى، مؤسسة الأعلمي.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، معارج، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٠٣ هـ.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، المعتبر، طهران، ١٣١٨ هـ.

النجاشي، أحمد بن علي، رجال، طهران، مركز نشر الكتاب.

الهوامش

  1. تاريخ الوصول: ٢٤/٩/١٣٩٣؛ تاريخ القبول: ٢٥/١١/١٣٩٣.
  2. أستاذ مشارك في جامعة المصطفى العالمية (Dikborji@Gmail.com).
Scroll to Top