الملخص
نُقل في المصادر الروائية لأهل السنّة حديث بلفظ «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»، وقد رُوي هذا الحديث حتى في بعض الكتب الستة لأهل السنّة. إن نقل الحديث المذكور في المجامع الروائية لأهل السنّة قد أثار شبهة لدى البعض مفادها أن المهدي الموعود (عج) لا وجود له، وأن الشخص الذي سيظهر في آخر الزمان هو نفسه عيسى بن مريم (ع). في هذه المقالة، يتم في البداية استخراج جميع الطرق الروائية لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» ودراستها. وبعد الدراسة السندية للروايات المذكورة، يتضح أن جميع الأسانيد التي نُقلت الرواية من خلالها، هي بحسب المباني الرجالية لأهل السنّة ضعيفة وغير قابلة للاعتماد، وأن حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» في المصادر الروائية لأهل السنّة لا يمتلك طريقاً روائياً معتبراً. بعد ذلك، يتم التطرق إلى دراسة فقه الحديث للرواية المذكورة، فيتضح أن هذا الحديث يتعارض مع الأحاديث الصحيحة التي نُقلت بكثرة في المصادر الروائية المعتبرة لأهل السنّة، والتي تتضمن أن المهدي الموعود (عج) هو من ذرية الرسول الأكرم (ص) والسيدة الزهراء (س)، وأن اسمه يوافق اسم الرسول الأكرم (ص)، وأن عيسى بن مريم (ع) يقتدي به بعد ظهور المهدي الموعود (عج)، وغير ذلك. وعليه، فإن الحديث المذكور من حيث السند معلول وضعيف، ومن حيث فقه الحديث يتعارض مع أحاديث صحيحة متعددة، ولا يمكن قبوله.
المقدمة
إن قضية المهدوية من الموضوعات التي نُقلت حولها أحاديث متعددة في المصادر الروائية الصحيحة والمعتمدة عند أهل السنّة. وبالنظر إلى هذه الأحاديث، يمكن القول بأن أصل قضية ظهور المهدي الموعود (عج) من المسائل المتفق عليها بين المحدّثين وكبار علماء أهل السنّة. وباستثناء حالات نادرة، فإن عموم كبار أهل السنّة قد قبلوا بظهور شخص من ذرية الرسول الأكرم (ص) في آخر الزمان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بل وقاموا بتأليف مصنفات في صحة أحاديث هذا الباب، مثل السيوطي مؤلف كتاب «العرف الوردي في أخبار المهدي»، وابن حجر المكي مؤلف «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر»، وغيرهما.
إلى جانب هذه الأحاديث المتعددة، نُقلت روايات بلفظ «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» في بعض المصادر الروائية لأهل السنّة، مما أثار شبهة في أذهان البعض بأن المهدي الموعود (عج) هو نفسه عيسى بن مريم (ع). وهذا هو الموضوع الذي تتناوله هذه المقالة، أي الدراسة السندية والفقهية للحديث المذكور. والدافع الذي أدى إلى تناول هذا الموضوع في هذه المقالة هو أنه، بناءً على الأبحاث التي أُجريت، لم يُنجز تحقيق شامل في هذا المجال، ولم يُعثر على خلفية بحثية شاملة في هذا الصدد. في هذه المقالة، سيتم في البداية دراسة الحديث المذكور من الناحية السندية ليتضح ما إذا كان لهذا الحديث سند معتبر وفقًا لمصادر ومباني علم الرجال عند أهل السنّة أم لا. وبعد دراسة الاعتبار السندي لهذه الرواية، يُطرح هذا السؤال: إذا تم التسامح وغض الطرف عن ضعف سند الرواية المذكورة، فهل يمكن قبول هذا الحديث من منظور فقه الحديث؟ وهل الأحاديث التي نُقلت بأسانيد صحيحة متعددة في المصادر الروائية المعتبرة لأهل السنّة، ومضمونها أن المهدي الموعود (عج) من ذرية الرسول الأكرم (ص) واسمه كاسم النبي (ص)، وأن عيسى بن مريم (ع) يقتدي به بعد ظهوره، تترك مجالًا لاعتبار حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» وقبول مضمونه؟[1]
1. طرق رواية حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»
في المصادر الروائية لأهل السنّة، نُقلت أحاديث متعددة بموضوعات مختلفة في مجال المهدوية؛ من بين الموضوعات التي نُقلت في هذا الصدد في المصادر الروائية لأهل السنّة، موضوع نسب حضرة المهدي (عج)، وعلامات ظهور حضرة المهدي (عج)، ونزول حضرة عيسى (ع) بعد ظهور المهدي الموعود (ع) واقتداء حضرة عيسى (ع) بالمهدي الموعود (عج)، ووضع العالم بعد ظهور حضرة المهدي (عج) وإقامة العدل العالمي، وغير ذلك. إلى جانب نقل الروايات المتعددة المذكورة، نُقلت رواية بمضمون «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» في بعض المصادر الروائية لأهل السنّة. وما هو محل نظر في هذه المقالة، والذي سيتم بحثه، هو الدراسة السندية والفقهية لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»؛ فهذه الرواية تهدف إلى بيان أن المهدي الموعود هو نفسه عيسى بن مريم (ع) ولا يوجد شخص آخر باسم المهدي.
من بين أصحاب الصحاح الستة، لم يروِ هذا الحديث سوى ابن ماجه في سننه عن «أنس بن مالك» أن رسول الله (ص) قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» (د.ت، 2: 1340).
وقد روى الحاكم النيسابوري في «المستدرك» (1430هـ، 4: 441) والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (د.ت، 4: 442) حديثاً قريباً من هذا المضمون عن «أنس بن مالك» أيضاً. وإلى جانب هذه الأسانيد الثلاثة، روى ابن عساكر الحديث المذكور بثلاثة عشر سنداً في «تاريخ مدينة دمشق» عن «أنس بن مالك» (1415هـ، 43: 190؛ 47: 515؛ 47: 516).
في جميع هذه الأسانيد الستة عشر المذكورة، رُويت هذه الرواية عن «يونس بن عبد الأعلى»، وطريق «يونس بن عبد الأعلى» إلى «أنس بن مالك» هو طريق واحد، ثم رُويت الرواية المذكورة عن «يونس بن عبد الأعلى» مراراً وتكراراً وبواسطة رواة مختلفين، ومن طريقه انتشرت الرواية. بناءً على ذلك، فإن جميع الطرق الروائية المذكورة قبل «يونس بن عبد الأعلى» إلى «أنس بن مالك» مشتركة، وهذا الطريق هو كالتالي: «حدثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا محمد بن إدريس (بن العباس) الشافعي حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن (بن أبي الحسن البصري) عن أنس بن مالك».
وقد نُقل هذا الحديث من غير طريق «يونس بن عبد الأعلى» أيضاً، حيث رواه ابن عساكر بهذا السند: «أخبرناه أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك أنبأنا والدي أبو صالح المؤذن أنبأنا أحمد بن عبد الله أنبأنا أبي أنبأنا مفضل بن محمد الجندي أنبأنا صامت بن معاذ حدثنا زيد بن السكن حدثنا محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس» (1415هـ، 47: 518).
وعليه، فإن الحديث المذكور يمتلك في مجموعه سبعة عشر سنداً روائياً، ستة عشر طريقاً منها عن طريق «يونس بن عبد الأعلى»، وطريق واحد فقط لا يوجد فيه.
1-1. دراسة اعتبار سند حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» على ضوء مباني ومصادر علم الرجال عند أهل السنّة
في القسم المشترك من الأسانيد الستة عشر المذكورة، باستثناء «محمد بن خالد الجندي»، فإن بقية الرواة موثقون من وجهة نظر علماء الرجال عند أهل السنّة، أما «محمد بن خالد الجندي» فقد جرحه علماء الرجال. كتب ابن عساكر عنه: «قال أبو بكر البيهقي: هذا حديث تفرد به محمد بن خالد الجندي. وقال أبو عبد الله الحافظ: محمد بن خالد مجهول؛ وفي سند هذه الرواية اختلاف؛ روى صامت بن معاذ هذا الحديث بهذا السند: «حدثنا يحيى بن السكن حدثنا محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس عن النبي (ص)»؛ ثم قال صامت بن معاذ: قطعت مسيرة يومين إلى صنعاء ودخلت على محدّث صنعاء وبحثت عن هذا الحديث، فوجدت سنده عند محدّث صنعاء بهذه الصورة: «عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن أبي عياش عن الحسن عن النبي (ص)»؛ … محمد بن خالد الجندي مجهول، وأبان بن أبي عياش (الذي ذُكر في رواية صامت بن معاذ) متروك، وهو أيضاً روى حديثه عن الحسن البصري عن رسول الله (ص)، وهذا السند منقطع؛ والأحاديث التي تصرح بخروج المهدي وأنه من عترة النبي (ص) هي أصح سنداً» (1415هـ، 47: 518).
وكتب المزي: «محمد بن خالد الجندي، عند أهل العلم والنقل غير معروف» (1406هـ، 25: 149). وذكره الذهبي أيضاً في جملة الضعفاء وكتب: «محمد بن خالد الجندي روى عن أبان بن صالح؛ قال الحاكم: هو مجهول، ولكن أقول: هو من شيوخ الشافعي المشهورين، وقال الأزدي: هو منكر الحديث» (الذهبي، 1418هـ، 2: 293). وفي ميزان الاعتدال، وصف الذهبي أيضاً «محمد بن خالد الجندي» بأنه مجهول (1418هـ، 3: 535). وعدّه ابن حجر مجهولاً (تقريب التهذيب، 2: 71). وقال ابن شاهين في ذيل هذا الحديث: «تفرد الشافعي برواية هذا الحديث، ولا نعرف أحداً غيره رواه، ولا نعرف أحداً غير يونس رواه عنه، والحديث المذكور حديث غريب الإسناد ومشهور المتن إلا جزء (ولا مهدي إلا عيسى بن مريم) فإنه (شاذ) ولم يروه أحد غيره» (ابن عساكر، 1415هـ، 47: 516).
بناءً على ما قيل، يتضح وضع جميع الأسانيد التي يوجد فيها «محمد بن خالد الجندي» ويروي الحديث المذكور، ويتضح أن الحديث المذكور غير معتبر من الناحية السندية.
وكما ذُكر، فإنه من بين طرق الرواية المذكورة، هناك طريق واحد فقط رواه ابن عساكر يختلف عن سائر الأسانيد، وقد ذُكر سنده في القسم السابق؛ وفي السند المذكور يوجد أيضاً «محمد بن خالد الجندي»، وهذا الأمر نفسه يجعل هذا السند غير قابل للاعتماد. من جهة أخرى، في هذا السند، روى «زيد بن السكن» عن «محمد بن خالد الجندي»، وهو أيضاً قد ضُعِّف.
فقد وصفه الذهبي في «ميزان الاعتدال» نقلاً عن «الأزدي» بأنه «منكر الحديث» (د.ت، 2: 104)؛ كما وصفه ابن حجر بأنه «منكر الحديث» (1310هـ، 2: 507). ولم يذكر سائر علماء الرجال جرحاً أو تعديلاً بحقه.
وعليه، فإن السند الذي رواه ابن عساكر من غير طريق «يونس بن عبد الأعلى» فاقد للاعتبار أيضاً.
على أي حال، ورغم أن الجرح الوارد في «محمد بن خالد الجندي» يجعل جميع الأسانيد المذكورة غير معتبرة، فإن هذه النقطة جديرة بالاهتمام أيضاً وهي أنه في سائر الأسانيد المذكورة، يوجد رواة مجهولون آخرون، وهذا الأمر يجعل الاعتبار السندي لهذه الرواية موضع شك أكبر. على سبيل المثال، في القسم غير المشترك من سند الحاكم النيسابوري، يوجد «عيسى بن زيد بن عيسى بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب»، وهو مجهول ولم يُعثر على جرح أو تعديل له في المصادر الرجالية.
وفي القسم غير المشترك من سند الخطيب البغدادي، يوجد «محمد بن المفرج» وهو أيضاً مُضعَّف (الذهبي، 1418هـ، 2: 376)؛ وكذلك في هذا السند، «محمد بن علي بن محمد بن عيسى» و«أبو العباس الأقطع أحمد بن عبد الله الطائي المرادي» هما أيضاً مجهولان ولم يُعثر على جرح أو تعديل لهما في المصادر الروائية.
وفي أسانيد ابن عساكر الأربعة عشر، يوجد أيضاً العديد من الرواة المجهولين، ولأن ذكر أسمائهم واحداً تلو الآخر يسبب إطالة مفرطة في البحث، يتم الامتناع عن ذكر أسمائهم؛ على الرغم من أنه مع وجود الضعف والجهالة في «محمد بن خالد الجندي»، ومع الأخذ في الاعتبار أنه موجود في جميع الأسانيد المذكورة، فإن جميع الأسانيد تُعتبر غير معتبرة من وجهة نظر علم الرجال، ولا حاجة لدراسة بقية الرواة، ولكن دراسة كل سند على حدة لها ميزة وهي أنها توضح أكثر فأكثر مدى ضعف الوضع السندي للرواية المذكورة، وفي هذا القسم بسبب تجنب الإطالة، لم يتم ذكر أسماء الرواة الضعفاء والمجهولين في أسانيد ابن عساكر الأربعة عشر.
من مجموع ما ذُكر يتضح أن حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» من الناحية السندية، لا يمتلك سنداً قابلاً للاعتماد ومعتبراً، وفي جميع الأسانيد التي نُقل بها الحديث المذكور، يوجد «محمد بن خالد الجندي» الذي هو محل جرح باتفاق علماء الرجال وشخصيته الروائية مجهولة.
2. منكرو ظهور المهدي الموعود (عج) استناداً إلى حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»
يبدو أن الحديث المذكور قد أصبح سنداً لإنكار ظهور المهدي الموعود (عج) من قبل البعض. وعادةً عندما يتم الحديث عن الذين أنكروا المهدوية أو شككوا في وقوعها، يظهر اسم «محمد بن خالد الجندي»، راوي حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»، والذي تم الحديث عنه بالتفصيل.
وقد أشار المؤرخ المعروف «ابن خلدون» أيضاً إلى هذه المسألة، حيث ذكر أن الرواية المذكورة تسببت في إنكار بعضهم لقضية المهدوية استناداً إلى هذه الرواية. وقد بحث في كتابه التاريخي في الفصل الثاني والخمسين حول موضوع المهدوية. وفي هذا الفصل، أشار إلى حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» وقال: «وربما تمسك المنكرون للمهدي برواية رواها محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح بن أبي عياش عن الحسن البصري عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال: لا مهدي إلا عيسى بن مريم».
بالطبع، هو نفسه أشار أيضاً إلى ضعف الرواية المذكورة وقال: «وفي سند الرواية المذكورة اختلاف؛ فتارة يروون الحديث كما مر، وينسبونه إلى محمد بن إدريس الشافعي، وتارة يروون الرواية المذكورة عن محمد بن خالد عن أبان عن الحسن عن رسول الله (ص) مرسلة؛ وقال البيهقي: الرواية تنتهي إلى محمد بن خالد وهو مجهول، وهو أيضاً روى عن أبان بن أبي عياش وهو متروك، وهو أيضاً روى عن الحسن عن رسول الله (ص) وهذا السند منقطع؛ وبالتالي، فإن الحديث المذكور في مجموعه ضعيف ومضطرب» (ابن خلدون، د.ت، 1: 322).
وكما يتضح من العبارة المذكورة، فإن الاستناد إلى حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» لإنكار ظهور المهدي الموعود (عج) قد تم نقده من قبل ابن خلدون أيضاً، وهو أيضاً لا يعتبر الاستناد إلى الحديث المذكور لإنكار المهدي الموعود (عج) أمراً معتبراً بسبب ضعف سند الرواية.
شخص آخر ذُكر اسمه ضمن الذين يعتبرون المهدي الموعود هو نفسه عيسى بن مريم (ع) هو «مجاهد بن جبر». وهو أحد الرواة المعروفين للأحاديث في طبقة التابعين. وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف أن مجاهداً قال: «المهدي هو عيسى بن مريم» (د.ت، 8: 678).
على الرغم من أن هذا القول المنسوب، الذي قاله مجاهد، هو من قوله هو ولم يُسند إلى رسول الله (ص)، إلا أنه مع ذلك يتم دراسة سلسلة سند الرواة حتى مجاهد للتأكد من صحة نسبة هذا الكلام إليه. روى ابن أبي شيبة الكلام المنقول عن مجاهد بسند «الوليد بن عتبة (أبو العباس الأشجعي الدمشقي) عن زائدة (بن قدامة) عن ليث (بن أبي سليم) عن مجاهد».
النقل المذكور منقطع من حيث السند، لأن علماء الرجال لم يذكروا سماعاً لـ«وليد بن عتبة الأشجعي» من «زائدة بن قدامة» (المزي، 1406هـ، 31: 46؛ ابن حجر العسقلاني، 1404هـ، 11: 124).
من جهة أخرى، في سلسلة السند المذكورة، نقل «ليث بن أبي سليم» عن مجاهد المطلب المذكور، في حين أن «ليث بن أبي سليم» قد تعرض للتضعيف من قبل علماء الرجال. فقد ضعّفه يحيى بن معين. ووصفه أحمد بن حنبل بأنه «مضطرب الحديث» (1408هـ، 2: 379). وضعّفه النسائي (1406هـ، 230). وذكره العقيلي أيضاً في عداد الضعفاء (1418هـ، 4: 14). وكتب ابن حبان عنه: «ليث بن أبي سليم، زنيم ليثي؛ أصله من فارس واسم أبيه أنس، وولد بالكوفة وكان فيها معلماً وروى عن مجاهد وطاووس، وروى عنه سفيان الثوري وأهل الكوفة. كان من العباد، ولكنه في آخر عمره أصابه اختلاط ذهني حتى لم يكن يدري ما سمعه من حديث وبأي سند تلقى الحديث، ولهذا السبب قلب الأسانيد وروى الأحاديث المرسلة مرفوعة، وروى عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، وكل هذا بسبب اختلاطه الذهني» (ابن حبان، د.ت، 2: 231). وذكره الذهبي أيضاً في عداد الضعفاء (الذهبي، 1418هـ، 2: 235).
كما يلاحظ، فإن علماء الرجال من أهل السنّة قد ضعّفوا «ليث بن أبي سليم»، وبالتالي فإن سند النقل المذكور، بالإضافة إلى الانقطاع الذي فيه، يواجه ضعفاً سندياً أيضاً، ولهذا السبب لا يمكن تأكيد صحة نسبة الكلام المذكور إلى «مجاهد بن جبر»، ولا يمكن عده ضمن الذين يعتبرون المهدي الموعود (عج) هو نفسه عيسى بن مريم؛ بالإضافة إلى أن الكلام المذكور لا يستند إلى رسول الله (ص) والكلام منسوب إلى مجاهد، ومن الواضح أن قول غير المعصوم في هذه الأمور التي هي من أنباء الغيب لا حجية له.
على أي حال، فإن البحث حول الذين أنكروا المهدوية أو شككوا في وقوعها استناداً إلى حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» ينحصر في «محمد بن خالد الجندي» ناقل الحديث، وجماعة أشار إليهم ابن خلدون في تاريخه، و«مجاهد بن جبر»، حيث توجد انتقادات رجالية شديدة حول «محمد بن خالد الجندي»، وفيما يتعلق بنقل ابن خلدون فقد طُرح النقد الذي بيّنه البيهقي وابن خلدون، وفيما يتعلق بـ«مجاهد بن جبر» فإنه من الأساس لا يثبت أن له مثل هذا الرأي وأنه قال مثل هذا الكلام، وسلسلة السند التي ذكرت هذا القول عنه منقطعة وضعيفة؛ على الرغم من أن كلام مجاهد لم يُسند إلى رسول الله (ص) وهو جملة تنتهي إليه نفسه.
3. دراسة فقه حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»
من وجهة نظر فقه الحديث، ترد انتقادات متعددة على حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»، سيتم الإشارة إليها فيما يلي:
3-1. انتساب المهدي الموعود (عج) إلى رسول الله (ص) والسيدة الزهراء (س)
لقد روى أصحاب الصحاح والمسانيد والمعاجم والمجامع الروائية لأهل السنة أحاديث متعددة بأسانيد صحيحة، أشير فيها إلى هذا المضمون أن رسول الله (ص) قال: «المهدي من عترتي، من أهل بيتي ومن ولد فاطمة (س)»؛ وفي بعض الأحاديث إشارة إلى هذا المضمون أن المهدي الموعود (عج) من أهل بيت النبي. على سبيل المثال، روى أبو داود في سننه بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً» (د.ت، 2: 310).
وهذا الحديث قد نُقل بأسانيد صحيحة متعددة بنفس المضمون (الحاكم النيسابوري، 1430هـ، 4: 557؛ أبو يعلى الموصلي، د.ت، 2: 274؛ الطبراني، د.ت، 10: 133، 10: 134؛ 10: 136).
في حديث آخر، روى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» (د.ت، 8: 678).
وهذا الحديث، مع اختلاف طفيف في ألفاظه، قد نُقل في مسند أبي يعلى أيضاً بسند صحيح (د.ت، 1: 359).
في الأحاديث المذكورة، إشارة فقط إلى أن المهدي الموعود (عج) من أهل بيت رسول الله (ص)، ولكن توجد أحاديث تعتبر حضرة المهدي (عج) من نسل حضرة فاطمة (س). روى أبو داود بسند صحيح أن رسول الله قال: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (د.ت، 2: 310).
وروى ابن ماجة بسند صحيح عن «سعيد بن المسيب» أنه قال: كنا عند أم سلمة فتذاكرنا المهدي، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله (ص) يقول: «المهدي من ولد فاطمة» (د.ت، 2: 1368).
وقد روى نفس المضمون مع الروايتين المذكورتين الحاكم النيسابوري (1430هـ، 4: 557) والطبراني (د.ت، 23: 267) وابن عدي (1409هـ، 3: 428) بأسانيد صحيحة.
بناءً على هذه المطالب، يتضح أن حضرة المهدي (عج) من أهل بيت النبي (ص) ومن نسل حضرة الزهراء (س)، بينما من الواضح أن حضرة عيسى (ع) ليس من نسل حضرة فاطمة (س)، وبالتالي فإن الحديث المذكور يتعارض مع هذه الأحاديث المعتبرة والصحيحة في المصادر الروائية المعتبرة لأهل السنة.
3-2. اسم المهدي الموعود (عج)
لقد نُقلت أحاديث متعددة بأسانيد صحيحة في المصادر الروائية لأهل السنة تدل على أن اسم حضرة المهدي (عج) يطابق اسم رسول الله (ص). روى أحمد بن حنبل في مسنده بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (د.ت، 1: 376).
كذلك روى بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي» (نفس المصدر، 376).
وروى أحمد بن حنبل في حديث آخر بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (نفس المصدر، 377).
وفي سنن الترمذي أيضاً، رُويت الروايات المذكورة بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». ثم قال الترمذي بعد نقل هذا الحديث: «وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة، وهذا حديث صحيح» (د.ت، 3: 343).
الأحاديث التي بهذا المضمون، أن اسم المهدي الموعود (عج) يطابق اسم رسول الله (ص)، قد نُقلت في مصادر روائية أخرى لأهل السنة أيضاً بسند صحيح (الترمذي، د.ت، 3: 343؛ ابن حبان، 1414هـ، 13: 284؛ الطبراني، د.ت، 10: 131، 10: 133، 10: 134، 10: 135، 10: 136).
وفقاً لهذه الأحاديث التي نُقلت بأسانيد صحيحة ومتعددة، فإن اسم حضرة المهدي (عج) يطابق اسم رسول الله (ص)، ومضمون هذه الأحاديث يتعارض مع مضمون الحديث الذي يقول إن «المهدي هو نفسه عيسى بن مريم»، واسم حضرة عيسى (ع) لا يطابق اسم رسول الله (ص)، وهذه المسألة أيضاً من الانتقادات الفقهية على حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم».
3-3. اقتداء عيسى بن مريم (ع) بالمهدي الموعود (عج)
في الروايات التي ذُكرت في مجال ظهور المهدي الموعود (عج)، هناك إشارات متكررة إلى مسألة نزول حضرة عيسى بن مريم (ع). روايات هذا الباب تنقسم إلى فئتين رئيسيتين؛ الفئة الأولى هي الروايات التي تشير إلى أن حضرة عيسى (ع) بعد نزوله يقتدي بالمهدي الموعود (عج) في صلاته. وفي مقابل الأحاديث المذكورة، توجد أحاديث الفئة الثانية في هذا القسم. في أحاديث الفئة الثانية، أحياناً يُشار إلى الإمامة بشكل تشكيكي؛ كما أن في بعض هذه الروايات، يصرّح الراوي بأنه يشك بين إمامة حضرة عيسى (ع) أو المهدي الموعود (عج) ولا يعلم بأي صورة نُقل لفظ الحديث، ويحتمل الراوي أن تكون إمامة عيسى بن مريم (ع) هي المطروحة، وبهذا الشكل، لا يحدث ظهور المهدي الموعود (عج) ويتأكد مضمون «لا مهدي إلا عيسى بن مريم».
3-3-1. الروايات الصريحة في اقتداء عيسى بن مريم (ع) بالمهدي الموعود (عج)
في هذا المجال، نُقلت أحاديث متعددة؛ وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث في هذا المجال؛ فقد روى البخاري في صحيحه: «قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» (1451هـ، 4: 143). وروى مسلم أيضاً نفس المضمون مع هذا الحديث في صحيحه (النيسابوري، د.ت، 1: 94).
كما يلاحظ، فإن الحديث المذكور من متفقات البخاري ومسلم. وغير البخاري ومسلم، روى بعض أصحاب المجامع الحديثية لأهل السنة هذا الحديث في مجامعهم؛ منهم أحمد بن حنبل (د.ت، 2: 336) وابن حبان (1414هـ، 15: 213) بسند صحيح.
مجموعة الأحاديث المذكورة تُظهر بوضوح أن عيسى بن مريم (ع) بعد نزوله لا يتولى الإمامة، بل يتولاها شخص آخر.
وتوجد أحاديث أخرى في هذا القسم تُبين هذا الأمر بشكل أكثر تفصيلاً. في هذه الأحاديث، يُشار إلى أنه بعد نزول حضرة عيسى (ع)، تحين فرصة لإقامة الصلاة، فيقتدي حضرة عيسى (ع) في الصلاة بحضرة المهدي (عج)، وهذا النوع من الأحاديث يمكن أن يكون مُبيّناً لعبارة «وإمامكم منكم» في الأحاديث المذكورة. هذه الفئة من الأحاديث أيضاً نُقلت بأسانيد متعددة؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن «جابر بن عبد الله» أنه قال: «سمعت النبي (ص) يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم (ع) فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» (د.ت، 1: 95).
وقد روى نفس المضمون أحمد بن حنبل (نفس المصدر، 3: 384) وأيضاً ابن حبان (1414هـ، 15: 231) بسند صحيح.
كما هو واضح، فإن هذه الأحاديث لها دور مُبيّن لعبارة «وإمامكم منكم» في الروايات الابتدائية ويتضح أن حضرة عيسى (ع) يقتدي في صلاته بالمهدي الموعود (عج). بل إن البعض في هذا المجال ادعى التواتر بأن في الواقعة المذكورة يقتدي عيسى بن مريم (ع) في الصلاة بالمهدي الموعود (عج). على سبيل المثال، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري في شرح عبارة «وإمامكم منكم»:
«وإمامكم منكم… قال أبو الحسن الخسعي في «الأبدي في مناقب الشافعي»: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، وذكر ذلك لرد الحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه أن «لا مهدي إلا عيسى»» (د.ت، 6: 358).
وروى المزي في تهذيب الكمال: «قال أبو الحسن الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (ص) في خروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج معه عيسى (ع)، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، وعيسى يصلي خلفه، في طول من قصته وأمره» (1406هـ، 25: 149).
وقد ذكر شراح كتب الحديث لأهل السنة أسباباً لهذا الاقتداء أيضاً. قال ابن حجر في فتح الباري في ذيل واقعة اقتداء حضرة عيسى (ع) في الصلاة بحضرة المهدي (عج): «وفي حديث آخر لمسلم أن عيسى (ع) يقال له: صل لنا، فيقول عيسى (ع): لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة؛ قال ابن الجوزي حول هذا الحديث: لو تقدم عيسى إماماً لوقع في النفس إشكال، ولقيل: هل هو متقدم بالنيابة أو بشرع مبتدأ، وهذا يسبب طعناً في الإسلام؛ فيكون عيسى (ع) مأموماً ليزول غبار الشبهة، ويتحقق معنى قول النبي (ص): «لا نبي بعدي»، وصلاة عيسى (ع) خلف رجل من هذه الأمة في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة صحيحة على أن الأرض لا تخلو من حجة قائمة لله» (د.ت، 6: 358).
وكذلك كتب ابن حجر في «الإصابة»: «قال النووي في «تهذيب الأسماء»: إذا نزل عيسى، أقر بشريعة محمد، ولم ينزل رسولاً إلى هذه الأمة، وصلى خلف إمام هذه الأمة، وهذا من باب التكريم الذي أعطاه الله لهذه الأمة، وسبب هذه الكرامة هو نبي هذه الأمة» (1415هـ، 4: 638).
وكذلك كتب في «فتح الباري»: «يجد عيسى (ع) حين ينزل المهدي إمام المسلمين» (د.ت، 6: 397).
إن اقتداء حضرة عيسى بن مريم (عج) بالمهدي الموعود (عج) كان من الوضوح بمكان أنه في رواية عن «ابن سيرين» جاء أنه ذكر أن من أبرز أوصاف حضرة المهدي (عج) هو هذا الموضوع نفسه؛ ففي مصنف ابن أبي شيبة جاء أن ابن سيرين قال: «المهدي من هذه الأمة وهو الذي يؤم عيسى بن مريم» (د.ت، 8: 679). كما هو واضح، فإن إمامة المهدي الموعود (عج) على عيسى بن مريم (ع) كانت مشهورة وواضحة لدرجة أن ابن سيرين عندما أراد تعريف المهدي الموعود (عج)، ذكر صفة إمامته على عيسى بن مريم (ع) كأحد مؤشرات المهدي الموعود (عج).
في المجموع، تدل المطالب المذكورة على أن الأحاديث الدالة على اقتداء حضرة عيسى بن مريم (ع) بالمهدي الموعود (عج) في الصلاة هي من الأحاديث التي يوجد عليها اتفاق وإجماع في مضمونها، وقد ذُكرت وجوه لهذا الاقتداء من قبل علماء أهل السنة. هذه المسألة هي أحد مؤشرات قيام المهدي التي حظيت باهتمام العلماء والمحدثين وكبار أهل السنة في تعريف قيامه. الآن، لو كان عيسى بن مريم (ع) هو نفسه المهدي الموعود، فإن اعتبار هذه الأحاديث ذات الأسانيد الصحيحة – التي نُقلت حتى في الصحيحين – يصبح موضع تساؤل؛ لأنه لا معنى لأن يقتدي عيسى بن مريم (ع) في الصلاة بنفسه، ومثل هذا الأمر لا يمكن قبوله.
هنا يمكن أن يُطرح نقد، وهو أن بعض الأحاديث موجودة في المصادر الروائية لأهل السنة محتواها أنها مترددة بين الاقتداء أو إمامة حضرة عيسى (ع). الانتباه إلى هذا النوع من الروايات قد يثير هذه الشبهة في الذهن بأن حضرة عيسى بن مريم (ع) هو من يتولى الإمامة، وينشأ تصور بأن المهدي الموعود هو نفسه عيسى بن مريم، وقد تكون هذه الأحاديث مؤيدة لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم».
3-3-2. الروايات المشتملة على التشكيك في اقتداء عيسى بن مريم (ع) أو إمامته
في بعض الأحاديث، أُشير إلى موضوع الإمامة أو الاقتداء بشكل تشكيكي؛ كما أن في بعض هذه الروايات، صرّح الراوي بوضوح بأنه يشك بين إمامة حضرة عيسى (ع) أو المهدي الموعود (عج) ولا يعلم بأي صورة نُقل لفظ الحديث. روى مسلم في صحيحه: «قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمكم منكم. قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة «وإمامكم منكم». قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم» (د.ت، 1: 94).
وروى أحمد بن حنبل بسند صحيح: «قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم فأمكم، أو قال: إمامكم منكم» (د.ت، 2: 272).
وروى عبد الرزاق أيضاً بسند صحيح: «قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم حاكماً فأمكم، أو قال: إمامكم منكم» (د.ت، 11: 400).
في الرواية الثانية التي رواها «أحمد بن حنبل» و«عبد الرزاق»، يلاحظ هذا الشك بوضوح، حيث إن الراوي متردد بين جملتي «فأمكم منكم» أو «وإمامكم منكم»؛ أما الرواية التي رواها مسلم فقد أشارت إلى هذا الاختلاف وسعت إلى رفع الاختلاف المذكور بحيث لا يكون هناك اختلاف مع أحاديث «وإمامكم منكم». الحديث الذي رواه مسلم يدل على أن حضرة عيسى (ع) يحكم على الأمة الإسلامية، وأن حضرة عيسى (ع) سيؤم المسلمين بناءً على القرآن وسنة النبي الخاتم. وهذا هو نفس المطلب الذي صرّح به النووي أيضاً نقلاً عن ابن حجر العسقلاني وقال: «إذا نزل عيسى، أقر بشريعة محمد، ولم ينزل رسولاً إلى هذه الأمة، وصلى خلف إمام هذه الأمة، وهذا من باب التكريم الذي أعطاه الله لهذه الأمة، وسبب هذه الكرامة هو نبي هذه الأمة» (الإصابة، 1415هـ، 4: 638).
3-3-3. الجمع الدلالي بين روايات التشكيك في إمامة عيسى بن مريم (ع) أو اقتدائه
يجب الانتباه إلى أنه إذا اعتُبرت روايات «فأمكم منكم» متعارضة مع روايات «وإمامكم منكم»، فإنه بطبيعة الحال وفقًا للمعايير الروائية لأهل السنة، تكون لروايات «وإمامكم منكم» التي تصرح بإمامة المهدي الموعود (عج) الأولوية، لأن رواية «وإمامكم منكم» من متفقات البخاري ومسلم (البخاري، 1415هـ، 4: 143؛ مسلم، د.ت، 1: 94).
أما إذا لم تُعتبر الروايات متعارضة، فيمكن الجمع بين الروايات. في هذا الصدد، يجب الانتباه إلى أن رواية «أحمد بن حنبل» و«عبد الرزاق» في هذا المجال مبتلاة بعارضة شك الراوي في مضمون الرواية، ولكن رواية مسلم في هذا المجال صريحة وسعت لحل الشبهة؛ من جهة أخرى، عندما تُستعرض أحاديث أهل السنة، يلاحظ أنه في المصادر الروائية لأهل السنة توجد أحاديث تدل على أن حضرة عيسى (ع) بعد نزوله يقيم الصلاة على الأمة الإسلامية ويحكم أيضاً.
من بين الأحاديث التي ذُكر فيها فقط مسألة إقامة صلاة حضرة عيسى (ع)، حديث رواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح أن رسول الله (ص) قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم، هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية. فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» (1414هـ، 15: 224).
كما يلاحظ، فإنه في هذه الروايات لا يوجد حديث عن حضور المهدي الموعود (عج) في المعركة، بل فقط إشارة إلى حضور حضرة عيسى (ع)، ومن الواضح أنه إذا كان في أي من ساحات آخر الزمان موقف يكون فيه حضرة عيسى (ع) بين الأمة الإسلامية ولا يكون المهدي الموعود (عج) حاضراً هناك، فإن إقامة الصلاة تتم بواسطة حضرة عيسى (ع)، وبالتالي، لا يمكن اعتبار الأحاديث المذكورة روايات معارضة لإمامة المهدي الموعود (عج).
ولكن في بعض الروايات، ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، وتم التطرق إلى مسألة تولي حضرة عيسى (ع) الحكم، وذُكرت أيضاً كيفية حكم حضرة عيسى (ع) وقُدِّم كحاكم عادل؛ كما روى مسلم أن رسول الله (ص) قال: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد…» وفي رواية ابن عيينة: «إماماً مقسطاً، وحكماً عدلاً»، وفي رواية يونس: «حكماً عادلاً» ولم يذكر إماماً مقسطاً، وفي حديث صالح: «حكماً مقسطاً» كما قال الليث، وفي حديثه زيادة: «حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها». ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء: 159)» (د.ت، 1: 93).
وروى مسلم في رواية أخرى أن رسول الله (ص) قال: «والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» (نفس المصدر، 94).
وروى ابن حبان أيضاً بسند صحيح عن عائشة: «دخل رسول الله (ص) وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت الدجال. فقال: لا تبكي، فإن يخرج وأنا حي أكفكموه، وإن مت فإن ربكم ليس بأعور، وإنه يخرج ومعه يهود، فيسير حتى ينزل بناحية المدينة، وهي يومئذ ذات سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، حتى يأتوا الشام، فينزل عيسى بن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى بن مريم في الأرض أربعين سنة، أو قريباً من أربعين سنة، إماماً عدلاً، وحكماً مقسطاً» (1414هـ، 15: 234).
هذه الروايات لا تتعارض مع روايات إمامة حضرة المهدي (عج) في الصلاة؛ لأنها تشير إلى أن حضرة عيسى (ع) بعد نزوله يحكم على جزء من الأمة الإسلامية، وهذه الروايات تعرفه كحاكم عادل، وهو في دائرة حكمه إمام عادل، وهذه المسألة لا تتعارض مع اقتدائه بالمهدي الموعود (عج)؛ بل يمكن حمل هذه الأحاديث على الساحات التي لا يكون فيها حضرة المهدي (عج) حاضراً، وكذلك تشير إلى كيفية حكم حضرة عيسى (ع) في المنطقة التي تحت سيطرته – والتي أخذ إذن ولايته من المهدي الموعود (عج) -. وبالتالي، فإن هذه الأحاديث أيضاً لا يمكن أن تكون مؤيدة وسنداً لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»، وعودة عيسى بن مريم (ع) تتزامن مع ظهور المهدي الموعود (عج)، ويقتدي حضرة عيسى (ع) في صلاته بالمهدي الموعود (عج)؛ بينما إذا كان حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» مقبولاً، فإن اعتبار هذه المجموعة من الأحاديث التي نُقلت بأسانيد صحيحة في المصادر الروائية لأهل السنة يُصبح موضع تساؤل؛ لأن اقتداء عيسى بن مريم (ع) في الصلاة بنفسه لا معنى له.
3-4. النقد الفقهي لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» من قبل ناقلي الحديث وبعض أعلام أهل السنة
نقطة أخرى تُطرح في قسم النقد الفقهي لحديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» هي أن هذا الحديث قد تم نقده من قبل بعض الذين رووه في مجامعهم الروائية. على سبيل المثال، قال الحاكم النيسابوري بعد نقل الحديث المذكور في «المستدرك على الصحيحين»: «إنما خرجته تعجباً، لا محتجاً به في المستدرك على الشيخين؛ والأولى بهذا الحديث حديث سفيان الثوري وشعبة وزائدة وسائر أئمة المسلمين عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله (ص) أنه قال: لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك رجل من أهل بيتي، اسمه يواطئ اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً» (1430هـ، 4: 442).
كما يلاحظ، فإن الحاكم النيسابوري الذي روى الرواية المذكورة في جامعه الحديثي لم يكن يعتقد بصحتها، ومن باب «التعجب والدهشة» روى الرواية، ويعتبر الرواية التي رواها أئمة الحديث في مجال المهدوية أرجح وأصح.
وكذلك كتب ابن عساكر بعد نقل الحديث المذكور في «تاريخ مدينة دمشق»: «والأحاديث في التصريح بخروج المهدي وأنه من عترة النبي (ص) أصح سنداً» (1415هـ، 47: 518).
وكتب القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»: «وقيل إن المهدي هو عيسى، وهذا القول غير صحيح؛ لأن الأخبار الصحيحة قد تواترت بأن المهدي من عترة رسول الله (ص)، ولهذا لا يصح حمله على عيسى (ع)، والحديث الذي ورد بأن «لا مهدي إلا عيسى» هو أيضاً غير صحيح. قال البيهقي في كتاب البعث والنشور: علة عدم صحة الرواية المذكورة هي أن «محمد بن خالد الجندي» موجود في سندها وهو مجهول، وهو أيضاً روى الحديث عن «أبان بن أبي عياش» وهو متروك، و«أبان بن أبي عياش» أيضاً روى عن الحسن البصري عن رسول الله (ص) وهو منقطع، والأحاديث التي فيها نص صريح على خروج المهدي وتشير إلى أنه من عترة رسول الله (ص) هي أصح سنداً؛ بالإضافة إلى المطالب التي ذكرتها هنا، فقد بيّنت مطالب أكثر في هذا الشأن في كتابي «كتاب التذكرة» وبيّنت الأخبار المتعلقة بالمهدي بشكل وافٍ هناك، والحمد لله» (1405هـ، 8: 121).
الخاتمة
بعد التأمل في المطالب المذكورة، تُستخلص النتائج التالية:
1. حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» من الناحية السندية فاقد للاعتبار تماماً.
2. الذين استندوا إلى حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» لإنكار ظهور المهدي الموعود (عج) قد تم نقدهم أيضاً من قبل كبار أهل السنة، وفي الحالات التي نُسب فيها هذا الرأي إلى شخص ما – مثل النقل المنسوب إلى مجاهد – يتضح بعد الدراسة أن الكلام المذكور لا تصح نسبته إليه.
3. حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» من وجهة نظر فقه الحديث يتعارض أيضاً مع الأحاديث التي تدل على أن المهدي الموعود (عج) من نسل رسول الله (ص) ومن أبناء حضرة فاطمة (س) واسمه كاسم رسول الله (ص)، وكذلك يتعارض مع الأحاديث الصحيحة الدالة على أن عيسى بن مريم (س) بعد نزوله يقتدي بالمهدي الموعود (عج) في الصلاة. كما أن الحديث المذكور قد تم نقده ورفضه من قبل الذين رووه في مصادرهم الروائية، وكذلك من قبل بعض كبار أهل السنة.
بناءً على مجموع هذه المطالب، يمكن القول إن حديث «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» لا يمكن أن يكون مقبولاً، والحديث المذكور من الناحية السندية والفقهية ضعيف جداً.
المصادر والمراجع
ابن أبي شيبة، عبد الله، المصنف، بيروت، دار الفكر، د.ت.
ابن حبان، محمد، الصحيح، د.م، د.ن، 1414هـ.
________، كتاب المجروحين، د.م، د.ن، د.ت.
ابن حجر العسقلاني، أحمد، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.
________، تقريب التهذيب، بيروت، دار المكتبة العلمية، 1415هـ.
________، تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، 1404هـ.
________، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة، د.ت.
________، لسان الميزان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1390هـ.
ابن حنبل، أحمد، العلل ومعرفة الرجال، بيروت، المكتب الإسلامي، 1408هـ.
________، المسند، بيروت، دار صادر، د.ت.
ابن خلدون، عبد الرحمن، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
ابن عدي، عبد الله، الكامل في ضعفاء الرجال، بيروت، دار الفكر، 1409هـ.
ابن عساكر، علي بن حسن، تاريخ مدينة دمشق، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.
ابن ماجه، محمد، السنن، بيروت، دار الفكر، د.ت.
ابن معين، يحيى، تاريخ، بيروت، دار المأمون للتراث، د.ت.
أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن، بيروت، دار الفكر، د.ت.
أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي، مسند، دمشق، دار المأمون للتراث، د.ت.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر، 1401هـ.
الترمذي، محمد بن عيسى، السنن، بيروت، دار الفكر، د.ت.
الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1430هـ.
الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد، بيروت، دار الكتب العلمية، د.ت.
الذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ.
________، ميزان الاعتدال، بيروت، دار المعرفة، د.ت.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، د.ن، د.ت.
عبد الرزاق، ابن همام، المصنف، د.م، د.ن، د.ت.
العقيلي، محمد بن عمرو، الضعفاء الكبير، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ.
القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1405هـ.
مدير شانه جي، كاظم، دراية الحديث، قم، دفتر انتشارات إسلامي، 1386ش.
المزي، يوسف، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406هـ.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح، بيروت، دار الفكر، د.ت.
النسائي، أحمد بن شعيب، كتاب الضعفاء والمتروكين، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ.
الهوامش
1. يقول السيوطي في تدريب الراوي: من جملة الكتب التي دُونت في الحديث، جمع أحاديث الأطراف. الطرف يعني الجزء الأول من الحديث الذي يمثل مضمونها، وذكر أسانيدها واستقصاؤها (مدير شانه جي، 1386هـ.ش، ص 175).
2. أستاذ بكلية الإلهيات في جامعة طهران (الباحث المسؤول) – maaref@ut.ac.ir.
3. طالب دكتوراه بكلية أصول الدين في طهران – f_manaei@yahoo.com.