الملخص
يُعدّ محمد ناصر الدين الألباني أحد أبرز محدثي «السلفية» وأكثرهم تأثيراً، وله مؤلفات واسعة في مجالات متنوعة، انتشرت بكثرة في البلدان الإسلامية. يتناول الألباني في قسم من كتابه «التوسل: أنواعه وأحكامه»، تحت عنوان «أحاديث ضعيفة في التوسل»، رواية «التوسل بحق السائلين». وقد أورد إشكالاً على هذا الحديث الذي يعبر بوضوح عن التوسل بالحق الذي للسائلين على الله، معتبراً إياه حديثاً موضوعاً من خلال تضعيف «عطية العوفي». بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل، يتضح صدق عطية العوفي وعدالته، وتُدفع شبهة تدليس عطية وتشيعِه التي أثارها الألباني. إن جرح عطية بسبب تدليسه يستند إلى الاعتماد على رواية عن محمد بن السائب الكلبي، التي تفرّد بها وهو متهم بالكذب. كما أن جرح عطية بسبب تشيعه مردود أيضاً؛ لأن الجرح على البدعة لا يُلتفت إليه بعد ثبوت صدق الراوي وعدالته.
1. طرح المسألة
إن ترويج الثقافة المحمدية الأصيلة وثقافة أهل بيت العصمة والطهارة (ع) قد واجه على مر التاريخ انحرافات فكرية وسوء فهم، ومن أبرز نماذجها ما يمكن ملاحظته في فكر الوهابية والسلفية. ومن مستلزمات ترويج هذه الثقافة الأصيلة مواجهة الشبهات والانحرافات الفكرية التي تظهر في كل عصر، وإذا أمعنا النظر، سنجد أن جذورها تمتد إلى عقائد السابقين. إن مهندس هذا الفكر هو ابن تيمية، أحد معارضي أبناء نبي الإسلام (ص)، الذي طُوي فكره من القرن السابع حتى القرن الثالث عشر، ولقي معارضة من مفكري المذاهب الإسلامية؛ ولكن منذ أقل من قرن، عاد هذا الفكر المنحرف ليُطرح مجدداً في المجتمع الإسلامي على أيدي أشخاص معروفين.
«السلفية»، بمعنى «المنهج المتقدم»، تعتقد بضرورة اتباع الأجيال الثلاثة الأولى من حياة الأمة الإسلامية، وهذا المعتقد يمنحهم رؤية وأسلوباً مميزاً في التعامل مع القضايا الدينية. وتدّعي السلفية، التي تشكل حاضنة الوهابية، أنه لا وجود لأي مذهب، وأنه يجب العودة إلى عصر السلف، أي زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، واعتناق الإسلام بلا مذهب. يقولون: «تعالوا لنتحد من خلال ترك جميع المذاهب»؛ ولكن بيد أخرى، يشهرون سيف التكفير، ويكفرون الآخرين في المجتمع الإسلامي، ويدفعون بهم إلى خانة الكفار، مما يؤدي إلى تفرقة المجتمع. من الواضح أن دعوة الناس إلى ترك منجزات المذاهب أمر مستحيل؛ خاصة أن وراء هذه الدعوة إلى «اللامذهبية» يكمن مذهب، وهو مذهب وقع في شرك الجمود وضيق الأفق، يصور الإسلام كدين جامد، بلا روح، ناقص، غير فعال، وعديم الجاذبية، ومن خلال إحياء روح العنف والتعصب، يغلق الباب أمام أي تقارب، وبدلاً من ذلك، يخلق جواً من الصراعات وسوء الظن، ويدفع الجميع نحو سيف الاقتتال.
من مواضع الخلاف بين الوهابيين وسائر المسلمين، التوسل بأولياء الله، أو بعبارة أخرى، اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى، وهو ما لا يجيزه الوهابيون؛ أما عامة المسلمين، فلا يكتفون بإجازته فحسب، بل عملوا به على مر التاريخ. وقد أجاز الكتّاب الوهابيون ثلاثة أنواع فقط من التوسل، والتي لم تكن قط موضع نقاش أو حوار: 1. التوسل بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته. 2. التوسل بالأعمال الصالحة التي قام بها الإنسان في الماضي. 3. طلب الدعاء من أخ مؤمن. أما سائر أنواع التوسل فيعتبرونها شركاً وبدعة وحراماً. وقد تصرّفت الوهابية في النوع الثالث من التوسل أيضاً، حيث تقول إن هذا النوع يخص الأحياء في هذه الدنيا فقط؛ لا الإنسان الميت (الحي في عالم البرزخ)، وفي غير هذه الصورة، يعتبر نوعاً من الشرك وعبادة البشر.
وردت أحاديث كثيرة في المصادر التاريخية والروائية للفريقين تدل على جواز وصحة بل واستحباب التوسل بذوات الأنبياء وأولياء الله أو بمقاماتهم للتقرب إلى الله تعالى وطلب الحاجة منه. أحاديث التوسل في مصادر أهل السنة ذات طرق صحيحة، وتبيّن التوسل بالنبي (ص) قبل حياته الشريفة، وفي أثناء حياته، قبل البعثة وبعدها، وكذلك بعد وفاته، والتوسل بحق السائلين.
محمد ناصر الدين الألباني، كغيره من السلفيين، يقبل الأنواع الثلاثة المذكورة من التوسل المجاز، ويبطل بقية أنواع التوسل. يُعدّ شخصية بارزة بين السلفية، ويُعتبر تصحيحه وتضعيفه للأحاديث حجة في نظرهم؛ لكن مخالفيه، ومنهم الغماري، يعتقدون أنه لم يكن شخصية مهمة في علم الحديث، وأنه عمد إلى تضعيف وتصحيح الأحاديث التي لا تروق له، وهاجم العلماء المعتبرين؛ حتى إن صحيحي البخاري ومسلم لم يسلما من تضعيفه (انظر: الغماري المغربي، 1424هـ، 8). كان يغير الأحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم؛ فيضعّف الصحيح ويجمّل الضعيف (انظر: المصدر نفسه، 13). يعتقد أن استمداد الميت من الأحياء اعتقاد باطل، ويعد طلب العون من غير الله نوعاً من الشرك الأكبر (انظر: الألباني، 1421هـ، 10). حسب اعتقاده، فإن الوسيلة الوحيدة للتقرب إلى الله هي الأعمال الصالحة، والتوسل بذوات الأنبياء أو بحقهم أو حرمتهم ومكانتهم لم يثبت في الشرع (المصدر نفسه، 15).
من بين آرائه الأخرى المتعلقة بالتوسل، يمكن الإشارة إلى ما يلي: 1. تحريم السفر لزيارة قبر رسول الله (ص). 2. ادعاؤه أن النبي (ص) ليس حياً في قبره. 3. منع استخدام لفظ «سَيِّدُنَا» في حق النبي (ص) ووصف قائله بالمبتدع. 4. كراهة قراءة القرآن على الميت. 5. تخيير المصلي في التشهد بين قول «اَلسَّلامُ عَلَى النَّبِی» و«اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِي». 6. تحريم زيارة قبور المسلمين. 7. المطالبة بهدم القبة الخضراء فوق قبر النبي (ص) (انظر: الغماري المغربي، 1424هـ، 16-19). وفي الرد على هذه الآراء للألباني، أُلفت كتب من قبل علماء أهل السنة (انظر: المصدر نفسه، 20-22).
يرى الألباني أن الروايات الدالة على التوسل معلولة من جهتين: إما بسبب إشكالات وأنواع من الضعف في سندها، فلا يثبت مضمونها، وإما أنها صحيحة السند؛ لكنها لا تدل على إثبات التوسل الذي يقبله غير السلفيين (انظر: الألباني، 1421هـ، 4).
يختلف الوهابيون وعامة المسلمين في بعض أقسام التوسل؛ منها: 1. التوسل بجاه النبي (ص) وأولياء الله في الحياة البرزخية. 2. التوسل بدعاء النبي (ص) وأولياء الله في الحياة البرزخية (المصدر نفسه، 9-10). أكثر المفكرين الإسلاميين يجيزون التوسل بالجاه والدعاء والآثار في حياة النبي (ص) ومماته. في كتاب «وفاء الوفاء» للعالم السني المعروف السمهودي نقرأ: «إن الاستغاثة وطلب الشفاعة لدى الله من النبي (ص) ومن مقامه وشخصيته جائز قبل خلقه، وبعد ولادته، وبعد رحيله، وفي عالم البرزخ، وفي يوم القيامة»؛ ثم يذكر لكل حالة نماذج من روايات أهل السنة (انظر: السمهودي، 1419هـ، 3: 1371-1373). الألباني يجيز فقط التوسل بالدعاء، وذلك في الحياة فقط؛ لأن الحياة البرزخية من الغيب ولا يعلم كنهها أحد (انظر: الألباني، 1421هـ، 59). ويقول: «إن الضلال العظيم والمصيبة الكبرى هي الاستغاثة بغير الله تعالى، من الأنبياء والصالحين، في الشدائد والمصائب» (المصدر نفسه، 123).
التوسل بأولياء الله، وخاصة برسول الله (ص)، سواء في حياته الظاهرية أو في حياته البرزخية، كان منذ عهد الصحابة والتابعين أصلاً اعتقادياً مسلماً ومقبولاً لدى الجميع، وسيرة الصحابة والتابعين والروايات الكثيرة تشهد على ذلك. ورغم أن كتّاباً مثل الألباني يحاولون الطعن في أسانيد الأحاديث المذكورة؛ إلا أنه من الواضح أن الروايات عندما تكون كثيرة وتبلغ حد التواتر، لا يبقى مجال للطعن، وروايات التوسل في المصادر الإسلامية تفوق حد التواتر (انظر: مكارم الشيرازي، 1374ش، 4: 368). علاوة على ذلك، فإن بعض الأحاديث التي ضُعِّفت في كتاب «التوسل، أنواعه وأحكامه» قابلة للتصحيح. وبعض هذه المباحث قابلة للنقاش، وقد بذل الحوزويون والجامعيون جهوداً في هذا الصدد. هذه الدراسة، بأسلوب تحليلي ومنهج نقدي، تسعى إلى دراسة تضعيفات إحدى الروايات المطروحة في الكتاب المذكور.
سؤال هذا البحث هو: إلى أي مدى تتمتع تضعيفات الألباني لأحاديث التوسل، وخاصة روايات التوسل بحق السائلين، بالاعتبار؟ وهدف هذا البحث هو نقد آراء الألباني في موضوع المقالة، ومن خلال الدراسات التي أُجريت، يتضح أن تضعيفاته غير مقبولة لدى علماء الشيعة وأهل السنة، وهي ادعاءات غير مقنعة وبلا دليل.
إن التوسل بالأسباب للوصول إلى الأهداف في الحياة المادية والروحية أمر مرغوب بل وضروري من منظور فطري وعقلي. وفي أصل جواز التوسل، قلما يوجد شك؛ ولكن ما هو موضع نظر هذا التحقيق هو التوسل بحق السائلين، الذي ناقشه الألباني في كتابه. إن التوسل بالنبي الأكرم (ص) والصالحين وأولياء الله من المسائل التي أوجدت بسترًا للاختلاف في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين، لدرجة أن الوهابيين، استناداً إلى بعض ظواهر الآيات، يتهمون المعتقدين بالتوسل بالشرك والكفر، دون أن يكون لديهم فهم لحقيقة التوسل والاستمداد من أولياء الله في القرآن الكريم والروايات. نظراً لما ذُكر وضرورة رد هذه الأفكار، يسعى هذا البحث إلى دراستها.
حول خلفية البحث، يمكن القول إن هناك كتباً أُلّفت في نقد آراء السلفية حول التوسل أو نقد نظريات الألباني، ومنها:
– رضواني، علي أصغر (1389ش)، توسل، قم، انتشارات مسجد مقدس جمكران.
– سبحاني، جعفر (1390ش)، فرهنگ عقاید و مذاهب اسلامی، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، الطبعة الثالثة.
– غماري المغربي، عبدالله (1424ق)، الرسائل الغمارية جزء فيه الرد على الألباني، بلا مكان، دار المشايع للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية.
– مناقب، سيد مصطفى (1390ش)، توسل به أهل بيت (ع) از نگاه قرآن و سنت، قم، بوستان کتاب.
الأطروحات التي تتعلق بنقد الألباني ونظرياته وآرائه هي:
– نصرتي، كمال الدين (1393ش)، نقد و بررسی دیدگاههای سلفی ناصر البانی، دانشگاه مذاهب إسلامی.
– زاهدی فر، سیفعلی (1389ش)، نقد و بررسی مبانی و آراء حدیثی محمد ناصر الدین الألبانی، دانشگاه قم.
أما بخصوص نقد ودراسة نظريات الألباني حول التوسل، وخاصة نقد كتابه، فلا يوجد مصدر مستقل.
2. ترجمة محمد ناصر الدين الألباني ومنهجه
قبل الدخول في مناقشة الأدلة، من الضروري تقديم بعض المعلومات التمهيدية للتعريف بمقدمات البحث. محمد ناصر الدين الألباني هو أحد المحدثين البارزين في «الفكر السلفي» في العصر الحديث، وتأثيره في هذا التيار وأتباعه لا يمكن إنكاره؛ لذا، من الضروري التطرق إلى سيرته ومنهجه ومكانته ونشاطاته العلمية.
اتخذ الألباني منذ شبابه طريق ومنهج السلفية، وفيما بعد، بسبب نشاطاته في هذا المسار، سُجن عدة مرات من قبل حكومة وقته، ومُنع من التبليغ والسفر (انظر: عصام، 1423هـ، 13). له مؤلفات واسعة في مجالات مختلفة انتشرت في البلدان الإسلامية، وتُرجم الكثير منها إلى لغات حية. وقد ذكر أبو محمد سجاد 217 عنواناً من تأليفاته وتحقيقاته (المصدر نفسه، 68-78).
أثنى عدد من علماء أهل السنة على الألباني، وقد أورد محمد بن إبراهيم الشيباني نماذج من ثناء علماء أهل السنة على الألباني في كتابه (انظر: الشيباني، 1407هـ، 539-556).
3. رواية «التوسل بحق السائلين»
يذكر الألباني في كتابه «التوسل، أنواعه وأحكامه»، في قسم بعنوان «أحاديث ضعيفة في التوسل»، أحاديث مشهورة يُتمسك بها في بحث التوسل من قبل مخالفي التيار السلفي، ويسعى هو إلى تضعيفها دلالياً أو سندياً.
روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا… أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ» (الألباني، 1421هـ، 92).
في هذا الحديث، من الواضح أن حق السائلين على الله هو موضع التوسل، والسائل يتخذه وسيلة ليجيب الله دعاءه من أجل ذلك الحق الذي للسائلين عليه، فالدّاعي نفسه سائل وله هذا الحق على الله (انظر: السبحاني، 1390ش، 3: 254-255). هذا الحديث قابل للدراسة من عدة جوانب سيتم تناولها.
1-3. دلالة الحديث
يدل هذا الحديث على التوسل وطلب الحاجة من الله بحق أوليائه وجاههم وكرامتهم عنده، وهذا يرجع إلى حب الله وإكرامه لهم. لا فرق في هذا الدعاء بين أن يكون «الولي» حياً أو ميتاً؛ لأن الله يحب أولياءه ويكرمهم جميعاً؛ بل إن الولي الميت أولى؛ لأنه في دار الكرامة والجزاء (انظر: فودة، بدون تاريخ، 39). إذ لا يوجد أدنى خدش في دلالة الرواية؛ على الرغم من أن بعض المتطرفين كالوهابية حاولوا التشكيك في سند الرواية؛ ولكن هذه الشبهات قابلة للدفع، وسيتم طرحها والرد عليها لاحقاً.
2-3. شبهة الألباني في وضع الحديث وتضعيف عطية العوفي
يقول الألباني في معرض تضعيفه لسند رواية «التوسل بحق السائلين»: «سند هذا الحديث ضعيف؛ لأنه رواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية العوفي ضعيف؛ كما ضعفه المنذري في الترغيب، والإمام النووي في كتاب الأذكار، وابن تيمية في كتاب القاعدة الجليلة، والذهبي في كتاب الميزان. وقد ذكر الذهبي في كتاب الضعفاء أن «أئمة الحديث أجمعوا على ضعفه»، والحافظ الهيثمي في مواضع متعددة من كتابه مجمع الزوائد ضعّفه. كما أورده أبو بكر بن محب البعلبكي في كتاب الضعفاء والمتروكين، والبوصيري أيضاً ضعّفه؛ كما قال في كتاب مصباح الزجاجة: «هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء»، وكذلك الحافظ ابن حجر ضعّفه بقوله: «صدوق يخطئ كثيراً كان شيعياً مدلساً». وبيّن سبب ضعفه بأمرين: الأول أن حفظه ضعيف؛ كما تدل عليه عبارة «يخطئ كثيراً».
وهذه العبارة شبيهة بعبارة الحافظ ابن حجر التي استعملها في كتاب طبقات المدلسين في عطية المذكور، حيث قال: «ضعيف الحفظ». كما ذكر الحافظ ابن حجر في كتاب تلخيص الحبير حديثاً آخر في سنده عطية العوفي، واستعمل الحافظ في ذلك الكتاب عبارة أصرح في تضعيفه قائلاً: «في سنده عطية بن سعيد العوفي وهو في الرواية ضعيف»، والثاني أنه كان مدلساً (الألباني، 1421هـ، 92).
يعتبر الألباني تدليس عطية من نوع تدليس الشيوخ ويعده حراماً، ويقول: «كان عطية يروي عن أبي سعيد الخدري، فلما توفي أبو سعيد الخدري، جالَس عطية رجلاً من الكذابين اسمه الكلبي، وكان معروفاً بالكذب والافتراء في الحديث، فروى عنه أشياء، وكنّى الكلبي في روايته بأبي سعيد؛ فظن السامعون أن مراده أبو سعيد الخدري. ويرى الألباني أن هذا الفعل من عطية يكفي وحده لإسقاط عدالته؛ فكيف إذا أضيف إليه سوء الحفظ (انظر: المصدر نفسه، 93).
في النهاية، يستنتج الألباني أنه بما أن عطية ضعيف بسبب سوء حفظه وتدليسه القبيح، فإن حديثه المذكور: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ… فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ…» ضعيف أيضاً (المصدر نفسه، 94).
3-3. نقد شبهة وضع الحديث
يمكن دراسة هذه الشبهة من عدة جوانب:
أولاً: بنظرة إجمالية إلى الرواية، يمكن القول إن إتقان الحديث وفصاحة كلماته وانسجام تعابيره تدل على صحته ورصانته؛ لأن كلام المعصوم يتسم بالإتقان والفصاحة، وهذا الحديث يتمتع بهذه الميزة.
ثانياً: يوجب العقل وجود دافع لوضع حديث ما. فهل كان هناك في زمن صدور هذه الرواية خلاف في مسائل التوسل الحالية؟ (انظر: السبحاني، 1390ش، 3: 257).
إن مجال وضع الحديث في الغالب يتعلق بمناقب وفضائل الأفراد والمسائل المرتبطة بالحكام والولاة، وأحياناً كان أتباع المذاهب يضعون الأحاديث للنيل من أتباع المذاهب الأخرى، وكذلك في صفات الله وحياة البرزخ أو الحياة في الدار الآخرة، كان مجال وضع الحديث للأحبار والرهبان؛ لكن حديثاً كحديث عطية الذي يصور إنساناً صالحاً يخرج من بيته إلى المسجد ويسأل الله بحق ما تعهد به للسائلين أن يجيره من النار ويغفر ذنوبه، هو بعيد عن مجال الوضع والجعل (انظر: المصدر نفسه).
ثالثاً: هذا الحديث لا ينافي أي آية أو حديث، والعقل يؤيده؛ لأن الله نفسه قد جعل حقاً للداعي، حيث قال: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (غافر: 60)، وبناءً على ذلك، طلب الدعاء من العبد وألزم نفسه بالإجابة، وهذا هو نفسه حق السائلين على الله الذي أوجده الله لهم.
أما ما يثبت عن عطية، فهو أن حديثه إذا سلم من التدليس فهو حسن، وهذا الحديث كذلك (انظر: فودة، بدون تاريخ، 39).
رابعاً: هذا الحديث ليس من تفرد عطية عن الخدري؛ بل أبو الصديق في رواية عبد الحكم بن ذكوان تابعه، وهو أيضاً ثقة عند ابن حبان. وقد خرج ابن السني في «عمل اليوم والليلة» عن الوازع عن بلال، رواية: «اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ…»، وليس في سندها عطية ومرزوق وابن الموفق (انظر: ابن السني، بدون تاريخ، 75). ورغم أن هذه الرواية قد طعن فيها الألباني؛ إلا أنه من أجل الاهتمام وإتمام الفائدة، يُشار إليها إلى جانب رواية أبي سعيد الخدري، وسيتم دراستها في الجزء الأخير من هذا البحث.
4-3. صدق عطية العوفي وعدالته
بعد أن اتضحت حقيقة الجرح الذي قيل في عطية العوفي، لا بد من بيان صدق هذا الرجل وعدالته وعمل أئمة الحديث بحديثه واحتجاجهم به في الأحكام. لقد وثقت جماعة من أهل الحديث عطية وعدّوه عادلاً وقبلوا حديثه، والحق معهم؛ منهم ابن سعد في الطبقات الكبرى يقول: «إن شاء الله ثقة وله أحاديث صالحة، وبعض الناس لا يحتجون به» (ابن سعد، 1410هـ، 6: 305).
من كلام ابن سعد هذا يُفهم ما يلي: 1. توثيق عطية العوفي. 2. أن لعطية العوفي أحاديث صالحة مقبولة. 3. تأكيد توثيقه؛ لأن ابن سعد يرى بعض الناس لا يحتجون به، ومع ذلك يرجح توثيقه. النتيجة هي أن توثيق عطية العوفي مقبول بلا شك (انظر: ممدوح، 1416هـ، 132).
إمام الجرح والتعديل، يحيى بن معين، وثقه وكرر ذلك مراراً؛ منها قوله في جواب سؤال عن عطية: «صالح» (انظر: ابن معين، 1399هـ، 3: 500). من منظور قواعد الحديث، عندما يسأل الناقد عن حال شخصية حديثية ويقال: «صالح»، فإن هذا يعتبر تعديلاً، ويصبح الرجل بهذا القول موثوقاً؛ لأنه صالح الحديث؛ وإن كان هذا لا يعني أنه في مرتبة عالية من التوثيق؛ بل حديثه حسن (انظر: ممدوح، 1416هـ، 132).
اعتبر علماء الدراية الشيعة مصطلح «صالح» أو «صالح الحديث» من ألفاظ التعديل (انظر: الجبعي العاملي، 1413هـ، 204؛ الحائري، 1416هـ، 1: 50؛ الصدر، بدون تاريخ، 384؛ السبحاني، 1390ش، 153؛ الفضلي، 1416هـ، 83؛ الرباني، 1380ش، 249). كما اعتبره كتّاب الدراية من أهل السنة من ألفاظ التعديل؛ وإن كان من ألفاظ المرتبة الخامسة (انظر: عجاج خطيب، 1418هـ، 287) أو السادسة (المصدر نفسه، 334)، وهي من مراتب التعديل الدنيا والقريبة من الجرح (انظر: جديدي نژاد، 1381ش، 152).
في سنن الترمذي، وردت رواية عن عطية عن أبي سعيد الخدري، صححها أبو عيسى. وقد صححها الألباني في كتابه صحيح وضعيف سنن الترمذي (انظر: الألباني، بدون تاريخ، 7: 243).
الإمام أحمد بن حنبل أيضاً في المسند أورد رواية عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) قال لعلي (ع): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (ابن حنبل، 1420هـ، 17: 373). وقد وردت رواية مشابهة بنفس السند في مسند ابن الجعد (ابن الجعد، 1410هـ، 301).
ثلاثة من كبار الحفاظ أيضاً حسّنوا حديث عطية: الأول: الحافظ أبو الحسن المقدسي الذي نقل عنه تلميذه المنذري. الثاني: الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء. الثالث: ابن حجر في أمالي الأذكار الذي نقل عنه ابن علان في شرح الأذكار (فودة، بدون تاريخ، 39). ورغم أن الألباني اعتبر تحسين ابن حجر سهواً منه، وأن الناس قد خُدعوا بسهو الحافظ بسبب جهلهم (انظر: الألباني، 1421هـ، 94)، يجب أن نتساءل: لماذا يُعتبر تحسين الحافظ سهواً؟! هل الغرض هو قبول الأقوال التي تؤيد أقوال الألباني فقط، واعتبار الآراء المخالفة مبنية على السهو؟! في تحسين وتوثيق عطية، هناك أقوال كثيرة يمكن الرجوع إليها (انظر: ممدوح، 1416هـ، 132-146).
5-3. نقد نسبة الجرح إلى عطية
فيما يتعلق بنسبة الجرح من الألباني، يجب القول إن الألباني في المتابعات والشواهد، في مواضع، حسّن حديث عطية العوفي (انظر: السقاف، 1413هـ، 2: 69)، وكما قيل، في كتاب صحيح وضعيف سنن الترمذي، صحح حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري (انظر: الألباني، بدون تاريخ، 7: 243). بهذا القول، يسقط جرحه عن درجة الاعتبار؛ لأن غرضه في إثبات قوله بأي طريقة يدفعه إلى جرح أو تعديل.
الذين تكلموا في جرح عطية العوفي قسمان:
القسم الأول: الذين جرحوه ولم يشيروا إلى سبب جرحهم (جرح مبهم).
القسم الثاني: الذين ذكروا سبب جرحهم، وكلامهم يرجع إلى ثلاثة أسباب: 1. تدليسه. 2. تشيعه. 3. أن عطية روى أشياء لم تكن معروفة له.
1-5-3. الجرح المبهم
أما الجرح المبهم، فينبغي رده؛ وإن قيل به كثيراً، ولا ينبغي الالتفات إليه؛ لأن من قواعد علوم الحديث أن الراوي الذي ورد فيه جرح وتعديل، وكان جرحه مبهماً وغير مفسر، يُرد ولا يُعمل به، وفي النهاية، يؤخذ بالتعديل الذي قيل في الراوي، وهو الصحيح والمعمول به عند المحدثين (انظر: العثيمين، 1415هـ، 26 و 29).
2-5-3. نقد شبهة تدليس عطية
في إثبات تدليس عطية، تم التطرق إلى مواضع تستحق النقد، وهي كالتالي:
1-2-5-3. الاعتماد على رواية غير معتبرة
الذين جرحوا عطية بسبب تدليسه، وهم يشكلون الأكثرية، اعتمدوا على رواية تالفة، تفرد بها شخص متهم بالكذب، وهو محمد بن السائب الكلبي، الذي لا يجوز الاعتماد عليه، وقد تبعه الكثيرون تقليداً لا نقداً.
إن جرح عطية بسبب تشيعه مردود أيضاً؛ لأن الجرح بالبدعة بعد بيان صدق الراوي وعدالته لا يُلتفت إليه. علماً بأنه لم يثبت أن عطية العوفي ادعى التشيع، وهذا الحديث الذي نحن بصدده لا علاقة له بالتشيع؛ فكلام من تكلم في تشيع عطية غير معتبر؛ خاصة إذا كان القائل متهماً بالنصب ومعاداة التشيع (انظر: ممدوح، 1416هـ، 119). يقول ممدوح: «أما ما قيل فيه بسبب روايته شيئاً لم يكن معروفاً للمحدثين، فلم أجد شيئاً من ذلك في كتب الرجال حسبما بحثت، إلا حديثاً واحداً ذكره ابن عدي فقط، والكلام فيه هو كلام عطية، والصواب هو حديثه؛ حتى ما ذكره ابن عدي عن عطية العوفي في حديثه، وإن صح، لا يفيد تضعيف عطية وإسقاط حديثه. معنى كون الراوي مقبول الحديث ليس أن تكون جميع رواياته صواباً؛ فهذا القول بعيد جداً عن الواقع؛ لأن الإنسان كثير النسيان وتغلبه طبيعته البشرية؛ لذا لا يمكن أن تجد إماماً، مهما علت مرتبته وقوي حفظه، لا يهم في حديثه؛ ولكن إذا كان صحيحه أكثر من خطئه فهو مقبول، وإلا فلا» (المصدر نفسه).
يقول ابن حبان في المجروحين في هذا الشأن: «كان عطية المذكور يروي عن أبي سعيد الخدري. فلما توفي أبو سعيد الخدري، جالس عطية شخصاً اسمه الكلبي، فكان إذا قال الكلبي: «قال رسول الله…»، حفظه، وكنّى الكلبي في روايته بأبي سعيد؛ فإذا سُئل: من حدثك بهذا؟ قال: أبو سعيد؛ فظن السامعون أن مراده أبو سعيد الخدري؛ بينما كان مراده الكلبي» (ابن حبان، 1396هـ، 2: 176).
سبب ضعف عطية عند عبد الله بن أحمد عن أبيه هو هذه الرواية. يقول عبد الله: سمعت أبي من أبي أحمد الزبيري عن الثوري أن الكلبي قال: عطية يكنيني بأبي سعيد. ويقول عبد الله: سمعت أبي أن سفيان الثوري كان يضعف حديث عطية العوفي. وكذلك ضُعّف في العلل ومعرفة الرجال، والجرح والتعديل وضعفاء العقيلي والكامل لابن عدي (انظر: ممدوح، 1416هـ، 120). وفي مجروحين ابن حبان ورد أنه سمع من مكحول عن جعفر بن أبان عن ابن نصير عن أبي خالد الأحمر عن الكلبي أنه قال: قال لي عطية: «كنيتك بأبي سعيد؛ فأنا أقول: حدثني أبو سعيد» (ابن حبان، 1396هـ، 2: 177).
مما قيل يتضح أن أحمد قد ضعّف عطية العوفي؛ ففي تضعيفه، استند إلى حكاية الكلبي نفسها، وهي سبب كلام هشيم في عطية. أحمد يروي تضعيف الثوري لعطية بعد أن نسب تلك الحكاية عن طريق الثوري؛ إذن حكاية الكلبي هي الأصل المستند إليه الثوري في تضعيفه لعطية العوفي أيضاً (انظر: ممدوح، 1416هـ، 120).
إذن، تضعيف أحمد والثوري وهشيم لا اعتبار له؛ لأنه يرجع إلى حكاية تدليس تفرد بها محمد بن السائب الكلبي، وحاله في الضعف قد قيل (المصدر نفسه، 130). اعتمد ابن حبان في المجروحين على كلام الكلبي ولم يذكر شيئاً آخر يؤيده سوى هذه الحكاية، ولم يبالغ في جرحه كعادته؛ مع أن سندها غير صحيح؛ لأنه مبني على كلام محمد بن السائب الكلبي؛ وحاله معروف. وقد توفي وهو متهم بالكذب؛ لذا لا يعتمد على سند يكون فيه هذا الرجل في أي موضع. من العجيب أن يُعتمد على هذه الرواية لاتهام عطية العوفي بتدليس الشيوخ، ويُتفق على هذا الجرح المردود؛ مع أن كلامهم بلا دليل، ولا يقولون شيئاً يؤيد ادعاءهم، ولو وجدوا شيئاً، خاصة من المتأخرين، لذكروه حتماً (المصدر نفسه، 121).
من بين أهل الحديث، هناك من أشار إلى هذا الخطأ؛ منهم الحافظ البارع أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي في كتاب شرح علل الترمذي، حيث قال بعد نقل أصل الحكاية عن الإمام أحمد: «أما رواية الكلبي فلا يعتمد عليها» (ابن رجب، 1407هـ، 2: 823).
2-2-5-3. التصريح باسم أبي سعيد الخدري في سند الرواية
في مسند ابن جعد، سند الرواية مورد البحث هو كالتالي: «حَدَّثَنِي جَدِّي، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – قَالَ يَزِيدُ: فَقُلْتُ لِفُضَيْلٍ رَفَعَهُ؟ قَالَ: أَحْسَبُهُ قَدْ رَفَعَهُ – قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ…» (ابن جعد، 1410هـ، 299).
وفي سنن ابن ماجه أيضاً، سند الحديث هو كالتالي: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْمُوَفَّقِ أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ…» (ابن ماجه، بدون تاريخ، 1: 256).
كما هو واضح، في كتب متون الحديث التي وردت فيها هذه الرواية، صُرح بالنقل عن أبي سعيد الخدري؛ لذا لا وجود للتدليس. من الواضح أنه بعد التصريح بالخدري، وخاصة بعد ذكر متابعه، لا يبقى احتمال للتدليس (انظر: الكوثري، 2006م، 19).
3-5-3. نقد شبهة تشيع عطية
تكلم أفراد في تشيع عطية؛ مثل الجوزجاني الذي قال في أحوال الرجال: «عطية بن سعد العوفي، مائل إلى التشيع» (الجوزجاني، بدون تاريخ، 72)، مع أن الجوزجاني كان معروفاً ومشهوراً بالنصب؛ لدرجة أن الحافظ ابن حجر قال في مقدمة لسان الميزان عنه: «الشخص الماهر إذا تأمل، يدرك أن لأبي إسحاق الجوزجاني بسبب شدة انحرافه في النصب وشهرة أهل الكوفة بالتشيع، نظرة عجيبة في أهل الكوفة، وهذا بسبب شدة انحرافه في النصب وشهرة أهله بالتشيع» (ابن حجر العسقلاني، 1986م، 1: 16). هذا القول من الجوزجاني، مع كونه سخيفاً وساقطاً عن الاعتبار، هو في الحقيقة توثيق لعطية العوفي؛ لأنه عندما لم يجد شيئاً في حديث عطية، وكان كوفياً شيعياً، لم يجد شيئاً يقوله سوى تشيعه، فيقول: «عطية مائل إلى التشيع»، ولو وجد شيئاً، لأظهره بسرعة بسبب شدة عدائه لأهل الكوفة (انظر: ممدوح، 1416هـ، 125).
عندما يكون رجل شيعياً، يقدم علياً (ع) على غيره؛ فلا شك أن كلامه عند مخالفه يكون مجروحاً ولا يُعتبر حجة؛ لذا، الجرح بسبب التشيع وغيره مردود ولا ينبغي الاعتناء به؛ بل يجب النظر إلى صدق الراوي، لا إلى مذهبه؛ فكم من رواة الشيعة والنواصب والخوارج وغيرهم قد ذُكر حديثهم في الصحيحين ودام الأمر على ذلك (انظر: المصدر نفسه، 126). بعبارة أخرى، في قبول الرواية، ما يهم أساساً هو وثاقته أو على الأقل صدقه.
ما يضاف في جرح عطية هو أنه كان محباً لعلي بن أبي طالب (ع)؛ لدرجة أن النواصب عرضوا عليه سب علي (ع) فامتنع عن سبه. في طبقات ابن سعد ورد أن: «الحجاج كتب إلى محمد بن قاسم الثقفي أن يدعو عطية، فإن سب علياً وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته، فدعاه فأبى أن يسب، فأمضى حكم الحجاج فيه» (ابن سعد، 1410هـ، 6: 305).
آية الله السبحاني، بعد دراسة أقوال علماء الرجال في عطية العوفي، يرى أن السبب الرئيسي لتضعيفه هو تشيعه، ويقول: «كانت الشيعة في ذلك الزمان تستعمل في ثلاثة معان: أ- من يرى أن علياً (ع) هو الخليفة المباشر للنبي (ص). ب- من يرى أن علياً (ع) هو الخليفة الرابع؛ ولكنه أفضل من الخلفاء الثلاثة الآخرين. ج- من يظهر ولاءه لأهل بيت الرسالة (ع). ثم يقول: «كيف يمكن تضعيف مثل هذا الإنسان الصالح الذي انحاز إلى التشيع بأدلة واضحة؟ إنه إنسان عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات من أجل حبه للكتاب والسنة، وما سمعه منه في التفسير كتبه في خمسة مجلدات» (السبحاني، 1390ش، 3: 256).
6-3. روايات مشابهة لرواية أبي سعيد الخدري
توجد روايات مشابهة لرواية «التوسل بحق السائلين» عن أبي سعيد الخدري، طعن فيها الألباني. هذه الروايات تستحق التأمل وسيتم دراستها:
1. عن جابر بن عبد الله عن بلال المؤذن، وهو أيضاً عن رسول الله (ص)، نقل حديثاً هو دعاء الخروج للصلاة. يقول بلال: «كان رسول الله (ص) إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت ابتغاء مرضاتك، واتقاء سخطك، أسألك أن تعيذني من النار وتدخلني الجنة» (ابن السني، بدون تاريخ، 75).
2. عن فضال بن جبير عن أبي أمامة، أن رسول الله (ص) كان يدعو بهذه الأدعية كل صباح ومساء: «اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من أعطى… أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض بكل حق هو لك وبحق السائلين عليك أن…» (الطبراني، 1404هـ، 8: 264؛ المقدسي الجماعيلي، 1416هـ، 57).
1-6-3. إشكالات الألباني على الروايات المشابهة لرواية أبي سعيد الخدري
يشكل الألباني على سند ودلالة حديث بلال، الذي ورد في تأييد رواية «التوسل بحق السائلين»، ويجرح وازع بن نافع العقيلي في سنده، ولا يقبل دلالته على التوسل بمخلوق من مخلوقات الله، بل يعتبره توسلاً بصفة من صفات الله؛ لأنه في هذين الحديثين، تم التوسل بحق السائلين على الله وبمشية المصلين إلى الصلاة، وحق السائلين على الله هو أن يقبل دعاءهم، وقبول دعائهم صفة من صفات الله تعالى، وحقهم هو أن يغفر ذنوبهم ويدخلهم الجنة، ومغفرة الله تعالى ورحمته وإدخال المؤمنين الجنة، كلها من صفات الله تعالى (انظر: الألباني، 1421هـ، 97-98).
وفيما يتعلق بحديث أبي أمامة، يقول الألباني: إن الحديث المذكور شديد الضعف، والاستشهاد به غير جائز؛ لأن ابن حبان اتهم فضال المذكور بالكذب؛ كما قال: «شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة يروي عنه ما ليس من حديثه»؛ أي أن فضال يظن أنه سمع الحديث من أبي أمامة؛ بل هو يروي عن أبي أمامة شيئاً لم يسمعه منه (المصدر نفسه، 99).
2-6-3. دراسة الروايات
فيما يتعلق بدلالة الروايات، يجب القول إن كلام الألباني ومنتقديه هو تعبير آخر عن مطلب واحد؛ أي أننا نطلب من الله بحق السائلين وبحق أقدامنا، وهم وسائط، سواء أردنا أم لم نرد؛ واسطة أوجبها الله على نفسه أن يجيب دعاءهم ويغفر لهم ويدخلهم الجنة. نحن لا ننكر أن هذه الأمور ترجع إلى صفات الله؛ بل نقول إنها صفة من صفات الله أن يجيب دعاء الداعين. نحن نتخذهم وسيلة استناداً إلى قول الله، وهذا مؤيد للتوسل؛ لا ضده.
من الناحية السندية، وإن كانت رواية وازع بن نافع العقيلي غير قابلة للاحتجاج بسبب ضعف الحديث وعدم كونه ثقة (انظر: ابن حبان، 1396هـ، 3: 83؛ القرطبي، 1412هـ، 4: 1965؛ الذهبي، بدون تاريخ، 2: 718)، وكذلك في فضال بن جبير الذي قيل إنه لا يمكن الاحتجاج بحديث يرويه عن أبي أمامة عن رسول الله (ص)، وفضال بن جبير ضعيف (انظر: ابن حبان، 1396هـ، 2: 204؛ الهيثمي، 1414هـ، 10: 117)، وبما أن الوازع وفضال بن جبير موجودان في سند هذه الروايات، فإن الروايات غير قابلة للاحتجاج، وإشكال الألباني على سندها وارد؛ ولكن يجب أن نسأل: إذا كان الحديث موضوعاً، فما هو دافع الوضع؟! في ذلك الزمان، لم تكن هذه المباحث حول التوسل مطروحة ليُوضع حديث لصالح أحد الطرفين. بالإضافة إلى أن هذه الموضوعات لا تحتاج إلى دراسة سندية، وهي من المسائل التي لا يمكن ادعاء وضعها بسبب موافقتها للقرآن والسنة.
من ناحية أخرى، رواية أبي سعيد الخدري تحتوي على نفس المقطع موضع النقاش في الروايات. يقول سعيد فودة عن هذه الروايات: لكن هناك شاهداً قوياً عليها وهو نفس حديث «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك…» (رواية التوسل بالسائلين لأبي سعيد الخدري) (فودة، بدون تاريخ، 46).
من المثير للدهشة أنه في كتب أهل السنة، ولأغراض أخرى – غير بحث التوسل – تُروى هذه الأدعية والأدعية المشابهة لها عن النبي الأكرم (ص)؛ على سبيل المثال، في كتاب سبل الهدى والرشاد، في أدعية صباح ومساء النبي الأكرم (ص)، ورد النص الكامل لهذا الدعاء (انظر: الصالحي الشامي، 1414هـ، 7: 258).
في كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، في فصل بعنوان «باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة»، وردت أدعية يُتوسل فيها بـ«وجه الله»، ولا يجوز في هذه الأدعية التي يُقسم فيها بوجه الله أن يُطلب شيء سوى الجنة. وفي أثناء تلك الأدعية، يُذكر دعاء «اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من عبد…» ويُشار فقط إلى بدايته ونهايته، ولم تُكرر عبارة «وبحق السائلين عليك» (انظر: التميمي، 1377هـ، 459). وكذلك في حاشية كتاب التوحيد، حيث يُشار فقط إلى بداية ونهاية هذا الدعاء (انظر: العاصمي القحطاني، 1408هـ، 351).
4. الاستنتاج
كان سؤال البحث الحالي هو: إلى أي مدى تتمتع تضعيفات الألباني لأحاديث التوسل، وخاصة روايات التوسل بحق السائلين، بالاعتبار؟ وهدف هذا البحث هو نقد آراء الألباني في موضوع المقالة، ومن خلال الدراسات التي أُجريت في متن المقالة، تم التوصل إلى النتائج التالية:
1. رواية «التوسل بحق السائلين» حديث يتميز بإتقانه وفصاحة كلماته وانسجام تعابيره، مما يدل على صحته وثبوته.
2. في أصل جواز التوسل، قلما يوجد شك؛ أما التوسل بحق السائلين فهو موضع نظر هذا التحقيق، وقد ناقشه الألباني، وهو قابل للنقد من جوانب مختلفة.
3. لا يوجد دافع قوي لوضع رواية «التوسل بحق السائلين» في زمن صدورها، حيث لم يكن هناك خلاف في مسائل التوسل الحالية؛ فالتوسل بالنبي (ص) والصالحين وأولياء الله من المسائل التي أوجدت بسترًا للخلاف في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين، لدرجة أن الوهابيين، استناداً إلى بعض ظواهر الآيات، يتهمون المعتقدين بالتوسل بالشرك والكفر دون أن يكون لديهم فهم لحقيقة التوسل والاستمداد من أولياء الله في القرآن والروايات.
4. هذا الحديث الذي اعتبره الألباني موضوعاً بتضعيف عطية العوفي، يُصحح من جوانب مختلفة بإثبات صدق وعدالة عطية العوفي، وتضعيفات الألباني غير مقبولة لدى علماء الشيعة وأهل السنة، وهي ادعاءات غير مقنعة وبلا دليل.
5. الروايات المتوافقة مع هذه الرواية تؤيدها أيضاً، وقد تم التطرق إلى بعضها في متن المقالة.
6. التوسل بالأسباب للوصول إلى الأهداف في الحياة المادية والروحية أمر مرغوب بل وضروري من منظور فطري وعقلي.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن جعد، علي، مسند ابن الجعد، بيروت، مؤسسة نادر، 1410هـ.
ابن حبان، محمد، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، حلب، دار الوعي، 1396هـ.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان، بلا مكان، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية، 1986م.
ابن حنبل، أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، بلا مكان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1420هـ.
ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن، شرح علل الترمذي، الأردن، مكتبة المنار، 1407هـ.
ابن سعد، أبو عبد الله محمد، الطبقات الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410هـ.
ابن سني، أحمد بن محمد، عمل اليوم والليلة سلوك النبي مع ربه عز وجل ومعاشرته مع العباد، جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن، بدون تاريخ.
ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ.
ابن معين، يحيى، تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، مكة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، 1399هـ.
الألباني، محمد ناصر الدين، التوسل أنواعه وأحكامه، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1421هـ.
__________، صحيح وضعيف سنن الترمذي، بلا مكان، بلا ناشر، بدون تاريخ.
التميمي، عبد الرحمن بن حسن، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، الطبعة السابعة، 1377هـ.
الجبعي العاملي، زين الدين، الرعاية، قم، كتابخانه آية الله مرعشي نجفي، 1413هـ.
جديري نژاد، محمدرضا، دانش رجال از ديدگاه اهل سنت، قم، دار الحديث، 1381ش.
الجوزجاني، أبو إسحاق، أحوال الرجال، فيصل آباد، باكستان، دار النشر حديث أكاديمي، بدون تاريخ.
الحائري، أبو علي محمد بن إسماعيل، منتهى المقال، قم، آل البيت، 1416هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء، بلا مكان، بلا ناشر، بدون تاريخ.
رباني، محمد حسن، دانش دراية الحديث، مشهد، دانشگاه علوم إسلامي رضوي، 1380ش.
السبحاني، جعفر، فرهنگ عقاید و مذاهب إسلامي، قم، مؤسسة إمام صادق (ع)، الطبعة الثالثة، 1390ش.
سجاد، أبو محمد، مختصري از زندگي نامه شيخ محمد ناصر الدين آلباني، بلا مكان، بلا ناشر، بدون تاريخ.
السقاف، حسن، تناقضات الألباني الواضحة، الأردن عمان، دار الإمام النووي، الطبعة الثانية، 1413هـ.
السمهودي، نور الدين علي بن أحمد، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.
الشيباني، محمد بن إبراهيم، حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، بلا مكان، مكتبة السراوي، 1407هـ.
الصالحي الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1414هـ.
الصدر، حسن، نهاية الدراية، تصحيح ماجد غرباوي، قم، بلا ناشر، بدون تاريخ.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، الموصل، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1404هـ.
العاصمي القحطاني، عبد الرحمن بن محمد، حاشية كتاب التوحيد، بلا مكان، بلا ناشر، الطبعة الثالثة، 1408هـ.
العثيمين، محمد بن صالح، مصطلح الحديث، القاهرة، مكتبة العلم، 1415هـ.
عجاج الخطيب، محمد، أصول الحديث، مكة، دار المنارة، الطبعة السابعة، 1418هـ.
عصام، موسى هادي، محدث العصر الإمام محمد ناصر الدين الألباني، عربستان السعودية، دار الصديق، 1423هـ.
الغماري المغربي، عبد الله، الرسائل الغمارية جزء فيه الرد على الألباني، بلا مكان، دار المشايع، الطبعة الثانية، 1424هـ.
الفضلي، عبد الهادي، أصول الحديث، بيروت، مؤسسة أم القرى، الطبعة الثانية، 1416هـ.
فودة، سعيد، الدر الثمين المختصر الرد المحكم المتين، بلا مكان، بلا ناشر، بدون تاريخ.
القرطبي، أبو عمر يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، دار الجيل، 1412هـ.
الكوثري، محمد زاهد بن حسن، محق التقول في مسألة التوسل، القاهرة، المكتبة الأزهرية للتراث، 2006م.
المقدسي الجماعيلي، تقي الدين، أخبار الصلاة، دمشق، دار السنابل، 1416هـ.
مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1374ش.
ممدوح، محمد سعيد، رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة، عمان، دار الإمام النووي، 1416هـ.
الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، القاهرة، مكتبة القدسي، 1414هـ.
الهوامش
1. صمد عبداللهي عابد: أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة شهيد مدني بأذربيجان (المؤلف المسؤول). s1.Abdollahi@yahoo.com
2. اکرم عتیق گلباف: طالبة ماجستير في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة شهيد مدني بأذربيجان. Atigh.Akram@gmail.com