دراسة المستندات التفسيرية في «مواهب الرحمن في تفسير القرآن» للسيد عبد الأعلى السبزواري

ملخص

يؤثر الاختلاف في المستندات التفسيرية بشكل أو بآخر في تفسير جميع الآيات والسور، ويؤدي إلى ظهور مناهج تفسيرية متنوعة. لقد أفاد السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسيره «مواهب الرحمن في تفسير القرآن» من مصادر ومستندات متنوعة، إلا أن القرآن الكريم يعد من أهم هذه المستندات؛ فالمفسّر في المقام الأول، وبالاستعانة بآيات القرآن الكريم، قد تناول تبيين معاني ومقاصد الألفاظ والعبارات القرآنية، وبالتزامن مع استخدامه لآيات القرآن، أفاد كذلك من روايات المعصومين (ع) تارة لبيان مفاد الآيات، وتارة أخرى لبيان تأويلها. كما أنه لم يغفل عن تفسير الصحابة والتابعين، ولكنه لم يقبل أقوالهم في كل موضع، بل عمد أحياناً إلى نقدها وردّها. وإلى جانب سائر مستنداته التفسيرية في تبيين معاني ألفاظ القرآن، أفاد المفسّر من الأدب العربي شعراً ونثراً، واستشهد بأقوال اللغويين بنحو قليل أو كثير. وفي النهاية، وبالاستعانة بالعقل والاجتهاد، سواء في تحليل الآيات والروايات أو في كشف الاستلزامات والدلالات الكامنة في الآيات، عمد إلى تفسير آيات القرآن. وبالنظر إلى مستندات السبزواري في هذا التفسير، يمكن اعتبار منهجه التفسيري جامعاً للتفسير العقلي والنقلي.

1. مقدمة

يُعد السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري من أعلام الفقه في القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الهجري. وُلد في مدينة سبزوار سنة 1328هـ، وتوفي في النجف الأشرف سنة 1414هـ.

بعد هجرته إلى النجف الأشرف، حضر عند أساتذة كبار من أمثال الشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، وأكمل دراسة مباني الفقه والأصول. وتزامن ذلك مع حضوره دروس الشيخ محمد جواد البلاغي صاحب تفسير «آلاء الرحمن»، حيث درس علوم القرآن والكلام والمناظرة، كما تلقى الحكمة والفلسفة على يد السيد حسين الحكيم البادكوبي.

وقد ترك مؤلفات عديدة في مجالي الفقه والتفسير.[1] ويُعد أبرز آثاره في التفسير كتاب «مواهب الرحمن في تفسير القرآن»، الذي خُطط له أن يقع في 30 مجلداً، إلا أنه لم يكتمل إلا حتى جزء من سورة المائدة، ولم يتمم أو أنه تم ولم يُطبع.[2]

يتبع المفسّر في تفسيره للآيات منهجاً يتمثل في أن يبدأ كل سورة ببيان مزاياها ورسالتها العامة ورسم صورة موجزة لمقاصدها. ثم بعد ذكر مجموعة من الآيات تحت عنوان «التفسير»، يشرع في بيان المفاهيم المستفادة من الآيات المعنية. يبدأ أولاً بتبيين مفردات الآية، ثم يفسر الآيات مستعيناً بالقرآن والروايات واجتهاده الخاص. وفي الختام، وحسبما يقتضيه المقام، يتناول الآيات من أبعاد مختلفة، دلالية، وروائية، وفقهية، وكلامية، وفلسفية وغيرها.

2. المستندات التفسيرية

تُطلق المستندات التفسيرية، التي يُعبّر عنها أيضاً بمصادر التفسير (البابائي، 1379، 261؛ الرجبي، 1383، 207 و 208)، والمصادر (علي الصغير، دون تاريخ، 59)، ومآخذ التفسير (الزركشي، دون تاريخ، 2/ 156)، على الأمور التي توفر للمفسّر المعلومات والبيانات التي تتناسب في مضمونها مع آية أو آيات، وتوضح معاني الآيات ومفاد الألفاظ المستخدمة فيها (البابائي، 1379، 261).

ترتبط المستندات التفسيرية ارتباطاً وثيقاً بمناهج التفسير؛ إذ يمكن أن ترتكز المناهج التفسيرية على أحد مصادر التفسير وتتخذه محوراً لها. على سبيل المثال، في تفسير القرآن بالقرآن – وهو منهج يعتمد على القرآن كمصدر – توجد طرق متنوعة لاستنباط المعاني من هذا المصدر، واختيار إحداها يفضي إلى منهج معين (أيازي، 1388، 14).

يؤثر الاختلاف في مصادر التفسير، قلةً وكثرةً، في تفسير جميع الآيات والسور، وتسمى هذه الاختلافات بالمناهج أو الطرق التفسيرية. فمنهج التفسير إذن هو أمر شامل يطبقه المفسّر على جميع آيات القرآن، والاختلاف فيه يؤدي إلى اختلاف في التفسير بأكمله، وما هو إلا اختلاف في مصادر التفسير ومستنداته (شاكر، 1382، 46 و 47).

تنبع ضرورة وأهمية البحث في المستندات التفسيرية للمفسّر من أن المعرفة الصحيحة والكاملة بأي موضوع تعتمد على مدى دقة وموثوقية المعلومات التي يتم الحصول عليها من مصادر مختلفة حول ذلك الموضوع. وفي هذا السياق، كلما تمكن المفسّر من الوصول إلى مصادر أغنى وأكثر موثوقية في تفسير القرآن، توصل إلى معرفة أدق بمراد كلام الله ومقصوده (رجبي، 1383، 207 و 208).

عادةً ما يقسم المفسرون وعلماء علوم القرآن مستندات التفسير إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول هو المستندات النقلية، والقسم الثاني هو المستندات العقلية (راجع: جوادي آملي، 1383، 1/ 58 و 59).

وقد قُدم تصنيف آخر لمستندات التفسير بشكل تفصيلي، وبناءً عليه، تشمل أهم المستندات والمصادر التفسيرية: القرآن الكريم، والسنة، وتفسير الصحابة والتابعين، والعقل، واللغة. (رجبي، 208، 1383؛ بابائي، 263، 1379؛ أيازي، 1388، 67؛ الزركشي، 2/ 156-161). وفي هذا البحث، سيتم دراسة تطبيق كل من هذه المصادر في تفسير «مواهب الرحمن» وكيفية ذلك.

۱-۲. القرآن الكريم

القرآن الكريم هو أول وأهم مصدر لتفسير القرآن. وكان النبي الأكرم (ص) هو الرائد في استخدام القرآن نفسه لتفسير وتبيين آياته، كما اهتم أهل بيته (ع) والصحابة بهذا المنهج في تفسير الآيات (الذهبي، 1396، 1/ 37). وكل هذه الأمور تدل على التاريخ الطويل لاستخدام هذا المصدر في التفسير.

يُعد القرآن الكريم من أول وأهم مصادر السبزواري التي اعتنى بها في تفسير «مواهب الرحمن»، كما يقول في مقدمة تفسيره: «القرآن مفسّر نفسه، لأنه عرّف نفسه بأنه تبيان لكل شيء، وبهذا الوصف، هو أولى بأن يكون تبياناً لنفسه. وفي هذا الأمر، لا بد من الاستعانة بالسنة النبوية وروايات أهل بيته، الذين هم قرناء الكتاب وهداته. وقد جمعت بين هذين، وما أجمع عليه الجميع بتقرير الشريعة» (السبزواري، 1409، 1/ 6).

ويمكن تقسيم استنادات السبزواري إلى القرآن إلى فئتين رئيسيتين: أ. السياق، ب. السياق المشابه.

۱-۱-۲. السياق

يقصد بالسياق تارة سياق الآية نفسها، وهو عبارة عن القرائن الموجودة في الآية من ألفاظ وجمل وارتباطها ببعضها، وتارة أخرى سياق الآيات والأجزاء السابقة واللاحقة للآية قيد الدراسة.

يمكن للسياق أن يؤدي أدواراً مختلفة في تفسير الآيات، ونشير هنا إلى بعض النماذج لأدواره المختلفة في تفسير «مواهب الرحمن»:

۱-۱-۱-۲. تعميم نطاق دلالة الكلمة

فيما يتعلق بآية: «وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» (البقرة: 57)، يرى بعض المفسرين أن «المن» مادة لزجة وحلوة كالعسل، وأن «السلوى» طائر معروف ومخصوص (الطبرسي، 1372، 1/ 243). أما السبزواري، فيعتبر هذا المعنى من باب التطبيق، ويذكر مفهوماً أعم من هاتين الكلمتين؛ فهو يفسر مجموع هذه الكلمات بالخيرات والبركات وكل ما يوجب العيش والحياة. ويستشهد على هذا التعميم بذيل الآية، أي عبارة «كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ»، التي تأمر مطلقاً بأكل الأطعمة الطيبة والطاهرة (السبزواري، 1409ق، 1/ 250).

وهو كذلك في تفسير آية «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة: 62) يكتب: المراد بـ «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» هو كل من دخل في دين قويم، كما يقول الله تعالى: «دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا» (الأنعام: 161)، وليس المقصود به خصوص المسلمين الذين صدقوا محمداً (ص). وما يدل على هذا التعميم هو ذيل الآية حيث يقول: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا»، فبناء على ذلك، فإن ذكر هذه الفرق الثلاث، أي اليهود والنصارى والصابئة، هو تخصيص بعد التعميم وتفصيل بعد الإجمال (نفسه، 1/ 268).

۲-۱-۱-۲. بيان علة الحكم

أحيانًا تكون علة وسبب الحكم المذكور في الآية مبينة في الآية نفسها، فيستفيد المفسر في هذه الحالة من بيان القرآن نفسه في تفسير الآية. على سبيل المثال، في الآية 61 من سورة البقرة، يقول الله تعالى عن بني إسرائيل: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ». يوضح السبزواري، مستعينًا بذيل الآية نفسها، أن سبب ابتلاء بني إسرائيل هو كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وعصيانهم، وعدوانهم، كما يقول: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ». (نفسه، 1/ 263)

۳-۱-۱-۲. تعيين مرجع الضمير

أحياناً يحدد المفسر مرجع ضمير أو المخاطب في آية أو جملة بالنظر إلى سياق الآية. على سبيل المثال، في مسألة مرجع ومخاطب عبارة «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» في الآية 184 من سورة البقرة، قال بعض المفسرين إن هذه الجملة خطاب لمن عليهم فدية أو كفارة الصوم بسبب مرض أو سفر، ولكنهم في الوقت نفسه قادرون على الصيام إذا بذلوا قصارى جهدهم؛ فمثل هذا الشخص، الصيام خير له من دفع الكفارة. يستشكل السبزواري على هذا القول مستنداً إلى سياق الآية؛ فهو يرى أن سياق الآية يدل على أن هذه الجملة خطاب لجميع المكلفين بالصوم، وليست خاصة بالمعذورين عن الصيام، لأنه قبل الجملة قيد البحث، ذُكر هؤلاء المعذورون بلفظ الغائب «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ». إضافة إلى ذلك، لا يتناسب القول المذكور مع التأكيد الوارد في جملة «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، لأن تكليف المعذور معلوم وهو الفدية بدل الصوم، فلا يصح إرجاع هذه الجملة إليه (السبزواري، 1409ق، 3/ 16).

كما نرى، يستفيد المفسر في هذه الحالات من سياق الآية نفسها والقرائن الموجودة فيها لتفسير الآية قيد الدراسة. وفيما يلي، سنشير إلى نماذج من استناد المفسر إلى سياق مجموعة من الآيات، وهذا القسم أيضاً يتم بأشكال مختلفة:

٤-۱-۱-۲. بيان معنى اللفظ ومقصوده

يقول السبزواري في تفسير آية «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (البقرة: 143) في معنى كلمة «أمة»: الأمة بمعنى الجماعة، وهذا اللفظ من الألفاظ الإضافية التي تطلق على الكثير والقليل والأقل. وسياق الآية الكريمة بقرينة سائر الآيات يدل على أن المقصود هنا هو الأخير، أي الاستعمال في معنى الأقل، لأن الخطاب في هذه الآية موجه إلى فئة خاصة من المسلمين وليس جميعهم؛ ويشير استناداً إلى سياق الآية الكريمة وآيات أخرى من القرآن إلى عدة أسباب لهذا الأمر، منها تعابير القرآن المكررة عن عصيان وغفلة غالبية الأمة، مثل «لا يعقلون»، «لا يعلمون»، «لا يشكرون»، «لا يؤمنون»، «أكثرهم الفاسقون» وغيرها، مما يخصص لفظ (وسط) لفئة خاصة من المسلمين، وتشابه سياق الآية مع قصة إبراهيم (ع)؛ ففي آية «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (البقرة: 128)، المقصود من الأمة جماعة من ذرية إبراهيم، وأخيراً جعل شهادة الأمة في سياق شهادة الرسول «لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» كلها تدل على أن المقصود من الأمة في هذه الآية فئة خاصة من المسلمين (نفسه، 2/ 87-89).

٥-۱-۱-۲. استنباط نكتة من مجموع الآيات

في تفسير الآيتين 275 و 276 من سورة البقرة، اللتين تدوران حول أكل الربا[3]، يستنبط المفسر من مقابلة هاتين الآيتين بالآية التي تسبقهما، والتي تقول: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، أن الآثار السيئة المترتبة على أكل الربا هي بنفس عظمة وجلال الآثار الحسنة التي تترتب على الإنفاق؛ ذلك لأن الإنفاق هو غض الطرف عن كل المال دون عوض أو مقابل ابتغاء القرب من الله، على عكس الربا الذي هو طلب استرداد المال مع زيادة عليه. فإذن، مقابل كل مصلحة في الإنفاق، توجد مفسدة في الربا، وفي جميع الآثار، الفضائل والرذائل، تكون متقابلة (السبزواري، 1409ق، 4/ 477). الربا أخذ بلا عوض، والصدقة عطاء بلا عوض. الربا يورث الطبقية والعداوة، والصدقة تزيد من الرحمة والمحبة و… (الطباطبائي، 1417ق، 2/ 409).

٦-۱-۱-۲. ردّ فهمٍ تفسيريّ

يرى السبزواري في تفسير الآية 140 من سورة آل عمران أن المقصود بالشهداء في عبارة «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» هم القتلى في سبيل الله، مما يشمل شهداء بدر وأحد وسائر غزوات النبي (ص). ثم ينقل قولاً عن بعض المفسرين بأن المقصود بالشهداء هنا هم شهود الأعمال؛ لأن استعمال هذا اللفظ بصيغة الجمع بمعنى القتلى ليس شائعاً في القرآن، كما أن فعل (اتخاذ) لا يتناسب مع كلمة (شهداء) بمعنى المقتولين.

أول دليل للسبزواري في رد القول المذكور هو أن هذا المعنى مخالف لسياق مجموع هذه الآيات، لأن هذه الآيات هي تتمة للآيات التي نزلت في غزوة أحد، ولا يوجد ارتباط أو مناسبة في بيان قبول كلام شهود الأعمال ضمن تعداد خصائص الجهاد والقتل في سبيل الله (السبزواري، 1418ق، 6/ 370).

۷-۱-۱-۲. ردّ رواية النسخ

فيما يتعلق بآية «فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» (المائدة: 42)، ورد عن ابن عباس أن آية «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ» (المائدة: 49) قد نسختها. يقول المفسر في هذا الصدد: لا يوجد تعارض بين الآيتين، لا من حيث نزولهما في وقت واحد، لأنه في حالة وجود تعارض بين آيتين، حتى لو نزلتا في وقت واحد، فلن يكون هناك مانع من النسخ، بل الأمر هو أنه لا يوجد أي تعارض بين الآيتين أصلاً؛ لأن الآية الأولى تبين تخيير النبي (ص) في الحكم بينهم أو الإعراض عنهم، والآية الثانية تبين أنه إذا أراد أن يحكم بينهم، فيجب أن يكون هذا الحكم بناءً على الحكم الإلهي، لا ما يريدونه هم. وسياق الآيات يؤيد هذا القول، كما جاء في تتمة الآية الأولى: «وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ» (المائدة: 42). (نفسه، 11/ 262).

۲-۱-۲. السياق المشابه

النوع الآخر من الاستناد إلى القرآن هو استخدام السياق المشابه. الآيات ذات السياق المشابه هي آيات غير متصلة بالآية قيد الدراسة ولكن مضمونها يتعلق بمفاد الآية، ويمكن الاستفادة من القرائن الموجودة في تلك الآيات لفهم الآية. وهذا القسم من الاستنادات يمكن أن يتم بأشكال مختلفة، منها:

۱-۲-۱-۲. تبيين معنى اللفظ ومقصوده

يفسّر السبزواري في تفسير آية «وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ» (البقرة: 48) كلمة «عَدْل» بالاستواء والمماثلة (التشابه)، والتي تتغير باختلاف الجهات. مثلاً، يُقال: فلان عادل، أي ملتزم بدينه. شيءٌ عَدْلُ شيءٍ آخر، أي يماثله في إحدى الجهات، سواء كانا من نفس الجنس أم لا. وأحياناً بفتح العين (عَدْل) في المعنى الأول (شخص عادل) وبكسرها (عِدْل) في المعنى الثاني (التشابه). يقول الله تعالى: «أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ» (المائدة: 95)، أي ما يعادله في التكليف.

بحسب المفسّر، المقصود بـ«العدل» في هذه الآية هو الفدية، ولتأييد هذا المعنى يستشهد بآية ذات سياق مشابه لهذه الآية تتحدث عن عدم قبول العوض والفدية يوم القيامة: «فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (الحديد: 15). (السبزواري، 1409ق، 1/ 224 و 1/ 239)

۲-۲-۱-۲. تقييد المطلق

أحياناً يأتي حكم بشكل مطلق في آية، بينما في آية أخرى يكون إطلاقه مشروطاً بقيد. على سبيل المثال، آية «وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ» (البقرة: 48) تنفي الشفاعة بشكل مطلق يوم القيامة، لكن المفسر، بالنظر إلى آية «يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا» (طه: 109)، يقول: أصل الشفاعة منوط بإذن الله تعالى وقبولها منه وحده، لأن جميع موجبات الشفاعة التي بُيّنت بالتفصيل في القرآن والسنة الشريفة هي من علامات إرادته ورضاه (نفسه، 1/ 224).

۳-۲-۱-۲. تضييق نطاق دلالة الكلمة

في بعض الحالات، يمكن للمفسر، بالاستعانة بآية أخرى، أن يحد من نطاق دلالة كلمة عامة. على سبيل المثال، يكتب السبزواري في تفسير آية «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ» (البقرة: 47): إن الله سبحانه بتخصيص هذه النعمة ببني إسرائيل يذكرهم بأنهم بسبب إيمانهم أجدر بها، وكلمة «العالمين» وإن جاءت مطلقة، إلا أن المقصود هو خصوص عالمهم وحدودهم الزمانية والمكانية، لأنهم فُضّلوا على غيرهم ببعث العديد من الأنبياء منهم، والمعجزات الكثيرة، ونزول التوراة. ولكن هذا الأمر لا يمنع أن يكون غيرهم أفضل منهم، لأن الأدلة العقلية والنقلية تشير إلى أفضلية خاتم الأنبياء على جميعهم وأفضلية أمته على سائر الأمم؛ لأن مسيرة التكامل في كل شيء، وخاصة في البشر، تقتضي أن تكون الأمة اللاحقة أفضل من الأمة السابقة. والدليل الآخر على هذا الأمر هو الآية الشريفة «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ» (آل عمران: 110) التي تبين هذه الأفضلية، والسنة المستفيضة التي تدل على هذا الأمر (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 221).

٤-۲-۱-۲. فهم تفسيري بناءً على الرابط المعنوي بين الآيات

يستنبط المفسر من الجمع بين آية: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» (البقرة: 55) التي تحكي طلب بني إسرائيل لرؤية الله، وآية «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (الأعراف: 143) التي تبين طلب موسى (ع) لرؤية ربه، أن طلب موسى لرؤية الله تعالى لم يكن لنفسه ومن تلقاء نفسه، بل كان لبني إسرائيل. ولهذا السبب، لم تشمله تلك الصاعقة التي أدت إلى موتهم ثم إحيائهم، بل قال الله عنه: «وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (الأعراف: 143) (نفسه، 1/ 247 و 248).

٥-۲-۱-۲. بيان المواضع المجملة في الآية

أحياناً يمكن البحث عن بعض التفاصيل غير المذكورة أو المجملة في آية ما في آيات أخرى. تفاصيل مثل زمان ومكان وقوع الأحداث التي ذكرت في الآية. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالقرية التي ذكرت في آية «وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا» (البقرة: 58)، لم يذكر القرآن الكريم اسم هذه القرية، ولكن من المعروف بين المفسرين أنها بيت المقدس، وهذا القول منقول عن ابن عباس. ويقول آخرون إنها أريحا، بالقرب من بيت المقدس، وهو ما يعود إلى القول الأول. والشاهد على هذا القول هو الآية الشريفة «يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» (المائدة: 21) التي تأمر بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، أي بيت المقدس (نفسه، 1/ 251).

أو فيما يتعلق بالآية 185 من سورة البقرة التي تتحدث عن نزول القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، ولكن لم يُحدد وقت نزوله بدقة، يستفيد المفسر من آية «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ» (الدخان: 3) بأن النزول كان في ليلة مباركة من هذا الشهر، ومرة أخرى من آية «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (القدر: 1) التي تبين الآيات السابقة، يستنتج أن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن الكريم (موسوي السبزواري، 1409ق، 3/ 31).

۲-۲. روايات المعصومين (عليهم السلام)

من أفضل وألزم طرق معرفة القرآن تفسيره بروايات المعصومين (ع). الزركشي، من علماء أهل السنة، عدّ أيضاً أهم مصادر تفسير القرآن أربعة، أولها النقل عن رسول الله (ص) (الزركشي، دون تاريخ، 2/ 156). في آيات عدة، عُرّف النبي (ص) بأنه معلم القرآن، منها آية «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (النحل: 44) التي تتحدث صراحة عن دور النبي (ص) في توضيح مفاد الآيات. كما كانت السيرة العملية للنبي (ص) والمسلمين أنهم كانوا يرجعون إلى النبي (ص) في فهم الآيات ويقبلون توضيحه (رجبي، 1383، 222).

مصدر هام آخر أولاه السبزواري اهتماماً وعناية كبيرة في تفسيره إلى جانب القرآن الكريم هو السنة النبوية وروايات أهل البيت (ع)، وقد أكد هو نفسه على ذلك في مقدمة تفسيره (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 6). وهو يستفيد من الروايات بطرق مختلفة في تفسير آيات القرآن. فهذه الروايات تارة تبين معاني ومقاصد الألفاظ، وتارة تبين المعنى الظاهري، وتارة أخرى تبين المعنى الباطني للآيات. وفيما يلي نشير إلى نماذج من كل منها:

۱-۲-۲. الروايات المبينة لمعاني الألفاظ

يستعين المفسر أحياناً بالروايات لكشف معاني الألفاظ واللغات في القرآن، حيث يبين فيها المعصوم مباشرة معنى لفظ ما. على سبيل المثال، في تفسير الآية 61 من سورة البقرة، روي عن الإمام الباقر (ع) أن (فوم) في عبارة «مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا» هي (الحنطة)، أي القمح (نفسه، 1/ 261 و 3/ 29 و 30).

وأحياناً أخرى، يستعين المفسر بكلام آخر للمعصوم في موضوعات أخرى لتبيين معنى لفظ ما؛ إذ لكشف معاني الألفاظ القرآنية، يجب الرجوع إلى مفهوم الألفاظ في زمن النزول. وفي هذا الخصوص، تعد الروايات المنقولة عن النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) التي صدرت في زمن النزول أو القرنين التاليين لنزول القرآن مصدراً هاماً لفهم ألفاظ القرآن (رجبي، 1383، 223).

نماذج هذا النوع من الاستناد في تفسير «مواهب الرحمن» كثيرة جداً، ونكتفي هنا بذكر بعضها. يقول المفسر في معنى كلمة (رجز) في آية «فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» (البقرة: 59): الرجز هو الاضطراب الموجب للعذاب. ثم ينقل كلاماً عن النبي (ص) أنه قال: «الطاعون رجز عُذّب به بعض الأمم». أي أن الطاعون عذاب عُذبت به بعض الأمم (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 253).

وفي موضع آخر، في بيان معنى كلمتي «أهل» و«آل» في تفسير آية «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ» (البقرة: 126)، يكتب: كلمة «أهل» أعم من «آل»، لأن الثانية تختص بالأشراف ويُراعى فيها خصوصية معينة، بخلاف الأولى التي تُضاف إلى الأشراف وغير الأشراف، والزمان والمكان وغير ذلك. وفي حديث ورد أن رجلاً عرض على الإمام الصادق (ع): يقول الناس: المسلمون جميعاً آل النبي. فقال: كذبوا وصدقوا. سئل: كيف ذلك؟ قال: كذبوا من حيث أن الآل هم آله (عائلته)، وصدقوا من حيث أنهم متى أقاموا شريعته، كانوا آله (نفسه، 2/ 28).

۲-۲-۲. الروايات المبينة لمفاد الآيات

في هذا النوع من الروايات، يُطرح تفسير للآيات وأحياناً توضيحات إضافية تساعد على فهم أفضل للآية.[4]

يذكر السبزواري في شأن آية «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ» (البقرة: 126) حديثاً عن الإمام الصادق (ع) يقول فيه: المقصود من الثمرات، ثمرات القلوب، أي اجعلهم محبوبين لدى الناس ليعودوا إليهم (نفسه، 2/ 32).

وفي موضع آخر، ينقل حديثاً عن الإمام الصادق (ع) في شأن آية «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (البقرة: 186) أن الإمام بيّن المقصود من الإيمان في الآية المذكورة بقوله: أي ليعلموا أني قادر ومتمكن من إعطاء ما يطلبون. وبناءً عليه، يقول المفسر، ليس المراد بالإيمان، الإيمان بأصل التوحيد في مقابل الشرك، بل الإيمان باستجابة الدعاء (نفسه، 3/ 61).

بما أن القرآن الكريم غالباً ما يذكر قصص الأنبياء بشكل كلي وأجزاء منها وفقاً للحكمة الكامنة فيها، فإن بعض تفاصيل هذه القصص قد وردت في الروايات. على سبيل المثال، يورد رواية من تفسير العسكري حول ميقات موسى (ع) جاء فيها: لما أنجى الله بني إسرائيل، أمر موسى أن يأتي إلى الميقات ويصوم ثلاثين يوماً. فلما اقترب من نهاية هذه الأيام، استاك موسى قبل الإفطار، فأوحى إليه الله عز وجل: يا موسى، ألا تعلم أن رائحة فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فصم عشرة أيام أخرى ولا تستك عند الإفطار. ففعل موسى ذلك، ووعده الله عز وجل أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة (موسوي السبزواري، 1409ق، 1، 242).

۳-۲-۲. الروايات المبينة للبطن والتأويل

في هذه الروايات، يُشار إلى معانٍ أو مصاديق للآيات، حيث لا يكون استخلاص تلك المعاني من الآية أو انطباق الآية على تلك المصاديق واضحاً، أو تكون من المصاديق التي لم تقع بعد وقت البيان، ولهذا السبب تكون خفية؛ على الرغم من وجود نوع من الارتباط بينها وبين الآية، والذي يمكن اعتباره مراداً للآية بناءً على بيان المعصوم (رجبي، 1383، 225). يورد السبزواري في تفسير آية «وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ» (البقرة: 58) حديثاً عن الإمام الباقر (ع) بخصوص باب حطة أنه قال: «نحن باب حطتكم»، أي نحن باب توبتكم.

يقول المفسر نفسه في هذا الخصوص: الأنبياء والأوصياء والعلماء العاملون هم أبواب المعرفة الإلهية وطرق الهداية إليه، ونحن مضطرون لإكمال نفوسنا الناقصة أن نخضع أمامهم، وهذا ما تقتضيه فطرة الإنسان. والحديث المذكور يتوافق مع هذا المطلب، فباب حطة (التوبة) والعلم الإلهي شيء واحد (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 252).

كما ينقل عن صفوان الجمال أن الإمام المعصوم (ع) قال في شأن آية «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» (البقرة: 124): «أتمهن بمحمد وعلي والأئمة من ولد علي (ع)». يقول المؤلف: هذه الرواية تدل على أن الإمامة في ذرية إبراهيم (ع) تُختم بالإمام الحجة (عج) (نفسه، 2/ 17). ومن النماذج الأخرى لهذه الروايات الحديث الذي ينقله ابن مسكان في باب آية «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (آل عمران: 81) عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: ما بعث الله نبياً من ولد آدم فمن بعده إلا ويرجع إلى الدنيا فينصر أمير المؤمنين. فمعنى الآية يكون هكذا: «لتؤمنن به» أي برسول الله (ص) و«لتنصرنه» أي أمير المؤمنين (ع). ثم في عالم الذر سأل الأنبياء: «أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي» قالوا «أَقْرَرْنَا» فقال الله للملائكة: «فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ».

تتحدث الآية الكريمة عن ميثاق أخذه الله من الأنبياء بتصديق ونصرة الأنبياء الآخرين. السبزواري بعد نقل هذا الحديث يقول: في هذا السياق، توجد روايات أخرى تدل على تحقق الرجعة. ويمكن حمل هذه الرواية على إحدى مراتب التأويل، فالتأويل شيء وظاهر الآية شيء آخر (موسوي السبزواري، 1418ق، 6/ 129 و 130).

۳-۲. تفسير الصحابة والتابعين

اعتبر بعض الباحثين في القرآن قول الصحابة أحد مصادر تفسير القرآن.[5] صاحب تفسير «مواهب الرحمن» أيضاً غالباً ما يستفيد في بيان سبب النزول (للاطلاع على أمثلة، انظر: نفسه، 1/ 344 و 142)، وشأن النزول (للاطلاع على أمثلة، انظر: نفسه، 1/ 207 و 214 و 4/ 404)، والسياق التاريخي لنزول الآيات (للاطلاع على أمثلة، انظر: نفسه، 2/ 32؛ 3/ 118 و 9/ 365)، وأحياناً في بيان القراءات (للاطلاع على أمثلة، انظر: نفسه، 11/3 و 10/ 47)، والتفسير (للاطلاع على أمثلة، انظر: نفسه، 1/ 47 و 9/ 65 و 92)، والآيات الناسخة والمنسوخة، من تفاسير وأقوال الصحابة والتابعين.

وقد استفاد من أقوال صحابة مثل ابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، وتابعين مثل سعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، ومجاهد؛ وبالطبع، في هذا السياق، اهتم المفسر بنقل كلام ابن عباس أكثر من غيره، خاصة في مجال أسباب وظروف نزول الآيات.

وتجدر الإشارة إلى أن نقل كلام الصحابة والتابعين في هذا التفسير لا يعني بالضرورة قبول أقوالهم، بل تناول المفسر نقل هذه الأقوال بنظرة نقدية، وفي الحالات اللازمة، نقد هذه الأقوال، وسنشير فيما يلي إلى أمثلة على ذلك:

ينقل السبزواري في تفسير آية «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ» (آل عمران: 55) عن ابن عباس أنه فسر (متوفيك) بمعنى (مميتك)؛ ويقول: نسبة هذا القول إلى ابن عباس مشكوك فيها، كما نُسبت إليه بعض مسائل نافع بن الأزرق، وعلى فرض صحة هذا الإسناد، فلا دليل على حجيته، إلا إذا نُسب إلى النبي (ص) بطريق معتبر. كما ينقل معنى آخر في تفسير هذه الآية عن الربيع بن أنس، وهو أن هذه الوفاة كانت من نوع النوم لا الموت، ويستشهد بمجموعة من آيات القرآن؛ لكن المفسر يرد هذا القول أيضاً للسبب السابق نفسه ويقول: هذا مجرد اجتهاد لا دليل على إثباته (موسوي السبزواري، 1418ق، 5/ 325؛ وانظر أيضاً: نفسه، 1418ق، 1/ 396 و 403/1).[6]

أحياناً يحكم المفسر بصحة أقوال الصحابة أيضاً. على سبيل المثال، الروايات الواردة في بيان سبب نزول آية «وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ» (البقرة: 89) عن ابن عباس بأن اليهود قبل بعثة النبي (ص) كانوا يقسمون على الله في حروبهم بحق النبي الخاتم (ص) لينصرهم، لكنهم بعد بعثة النبي (ص) كفروا به.[7]

يطرح السبزواري إشكالين من قبل المفسرين على هذه الروايات؛ أحدهما يتعلق بضعف سند هذه الروايات، والآخر بضعف دلالتها؛ لأنه عندما لا يكون هناك حق يُقسم به، فإن قسم الله به لا معنى له، لأن كل شيء مخلوق ومملوك له. ولكنه يقول: هذا الإشكال غير صحيح، لأن الروايات المذكورة مستفيضة بين الفريقين، وربما متواترة معنوياً، كما لا يخفى على أي محقق، فلا موضوعية لتضعيف سندها. وفيما يتعلق بقسم الله تعالى، يجب القول: إن القسم بشيء عظيم على ما هو شريف ومحترم وقيم عنده، شائع في المحاورات المتعارفة بين الناس، كما يقول الله تعالى: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» (الحجر: 72) (نفسه، 1/ 328؛ وانظر أيضاً: 1/ 368).

٤-۲. اللغة

من مصادر المفسر الأخرى اللغة، التي عدّها المفسرون والباحثون في القرآن من أهم المصادر (انظر: الزركشي، دون تاريخ، 2/ 160 والبلاغي، 1420، 1/ 32). السبزواري لم يغفل عن الاهتمام بهذا المصدر ضمن مستنداته التفسيرية. وهو بشكل عام في المباحث اللغوية حول الآيات، يستفيد من أقوال اللغويين بشكل عام وأحياناً بشكل خاص من آراء ونظرات لغويين مثل الخليل صاحب كتاب «العين»، والراغب الأصفهاني صاحب «المفردات»، والزجاج. ولكن لا يمكن اعتبار كلام اللغويين المستند الوحيد للسبزواري في هذا التفسير لتبيين معنى ألفاظ القرآن، بل هذا المصدر هو أحد المستندات التي يستخدمها هذا المفسر في تفسير آيات القرآن وألفاظه، وفي النهاية يصل إلى أنسب معنى ومقصد للفظ المعني. وفيما يلي سنشير إلى نماذج من هذه الاستنادات:

يرى المفسر أن حرف (على) يفيد الاستعلاء، الذي يكون حقيقياً أو اعتبارياً. ويستند في إثبات هذا المعنى إلى الخليل وغيره من الأدباء الذين اتبعوه (موسوي السبزواري، 1409ق، 3/ 14؛ وانظر أيضاً: 475/4؛ 3/ 30 و 43/5).

في تفسير آية «وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (البقرة: 253)، يبيّن المفسر، استناداً إلى مجموعة من الروايات ورأي جمع من المفسرين واللغويين، أن المقصود بروح القدس هو جبريل (ع) (نفسه، 4/ 187).

كما يلاحظ في المثال الأخير، يستند المفسر في تحديد مراد الكلمة، بعد الاستناد إلى الروايات، إلى أقوال المفسرين واللغويين، وهذا يدل على أهمية المصادر الأخرى، كالقرآن والسنة، بالنسبة لهذا المصدر عند المفسر. ولإثبات هذا المطلب، يُشار إلى نموذج من تفسير «مواهب الرحمن» حيث يرد المفسر القول اللغوي لمخالفته لظاهر الآية: يقول السبزواري في معنى كلمة (إسرار): الإسرار (الإخفاء) خلاف الإعلان (الإظهار)، وله مراتب كثيرة: «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى» (طه: 7)، فهو يعلم السر وما هو أخفى منه! يقول بعض اللغويين إن هذه الكلمة من الأضداد، بدليل الآية الشريفة: «وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ» (سبأ: 33)، أي أظهروا الندامة، ولكن هذا الكلام مردود لأنه خلاف ظاهر الآية المباركة، وهو ما سيُبيّن في محله (نفسه، 1/ 298).

۱-٤-۲. الاستناد إلى الشعر والنثر العربي

كما ذُكر، يبيّن السبزواري في تفسير كل آية أولاً معنى ومقصد ألفاظها مستعيناً بمصادر متعددة، ومن هذه المصادر الأدب العربي شعراً ونثراً. وفيما يلي نماذج من استناد أو استشهاد المفسر بهذا المصدر:

في بيان معنى (ضرب) في عبارة «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ» في الآية 61 من سورة البقرة، يقول: هذه المادة لها استخدامات كثيرة في المعاني، وكل منها يُعرف بالقرائن، والمراد بالضرب هنا اللزوم والإلزام. ولإثبات هذا المعنى، يستشهد المفسر بجملة من كلام العرب، وهي: «ضرب المولى الخراج على عبيده»؛ أي ألزمه وأجبره (نفسه، 1/ 262؛ وانظر أيضاً: 1/ 269 و 3/ 6).

في باب الاستناد إلى الشعر العربي في تفسير وبيان معاني لغات القرآن، تجدر الإشارة إلى أن صاحب تفسير «مواهب الرحمن» يستعين بالشعر العربي فقط كشاهد لتوضيح معاني الألفاظ القرآنية، ويمكن ملاحظة أمثلة كثيرة على هذا الاستخدام في التفسير المذكور.

على سبيل المثال، في معنى كلمة (ذبذب) في آية «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ» (النساء: 143)، يقول: هذه المادة تدل على الحركة والاضطراب. ثم يستشهد ببيت من شاعر عربي: ألم تر أن الله أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب (موسوي السبزواري، 1418ق، 10/ 46). أو في تخصيص كلمة قوم بالرجال، حسب القول المعروف بين اللغويين، يستشهد بشعر لزهير: وما أدري وسوف إخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء (نفسه، 1/ 239؛ وانظر أيضاً 2/ 126؛ 3/ 6؛ 4/ 418 و 43/5).

٥-۲. العقل

الآيات الكثيرة التي تدعو الناس إلى التدبر والتفكر في آيات الله التكوينية والتشريعية[8]، تدل على أننا بحاجة إلى التدبر في كلمات الله لفهمها فهماً عميقاً ودقيقاً، ولو لم يكن للعقل دور في التفسير، لكان التشجيع عليه بلا معنى. كما وردت روايات كثيرة عن النبي (ص) وأهل البيت (ع) تؤكد على أهمية العقل والتفكر وتذم الذين لا يستخدمون العقل في الفهم والعمل. وتزداد هذه الأهمية خاصة في الدين ومسائله كفهم النصوص الدينية، حيث تُختبر تعاليم الدين بمعيار العقل وتحظى بالاهتمام. على سبيل المثال، وردت مجموعة من الروايات عن أمير المؤمنين علي (ع) يقول فيها: «الدين لا يصلحه إلا العقل»، و«على قدر العقل يكون الدين» (الآمدي، 1366، 50).

وقد أفاد السبزواري في تفسير «مواهب الرحمن» من هذا المصدر إفادة كبيرة. فإذا صرفنا النظر عن مباحثه الكلامية والفلسفية في هذا التفسير، فإن دور العقل واجتهاد المفسر في فهم الآيات يظل جلياً في كل موضع؛ فالمفسر باستخدام قوة العقل والاجتهاد يسعى إلى فهم مراد الله من خلال القرائن المختلفة كالآيات والروايات وغيرها.

يمكن للعقل أن يؤدي أدواراً مختلفة في تفسير الآيات، وهنا، ضمن بيان أقسام استخدامات العقل في التفسير، نورد نماذج من توظيف هذا المصدر في تفسير «مواهب الرحمن».

۱-٥-۲. دور العقل في رد فهم تفسيري

أحياناً يكون ظاهر الآية أو فهم تفسيري لها مخالفاً لحكم العقل القطعي. وهنا، ينفي العقل ذلك المعنى الظاهري أو الفهم التفسيري للآية. على سبيل المثال، ظاهر بعض الآيات يدل على الجبر، وأصحاب هذا المذهب يؤيدون مذهبهم بالاستدلال بهذه الآيات. يقول السبزواري في رد هذا المذهب: خلاصة القول في الجبر ومذاهبه، أنه بالإضافة إلى تعارضه مع العقل والنقل، فإنه يستلزم نفي الحسن والقبح العقليين، بينما هذا الأمر محل اتفاق العقلاء. كما أن من لوازم الجبر الأخرى نفي الثواب والعقاب الثابت في جميع الشرائع الإلهية، وتجويز نسبة الظلم والجور وسائر المفاسد إلى الله سبحانه (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 135).

في مجموعة من آيات القرآن، تُنسب مفاهيم إلى الله، نسبتها إليه حقيقةً تخالف حكم العقل. على سبيل المثال، في الآية الشريفة «مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ» (البقرة: 98)، يقول السبزواري: (عدو) بمعنى تجاوز الحد المعين في شيء ما، وهذه الكلمة وردت بأشكال مختلفة في القرآن، ولكن نسبتها بالمعنى الحقيقي إلى الله عز وجل غير ممكنة، لأن تجاوز من هو غير متناهٍ في القدرة والغلبة والقهر أمر غير معقول. نعم، يصح بالمعنى الاعتقادي، بمعنى أن يُخالف في الاعتقاد والعمل. وإن فسرنا العداوة له بالعداوة لأنبيائه وأوليائه، فستكون بالمعنى الحقيقي أيضاً صحيحة (نفسه، 1/ 340؛ وانظر أيضاً 2/ 101).

۲-٥-۲. دور العقل في التبيين والتوضيح

أهم دور للعقل في التفسير هو تحليل ودراسة آيات القرآن بالنظر إلى طرق فهم الكلام؛ وهي الطرق التي يستعين بها العقلاء لفهم الكلام. في الواقع، للعقل هنا دور آلي، أو بعبارة أخرى، هو متمم للمصادر الأخرى. ويمكن اعتبار هذا الدور مصداقاً للتدبر في القرآن؛ أي أن العقل، باستخدام اللغة والآيات والروايات (القرائن المتصلة والمنفصلة للكلام)، يكشف عن مجهولاته من الآيات، وبالبحث والاستدلال يصل إلى فهم مراد الله من الآية. ونظراً لأن المدركات العقلية القطعية ليست كثيرة، يجب اعتبار الدور الأهم للعقل هو تحليل بيانات المصادر الأخرى. وهذا هو الاجتهاد والبحث العقلي لفهم معارف القرآن وتفسير آياته، وهو ما سعى إليه معظم المفسرين منذ القدم وحتى الآن، وأظهروا التزاماً به بدرجات متفاوتة (رجبي، 1383، 238).

كما مر، استفاد مؤلف «مواهب الرحمن» أيضاً من هذا الدور للعقل في كل موضع من تفسيره، ولا يكاد يوجد موضع يكتفي فيه المفسر بالمعنى الظاهري للآية والروايات الواردة في تفسيرها، بل باجتهاده الخاص يحلل الآيات والروايات ويكشف عن نكات جديدة من داخلها. وبالتالي، فإن نماذج هذا الدور للعقل في هذا التفسير كثيرة، ونكتفي بذكر مثالين لتوضيح الأمر:

يستنبط المفسر من الآيتين 55 و 56 من سورة البقرة[9] والروايات الواردة عن الأئمة (ع) في النهي عن التعمق في ذات الله عز وجل[10]، أن التعمق في ذات الله ليس فقط منهياً عنه، بل إن طالبه يستحق العذاب أيضاً.

في موضع آخر، ينقل المفسر من الكافي رواية عن الإمام الصادق (ع) في تفسير آية «قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (البقرة: 124) أن الإمام يقول: كان إبراهيم (ع) نبياً ولم يكن إماماً حتى قال الله تعالى: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا». ثم يقول الإمام في تفسير جملة «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»: «من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً». وقد نُقلت رواية مشابهة عن الشيخ المفيد بإضافة عبارة (أو مثالاً).

مع الأخذ في الاعتبار إطلاق عبارة (الظَّالِمينَ) وحكم فطرة الإنسان بأن منصباً كالإمامة لا يليق إلا بمن لم يعبد صنماً أو وثناً أو مثالاً، يقول المفسر: ما ورد في الحديث هو من باب التمثيل، وليس أن الحديث في مقام تقييد إطلاق الآية (موسوي السبزواري، 1409ق، 2/ 15؛ وانظر أيضاً 1/ 247 و 259).

۳-٥-۲. كشف الاستلزامات

من أفضل وأثرى أدوار العقل هو كشف استلزامات مفاد الآيات. فبالإضافة إلى المفاد الظاهري للآيات، فإن استلزاماتها العقلية أيضاً مقصودة لله، ويمكن اعتبارها من آراء القرآن. وبناءً على ذلك، يشكل جزءاً من تفسير الآيات استلزامات عقلية لمفادها، وعلى المفسر أن يستخرجها (رجبي، 1383، 239).

لم يغفل السبزواري عن هذا الدور للعقل أيضاً، خاصة في المباحث الدلالية التي يوردها غالباً في نهاية تفسير كل جزء من الآيات، حيث يتناول بيان استلزامات ودلالات تتجاوز المعنى الأولي للآيات. في تفسيره لآية «وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» (البقرة: 4)، يكتب: مع أن الآخرة من مصاديق الغيب الذي ذُكر في الآية السابقة، إلا أنه ذُكر صراحةً لأهميته والتأكيد عليه. ويستنبط المفسر من التأكيد على هذا الموضوع استلزامات، منها:

1. أساس وركن نشأتي حياة الإنسان (الدنيا والآخرة) هو في الواقع الإيمان بالمعاد بعد الإيمان بالله تعالى، وبواسطة وجود المعاد، تُنظم حياة الفرد والمجتمع.

2. الإيمان بالغيب بشكل إجمالي وكلي، أحياناً لا يكفي لتشجيع الإنسان على فعل الخير وردعه عن فعل الشر، بخلاف من يوقن بالآخرة تفصيلاً، لأن أثر هذا اليقين يظهر في أعماله، ومثل هذا الشخص يراقب نفسه. اليقين بالآخرة يتحقق مرة بإخبار المعصوم بعد إقامة الأدلة على عصمته، ومرة أخرى بنظرة صحيحة وتفكر وتدبر في آيات الله وخلق الإنسان، ولأن الدنيا دار كون وفساد، فلا يمكن أن تكون دار نعيم للمحسنين وجحيم للمسيئين؛ وفي هذه الحالة، يحكم العقل بأنه لا بد من وجود دار أخرى بعد هذه الدنيا الفانية، يُجازى فيها المحسن بثوابه والمذنب بعقابه. هذا البرهان في الفلسفة الإلهية يسمى برهان الإنّ. والطريق الثالث لتحصيل اليقين هو المواظبة على عبادة الله كما يليق به وترك معصيته. اليقين إذا حصل من غير هذه الطرق الثلاث، فإن كان مطابقاً للشريعة الإسلامية فهو صحيح، وإلا فلا اعتبار له (موسوي السبزواري، 1409ق، 1/ 79 و 80).

يقول السبزواري في تفسير الآية الشريفة «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (البقرة: 228): ما يجب على النساء فعله في مدة التربص والانتظار هو أن يحفظن أنفسهن ويمتنعن عما تقتضيه طبيعتهن وميلهن للزواج. ويستنبط المفسر من هذه الجملة أنه يجب على النساء في هذه المدة أن يكن تحت مراقبة الزوج ورعايته. وهو يرى أيضاً أن جملة «وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ» بطريق الملازمة، تدل على اعتبار قول النساء في الإخبار عما هو خفي في أرحامهن من حيض وطهر وحمل (نفسه، 4/ 18).

3. خاتمة

۱. من أهم مستندات السبزواري في تفسير «مواهب الرحمن» هو استناده إلى القرآن الكريم. فهو تارة يستعين بسياق الآية أو الآيات السابقة واللاحقة لها، وتارة أخرى يستفيد من آيات أخرى من القرآن ذات سياق مشابه لتفسير الآية المعنية، وأحياناً يستند إلى هذا المصدر لتأييد أو رد فهم تفسيري.

۲. المستند الآخر للسبزواري في التفسير، والذي يحتل مكانة خاصة وحصة كبيرة بين مستنداته التفسيرية، هو روايات المعصومين (ع). وقد استفاد من هذا المصدر الثمين لتبيين مراد ألفاظ القرآن ومفاد الآيات، وكذلك المعاني الباطنية وتأويل الآيات.

۳. في بيان سبب وشأن نزول الآيات والسياق التاريخي لعصر النزول، والقراءات المختلفة وتفسير الآيات، يستفيد المفسر أحياناً من الأقوال التفسيرية للصحابة والتابعين، ولكن بنظرة علمية. خاصة في نقل الروايات التي تشير إلى نسخ الآيات، ينتقد كلام الصحابة أو يعتبره من باب التخصيص.

٤. استشهد السبزواري في تبيين معاني ألفاظ القرآن بعلم اللغة الذي يشمل الأدب العربي شعراً ونثراً وأقوال اللغويين، ويمكن تقييم مكانة هذا الاستناد في تفسير «مواهب الرحمن» بعد القرآن والروايات والعقل والاجتهاد.

٥. العقل والاجتهاد من مستندات السبزواري التفسيرية، ويتجلى دوره في مواضع كثيرة من هذا التفسير. فهو تارة يستخدم الدور السلبي للعقل لرد فهم تفسيري، وتارة يستفيد منه في تبيين وتوضيح الآيات والروايات، وتارة أخرى يستخدمه لكشف الاستلزامات العقلية من مفاد الآيات.

٦. استخدم السبزواري في تفسيره منهج التفسير النقلي والعقلي معاً في آن واحد.

الهوامش

1. منها: 1. مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام؛ 2. إفاضة الباري في نقد ما ألفه الحكيم السبزواري؛ 3. جامع الأحكام الشرعية؛ 4. حاشية بر بحار الأنوار للعلامة المجلسي (ت 1110هـ)؛ 5. حاشية بر تفسير الصافي (ت 1091هـ)؛ 6. حاشية بر العروة الوثقى، لليزدي (ت 1339هـ)؛ 7. حاشية بر جواهر الكلام، للنجفي (ت 1266هـ)؛ 8. رفض الفضول عن علم الأصول.

2. الطبعة الأولى منه في النجف الأشرف، مطبعة الآداب، سنة 1404 في القطع الوزيري، وقد شوهدت من هذه الطبعة أربع مجلدات، وأعيد طبعها وتوزيعها في بيروت من قبل مؤسسة آل البيت 1409-1410. طبعة أخرى قامت بها مؤسسة المنار في قم سنة 1414 بتنضيد وتحقيق جديد بإشراف ابن المرحوم، ويبدو أنها وصلت إلى أحد عشر مجلداً (أيازي، 1381، 179). أحدث طبعة له صدرت عن دار التفسير سنة 1428 في قم وبلغت 14 مجلداً.

3. «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ».

4. لمزيد من الأمثلة، انظر: 1/ 225، 250، 260، 271، 2/ 8؛ 3/ 9، 10؛ 4/ 8، 418.

5. اعتبر البعض تفسير الصحابي بمنزلة الحديث المرفوع. (انظر: الزركشي، دون تاريخ، 2/ 157 والذهبي، 1396ق).

6. (البقرة: 89) والبعض الآخر لا يعتبرون كلام الصحابي حجة إلا في المواضع التي تبين أسباب النزول وما شابهها، مما لا مجال للرأي فيه. انظر: أيازي، 1388، 111 نقلاً عن الحاكم النيسابوري؛ معرفة علوم الحديث، ص 20.

7. الغالبية العظمى من هذه الروايات قد نُقدت من قبل المفسر أو اعتبرت من باب التخصيص. على سبيل المثال، انظر: (1/ 311 و 403؛ 3/ 151 و 4/ 487).

8. انظر: ص 29؛ النحل: 44؛ البقرة: 164 و 219؛ آل عمران: 190 و 191؛ النساء: 82؛ الأنفال: 22؛ محمد: 24 والقمر: 7.

9. «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

10. يقول الإمام الباقر (ع): «تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيراً». ويقول الإمام الصادق (ع): «إن الله تبارك وتعالى يقول: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (النجم، 42) فإذا انتهى الكلام إلى الله تعالى فأمسكوا» (السبزواري، 1409ق، 1/ 249).

Scroll to Top