دراسة اشتراط المصلحة في تصرفات الولي القهري من منظار الفقه الإمامي وقوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الملخص

ذهب مشهور فقهاء الإمامية إلى اشتراط المصلحة في تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه، بل ادعى بعضهم الإجماع على ذلك. وقد ذهب الحقوقيون أيضاً، تبعاً لمشهور الفقهاء، إلى أن نفوذ تصرفات الولي القهري مشروط بمراعاة المصلحة. وفي القانون المدني كذلك، فإن نفوذ هذا النوع من التصرفات في أموال المولّى عليه مشروط بمراعاة المصلحة. وفي المقابل، لم يشترط بعض الفقهاء أي شرط لتصرفات الولي القهري، بل اعتبروها نافذة على الإطلاق. في هذا البحث، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي وجمع المعلومات المكتبية، ومن خلال إعادة قراءة كلمات الفقهاء ودراسة الأدلة من الآيات والروايات والإجماع، ثبت أن كلا القولين غير تام؛ ففي نظرية إطلاق الولاية، الآية والروايات المستند إليها مخدوشة من حيث الدلالة على المدعى. وفي نظرية اشتراط المصلحة، الأدلة المقدمة أيضاً غير تامة: فالآيات والروايات المستند إليها لا تدل على المدعى، والإجماع المدعى به أيضاً غير تام؛ لعدم وجود إجماع محصّل في هذه المسألة، والإجماع المنقول مشكوك في تحققه. وفضلاً عن ذلك، فإن هذا الإجماع مدركي أو يحتمل فيه المدركية، فلا يكون حجة. وعليه، فإن تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه ليست نافذة على الإطلاق وليست مشروطة بوجود المصلحة، بل يكفي مجرد انتفاء المفسدة.1

المقدمة

الأسرة هي أقدم وأهم جماعة اجتماعية متزامنة مع حياة البشر، ولها دور أساسي في تكوين شخصية الإنسان ونمو مشاعره وعواطفه ونقل الثقافة بمعناها الواسع، كما أن لها دوراً حاسماً في القوة الوطنية للبلاد. من الأمور التي تلعب دوراً أساسياً في استقرار الأسر هو القانون. فالقانون العادل والشامل والمحدد لحقوق جميع أفراد الأسرة سيؤدي إلى استقرار الأسر ونموها. وفي هذا السياق، يحظى تأمين حقوق أفراد الأسرة الضعفاء، كالصغير والسفيه والمجنون، بأهمية أكبر؛ لأنهم ضعفاء وعاجزون عن الدفاع عن حقوقهم. لذلك، في الفقه الإمامي، وتبعاً له في القانون المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، من أجل تأمين حقوق هؤلاء الأفراد، بالإضافة إلى الحماية العامة من قبل الحكومة والنظام القضائي، تم التنبؤ بمؤسسة الولاية القهرية. ونظراً لسلطة الأب والجد في الأسرة وشفقتهما الفطرية تجاه الأبناء، خُصصت هذه المؤسسة لهما ومُنحت صلاحيات مناسبة (القانون المدني، المادة 1180 و 1183). تشمل صلاحيات الولي القهري عدة مجالات، من أهمها الولاية في الشؤون المالية للمحجور، وقد خُصصت لها مباحث كثيرة في الفقه والحقوق؛ لأن صلاحيات الولي القهري في الشؤون المالية للمحجور واسعة؛ كما نصت المادة 1183 من القانون المدني على أنه: «في جميع الأمور المتعلقة بأموال وحقوق المولّى عليه المالية، يكون الولي ممثله القانوني». ووفقاً للصلاحيات المذكورة، يمكن للولي القهري أن يقرر بمفرده ودون إذن من السلطة القضائية بشأن الشؤون المالية للمولّى عليه، فيبيع أمواله غير المنقولة، ويرهنها، ويقترض له، ويقوم بمعاملة يصبح بموجبها المولّى عليه مديوناً، وينهي دعواه المالية بالصلح. السؤال الرئيسي للبحث هو: ما هي رؤية الفقه الإمامي وقوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن اشتراط المصلحة في تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه؟ قدم فقهاء الإمامية في هذا الصدد آراء مختلفة. المشهور بين الفقهاء، ومنهم الشيخ الطوسي (الطوسي، د.ت، ج2، ص200)، والمحقق الحلي (المحقق الحلي، د.ت، ج2، ص333)، والشهيد الأول (الشهيد الأول، 1414هـ، ج3، ص318)، لم يفرقوا بين الولي القهري وسائر الأولياء، بل اشترطوا نفوذ تصرفاتهم جميعاً بمراعاة مصلحة المحجور. وقد تبنى القانون المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية في تعديل عام 1379 في المادة 1184 وسائر القوانين، تبعاً لمشهور الفقهاء، هذا القول. ويرى الحقوقيون أيضاً أن نفوذ تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه مشروط بمراعاة المصلحة (إمامي، 1366، ج5، ص213؛ كاتوزيان، 1383، ج2، ص222). يقول كاتوزيان: «إن نيابة الولي القهري هي لمراعاة مصلحة المولّى عليه، ولهذا السبب فإن صلاحيات الولي محدودة بالأعمال التي تتم للحفاظ على غبطة المحجور» (نفسه). ولكن فقهاء مثل الإمام الخميني (الموسوي الخميني، 1379ب، ج1، ص489) والمحقق الخوئي (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص263) يرون أن تصرفات الولي القهري في أموال المحجور ليست مشروطة بوجود المصلحة، بل يكفي مجرد عدم وجود المفسدة. كما قال الإمام الخميني: «في نفوذ تصرفات الأب والجد، ليست المصلحة شرطاً؛ بل يكفي عدم وجود المفسدة» (نفسه). وفي المقابل، اعتبر بعض الفقهاء تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه نافذة على الإطلاق ولم يشترطوا لها أي شرط (آل بحر العلوم، 1403هـ، ص271). الفرضية في هذا البحث هي أن تصرفات الولي القهري في أموال المحجور ليست مشروطة بمراعاة المصلحة؛ بل يكفي مجرد عدم وجود المفسدة. في هذا المقال، ولإثبات النظرية المختارة ودحض الآراء المنافسة، تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي وأداة جمع المعلومات المكتبية. من حيث السابقة البحثية، بقدر ما تم فحصه، لم يتم حتى الآن تأليف كتاب أو مقال أو أطروحة في موضوع البحث، وفي هذا المجال لم يتم نقد القانون المدني ودراسته؛ ولكن تم العثور على مقالات متوافقة مع هذا البحث تناولت مباحث حول صلاحيات الولي القهري، ولكنها لم تتطرق لموضوع هذا البحث. وأهمها: 1. مقال «دراسة صلاحيات الولي القهري والوصي في الفقه وحقوق إيران بنظرة على آراء الإمام الخميني» تأليف جمشيد جعفر بور. في هذا المقال، تتركز معظم المباحث على صلاحيات الولي والوصي في الأمور غير المالية مثل النكاح والطلاق والقصاص؛ أما عن الصلاحيات المالية فقد تمت مناقشتها في صفحة واحدة فقط حول تعيين الوصي وصلاحياته؛ ولكن لم يقدم أي بحث حول اشتراط أو عدم اشتراط المصلحة في التصرفات المالية للولي القهري، وهو موضوع البحث الحالي. 2. مقال «مكانة وتأثير المصلحة في حضانة الطفل من منظور الفقه والحقوق» تأليف محمد مهدي مقدادي. قدم هذا المقال مباحث جيدة حول مفهوم وأهمية ومكانة المصلحة وأسسها، وكذلك حول تأثير المصلحة في أعمال الولاية ونسبية المصلحة في شؤون الأطفال؛ ولكن لم يطرح أي بحث حول اشتراط أو عدم اشتراط المصلحة في التصرفات المالية للولي القهري. لذلك، في هذا المقال، نعتزم، بالإضافة إلى إعادة قراءة كلمات الفقهاء والحقوقيين، دراسة أدلة المسألة من الآيات والروايات والأدلة الأخرى وقياس مقتضياتها لنرى إلى أي نتيجة تقودنا الأدلة في الإجابة على السؤال المذكور. مع هذا التوضيح: أ) يمكن تقديم ابتكار البحث في المجالات التالية: 1. نقد القانون المدني للجمهورية الإسلامية الإيرانية في باب تصرفات الولي القهري (المادة 1184) الذي بني على نظرية اشتراط المصلحة في تصرفات الولي. 2. نقد رأي مشهور فقهاء الإمامية القائم على اشتراط المصلحة في نفوذ تصرفات الولي القهري، حيث تم إثبات عدم تمامية النظرية وخلل أدلتها في هذا المقال. 3. تقديم أدلة متعددة على صحة نظرية «كفاية عدم المفسدة في نفوذ تصرفات الولي القهري». ب) سيتم تقديم المباحث قيد النظر في أربعة محاور أساسية: – دراسة المفاهيم – دراسة الأقوال في المسألة – دراسة أدلة المسألة – النتيجة.

1. دراسة المفاهيم

1-1. المصلحة

المصلحة في اللغة كلمة عربية من جذر صَلَح. يرى ابن فارس أن الصلاح أصل واحد يدل على خلاف الفساد (ابن فارس، 1404هـ، ج3، ص303). وفي معاجم عربية أخرى، كلمة مصلحة تعني الخير (الفيومي، 1405هـ، ص345)؛ ما يصلح للإنسان، الأعمال التي يقوم بها الإنسان وتؤدي إلى منفعته أو منفعة قومه (مألوف، 1406هـ، ص432)؛ نقيض الفساد (الفراهيدي، 1425هـ، ج2، ص1001)؛ ما يترتب على الفعل ويحفز الإنسان إلى الصلاح؛ أو الأعمال التي تجلب له النفع (خوري الشرتوني، 1427هـ، ج3، ص222). في الثقافات الفارسية أيضاً، ذكرت للمصلحة معانٍ متعددة. أهمها: مقابل المفسدة، الصواب، الاستحقاق، الاقتضاء، التوافق، التناسب، المقتضى، ما فيه صلاح شخص أو جماعة (دهخدا، 1377، ج13، ص21020 و 21021). المصلحة في الاصطلاح: استخدم العلماء المسلمون في المعنى الاصطلاحي للمصلحة تعابير مختلفة. قال البعض: «المصلحة عبارة عن دفع الضرر أو جلب المنفعة في أمور الدين والدنيا» (ميرزاي قمي، 1371، ج3، ص92). وقال آخرون: «المصلحة عبارة عما يتوافق مع مقاصد الإنسان في أمور الدنيا أو الآخرة أو كليهما، ونتيجتها جلب منفعة أو دفع ضرر» (محقق حلي، 1403هـ، ص221). وقال أبو هلال العسكري: «المصلحة عبارة عن العمل بمقتضى الحكمة؛ سواء كان من قبيل الضرر أو المنفعة، كما أن المرض أحياناً يكون في مصلحة الإنسان؛ لأنه يوجب تقوية إيمانه» (عسكري، 1353، ص172)؛ ولكن الغزالي يقول: «المقصود من المصلحة ليس جلب منفعة ودفع ضرر… بل المقصود هو المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع بين الخلق هو حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال للأفراد، وكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يزيلها فهو مفسدة، ودفعها يعتبر مصلحة» (الغزالي، 2008م، ج2، ص174). من خلال التدقيق في كلمات العلماء وعلماء اللغة حول المصلحة ودراسة موارد استخدامها، يتضح أن التعابير التي استخدمها العلماء في تعريف المصلحة الاصطلاحية كلها تعود إلى المعنى اللغوي والعرفي، أي الخير ونقيض الفساد. لذلك، يمكن القول: في الفقه والعلوم المتعلقة به، لا يوجد للمصلحة اصطلاح خاص؛ بل تستخدم المصلحة في هذه العلوم بمعناها اللغوي والعرفي نفسه؛ ولكن مع مراعاة خصوصيات محل الاستعمال، استخدمت تعابير مختلفة حول مفهومها في هذه العلوم.

1-2. الغبطة

الغبطة في اللغة كلمة عربية ومعانيها هي: 1. حسن الحال (الفراهيدي، 1425هـ، ج2، ص1327؛ الفيومي، 1405هـ، ص442). 2. السرور (مألوف، 1406هـ، ص544؛ خوري الشرتوني، 1427هـ، ج4، ص13). 3. تمني نعمة دون تمني زوالها عن صاحبها (الفيومي، 1405هـ، ص442). يقول ابن فارس: «للغبطة ثلاثة معانٍ أصلية: الأول: دوام الشيء واتصاله؛ وحسن الحال والسرور من هذا الجذر. الثاني: المس واللمس. الثالث: نوع من الحسد غير المذموم؛ لأن الشخص في الغبطة يتمنى نعمة شخص ما، ولكنه لا يريد زوالها عن صاحبها» (ابن فارس، 1404هـ، ج4، ص410). في الثقافات الفارسية أيضاً، ذكرت للغبطة عدة معانٍ، وهي: 1. السرور وحسن الحال (عميد، 1357، ص741؛ معين، 1371، ج2، ص2388). 2. تمني زوال الشيء عن الغير (معين، 1371، ج2، ص2388). الغبطة في اصطلاح الفقهاء، في بحث تصرفات الولي في أموال المولّى عليه، تستخدم بمعنى الأفضل والأصلح والأنفع؛ حيث يقولون: «تصرف الولي في مال المولّى عليه منوط بالغبطة للمولّى عليه» (هاشمي شاهرودي، 1392، ج5، ص543). من كلمات الميرزا القمي في جامع الشتات يتضح أن الغبطة بمعنى المصلحة (ميرزاي قمي، 1371، ج2، ص461)، والمقصود منها في تصرفات الولي هو ألا يقوم الولي بعمل يؤدي إلى فساد أموال المولّى عليه؛ ولكن إيصال النفع إليه ليس ضرورياً (نفسه، ص455-458). العلامة الحلي أيضاً في تفسير الغبطة استخدم المصلحة وقال: «الغبطة هي أن يكون التصرف على أساس التدبير والمصلحة» (حسيني عاملي، 1424هـ، ج12، ص681). من خلال التدقيق في كلمات الفقهاء واستخدامهم لكلمتي الغبطة والمصلحة بدلاً من بعضهما البعض، يتضح أن هاتين الكلمتين لهما معنى واحد عندهم (محقق حلي، د.ت، ج2، ص333؛ العلامة الحلي، 1418هـ، ج2، ص21 و 135؛ حسيني عاملي، 1424هـ، ج12، ص681؛ النجفي، 1430هـ، ج26، ص320 و 323). كما أن العديد من الحقوقيين قد فسروا هاتين الكلمتين ببعضهما البعض أو استخدموهما بدلاً من بعضهما البعض (إمامي، 1366، ج5، ص213؛ كاتوزيان، 1383، ج2، ص222؛ صفائي، 1394، ص108؛ باريكلو، 1389، ص192). على سبيل المثال، فسر إمامي الغبطة بـ«الصلاح والمصلحة» (إمامي، 1366، ج5، ص213). لذلك، يمكن القول إن كلمتي المصلحة والغبطة في الفقه والحقوق لهما معنى واحد.

1-3. الولي

الولي في اللغة، على وزن فعيل بمعنى فاعل من جذر «وليه» بمعنى تولي أمور شخص والقيام بها (الفيومي، 1405هـ، ص672). وفي الاصطلاح الحقوقي، الولاية عبارة عن سلطة واقتدار يمنحه القانون لشخص لجهة من الجهات ليقوم بالأمور المتعلقة بالغير، ومن له هذه الصفة يسمى ولياً. والولي قسمان: ولي عام وولي خاص (إمامي، 1366، ج5، ص202). الولي الخاص: يطلق على الأب والجد للأب والوصي المعين من قبل أحدهما، وتسمى صفتهم الولاية الخاصة (القانون المدني، المادة 1194). الولي القهري: الذي يسمى أحياناً اختصاراً بالولي، هو الشخص الذي يملك بموجب حكم مباشر من القانون صلاحية إدارة شؤون المحجور والقيام بالأعمال القانونية نيابة عنه (صفائي وآخرون، 1388، ص288). القانون المدني (1180 و 1181)، تبعاً لفقهاء الإمامية، حصر الولاية القهرية في الأب والجد للأب (إمامي، 1366، ج5، ص203). الولي العام: هو من يقوم بالأمور المتعلقة بعموم الأفراد في حدود القانون. الحاكم هو الولي العام، والآن يتولى القاضي والمدعي العام منصب الحاكم (نفسه، ص202).

2. الأقوال في مسألة اشتراط المصلحة

2-1. آراء الفقهاء

قدم فقهاء الإمامية في هذه المسألة آراء مختلفة أهمها ثلاثة أقوال: الأول: اشتراط مراعاة المصلحة في تصرفات الولي القهري: مشهور فقهاء الإمامية لم يفرقوا في تصرفات الأولياء بين الولي القهري وسائر الأولياء؛ بل اشترطوا نفوذ تصرفاتهم جميعاً بوجود المصلحة؛ بل إن العاملي في مفتاح الكرامة اعتبر اشتراط المصلحة في تصرفات كل من له ولاية أمراً إجماعياً (حسيني عاملي، 1424هـ، ج12، ص681). ولم يستبعد الشيخ الأنصاري تحقق الإجماع على اشتراط المصلحة في تصرفات الأب والجد (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص539). كما اعتبر ابن إدريس الحلي القول باشتراط المصلحة في تصرفات الأولياء مقتضى أصول المذهب (الحلي، 1414هـ، ج1، ص441). ويستفاد من كلام الشيخ الطوسي نفس القول (الطوسي، د.ت، ج2، ص200). بالإضافة إلى ذلك، صرح المحقق الحلي (المحقق الحلي، د.ت، ص333)، والعلامة الحلي (العلامة الحلي، 1418هـ، ج2، ص21 و 135)، والشهيد الأول (الشهيد الأول، 1414هـ، ج3، ص318 و 403)، والشهيد الثاني (الشهيد الثاني، 1425هـ، ج3، ص166)، والمحقق الثاني (المحقق الثاني، 1414هـ، ج4، ص87) وغيرهم من الفقهاء باشتراط المصلحة في تصرفات كل من له ولاية. الثاني: كفاية عدم المفسدة: بمعنى أن نفوذ تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه مشروط، ولكن ليس بوجود المصلحة، بل بعدم المفسدة. فإذا لم تكن في تصرفات الولي القهري مفسدة، فهي صحيحة؛ وإن لم يترتب عليها أي مصلحة. صاحب الجواهر، قبل هذا القول بتردد وقال: «تصرفات الأب والجد إذا كانت مصحوبة بالمصلحة أو عدم المفسدة، فهي نافذة بناءً على اختلاف القولين في المسألة» (النجفي، 1430هـ، ج23، ص518). وقد تبنى الإمام الخميني هذا الرأي أيضاً حيث قال: «في نفوذ تصرفات الأب والجد، ليست المصلحة شرطاً؛ بل يكفي عدم المفسدة» (الموسوي الخميني، 1379ب، ج1، ص489)؛ ويستفاد من كلام المحقق الخوئي نفس القول (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص263). كما أن الشيخ الأنصاري في النهاية قبل هذا القول وقال: «الأقوى كفاية عدم المفسدة؛ وهذا القول موافق لرأي كثير من عظماء عصرنا» (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص540). القول الثالث: إطلاق نفوذ التصرف: بمعنى أن تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه نافذة على الإطلاق وليست مشروطة بأي شرط من قبيل وجود المصلحة أو عدم المفسدة. الشيخ مرتضى الأنصاري في بداية كلامه، قوّى قول إطلاق نفوذ الأب والجد وأقام عليه أدلة (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص537). وقد اعتبر المحقق النائيني هذا القول أقرب (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص258). وقد اختار آل بحر العلوم هذا القول أيضاً وقال: «تصرفات الأب والجد للأب في الطفل وأمواله نافذة على الإطلاق» (آل بحر العلوم، 1403هـ، ج3، ص271).

2-2. آراء الحقوقيين

يمكن القول إنهم أيضاً لم يفرقوا بين الولي القهري وسائر الأولياء، وفي نفوذ تصرفات جميع الأولياء يشترطون وجود المصلحة، وبقدر ما تم البحث، لم يُرَ مخالف في هذا المجال. قال السيد حسن إمامي عن صلاحيات الولي القهري: «دائرة صلاحيات الولي في إدارة أموال المولّى عليه محدودة، وكل عمل تكون فيه غبطة المولّى عليه، يمكنه القيام به، أي أن صلاحه ومصلحته تقتضي ذلك» (إمامي، 1366، ج5، ص213). وقال كاتوزيان أيضاً: «نيابة الولي القهري هي لمراعاة مصلحة المولّى عليه، ولهذا السبب فإن صلاحية الولي محدودة بالأعمال التي تتم للحفاظ على غبطة المحجور» (كاتوزيان، 1383، ج2، ص222). كلمات سائر الحقوقيين أيضاً على هذا المنوال تقريباً؛ مثل سيد حسين صفائي وأسد الله إمامي (صفائي، 1394، ص421)، محمد حسين ساكت (ساكت، 1386، ص239)، حبيب الله طاهري (طاهري، د.ت، ج3، ص344)، باريكلو (باريكلو، 1389، ص193)، رسائي نيا (رسائي نيا، 1389، ص109)، مراد مقصودي (مقصودي، 1391، ص64)، مرتضى يوسف زاده (يوسف زاده، 1389، ص112) ورضوان طلب (رضوان طلب، 1389، ص239). الجدير بالذكر أنه في قوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضاً، تبعاً لمشهور فقهاء الإمامية، اشترطت المصلحة في نفوذ تصرفات الولي القهري؛ كما نصت المادة 1184 من القانون المدني على أنه: «إذا لم يراعِ الولي القهري للطفل غبطة الصغير وارتكب أفعالاً تسبب ضرراً للمولّى عليه… تعزل المحكمة الولي المذكور وتمنعه من التصرف في أموال الصغير وتعين شخصاً صالحاً لإدارة الشؤون المالية للطفل كقيم».

3. أدلة الأقوال في المسألة

3-1. أدلة نظرية إطلاق نفوذ التصرف

الأول: الآية الشريفة «يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ» (الشورى: 49) بالاستدلال على أن دليل حلية مال الابن لأبيه هو أنه بموجب الآية المذكورة، وهب الابن لأبيه (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص537). فالابن نفسه وأمواله كلاهما للأب. لذلك، للأب ولاية مطلقة عليه وعلى أمواله؛ كما أن الإمام الرضا (ع) استند في حلية مال الابن لأبيه إلى الآية المذكورة: «عن محمد بن سنان: أن الرضا (ع) كتب إليه… وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه… لأن الولد موهوب للوالد في قوله عز وجل يهب لمن يشاء…» (الحر العاملي، 1430هـ، ج15، ص293).
نقد ودراسة: الاستدلال بالآية المذكورة لإثبات إطلاق نفوذ تصرف الولي القهري ليس تاماً؛ لأن الآية بصدد بيان أمر أخلاقي وتكويني، وهو أن الابن بحسب التكوين هبة من الله تعالى للأب، ومقتضى هذه الهبة ألا يقاوم الابن تصرفات الأب، بل يكون طائعاً ومطيعاً لأمره ونهيه (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص255). إذن، المراد بالهبة في الآية ليس الهبة الفقهية ليصبح الابن ملكاً للأب ويتمكن الأب من أي تصرف يشاء في أمواله ونفسه. أما حديث محمد بن سنان الذي استند فيه الإمام الرضا (ع) لحلية مال الابن لأبيه إلى الآية المذكورة، فهو ضعيف سنداً؛ لأن محمد بن سنان ضعفه كبار الرجاليين مثل الشيخ الطوسي (الطوسي، 1424هـ، ص219)، والنجاشي (النجاشي، 1407هـ، ص328)، وابن الغضائري (تجليل تبريزي، 1363، ص109). قال النجاشي: هو ضعيف جداً ولا يعتمد عليه (النجاشي، 1407هـ، ص328). وقال الفضل بن شاذان: هو من مشاهير الكذابين (تجليل تبريزي، 1363، ص109).
الثاني: إطلاق الروايات التي تدل على أن مال الابن للأب (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص537)، وهذه الروايات بضميمة عدم القول بالفصل بين الأب والجد تدل على إطلاق نفوذ تصرفات الولي القهري. الروايات المذكورة متعددة، ونذكر بعضها على سبيل المثال: أ) رواية سعيد بن يسار، جاء فيها أن الإمام الصادق (ع) قال: «إن مال الولد للوالد وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلا بإذنه» (الحر العاملي، 1430هـ، ج15، ص291). ب) الحديث النبوي المشهور المروي بسند صحيح: «عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع)… وذكر أن رسول الله (ص) قال للرجل: أنت ومالك لأبيك…» (نفسه، ص290). ج) حديث صحيح لمحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: «… والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء» (نفسه، ص290). هذا الحديث صحيح سنداً (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص537؛ الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص582)؛ لأن جميع رواة الحديث وهم الحسن بن محبوب وعلاء بن رزين ومحمد بن مسلم لهم توثيق خاص (تجليل تبريزي، ص37 و 78 و 117). ويدل هذا الحديث على أن مال الابن للأب؛ لأن حق الأخذ من مال الابن بالمقدار المرغوب فيه وبدون قيود، المثبت للأب في هذا الحديث، لازم للملكية. هذه الروايات مطلقة وغير مقيدة بشيء؛ وعليه، فإن هذه الروايات تدل على أن تصرفات الولي القهري في أموال الابن الصغير لا شرط فيها.
نقد ودراسة: الاستدلال بالروايات المذكورة لإثبات إطلاق نفوذ تصرف الولي القهري مخدوش؛ وذلك لأن: أ) إطلاق الروايات محل البحث ليس تاماً؛ فمن البديهي أن المقصود من الروايات ليس ظاهرها بأن يكون الابن وأمواله ملكاً لأبيه، واللام في فقرات هذه الرواية التي تقول: «… أنت ومالك لأبيك» للملكية؛ بحيث يكون الابن والبنت عبيداً وإماء للأب ويستطيع بيعهم، أو أن يتعلق حق الغرماء بأموال الابن عند الحجر (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص253). والدليل على ذلك أنه ورد في بعض الروايات أنه إذا احتاج الأب إلى جارية ابنه، يقومها أولاً بقيمة عادلة ثم يأخذها ويتصرف فيها كيفما شاء (الحر العاملي، 1430هـ، ج15، ص291)، وكذلك ورد في روايات أخرى أنه يجوز للأب أن يستقرض من مال ابنه (نفسه، ص292). من الواضح أنه إذا كان الابن وأمواله ملكاً للأب والجد، فإن تقويم الجارية بقيمة عادلة والاستقراض من أموال الابن لا معنى له؛ لأنه لا معنى لأن يقترض شخص من ماله أو يقوم ماله أولاً ثم يأخذه. إذن، ليس المراد أن الابن وأمواله ملك حقيقي أو تشريعي للأب ويستطيع التصرف فيها كيفما شاء (الموسوي الخوئي، 1371، ج3، ص253). بل يمكن القول: من الأساس، ليس المقصود من المطلقات المذكورة ثبوت الولاية للأب والجد على الابن؛ لأن مورد بعض هذه الروايات هو الابن الكبير؛ مثل رواية حسين بن أبي العلاء التي بناءً عليها، حضر الابن مع أبيه عند النبي (ص) وشكا الابن من ظلم أبيه في أموال ورثها عن أمه، فقال له النبي (ص): «أنت ومالك لأبيك» (الحر العاملي، 1430هـ، ج15، ص293). لا شك أن الأب والجد لا ولاية لهما على الابن الكبير؛ بل هو مستقل في التصرف في أمواله كيفما شاء. ب) على فرض أن الروايات المذكورة مطلقة، فنحن مضطرون لتقييد إطلاقها بصورة وجود المصلحة أو عدم المفسدة. ودليل ذلك صحيحة أبي حمزة الثمالي وأمثالها التي ورد فيها بعد فقرة «أنت ومالك لأبيك» قيد: «عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (ع): أن رسول الله (ص) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. ثم قال أبو جعفر (ع): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لا بد منه، إن الله لا يحب الفساد» (نفسه، ص291). من هذه الرواية، تتضح حدود جواز تصرفات الولي في مال الطفل (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص608)؛ لأن الإمام (ع) قال أولاً: «لا أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لا بد منه»، ثم استشهد بقول الله تعالى: «إن الله لا يحب الفساد».

3-2. أدلة نظرية اشتراط المصلحة

الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الأنعام: 152). الدليل الرئيسي لاشتراط المصلحة في تصرفات الأولياء، ومنهم الولي القهري، هو هذه الآية؛ بالاستدلال على أنه بناءً على الآية المذكورة، يجب أن يكون التصرف في أموال اليتيم بأفضل وجه. من الواضح أن التصرف في أموال اليتيم دون مراعاة المصلحة ليس تصرفاً بأفضل وجه، ولن يكون جائزاً (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص258).
نقد ودراسة: الاستدلال بالآية المذكورة لاشتراط المصلحة في تصرفات الولي القهري ليس تاماً؛ وذلك لأن: أ) شمول الآية الكريمة لمحل بحثنا محل تردد؛ لأن الآية استخدمت كلمة «اليتيم»، وبحثنا عن تصرفات الولي القهري. لذلك، يجب أن نفترض حالة يكون فيها يتيم وولي. على سبيل المثال، تموت أم الطفل ويبقى الأب حياً، أو يموت الأب ويكون للطفل جد. وهذه الحالات تكون مشمولة بالآية إذا صدق اليتيم على طفل ماتت أمه وله أب، أو مات أبوه وله جد؛ بينما صدق اليتيم على الأطفال المذكورين من الناحية اللغوية والعرفية محل تردد؛ كما قال أهل اللغة: «اليتم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم» (الفيومي، 1405هـ، ص679؛ الراغب الأصفهاني، 1362، ص550)، وقد تردد الإمام الخميني أيضاً في صدق اليتيم على طفل له جد (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص610). ب) الآية المذكورة لا تتعلق بالتصرفات الاعتبارية في أموال اليتيم كالبيع والإجارة؛ بل تتعلق بالتصرفات الخارجية في أموال اليتيم وتتعلق بعموم المكلفين. على سبيل المثال، إذا خلط شخص طعامه بطعام يتيم وأكلاه معاً، فلا إشكال في ذلك إذا كان هذا العمل لمصلحة اليتيم. وعليه، فإن الحكم في الآية الكريمة حكم تكليفي، ولا علاقة له أساساً بنفوذ تصرفات الولي وشروطها في الأمور الاعتبارية كالبيع والإجارة (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص610 و 703 و 711). التدقيق في محتوى الآية وموقعها والقرائن الأخرى يبرهن على ما ذكر بوضوح؛ وذلك لأن: 1. في سورة الإسراء، جميع الآيات التي وردت الآية محل البحث في سياقها هي من قبيل المحرمات النفسية وبعضها واجبات نفسية. يقتضي الظهور السياقي أن تكون الآية محل البحث من هذا القبيل أيضاً. الآيات الكريمة المذكورة هي كالتالي: «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى… وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ… وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ… وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ» (الإسراء: 32-34). من الواضح أن الظهور السياقي معتبر (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص707). 2. في سورة الأنعام أيضاً، توجد الآية محل البحث. في صدر آيات هذه السورة، توجد فقرة «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» التي لها ظهور في المحرمات التكليفية. وهذا يدل على أن جميع ما تلي أيضاً من المحرمات التكليفية (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص707). الآيات الكريمة المذكورة هي كالتالي: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ… وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ… وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ… وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ» (الأنعام: 151-152). من الواضح أن العقد على مال اليتيم في قالب بيع أو إجارة ونحوهما ليس حراماً بناءً على هذه الآية. 3. الآية محل البحث في سورة الإسراء تقع ضمن آيات تتعلق بالمحرمات والواجبات والمواعظ والحكم، وقد جاء في تتمة الآيات المذكورة: «ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ» (الإسراء: 39). ظاهر ذلك أن الإشارة في هذه الآية متوجهة إلى كل تلك الحكم والنصائح التي ذكرت قبلها. وهذا يدل على أن النهي في الآية محل البحث تكليفي؛ لأن أحكاماً مثل «لا يصح البيع» و«بطلت الإجارة» ليست من قبيل الحكم والنصائح. فإذا كان النهي في الآية تكليفياً ومتعلقاً بالتصرفات الخارجية، فلن يكون متعلقاً بالأمور الاعتبارية (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص707). 4. أجرى الإمام الخميني مقارنة جيدة تؤكد هذا المطلب. قال: من «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا» (الإسراء: 32) لا يفهم حكم وضعي بحرمة إيجار الزانية للزنا وبطلانه؛ بل يفهم فقط الحرمة التكليفية، وكذلك من «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ» (الأنعام: 151) لا يفهم حكم وضعي ببطلان الكسب بواسطة الفواحش؛ بل يفهم منه فقط الحرمة التكليفية. الآية الكريمة محل البحث كذلك. وعليه، فإن الآية الكريمة ستكون أجنبية عن بحثنا الحالي (اشتراط أو عدم اشتراط المصلحة في تصرفات الولي) (الموسوي الخميني، 1379أ، ج2، ص708).
الثاني: فلسفة جعل الولاية على الصغير؛ بمعنى أن حكمة جعل الولاية على الصغير ليست سوى جلب النفع ودفع الضرر عن الطفل، وإلا لكان جعل الولاية لغواً (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص265). إذن، تقتضي فلسفة جعل الولاية على الصغير أن تكون تصرفات الولي القهري في أمواله مشروطة بوجود المصلحة؛ وذلك لأن الشارع المقدس، بسبب عجز الصغار، أسس لهم مؤسسة «الولاية القهرية» لكي تتم من خلالها إدارة شؤونهم المالية وغير المالية بتدبير ومصلحة، وتؤمن مصالحهم وتمنع عنهم الأضرار المحتملة. إذن، فلسفة تأسيس مؤسسة الولاية القهرية هي جلب المنفعة للطفل ودفع الضرر عنه، ومن المستبعد أن تكون هذه المؤسسة قد أسست لمصلحة الأولياء؛ فمن الواضح أن التصرفات بدون مصلحة من الولي القهري في أموال المولّى عليه تتنافى مع الفلسفة المذكورة. إذن، يجب أن تكون تصرفات الولي مشروطة بوجود المصلحة. وقد طرح هذا الاستدلال لأول مرة من قبل الشيخ الطوسي (الطوسي، د.ت، ج2، ص200). وقد استند الشهيد الأول أيضاً في استدلاله على اشتراط المصلحة إلى فلسفة النصب (الشهيد الأول، د.ت، ص352). وقد استند الحقوقيون أيضاً في استدلالهم على لزوم مراعاة المصلحة في تصرفات الولي القهري إلى فلسفة جعل الولاية؛ كما قال جمع منهم: «اقتدار الأولياء القهريين ليس مطلقاً وحسب ميلهم؛ بل إن فلسفة تأسيس هذه المؤسسة تحدد بنفسها حدود وثغور نطاق أعمالهم؛ لأن الولي القهري مكلف بأن يبذل التدابير والتصرفات اللازمة مع مراعاة مصلحة وغبطة المولّى عليه» (كريمي، 1393، ص131). كما قالوا: «بنظر الكتاب، فلسفة الولاية القهرية هي مراعاة مصلحة وغبطة المولّى عليه» (نفسه، ص132).
نقد ودراسة: الاستدلال بفلسفة جعل الولاية على اشتراط المصلحة في تصرفات الأب والجد ليس تاماً؛ وإن كان قد يكون تاماً في غير الأب والجد، ولكنه في حقهما لا يبدو صحيحاً؛ لأنه قد تكون الحكمة في جعل الولاية للأب والجد مرتبطة بهما أيضاً؛ بمعنى أن حالهما قد لوحظت ورعيت أيضاً. من حيث إنهما يملكان تجاه الأولاد شفقة ذاتية ورأفة طبيعية، وعادة لا يقدمان على الإضرار بالطفل. لذلك، ما يستفاد من حكمة الجعل هو اشتراط المصلحة في تصرفات غير الأولياء القهريين؛ ولكن في تصرفات الأولياء القهريين، لا يمكن إثبات مثل هذا الأمر من خلال حكمة الجعل؛ كما أن جواز أخذ الأب والجد من أموال الطفل بمقدار الحاجة يؤيد هذا المطلب.
الثالث: قيام الإجماع على اشتراط المصلحة في تصرفات جميع الأولياء، ومنهم الولي القهري؛ كما قال العاملي: «هذا الحكم بحسب الظاهر إجماعي» (حسيني عاملي، 1424هـ، ج12، ص681). وقال المرحوم الخوئي أيضاً: «قد ادعي الإجماع على اعتبار المصلحة» (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص262). ولم يستبعد الشيخ الأنصاري تحقق الإجماع المذكور (الأنصاري، 1430هـ، ج3، ص539). واعتبر ابن إدريس هذا الحكم مقتضى أصول المذهب (الحلي، 1414هـ، ص441).
نقد ودراسة: ادعاء الإجماع المذكور ليس تاماً؛ لأن الإجماع المحصل غير موجود في هذه المسألة، والإجماع المنقول مشكوك في تحققه؛ كما قال المحقق الخوئي: «في هذه المسألة التي لم يشترط فيها المتأخرون سوى عدم المفسدة، بل إن بعض الفقهاء لم يشترطوا فيها أي شرط، لا يبقى مجال لادعاء الإجماع (على اشتراط المصلحة)» (الموسوي الخوئي، 1377، ج3، ص265). وفضلاً عن ذلك، فإن هذا الإجماع مدركي أو يحتمل فيه المدركية؛ لأنه يحتمل الاستناد إلى الأدلة محل البحث في هذه المسألة؛ وعليه، فإن الإجماع المذكور ليس حجة.

3-3. أدلة نظرية كفاية عدم المفسدة

الأول: عدم تمامية أدلة إطلاق الولاية وأدلة اشتراط المصلحة. كما ثبت، لم يكن أي من أدلة نظرية إطلاق الولاية وأدلة نظرية اشتراط المصلحة، خاصة الآية المستند إليها والإجماع المدعى به، تاماً. والآن بعد أن بطلت نظريتا طرفي المسألة، وثبت أن ولاية الولي القهري ليست مطلقة ولا مشروطة بوجود المصلحة؛ تثبت نظرية كفاية عدم المفسدة من تلقاء نفسها؛ لأن لازم نفي إطلاق الولاية واشتراط المصلحة هو كفاية عدم المفسدة، ولا يوجد شق آخر في المسألة؛ كما لوحظ في دراسة الأقوال.
الثاني: روايات باب النكاح التي تدل على جواز تزويج الابن بواسطة الأب؛ مع هذا التوضيح أن معظم الروايات التي تدل على ثبوت الولاية للأب والجد تتعلق بباب النكاح، والفقهاء بقياس الأولوية يثبتون حكم الولاية في سائر أبواب الفقه. من جهة أخرى، الأخبار التي تدل على جواز تزويج الابن بواسطة الولي القهري لا تدل على لزوم مراعاة مصلحة المولّى عليه. على سبيل المثال، تروى رواية عبد الله بن الصلت: «عبد الله بن الصلت قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الجارية الصغيرة يزوجها أبوها، لها أمر إذا بلغت؟ قال: لا، ليس لها مع أبيها أمر» (الكليني الرازي، 1375، ج5، ص394). تدل هذه الرواية بوضوح على أن تزويج الصغير من قبل الولي ليس مشروطاً بمراعاة المصلحة؛ لأن الإمام (ع) في جوابه للراوي لم يفصل بأن تزويج البنت من قبل الأب كان مع المصلحة أم لا؟ بل أجاب الإمام (ع) بشكل مطلق في جوابه للراوي: لا يحق لها عند البلوغ فسخ النكاح. ثم قال: ليس للبنت في مقابل أبيها خيار. والآن، حيث إن تصرفات الولي القهري في باب النكاح ليست مشروطة بمراعاة المصلحة، مع أن النكاح له أهمية أكبر من سائر التصرفات والأمور المالية؛ ففي غير باب النكاح، بطريق أولى، لا تكون تصرفات الولي القهري مشروطة بوجود المصلحة؛ بل يكفي مجرد عدم المفسدة.
الثالث: الروايات التقييدية: الروايات التي تحدد نطاق صلاحيات الولي القهري والروايات الدالة على إطلاق ولاية الولي القهري؛ والتعابير المستخدمة في هذه الروايات، مثل «إن الله لا يحب الفساد» (الحر العاملي، 1430هـ، ج15، ص391)، تقودنا إلى نتيجة أن شرط نفوذ تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه ليس وجود المصلحة؛ بل عدم المفسدة. من بين الروايات التقييدية، تروى صحيحة أبي حمزة الثمالي على سبيل المثال: «عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع): أن رسول الله (ص) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (ع): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لا بد منه، إن الله لا يحب الفساد».

النتيجة

تظهر المباحث السابقة أنه خلافاً لآراء مشهور فقهاء الإمامية والقانون المدني، لا يشترط وجود المصلحة لنفوذ تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه؛ بل يكفي مجرد عدم المفسدة. هناك أدلة كثيرة تدل على هذا الرأي؛ مثل روايات باب النكاح التي تدل على جواز تزويج الابن بواسطة الأب؛ في حين أنها لا تدل على اشتراط مراعاة المصلحة، وكذلك من التعابير المستخدمة في الروايات التقييدية، مثل «إن الله لا يحب الفساد»، يتضح أن شرط نفوذ تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه هو عدم المفسدة. من ناحية أخرى، أدلة اشتراط المصلحة في تصرفات الولي القهري – التي قدمها مشهور الفقهاء – لا تبدو تامة. آية «لا تقربوا مال اليتيم…» التي هي أهم دليل لهذا القول، لا علاقة لها أساساً بتصرفات الأولياء وشروطها. فلسفة جعل الولاية التي أقامها بعض الفقهاء والحقوقيين لإثبات اشتراط المصلحة في تصرفات الولي، لا تشمل الأب والجد. والإجماع المدعى به ليس تاماً؛ لأن الإجماع المحصل غير موجود في هذه المسألة، والإجماع المنقول مشكوك في تحققه؛ وفضلاً عن ذلك، فإن هذا الإجماع مدركي أو يحتمل فيه المدركية. من ناحية أخرى، أدلة نظرية إطلاق ولاية الولي القهري أيضاً غير تامة. آية «يهب لمن يشاء…» (الشورى: 49) التي استند إليها، لا تتعلق بالهبة الفقهية؛ بل هي بصدد بيان أمر أخلاقي وتكويني. والروايات المستند إليها التي تدل على أن الابن وأمواله للأب، دلالتها ليست تامة؛ لأن المقصود من هذه الروايات ليس ظاهرها بأن يكون الابن وأمواله ملكاً للأب. وعليه، فإن تصرفات الولي القهري في أموال المولّى عليه؛ ليست نافذة على الإطلاق، وليست مشروطة بوجود المصلحة؛ بل يكفي مجرد عدم المفسدة.

المصادر والمراجع

  1. ابن إدريس الحلي، محمد (1414هـ)، السرائر، قم: النشر الإسلامي.
  2. ابن بابويه (الشيخ الصدوق)، محمد (1385هـ)، علل الشرائع، قم: داوري.
  3. ابن فارس، أحمد (1404هـ)، معجم مقاييس اللغة، قم: مكتبة الإعلام الإسلامي.
  4. إمامي، سيد حسن (1366)، حقوق مدني، طهران: إسلامية.
  5. الأنصاري، الشيخ مرتضى (1430هـ)، المكاسب، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  6. آل بحر العلوم، سيد محمد (1403هـ)، بلغة الفقيه، طهران: مكتبة الصادق.
  7. باريكلو، عليرضا (1389)، اشخاص وحمايت‌هاى حقوقى آنان، طهران: مجد.
  8. تجليل تبريزي، أبو طالب (1363)، معجم الثقات، قم: النشر الإسلامي.
  9. جعفر بور، جمشيد (1386، شهريور)، «بررسى اختيارات ولى قهرى و وصى در فقه وحقوق ايران با نگاهى به آراى امام خمينى»، پژوهش‌نامه متين، شماره 35 – 34، ص 71 – 59.
  10. الحر العاملي، محمد (1430هـ)، وسائل الشيعة ومستدركها، قم: النشر الإسلامي.
  11. الحسيني العاملي، سيد محمد جواد (1424هـ)، مفتاح الكرامة، قم: النشر الإسلامي.
  12. الحلي (العلامة الحلي)، حسن بن يوسف (1418هـ)، قواعد الأحكام، قم: النشر الإسلامي.
  13. ــــــــــــ، (1422هـ)، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، بدون مكان: نشر الفقاهة.
  14. خوري الشرتوني، سعيد (1427هـ)، أقرب الموارد، قم: أسوة.
  15. دهخدا، علي أكبر (1377)، لغت نامه، طهران: انتشارات دانشگاه طهران.
  16. الراغب الأصفهاني، حسين (1362)، مفردات ألفاظ القرآن، بدون مكان: مرتضوي.
  17. رسائي نيا، ناصر (1389)، حقوق مدنى اشخاص اموال مالكيت، طهران: آواى نور.
  18. رضوان طلب، محمدرضا (1389)، حقوق محجورين، قم: بوستان كتاب.
  19. ساكت، محمد حسين (1386)، شخصيت واهليت در حقوق مدنى، طهران: جنگل.
  20. صفائي، سيد حسين (1394)، حقوق مدنى، اشخاص واموال، طهران: ميزان.
  21. ــــــــــــ، إمامي، أسد الله (1394)، مختصر حقوق خانواده، طهران: ميزان.
  22. صفائي وآخرون، سيد حسين (1388)، حقوق مدنى اشخاص ومحجورين، طهران: سمت.
  23. طاهري، حبيب الله (د.ت)، حقوق مدنى 5، قم: انتشارات إسلامي.
  24. الطوسي، محمد بن حسن (1422هـ)، الفهرست، بدون مكان: نشر فقاهت.
  25. ــــــــــــ، (د.ت)، المبسوط في فقه الإمامية، بدون مكان: مرتضوي.
  26. العاملي (الشهيد الأول)، محمد (1414هـ)، الدروس الشرعية، قم: النشر الإسلامي.
  27. ــــــــــــ، (د.ت)، القواعد والفوائد، قم: مفيد.
  28. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين (1425هـ)، مسالك الأفهام، قم: معارف إسلامي.
  29. العسكري، أبو هلال (1353)، الفروق اللغوية، القاهرة: مكتبة القدسي.
  30. عميد، حسن (1357)، فرهنگ فارسى عميد، طهران: أمير كبير.
  31. الغزالي، أبو حامد محمد (2008م)، المستصفى من علم الأصول، المدينة: شركة المدينة المنورة للطباعة.
  32. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1425هـ)، كتاب العين، قم: أسوة.
  33. الفيومي، أحمد بن محمد (1405هـ)، المصباح المنير، قم: دار الهجرة.
  34. كاتوزيان، أمير ناصر (1383)، حقوق مدنى خانواده، طهران: شركت سهامى انتشار.
  35. كريمي وآخرون، عباس (1393)، «ولى قهرى وعزل آن در حقوق ايران وفقه اماميه»، پژوهشنامه فقهى، طهران، السنة الثالثة، العدد الأول، ص 146 – 121.
  36. الكليني الرازي، محمد بن يعقوب (1375)، الفروع من الكافي، طهران: إسلامية.
  37. مألوف، لويس (1406هـ)، المنجد في اللغة، بيروت: دار المشرق.
  38. المحقق الثاني، علي بن حسن (1414هـ)، جامع المقاصد، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  39. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (1403هـ)، معارج الأصول، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
  40. ــــــــــــ، (د.ت)، شرائع الإسلام، قم: دار المهدي.
  41. مقدادي، محمد مهدي (1390، زمستان)، «جايگاه وتأثير مصلحت در سرپرستى كودك از ديدگاه فقه وحقوق»، فصلنامه شوراى فرهنگى اجتماعى زنان وخانواده، السنة الرابعة عشرة، العدد 54، ص 210 – 175.
  42. معين، محمد (1371)، فرهنگ فارسى معين، طهران: أمير كبير.
  43. مقصودي، مراد (1391)، حقوق مدنى، اشخاص ومحجورين، طهران: خرسندي.
  44. منصور، جهانكير (1388)، قانون امور حسبى، طهران: نشر ديدار.
  45. ــــــــــــ، (1396)، قانون مدنى، طهران: نشر ديدار.
  46. الموسوي الخميني، سيد روح الله (1379أ)، البيع، قم: مؤسسة تنظيم ونشر.
  47. ــــــــــــ، (1379ب)، تحرير الوسيلة، قم: مؤسسة تنظيم ونشر.
  48. الموسوي الخوئي، سيد أبو القاسم (1377)، مصباح الفقاهة، قم: داورى.
  49. ــــــــــــ، (1385)، محاضرات في أصول الفقه، قم: إمام موسى صدر.
  50. ميرزاي قمي، أبو القاسم (1371)، جامع الشتات، طهران: كيهان.
  51. ــــــــــــ، (د.ت)، القوانين المحكمة في الأصول، قم: دار إحياء الكتب الإسلامية.
  52. النجاشي، أحمد بن علي (1407هـ)، رجال النجاشي، قم: النشر الإسلامي.
  53. النجفي، الشيخ محمد حسن (1430هـ)، جواهر الكلام، قم: النشر الإسلامي.
  54. نيكوزاد، سيدة ليلا (1398)، قانون حمايت خانواده، طهران: مهرگان مبين.
  55. هاشمي شاهرودي وآخرون، سيد محمود (1392)، فرهنگ فقه، قم: دائرة المعارف فقه إسلامي.
  56. يوسف زاده، مرتضى (1389)، حقوق مدنى اشخاص اموال ومالكيت، طهران: ميزان.

الهوامش

1. أستاذ مساعد في قسم الفقه والحقوق بمجمع الشهيد محلاتي للتعليم العالي، قم، إيران؛ abedin414@yahoo.com

Scroll to Top