دراسة إمكانية سلب حجية القطع الطريقي في أصول فقه الشيعة مع التأكيد على آراء الأصوليين المتأخرين

ملخص

لطالما كانت مسألة حجية القطع الطريقي ووجوب اتباعه من المباحث الخلافية بين الأصوليين. ولنوع المبنى المتخذ في حجية القطع الطريقي تأثير كبير على استنباط الأحكام في المسائل الفقهية والحقوقية. من هنا، وفي هذا المقال، ومن خلال منهج توصيفي-تحليلي، قمنا ببحث ونقد أدلة النظريات الخمس المطروحة في هذا المجال. وفقًا لنتائج البحث، تواجه أدلة الحجية الذاتية للقطع، مثل استحالة تحصيل الحاصل والتسلسل، إشكالات؛ بينما تؤيد الشواهد النقلية والفقهية، كظاهر بعض الآيات والروايات، إمكانية سلب حجية القطع الطريقي من قبل الشارع. ورغم أنه لا يمكن من جانب آخر جعل حجية القطع -كالظنون- منوطة بدليل خارجي، إلا أن هذا لا يعني الحجية الذاتية للقطع. توضيح ذلك أنه على الرغم من أن جعل حجية القطع ليس في اختيار الشارع، إلا أنه من الناحية العقلية لا يوجد مانع من سلب حجية القطع الطريقي بواسطة الشارع. ونتيجة لذلك، من وجهة نظر العقل، فإن وجوب اتباع القطع حكم تعليقي وليس تنجيزيًا. كما أن الأصوليين المتأخرين -كالمرحوم اليزدي النجفي- قد قالوا بالتفصيل بين السلب والجعل في حجية القطع الطريقي؛ وبعبارة أخرى، في مرحلة الجعل، قالوا باستحالة جعل الحجية، ولكنهم يرون إمكانية سلب حجية القطع الطريقي.

المقدمة

في مسألة وجوب اتباع القطع، توجد آراء مختلفة بين فقهاء الشيعة. ويمكن تقسيم النظريات المطروحة بشكل عام إلى فئتين. الفئة الأولى: غالب الأخباريين الذين لا يرون وجوب اتباع القطع بشكل كامل، ويقدمون الأدلة الظنية المستفادة من الروايات على القطع الحاصل من المقدمات العقلية. الفئة الثانية: الأصوليون الذين يقولون بوجوب اتباع القطع مطلقًا، ويعتقدون بعدم قيام أدلة ظنية ونقلية في مقابل الأدلة القطعية والعقلية. وبين الأصوليين أنفسهم، يوجد خلاف في نوع وجوب الاتباع. فالبعض، مثل الشيخ الأنصاري، يقول بوجوب الاتباع العقلي للقطع، بحيث لا يستطيع الشارع نفسه التصرف في حجيته، سواء بإثباتها أو إسقاطها. (الأنصاري، ١٤١٩، ج١، ص٢٩). وفي المقابل، يرى بعض المفكرين الأصوليين وجوب الاتباع الشرعي للقطع، بحيث يكون الشارع هو من منحه الحجية وأمر المكلفين باتباعه، ويستطيع الشارع متى شاء أن يسقط حجيته. (راجع: العراقي، ١٤١٧ق، ج٣، ص١٣١؛ النائيني، ١٤٠٦ق، ج١، ص٧٨). وذهب البعض، مثل السيد محمد كاظم اليزدي النجفي، إلى تفصيلات في المسألة (اليزدي النجفي، ١٤٢٦، ج١، ص٢٤)، والتي سيأتي شرحها الكامل في هذا البحث. في المقال التالي، سنسعى من خلال رد أدلة الأصوليين القائلين بالحجية الذاتية للقطع وتحليل سائر النظريات كحجية القطع الشرعية والتفصيلات الواردة في المسألة، إلى إرساء أصوب النظريات على كرسي الاستدلال.

جميع الأصوليين قائلون بوجوب اتباع القطع. أي أنه يجب على المكلف أن يعمل وفقًا لما قطع به. ولكن الخلاف بين الأصوليين هو في كون هذا الوجوب وجوبًا شرعيًا وبجعل من الشارع، أم أنه عقلي وحجيته ذاتية.

المباحث المتعلقة بحجية القطع في آثار المتقدمين كالشيخ الأنصاري (الأنصاري، ١٤١٩، ج١، ص٢٩) تُطرح غالبًا في إطار الكليات. وفي العصر المعاصر، قام أصوليون مثل الآخوند الخراساني والمحقق النائيني، بتدقيق أكبر في الأدلة، وأعادوا قراءة هذه المسألة. ومن خلال استعراض المصادر المتاحة، يُلاحظ أنه على الرغم من إجراء أبحاث قيمة حول حجية القطع، فإن البحث الخاص بـ«إمكانية سلب الحجية من قبل الشارع» لم يحظ باهتمام جاد. ويهدف هذا المقال إلى سد هذه الفجوة البحثية.

تكتسب دراسة هذه المسألة أهمية من عدة جوانب؛ أولاً: من الناحية النظرية، حيث تساهم في توضيح نوع وجوب اتباع القطع بشكل أدق. ثانيًا: من الناحية المنهجية، حيث لها تأثير مباشر على حل التعارضات الفقهية. ثالثًا: من البعد العملي، حيث لها تطبيقات متعددة في عملية الاجتهاد المعاصر. إن الفهم الدقيق لحدود حجية القطع يمكن أن يوفر أساسًا مناسبًا لحل العديد من المسائل الفقهية، والتي سيتم الاكتفاء بذكر بعضها في نهاية المقال.

تتجلى حداثة هذا البحث في عدة محاور جديرة بالاهتمام: ١) تقديم تحليل شامل للعلاقة بين حجية القطع العقلية وصلاحيات الشارع التشريعية؛ ٢) دراسة منهجية للشواهد النقلية على إمكانية سلب الحجية، والتي لم يتم التطرق إليها كثيرًا في الأبحاث السابقة؛ ٣) تبيين الآثار العملية لهذا البحث في الاستنباط الفقهي؛ ٤) تقديم إطار جديد لحل التعارضات الناشئة عن القطع في عملية الاجتهاد.

تظهر الثمرة العملية لهذا البحث الأصولي عندما تُقدَّم الأدلة المعتبرة التي تؤدي إلى مخالفة القطع على القطع نفسه. وفي فتاوى فقهاء الشيعة، يمكن العثور على حالات أدت إلى مخالفة القطع، مما يدل على أهمية هذا البحث الأصولي. بالطبع، يتفق الأصوليون على أنه إذا كان القطع من نوع القطع الموضوعي، فيمكن للشارع أن يتصرف فيه كيفما يشاء. لأن القطع قد أُخذ في موضوع الحكم، وإذا أراد الشارع يمكنه أن يقول: ما لم يقطع المكلف، لا ينبغي له اتباع هذا الحكم، أو يمكنه أن يعتبر فقط القطع الحاصل من حالات خاصة، ويقول: إنما القطع الحاصل من الطريق الفلاني هو الحجة. إذن، كل خلاف الأصوليين ينحصر في القطع الطريقي.

جدير بالذكر أن هناك فرقًا بين حجية العقل وحجية القطع، ولا ينبغي الخلط بين أدلة كل منهما في نظر المتتبع. في أصول الفقه، يُعتبر العقل أحد أدلة استنباط الأحكام الشرعية إلى جانب الكتاب والسنة والإجماع، وهو يتعلق في الغالب بمباحث المستقلات وغير المستقلات العقلية، بينما القطع هو حالة نفسية يمكن أن تحصل من أي طريق كان.

١. خلفية البحث

أول شخص بحث مسألة وجوب اتباع القطع بالتفصيل هو الشيخ الأنصاري. (الأنصاري، ١٤١٩، ج١، ص٢٩). وعقب ذلك، دخل في البحث حاشية كتبه وكذلك المنظرون الذين تبنوا منهج كتب الشيخ، وشغلوا أنفسهم علميًا به، وطرحوا نظريات متنوعة. وبالطبع، يمكن استخلاص بعض المطالب بشكل مجمل من فحوى مطالب الأصوليين من الفقهاء قبل الشيخ الأنصاري (رحمه الله)؛ ولكن لا يمكن استنتاج رأي صريح من مطالبهم بيقين.

كما قام المحققون المعاصرون بتوسيع هذه المسألة وطرحوا نظريات مختلفة. ومن بين الأبحاث والمقالات التي قُدمت في هذا المجال يمكن الإشارة إلى ما يلي:

مقالة «نظرة نقدية إلى الحجية الذاتية للقطع»، المؤلفون: (شاكري، بلال؛ قدمي، سيد محمد باقر؛ ميهن دوست، رضا). في هذه المقالة، تم السعي لمعالجة المسألة بمنهج كلي. يوجد وجهان للتمايز بين هذا البحث والمقال الحالي؛ أولاً: التطرق إلى بيان الأدلة والإشكالات التي هي من صنع ذهن الكاتب ولم يتم تناولها في الأبحاث السابقة. ثانيًا: منهج المقال المذكور يرتكز في الغالب على رد أدلة الحجية الذاتية للقطع، وليس على أدلة إثبات عدم حجية القطع.

مقالة «معنى الحجية وذاتية حجية القطع»، المؤلفون: (يوسف زاده، عليرضا؛ توكلي زاده، محمد حسين؛ جعفري، إحسان). في هذه المقالة، تم فقط تناول معنى القطع وحجيته من منظور أصولي، ولم يتم التعرض للأدلة واختلاف الآراء أبدًا.

مقالة «إعادة بحث مباني حجية القطع والأمارات في علم الأصول»، المؤلف: (هدائي، عليرضا) ومقالة «الحجية الذاتية للقطع في علم الأصول»، المؤلفون: (إسماعيلي، محمد علي؛ أحمدي، سيد محمد مهدي). في هاتين المقالتين، كما في المقالة السابقة، تم فقط تناول معنى الحجية الذاتية للقطع، أي من معاني الحجية هو المراد هنا، ولم يتم التعرض أبدًا لأدلة الموافق والمخالف.

مقالة «ترسيخ وتكميل رؤية الإمام الخميني في نقد الحجية الذاتية للقطع»، المؤلف: (آهنگران، عبدالله). في هذه المقالة، تم فقط تناول المسألة بمنهج يستند إلى أدلة الإمام الخميني، بحيث لم يتم التعرض لكثير من الأدلة والإشكالات التي طُرحت في هذا الباب أبدًا.

في بيان وجوه التمايز بين هذا البحث وبقية الأبحاث، يجب الإقرار بأنه بصرف النظر عن الحالات التي تمحورت حول مبنى الإمام الخميني (رحمه الله)، فإن البحث الذي نحن بصدده، في سائر الأبحاث، إما أنه تناول في الغالب معنى نوع الحجية، أو ركز على رد أدلة الحجية الذاتية للقطع، أما في هذا المقال، فقد تم التركيز بشكل أكبر على إثبات أدلة عدم الحجية الذاتية للقطع.

كذلك، فإن اختلاف نتيجة المقال الحالي هو من أهم وجوه التمايز بينه وبين سائر الأبحاث؛ حيث إن إثبات نظرية التفريق بين سلب وجعل حجية القطع وتقوية إمكانية سلب حجية القطع، هي من النتائج الرئيسية للمقال، وهي نتيجة لم يتم الاستفادة منها في المقالات الأخرى.

إن بيان بعض الاستدلالات وإيراد بعض الإشكالات والرد عليها، بشكل لم يحظ بالاهتمام في الأبحاث السابقة، هو من جملة وجوه التمايز بين هذا البحث والأبحاث الأخرى.

لقد طرح الأصوليون وجهات نظر مختلفة حول حجية القطع، والتي يمكن تصنيفها بشكل عام تحت ثلاثة عناوين: الحجية الذاتية للقطع، عدم حجيته، والنظريات القائلة بالتفصيل.

٢. حجية القطع الذاتية

يرى مشهور الأصوليين القول بالحجية الذاتية للقطع. بعبارة أخرى، لا يمكن للشارع أن يتدخل فيه بأي شكل من الأشكال. وبهذا التفسير، لا يمكنه إثبات حجيته ولا يمكنه إسقاطها. وبما أن الحجية الذاتية للقطع تتعلق بنوعين من التصرف، النفي والإثبات، فإن أدلة هذه الفئة من الأصوليين تنقسم أيضًا إلى فئتين: «استحالة جعل الحجية للقطع» و«استحالة نفي الحجية عن القطع».

٢١. أدلة استحالة جعل الحجية للقطع

٢١١. تحصيل الحاصل واللغوية

طريقة الاستدلال: المكلف من حيث إنه قاطع بالواقع ولا يحتمل الخلاف فيه، إذا أراد الشارع أن يأمره باتباع هذا القطع نفسه الذي يتبعه المكلف ويثبت حجيته، فإن ذلك يؤدي إلى اللغوية. ومن جهة أخرى، يحكم العقل بوجوب اتباع القطع، وإذا حكم الشارع أيضًا بنفس حكم العقل، فسيحدث تحصيل الحاصل، وصدور ذلك من الشارع الحكيم قبيح ومحال. (الخراساني، ١٤٠٧، ج٣، ص٦).

وقد قرر البعض الآخر بيانًا آخر لمنهج اللغوية، وذكروا أن الكاشفية والطريقية تحصل تكوينًا بوجود القطع، ومن هذا المنطلق إذا قلنا بالجعل التشريعي للقطع، فإنه يوجب تحصيل الحاصل أو اللغوية. (الخميني، ١٤٤٢، ج١، ص٣٨).

الإشكال الأول: حكم العقل نفسه كاشف عن حكم الشرع، وما يحكم به العقل المسلم الخالي من الأوهام والشوائب، يحكم به الشارع أيضًا، وبهذا لا تثبت الحجية الذاتية فحسب، بل تستقر الحجية الشرعية أيضًا على كرسي الاستدلال. لأنه بناءً على قاعدة الملازمة، فإن حكم العقل كاشف عن حكم الشرع أيضًا. (الأنصاري، ١٤٠٤، ص٢٣١).

الإشكال الثاني: حتى لو افترضنا أن حكم الشارع في موضع حكم العقل يستلزم تحصيل الحاصل واللغوية، فإن أمر الشارع نفسه هنا يمكن أن يكون دافعًا إضافيًا للمكلف وداعيًا أقوى للمتشرع، وبهذا الشكل لا يلزم أن يكون لغوًا ليستدل به. (شهيدي بور، النسخة الإلكترونية، ج١، ص٨٥).

٢١٢. التسلسل

طريقة الاستدلال: إذا كانت حجية القطع شرعية، فإنها تحتاج إلى دليل آخر لإثبات حجيتها، وهذا الدليل الآخر إما أن يكون قطعيًا أو ظنيًا؛ وكونه ظنيًا محال، لأن تعليل الحجة باللاحجة وإحالة الموجود إلى اللاموجود محال، حيث إن حجية الظن عرضية ويجب أن تعود في النهاية إلى أمر ذاتي. وإذا كان ذلك الدليل الآخر قطعيًا، فإنه يحتاج مرة أخرى إلى دليل قطعي أو ظني آخر لإثبات حجيته، وبهذا الشكل يحدث التسلسل. لأنه بناءً على القاعدة العقلية، كل عرضي يجب أن ينتهي إلى ذاتي. (الخوئي، ١٣٦٩، ج١، ص٤١١).

الإشكال: حجية الأدلة من الأمور الاعتبارية، وفي الأمور الاعتبارية لا يلزم التسلسل، لأنها في النهاية تعود إلى اعتبار المعتبر.

ج) استحالة الجعل التأليفي

طريقة الاستدلال: الطريقية والكاشفية من لوازم القطع (ماهية القطع) ولا تحتاج إلى جعل جاعل، لأن الجعل التأليفي بين الشيء ولوازمة محال. كما لا يمكن جعل الزوجية للعدد أربعة أو الحرارة للنار. (الخراساني، ١٤١٩، ج٢، ص١١؛ الخراساني، ١٤٠٧، ج٣، ص٦؛ الأصفهاني، ١٤٢٩، ج٣، ص١٩).

الإشكال: إذا كانت صفة الطريقية والكاشفية من لوازم القطع التي لا تنفك، فيجب ألا يكون القطع مخالفًا للواقع أبدًا، في حين أنه يحدث بكثرة. أقصى ما يمكن قوله هو أن الكاشفية في نظر القاطع هي من لوازم القطع، أو أن الكاشفية والطريقية من آثار وجود القطع وليست من ذاتياته. (الخميني، ١٤٢٣، ج١، ص٣٧٤).

رد الإشكال: ربما يمكن الرد على هذا الإشكال بالقول إن هناك فرقًا بين التصور الذهني والواقع الخارجي، وبما أن القطع حجة في نظر القاطع، فيجب بالتالي تناوله في حيز التصور الذهني، لا مطابقته للخارج؛ فالقطع بصفته يقينًا نفسانيًا، يمتلك ذاتيًا صفة الطريقية والكاشفية، وهذا يعني أن القطع بطبيعته يعتبر طريقًا لكشف الواقع. أي أنه يمتلك طريقية وقدرة ذاتية على إظهار الحكم الواقعي. وبهذا الوصف، فإن هاتين الخاصيتين لا تنفصلان عن ماهية القطع، وأي تفكيك لهاتين الصفتين عن القطع يستلزم نفي مفهوم القطع نفسه.

٢٢. أدلة استحالة نفي الحجية عن القطع

٢٢١. لزوم التناقض أو التضاد في عالم الواقع أو في نظر القاطع

طريقة الاستدلال: إذا كان قطع القاطع مطابقًا للواقع، وأراد الشارع أن يسقط حجيته، فإن هذا الأمر يوجب التناقض أو التضاد في الأحكام الواقعية. وإذا كان قطع القاطع غير مطابق للواقع، وأراد الشارع أن يسقط حجيته، فإن القاطع يرى في نظره تضادًا وتناقضًا في الأحكام الإلهية، وهذا الأمر نفسه يؤدي إلى أن يقطع المكلف بالمحال، مع أن القطع بوقوع المحال محال أيضًا. (الخراساني، ١٤١٩، ج٢، ص١١).

الإشكال الأول: بناءً على ما قيل، فإن هذا الإشكال يجري في الظن أيضًا، وهو مشابه لشبهة ابن قبة، ونفس الإجابات التي قدمها العلماء لشبهة ابن قبة يمكن طرحها هنا أيضًا. لأنه إذا أسقط الشارع حجية ظن ما، ففي بعض الحالات كان هذا الظن يمكن أن يوصلنا إلى الحكم الواقعي، ولكن الشارع اعتبره بمنزلة الجهل. أو إذا اعتبر ظنًا ما حجة، فإن هذا الظن لا يصيب الواقع في جميع الحالات، ولكن الشارع اعتبره حجة. إذن، هنا أيضًا يحدث تضاد أو تناقض في الواقع، لأن الشارع جعل دليلاً حجة وهو لم يصب الواقع. ولكن المحققين لم يقبلوا هذه الشبهة وأجابوا عنها، وجميع تلك الإجابات، مثل مصلحة التسهيل، جارية وقابلة للبيان هنا أيضًا.

الإشكال الثاني: الإجابة على هذا الاستدلال في فرض أن قطعه غير مطابق للواقع، تكون أسهل بكثير بهذا التفسير: بالتصرف في القطع الشخصي، لا يقطع الشخص بالمحال، بل يتغير متعلق قطعه. مثلاً، شخص يقطع بحرمة شرب الخمر، ومن جهة أخرى يقطع بأن السائل الذي أمامه خمر. إذا تصرف الشارع في قطعه وأمره بشرب ذلك السائل، فهناك حالتان: إما أن ذلك السائل ليس خمرًا في الواقع، وفي هذه الحالة لا يوجد تضاد أصلًا. أو أنه كان خمرًا في الواقع، ولكن هذا الشخص يدرك مصلحة أخرى أهم ومطلوبة للشارع. ونفس هذا الكلام يجري في الأمر الثانوي أيضًا. مثلاً، على الرغم من أن شرب الخمر حرام، لكن إذا كان لنجاة حياة مؤمن، فإن شربه جائز، بل واجب، وهذا الأمر لا يوجب التضاد في الأحكام.

الإشكال الثالث: هذا الكلام له لازم فاسد، لأنه لا يمكن بعد ذلك التدخل في عقائد أي شخص. حتى الكافر الزنديق الذي يقطع بألوهية الصنم لا يمكن إلزامه بتعبد الشارع. أو من يقطع بعدم صحة قانون ما، لا يمكن إلزامه باتباع ذلك القانون، وفي حال تخلفه عن ذلك القانون، لا يمكن مؤاخذته.

الإشكال الرابع: امتناع اجتماع الضدين أو النقيضين من أحكام الأمور الواقعية والتكوينية، بينما الحجية من الأمور الشرعية والاعتبارية، لذا لا يمكن تطبيق تلك الأحكام هنا. (الفاضل اللنكراني، ٨٥/٨/٢٠).

الإشكال الخامس: القطع بوقوع المحال ليس محالاً. على الرغم من أن هذا القطع من قبيل الجهل المركب، إلا أن مجرد القطع بالمحال ليس محالاً، كما أن في علم الفلسفة يرى البعض جواز اجتماع الضدين.

٢٢٢. نقض الغرض

طريقة الاستدلال: في فرض أن المكلف يقطع بشيء مطابق للواقع، ويريد الشارع أن يتصرف في قطعه، فإن هذا الأمر يوجب نقض غرض الشارع. لأن الشارع كان له غرض من الحكم الأول تحقق بقطع المكلف، وبالتصرف في القطع المطابق لغرضه، تحصل لغوية الحكم الأول، وهذا الأمر لا ينسجم مع حكمة الشارع. (العراقي، ١٤١٤، ج٢، ص١١؛ الشاهرودي، ١٤١٧، ج٤، ص٣١؛ الخميني، ١٤٤٢، ج٦، ص٣١).

الإشكال: غرض الشارع من الأمر والنهي بالنسبة لموضوع ما، هو بسبب مصلحة أو مفسدة كانت في ذلك الموضوع، لذا عندما يحكم الشارع بخلاف القطع المصيب للواقع، فإنه يعني أنه لاحظ مصلحة أهم أو مفسدة أقبح في ذلك، وهذا الأمر نفسه يزيل اللغوية. وإذا قيل إنه في هذه الحالة يحدث تناقض في الأحكام، فإن نفس الإجابات التي ذُكرت في الإشكالين الأولين من الاستدلال السابق، يمكن بيانها هنا أيضًا.

٢٢٣. التناقض مع حكم العقل

طريقة الاستدلال: العقل المسلم يحكم بوجوب اتباع القطع، ولا يمكن للنقل والشرع أن يقفا في وجه حكم العقل أبدًا، وهذا الحكم العقلي حكم تنجيزي، وإذا أراد الشارع أن يتصرف في الحكم العقلي التنجيزي، فسيحدث تناقض بين الحكم الشرعي والحكم العقلي. (الشاهرودي، ١٤١٧، ج٤، ص٣١؛ العراقي، ١٤١٤، ج٢، ص١١).

الإشكال الأول: صحيح أن العقل يحكم بوجوب اتباع القطع، ولكن بما أن القطع لا يلازم الإصابة بالواقع، فإن العقل نفسه لا يرى مانعًا من تصرف الشارع العالم بالأحكام الواقعية. أي أن أقصى ما يحكم به العقل هو وجوب اتباع القطع ما لم يرد ردع من جانب الشارع.

الإشكال الثاني: لو كان القطع يصيب الواقع دائمًا، لما استطاع النقل والشرع أن يقفا في وجه القطع، بينما القطع يحتمل الخلاف. بالطبع، هذا الاحتمال هو احتمال عقلي في نظر غير القاطع.

الإشكال الثالث: كون حكم العقل تنجيزيًا في الفرض المذكور يحتاج إلى دليل؛ ولكن لم يقم دليل عليه، لذا في طريقة الاستدلال، حدثت مصادرة على المطلوب.

٣. عدم حجية القطع الذاتية

ذهب بعض الأصوليين إلى عدم الحجية الذاتية للقطع، وفي النهاية اعتبروا الحجية من لوازم القطع. يمكن تصنيف أدلتهم تحت عنوانين: الأمر الأول الذي دفع هؤلاء المفكرين إلى القول بعدم الحجية الذاتية للقطع هو عدم تمامية استدلال القائلين بالرأي السابق والإشكالات الواردة عليه. والأمر الثاني الذي أدى إلى قبول قول عدم الحجية الذاتية للقطع، هو الأدلة التي ستأتي لاحقًا.

قبل بيان الأدلة، من الضروري الإجابة على هذا السؤال: هل عدم قبول الحجية الذاتية للقطع يستلزم قبول حجيته الشرعية؟ في الإجابة يجب القول إن هناك إجماعًا على وجوب اتباع القطع، وإذا لم يثبت هذا الوجوب عقلاً، فلا بد أن يثبت عن طريق الشرع. ولكن مع هذا الوصف، فإن عنوان أدلة عدم الحجية الذاتية للقطع أعم من عنوان أدلة الحجية الشرعية للقطع؛ لأن العنوان الأول يشمل أيضًا أدلة الرد على عدم الحجية الذاتية للقطع، أما العنوان الثاني فيشمل فقط أدلة إثبات الحجية الشرعية للقطع. إذن، بالنظر إلى الأدلة التي طرحها الأصوليون، من الأوجه استخدام العنوان الأول.

٣١. أدلة القائلين بعدم حجية القطع الذاتية

٣١١. عدم وجود مانع عقلي

طريقة الاستدلال: الشيعة قائلون بالتخطئة؛ أي أن أحكام الله ثابتة، والقطع مجرد طريقية إلى الواقع. هذا القطع، قد يصيب الواقع أحيانًا وقد لا يصيبه أحيانًا، وبعض الروايات تشير أيضًا إلى هذا الموضوع، إذن لا يوجد مانع عقلي من أن ينهى الشارع المكلف عن القطع نفسه. لأن الشارع يستطيع أن يقول للمكلف إن قطعك من قبيل الجهل المركب ولم يصب الواقع، ونتيجة لذلك لا تتبعه، وبهذا السبب يسقطه من الحجية. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن عنوان البحث هو مجرد قطع القاطع، وليس القطع الذي أصاب الواقع في الخارج. إذا كان الفرض في حالة أصاب فيها القطع الواقع، ففي هذه الصورة لا يستطيع الشارع أن ينهى القاطع عن اتباع قطعه، لأنه يحدث تناقض عند الواقع، وإن كانت هناك تبريرات لذلك.

٣١٢. إمكان الوقوع

طريقة الاستدلال: بالاستناد إلى القاعدة العقلية «أدل دليل على إمكان الشيء وقوعه»، إذا أمكن، بالاستشهاد بالآيات والروايات، ذكر شواهد تدل على أن الشارع قد تصرف في قطع المكلف، فلن يبقى مجال لذكر أدلة ثبوتية، وستثبت نظرية الحجية الشرعية. وهذه الشواهد هي:

أولاً: الآيات ٧١ إلى ٧٣ من سورة الكهف المباركة

«فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا».

ترجمة: «فسارا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها. قال [موسى]: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد ارتكبت أمرا عظيما. قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا تكلفني في أمري مشقة».

هذه الآيات بصدد بيان مصاحبة حضرة موسى (عليه السلام) لحضرة الخضر (عليه السلام)؛ فبعد أن أقدم حضرة الخضر (عليه السلام) على خرق السفينة، قطع حضرة موسى (عليه السلام) بأن عمل حضرة الخضر (عليه السلام) غير صواب، لأنه قال: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا». وبسبب التأكيدات الموجودة في العبارة، يظهر أن حضرة موسى (عليه السلام) كان قاطعًا بعدم صواب عمل حضرة الخضر (عليه السلام). وقد عمل حضرة موسى (عليه السلام) بوظيفته وهي اتباع قطعه، ولكن مع ذلك قام حضرة الخضر (عليه السلام) بمؤاخذة حضرة موسى (عليه السلام) ولامه بسبب اتباعه لقطعه.

ثانيًا: الآيات ٧٤ إلى ٧٦ من سورة الكهف المباركة

«فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا».

ترجمة: «فسارا حتى إذا لقيا غلاما فقتله. قال [موسى]: أقتلت نفسا طاهرة بغير حق؟ لقد ارتكبت أمرا منكرا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من عندي عذرا».

هذه الآيات أيضًا، في سياق الآيات السابقة، تتناول استمرار قصة مصاحبة حضرة موسى (عليه السلام) لحضرة الخضر (عليه السلام)، ونفس طريقة الاستدلال التي وردت في الآيات السابقة جارية هنا أيضًا. مع فارق أنه يمكن هنا إضافة هذه النقطة: أن حضرة الخضر (عليه السلام) كان قاطعًا بحرمة قتل النفس الزكية، ومن جهة أخرى كان قاطعًا بأن ذلك الغلام زكي، ولكن مع هذه الأوصاف كان مأمورًا من قبل الله تعالى بقتل ذلك الغلام، وبهذه الطريقة تصرف الشارع في قطعه. لأن مصلحة أهم من مفسدة قتل النفس الزكية كانت في قتل ذلك الغلام، مما أدى إلى رفع اللغوية وتضاد الأحكام. وبهذه الصورة يمكن تصور أن الشارع، بسبب مصلحة أهم، يتصرف في القطع.

ثالثًا: الآية ١٩٥ من سورة البقرة

«وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

ترجمة: «وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين».

يقول الله تعالى: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»؛ لا تعرضوا أنفسكم للهلاك بأيديكم. كذلك، فإن حفظ النفس والآخرين واجب على الجميع. ولكن على الرغم من أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعلمون بعلم الغيب كيفية شهادتهم، فإن الشارع نهاهم عن اتباع قطعهم لمصلحة أهم وأولى.

هذا الاستدلال لا يختص بهذا الموضوع، ويمكن بشكل عام إدخال بحث علم غيب المعصوم، والاستشهاد بالحالات التي عمل فيها المعصوم خلاف ذلك.

الإشكال الأول: الحكم المستنبط من الآية، مع حكم شهادة أهل البيت (عليهم السلام)، هو من قبيل الحكم الأولي والثانوي. وبهذا التفسير، فإن الحكم الثانوي ليس في تضاد وتناقض مع الحكم الأولي، بل بالمصلحة الموجودة في الحكم الثانوي، يسقط الحكم الأولي عن المكلف.

رد الإشكال: تصور الحكم الثانوي لا ينسجم مع العصمة التامة والتنزيه الكامل لأهل البيت (عليهم السلام). مثلًا، إذا توقفت نجاة حياة مسلم على شرب الخمر، فإن تصور أن الإمام، بسبب حكم ثانوي -والذي هو حلية بل وجوب- يقبل على شرب الخمر، لا ينسجم مع رفعة درجة الإمام وعصمته.

الإشكال الثاني: إذا كان المبنى هكذا أن الأحكام الإلهية منحلة في جميع الأفراد، وقبلنا بنظرية تعدد الأحكام، وقلنا بالخطابات الشخصية، فإن طريقة الاستدلال بهذه الآية هنا تتعرض للخدش، لأنه يمكن بسهولة الرد بأن حكم الشخص المعصوم يختلف عن سائر المكلفين.

الإشكال الثالث: هنا يتم تخصيص حكم الإمام من هذه الآية، ويضع الله حكمًا آخر للمعصوم. مثلًا، كانت صلاة الليل واجبة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومستحبة لسائر الناس.

رد الإشكال: تخصيص الحكم في كل حالة يحتاج إلى دليل، بينما لم يقم دليل على مثل هذا الادعاء.

رابعًا: رواية عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. (الكليني، ١٤٠٧، ج٧، ص٤١٤، باب أن القضاء بالبينات والأيمان، الحديث الأول).

«قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما أقضي بينكم بالبينات (الدليل والشاهد) والأيمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه (بهذه الطريقة)، فإنما أقطع له قطعة من النار».

كما يُستفاد من مضمون الرواية، قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): إنه يقضي في الدعاوى بين الناس بالشهود واليمين. هذا في حين أن الشهود والبينة دليل ظني، وفي كثير من الأحيان يكون الحكم الذي يُتوصل إليه عن طريق هذا الدليل الظني، حكمًا مخالفًا للواقع، وهذه الرواية نفسها في فقرتها التي تقول: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» تشعر بهذه النقطة. من جهة أخرى، فإن المعصومين (عليهم السلام) بعلم غيبهم يعلمون جميع أفراد الحق والباطل؛ ولكن مع ذلك، نهى الشارع النبي (صلى الله عليه وآله) عن اتباع علمه، وأمره باتباع الدليل الظني المتمثل في الشهود واليمين.

الإشكال: ليس الأمر كذلك أن المعصوم (عليه السلام) عند القضاء يكون عالمًا بالفعل بالحق والباطل، بل هو قادر على العلم. كما تشهد الرواية التالية على هذا القول: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَدَائِنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَعْلَمَ شَيْئاً أَعْلَمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ». (الكليني، ١٤٠٧، ج١، ص٢٥٨).

رد الإشكال: حتى هذا الفرض لا يرد الاستدلال، لأن الشارع منع الإمام في فرض كان حصول العلم فيه ممكنًا، وكلفه بالفعل الظني الحصول، وهذا العمل من جانب الشارع قبيح في فرض ذاتية حجية العلم.

الإشكال: من قضاء المعصومين (عليهم السلام) لا يلزم بالضرورة أن تكون هناك حالات مخالفة للواقع. بل بناءً على التحقيق، كانت جميع أحكام المعصومين (عليهم السلام)، ولو كانت بناءً على البينة واليمين، مطابقة للواقع. (الآشتياني، ١٤٢٦، ج١، ص٣٥).

رد الإشكال: إثبات مثل هذا الادعاء صعب جدًا بل محال، ومبين هذا الإشكال اكتفى بذكر عبارة «بل التحقيق».

خامسًا: رواية مأمون الرقي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وسهل بن حسن الخراساني، حيث دخل الخراساني على الإمام وطالبه بالثورة لوجود مئة ألف شيعي مستعدين للقتال. فأمر الإمام (عليه السلام) خادمته حنيفة بإسجار التنور حتى احمر وابيض. ثم قال للخراساني: «قم فاجلس في التنور». فقال الخراساني: «يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار أقلني أقالك الله». قال (عليه السلام): «قد أقلتك». وفي هذه الأثناء، دخل هارون المكي ونعله في سبابته، فقال: «السلام عليك يا ابن رسول الله». فقال له الصادق (عليه السلام): «ألق النعل من يدك واجلس في التنور». فألقى النعل وجلس في التنور. وبدأ الإمام (عليه السلام) يحدث الخراساني عن أخبار خراسان كأنه شاهد عيان. ثم قال: «قم يا خراساني وانظر ما في التنور». فقام الخراساني فرآه متربعًا، فخرج وسلم. فقال له الإمام (عليه السلام): «كم تجد بخراسان مثل هذا؟» فقال: «والله ولا واحدًا». فقال (عليه السلام): «لا والله ولا واحدًا، أما إنا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت». (المازندراني، ١٤٢١، ج٤، ص٢٣٧).

من خلال التأمل في الرواية المذكورة، يمكن استنتاج أنه بالنظر إلى أن مأمون الرقي كان قاطعًا بأنه سيحترق إذا دخل التنور، طلب من الإمام أن يعفيه من أمره، وطلب منه العفو. إذن، هنا أمر الإمام بحكم يخالف قطع مأمون الرقي، ولو كان مثل هذا الأمر قبيحًا، لما صدر من جانب الإمام.

سادسًا: «مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِذَا كَثُرَ عَلَيْكَ السَّهْوُ فَامْضِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ». (العاملي، ١٤١٦، ج٨، ص٢٧٧).

ترجمة: «إذا كثر عليك السهو، فامضِ في صلاتك، فإنه يوشك أن يتركك، إنما هو من الشيطان».

بالنظر إلى الرواية، يمكن استنتاج أن الشارع تصرف في القطع. بهذا التفسير، أن المكلف يقطع ببطلان صلاته في فرض الشك بين الركعة الأولى والثانية، ومن جهة أخرى يقطع ببطلان صلاته بسبب شكه نفسه، ولكن مع هذا الوصف، لا يزال الشارع يقول له ألا يتبع قطعه. (هدائي وحميدي، ١٤٠٠، صص ١٤٨-١٥١).

الإشكال: حكم كثير الشك من قبيل الحكم الأولي والثانوي، وهنا لا يوجد تناقض بين الحكمين يستدعي القول بأن الشارع تصرف في قطع القاطع. (شاكري وقدمي، ١٤٠٠، ص٦٢). بالإضافة إلى أن بحث الشك منفصل عن القطع.

سابعًا: رواية أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام) في دية أصابع المرأة، حيث تكون دية إصبع واحد عشرًا من الإبل، واثنين عشرين، وثلاثة ثلاثين، ولكن دية أربعة أصابع تعود إلى عشرين. وعندما استغرب أبان من ذلك واعتبره من الشيطان بناءً على قياسه، قال له الإمام (عليه السلام): «مهلاً يا أبان، هكذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان، إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين». (الكليني، ١٤٠٧، ج٧، ص٣٠٠).

ما يُستفاد من الرواية هو أن أبان، عن طريق القياس، حصل له قطع. ولكن مع ذلك، نهاه الإمام (عليه السلام) عن اتباع القطع الحاصل من قياسه ولامه.

الإشكال: كما هو مبين في علم المنطق، فإن النتيجة الحاصلة من القياس أو التمثيل لن تكون يقينية أبدًا، وأصلًا لا يحصل قطع من هذا الطريق، فكيف بالشارع أن ينهى عنه.

مهم: بالتأمل في جميع الأدلة التي ذُكرت في عدم الحجية الذاتية للقطع، يمكن استنتاج أن جميع هذه الأدلة هي في مقام إثبات إمكانية سلب الحجية، لا إمكانية جعلها. إذن، الأدلة أخص من المدعى، وأقصى ما يمكن التوصل إليه بهذه الأدلة هو القول بالتفصيل بين الجعل والسلب، وليس أكثر. بالطبع، إذا قبلنا بأدلة الرد على استحالة جعل الحجية، ففي هذه الحالة يمكن قبول عدم الحجية الذاتية في فرض جعل الحجية أيضًا.

٤. القول بالتفصيل

بين النظريتين المذكورتين، ذهب البعض إلى التفصيل. أي أنهم في بعض الحالات يعتبرون الحجية ذاتية للقطع، وفي حالات أخرى خارجة عن الذات. وبعد التتبع في كلمات أعلام علم الأصول، يمكن العثور على ثلاث نظريات:

٤١. التفصيل بين المنجزية والمعذرية

المنجزية ذاتية للقطع، أما المعذرية فلا. (الصدر، ١٤١٩، ج٢، ص٤٤). طريقة الاستدلال: عندما يقطع القاطع بعدم تكليف شيء ويعمل بقطعه، في فرض أن ذلك التكليف ثابت في الواقع، ففي هذه الصورة ليس القاطع معذورًا، لأن هذا القطع لا يخرج عن حالتين، وفي كلتيهما ليس المكلف معذورًا:

أ) لم ينه الشارع عن العمل بالقطع الحاصل، بل نهى عن المقدمات التي حصل بها القطع للقاطع، وهذا الأمر نفسه يوجب النهي عن العمل بالقطع نفسه، وبما أن القاطع خالف نهي الشارع، فإذا لم يصب قطعه الواقع، فليس معذورًا.

ب) يلتفت القاطع في بداية الأمر بشكل إجمالي إلى أن قطعه في بعض الحالات يحصل من طرق غير متعارفة، فيعلم إجمالًا أن بعض قطوعه مخالفة للواقع، وهذا العلم الإجمالي نفسه منجز في حقه، فمخالفته لهذا العلم الإجمالي تسقط معذرية قطعه.

الإشكال الأول: في حال قبول الدليل، فإن هذا الكلام يمكن بيانه فقط في قطع القاطع، لا في القطع الحاصل من طرق متعارفة، وبالتالي يكون الدليل أخص من المدعى.

الإشكال الثاني: الخلاف الرئيسي بين الأصوليين هو حول نوع وجوب اتباع القطع، ولكن مع ذلك، هناك خلاف أساسي بين الأصوليين حول ما هو المراد بالحجية في بحث القطع. لا يمكن قبول هذا الدليل إلا إذا فهمنا أن المراد بالحجية هو المنجزية والمعذرية، وفي غير هذا الفرض، فإن قبول هذا الادعاء ليس معقولًا.

الإشكال الثالث: النهي عن مقدمة شيء لا يستلزم النهي عن ذلك الشيء نفسه. إلا إذا كانت مقدمة الشيء علة تامة للشيء نفسه.

الإشكال الرابع: أن التفات القاطع إلى أن قطوعه تحصل من طرق غير متعارفة، لا يوجب أن يحصل له علم إجمالي بأن بعض قطوعه لا تصيب الواقع.

٤٢. التفصيل بين مقام الثبوت والإثبات

في مقام الثبوت، لا مانع من أن يجعل الشارع أو يسلب حجية القطع، أما في مقام الإثبات، فبسبب اللغوية لا يمكنه جعل أو سلب حجية القطع. (الصدر، ١٤١٩، ج٢، ص٤٤).

٤٣. التفصيل بين مقام جعل الحجية وسلب الحجية

جعل الحجية من جانب الشارع للقطع غير ممكن، ولكن لا مانع ولا حذر من سلب الحجية عنه، ويمكن للشارع أن يسلب حجية القطع. (اليزدي النجفي، ١٤٢٦، ج١، ص٢٤).

تمسك المرحوم السيد اليزدي لإثبات هذه النظرية بالاستدلال التالي. وقبل بيان طريقة استدلاله، قدم مقدمة، ثم بالنظر إلى هذه المقدمة، بين طريقة استدلاله. لتسهيل فهم هذه المقدمة، يمكن تقريرها بشكل بياني. [وصف الرسم البياني: يبدأ بالجعل وينقسم إلى تكويني وتشريعي. التكويني ينقسم إلى أصلي وتبعي، وكل منهما إلى بسيط ومركب. والتشريعي ينقسم باعتبارين؛ الأول إلى أصلي وتبعي، وكل منهما إلى بسيط ومركب. والثاني إلى شرعي وعقلي. والعقلي ينقسم إلى مستقل وغير مستقل، والمستقل ينقسم إلى تنجيزي وتعليقي].

ويستمر في القول، كما هو موضح في الرسم البياني، أن الحكم العقلي المستقل إما تنجيزي أو تعليقي. في فرض كون الحكم العقلي تنجيزيًا، في كل تقدير وفي كل حالة ممكنة يمكن أن تتحقق في الخارج، يجري الحكم العقلي ولا يمكن للشارع أن يتصرف فيه. على سبيل المثال، إذا حكم العقل بقبح الظلم، فإن الظلم سيكون قبيحًا مطلقًا في جميع الحالات، ولا يمكن للشارع أن يرخص في الظلم.

أما في الحكم العقلي التعليقي، فيحكم العقل بتقدير خاص، ما لم يوجد مانع. أي أن حكم العقل معلق على عدم وجود مانع. مثلًا، أن يحكم العقل بوجوب شيء ما لم يرد ردع من جانب الشارع، كحكم العقل بوجوب الاحتياط بهذا التفسير: يحكم العقل بوجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية، طبعًا ما لم يرد ترخيص من جانب الشارع، وإذا لم يحتط المكلف بسبب ترخيص الشارع، فإنه لم يخالف حكم العقل، وإذا أدى احتياطه إلى مخالفة الواقع، فهذا لا يعني جعل حكم ثانوي وتناقض في الأحكام، بل يعني عدم العقاب والمؤاخذة. (جعفري وأحمدي مقدم، ١٣٩٩، ص٦٥).

في مسألتنا الحالية أيضًا، يحكم العقل بوجوب متابعة القطع ما لم يرد مانع من جانب الشارع، ولا يحكم العقل بأكثر من هذا. فإذا ورد دليل ظني أو أمارة معتبرة منعت من اتباع القطع، فهذا الدليل يرد على القطع.

حتى الآن، تم التوصل إلى نتيجتين كليتين من نقد الأدلة السابقة؛ أولاً: عدم تمامية أدلة ذاتية حجية القطع. ثانيًا: أن أدلة نافي حجية القطع كانت جميعها في حالات سلب فيها الشارع الحجية، ولم يستطع الكاتب، بالتتبع والتفحص، العثور على دليل مستقل لإمكانية جعل حجية القطع عقلاً من حيث الثبوت، وبالتالي لا يمكن الحكم مطلقًا بعدم حجية القطع الذاتية. ومن هنا، قال المرحوم السيد محمد كاظم النجفي بالتفصيل في المسألة.

هذا البيان هو أصح النظريات في باب وجوب اتباع القطع، لأنه في هذا الفرض، لن تكون الإشكالات الواردة على الحجية الذاتية قابلة للبيان هنا، وهذه النظرية تنسجم تمامًا مع أدلة عدم الحجية الذاتية للقطع أيضًا.

٥. التجليات العملية لمخالفة الفقهاء للقطع الطريقي

مشهور الأصوليين قائلون بالوجوب العقلي لاتباع القطع؛ ولكن مع ذلك، يمكن في كلمات الفقهاء العثور على حالات حدثت فيها مخالفة قطعية وصدر حكم غير متعلق قطع المكلف. وفيما يلي، نشير إلى بعض هذه الحالات:

٥١. قطع القطّاع

أحد المباحث التي تُبحث في علم الأصول هو حجية قطع القطّاع. القطّاع هو الشخص الذي يصل إلى القطع من أسباب وطرق لا تؤدي غالبًا إلى القطع لدى الناس المتعارف عليهم -سريع القطع وسريع التصديق- وهذه الحالة ناشئة عن خلل يحدث في العقل وتسبب مرض سرعة التصديق. الآن، إذا قلنا بعدم انفكاك الحجية عن القطع، فيجب أن نقبل بحجية قطع القطّاع، ولكن المشهور لم يعتبروه حجة وحكموا بعدم جواز العمل به. بالطبع، سعى البعض مثل الشيخ الأنصاري ومحشي كتبه إلى تبرير هذا الحكم، وذكروا تبريرات. مثل ما ذكره صاحب بحر الفوائد: هنا، من باب ارتكاب أقل القبيحين، يحدث تصرف في الواقع. (الآشتياني، ١٤٢٦، ج١، ص٣٦).

٥٢. علم القاضي من الطرق غير المتعارفة

إذا حصل للقاضي قطع شخصي بحق وباطل طرفي الدعوى، بحيث لا يستطيع إثباته عن طريق البينة، فلا يجوز له أن يحكم بما يعلم، سواء في موارد حق الله أو حق الناس. (الطباطبائي، ١٤١٨، ج١٥، ص٣١).

في الرد على هذه المسألة، تصور الفقهاء قطع القاضي من جملة موارد القطع الموضوعي. (الآشتياني، ١٤٢٦، ج١، ص٣٦). وهذا يعني أن علم القاضي حجة فقط في حالة حصوله من الطرق المتعارفة، وليس مطلقًا.

٥٣. القطع الحاصل من العلم الإجمالي

في فرض الشبهة المحصورة، سيحصل قطع كلي بأن ارتكاب جميع أفراد الشبهة المحصورة غير جائز. مثلًا، قطعتان من اللحم نعلم أن إحداهما حلال والأخرى حرام، ولكن لا نعرف بالضبط أيتهما الحرام وأيتهما الحلال. في هذا الفرض، إذا أقدمنا على أكل كلتا القطعتين، فإننا قاطعون بارتكاب فعل حرام. ويُطلق على هذا القطع في الاصطلاح الفقهي «القطع المتولد من العلم الإجمالي».

بصرف النظر عن هذا البحث، يُرى في كثير من فتاوى الفقهاء أن حكمًا بخلاف هذا النوع من القطع قد صدر، مما أدى إلى مخالفة قطعية. يذكر الشيخ الأنصاري في قسم العلم الإجمالي من كتاب فرائد الأصول حالات يحصل فيها قطع كلي من علم إجمالي، ولكن مع ذلك، أفتى الفقهاء بطريقة يُستفاد منها مخالفة قطعية. (راجع: الأنصاري، ١٤١٩، ج١، ص٧٩). وفيما يلي، نتناول ذكر هذه الحالات وحالات أخرى:

  • إذا اختلف الفقهاء في قولين أو تعارض دليلان متعادلان، فإن أحد الآراء هو أن الدليلين يتساقطان ويتعارضان، ويُرجع إلى الأصل العملي، ولو كان مخالفًا لكلا الدليلين. في فرض أن الأصل العملي مخالف لكلا الدليلين، تحدث مخالفة قطعية؛ لأن لدينا علمًا إجماليًا بأن أحد الدليلين صحيح، وبطرح كلا الدليلين، لم يتم العمل بالدليل الصحيح قطعًا.
  • في فرض الشبهة المحصورة، حكم البعض بجواز ارتكاب كلا الشيئين الحلال والحرام المشتبهين. مثلًا، شاتان لا يُعلم أيتهما مذكاة وأيتهما ميتة، تكونان ثمنًا لمعاملة. هنا، قطعًا جزء من المعاملة التي تقابل الشاة الميتة باطل، ومع ذلك حكم البعض بالحلية. (الإيرواني، ١٤٢٢ق، ج٢، ص١٥٦).
  • في العنوان الفقهي «واجد المنى بثوب مشترك»، قال البعض إنه يمكن لأحدهما أن يقتدي بالآخر، مع أن المأموم قاطع بأنه إما هو نفسه جنب أو الإمام.
  • في فرض أن شخصين لهما يد على عين في وقت واحد، وكلاهما يدعي ملكيتها، في حال تساوي الشهود والبينة، يحكم الحاكم بالتنصيف. بالتأمل في هذا الفرض، يمكن إدراك أن كلا طرفي الدعوى لا يقبل بملكية الآخر، وأحدهما فقط هو المالك الحقيقي. إذن، بالحكم المذكور، نقطع بأن أحد طرفي الدعوى أصبح مالكًا لجزء ليس مالكه قطعًا.
  • إذا أودع شخص درهمين وشخص آخر درهمًا واحدًا لدى شخص ثالث، ثم تلف أحد هذه الدراهم الثلاثة، فإن الشخص الذي كان له درهمان يحصل على درهم ونصف، والشخص الذي أودع درهمًا واحدًا يحصل على نصف درهم. في الفرض المذكور، يجب الانتباه إلى أن الدرهم التالف إما كان للشخص الأول أو للشخص الثاني، ولكن الحكم بتصنيف الضرر الناشئ عن تلف الدرهم، يوجب مخالفة قطعية.
  • إذا أقر شخص بأن عينًا في يده ملك لشخص آخر، ثم أقر بنفس العين لشخص آخر، فقد حكم الفقهاء هنا بوجوب تسليم تلك العين للمقر له الأول، ثم تسليم ثمن المثل للمقر له الثاني. هنا، قطعًا أحد المقر لهما أصبح مالكًا لشيء ليس مالكه قطعًا.
  • في حال تنازع البائع والمشتري في مقدار الثمن أو المثمن، وحلف كلاهما على قوله، يُحكم هنا بانفساخ العقد. مع أن الحق قطعًا مع أحد طرفي الدعوى، فبهذا الحكم نقطع بأننا أخرجنا مال شخص من ملكه دون رضاه.
  • إذا ادعى رجل الزوجية بامرأة، وأنكرت المرأة ذلك، ففي هذه الحالة، كل ما أقر به الرجل من مهر وحقوق أخرى للزوجة يثبت عليه، وإذا لم تكن له بينة ولم يحلف، فلن يثبت له أي حق، كالتمكين، على المرأة. هنا، لدينا علم إجمالي بأنه إما كان هناك عقد في الواقع أو لم يكن، وهذان الأمران لا يجتمعان. إذا كان هناك عقد في الخارج، فإن حقوق الرجل على المرأة واجبة التنفيذ (راجع: الأميني والهاشمي، ١٤٠٢، ص٧٠)، وإذا لم يكن هناك عقد في الخارج، فلن يثبت أي حق للمرأة على الرجل. بينما هنا، حُكم بطريقة حدثت فيها مخالفة قطعية للواقع، سواء في الفرض الأول أو في الفرض الثاني.
  • في زكاة الفطرة يوم عيد الفطر، إذا طالت إقامة الضيف عند المضيف بحيث تكون زكاته، حسب رأي مرجعه، على عاتق المضيف، وحسب رأي مرجع المضيف، على عاتق الضيف نفسه، ففي هذه الحالة لا يجب دفع زكاة الفطرة على أي منهما. مع أن زكاة فطرة الضيف في الواقع، سواء كانت على عاتق المضيف أو الضيف نفسه، واجبة الوصول، والحكم المذكور يستلزم مخالفة قطعية.

الخاتمة

أولاً، إن أدلة الحجية الذاتية للقطع، على الرغم من شهرتها بين الأصوليين، تواجه تحديات نظرية جادة. الاستدلالات مثل استحالة تحصيل الحاصل أو امتناع التناقض، عندما تُقاس بالمعايير الفلسفية والأصولية الدقيقة، تفتقر إلى الإتقان اللازم. ويتجلى هذا النقص بشكل خاص في مواجهة الشواهد النقلية التي تشير إلى إمكانية سلب الحجية.

في المقابل، توجد شواهد فقهية وروائية متعددة تؤيد اختيار الشارع في تقييد نطاق حجية القطع. حالات مثل رواية هشام بن الحكم أو النماذج العملية للمخالفة القطعية في الفتاوى، هي شهادات واضحة على هذا الادعاء.

يكمن الإبداع الرئيسي لهذا البحث في تقديم تحليل جديد للعلاقة بين حكم العقل وصلاحيات الشارع. تظهر النتائج أن حكم العقل باتباع القطع له طبيعة تعليقية؛ أي أن وجوب الاتباع مشروط بعدم وجود مانع شرعي. هذا التحليل لا يتجنب إشكالات نظرية الحجية الذاتية فحسب، بل ينسجم تمامًا مع سيرة العقلاء والمنهج العملي للفقهاء.

تتجلى الثمرة العملية لهذا البحث في ثلاثة مجالات جديرة بالاهتمام:

  1. في المجال النظري، يوضح لنا طبيعة ونوع وجوب اتباع القطع.
  2. في مجال فلسفة الفقه، يوضح حدود تدخل الشرع في الأحكام العقلية في الاستنباط.
  3. في مجال الفقه التطبيقي، يوفر آلية لدراسة حالات المخالفة القطعية.

هذا البحث، بتجنبه للثنائية المحضة (حجية ذاتية أو شرعية محضة)، يقترح طريقًا وسطيًا يحافظ على مكانة حكم العقل ويعترف في الوقت نفسه بمكانة التشريع.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

١. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٧ ق). فوائد الأصول. الطبعة الأولى، النجف: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، مؤسسة الطبع والنشر.

٢. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤١٩ ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٣. الآشتياني، ميرزا محمد حسين (١٤٢٦ ق). بحر الفوائد في شرح الفرائد. الطبعة الأولى، قم: دار الهدى.

٤. الإسماعيلي، محمد علي؛ الأحمدي، سيد محمد مهدي (١٤٠٠ ش). «بحث في حجية القطع الذاتية في علم الأصول». مجلة پژوهش نامه فقه، العدد ٨٣.

٥. الاشتهاردي، حسين (١٤١٨ ق). تنقيح الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

٦. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة آل البيت.

٧. الأميني، أحمد والهاشمي، سيد محمد مهدي (١٤٠٢). مباني حجية القطع من وجهة نظر مشهور الأصوليين. المحقق الأصفهاني والشهيد الصدر. مجلة پژوهش های مطالعات اسلامی معاصر، الدورة ١، العدد ٣، صص ٥٦-٧٣.

٨. الأنصاري، مرتضى (١٤٠٤ ق). مطارح الأنظار. الطبعة القديمة، قم: مؤسسة آل البيت.

٩. الأنصاري، مرتضى (١٤١٩ ق). فرائد الأصول. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١٠. الإيرواني، علي (١٤٢٢ ق). الأصول في علم الأصول. ج٢، قم: دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

١١. الجعفري، حسين والأحمدي مقدم، فاطمة (١٣٩٩). استقراء آراء الأصوليين المعاصرين حول حجية وعدم حجية قطع القطّاع. مجلة مطالعات تطبيقي فقه وأصول مذاهب، السنة الثالثة، العدد ٢.

١٢. الخميني، السيد روح الله (١٤٤٢ ق). أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

١٣. الخميني، السيد روح الله (١٤٢٠ ق). معتمد الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

١٤. الخوئي، أبو القاسم (١٣٦٩ ش). أجود التقريرات، الطبعة الأولى، قم: مطبوعات ديني.

١٥. الشاكري، بلال؛ قدمي، سيد محمد باقر؛ ميهن دوست، رضا (١٤٠٠ ش). «نظرة نقدية إلى حجية القطع الذاتية». مجلة پژوهش های اصولی، صيف ١٤٠٠، العدد ٢٧.

١٦. الشهيدي بور، محمد تقي. أبحاث أصولية – مباحث الحجج. نسخة إلكترونية /ir.https://shahidipoor.

١٧. الصدر، سيد محمد باقر (١٤١٩ ق). دروس في علم الأصول. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١٨. الطباطبائي، علي بن محمد بن علي (١٤١٨ ش). رياض المسائل، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت.

١٩. العاملي، محمد بن حسن (١٤١٦ ق). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت.

٢٠. العراقي، آقا ضياء الدين (١٤١٧ ق). نهاية الأفكار. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢١. العراقي، ضياء الدين وحكيم، سيد محسن (١٤١٤ ق). مقالات الأصول. الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٢. كاشف الغطاء، شيخ جعفر (١٤٢٢ ق). كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء. قم: دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

٢٣. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ ق). الكافي. قم: مؤسسة علمي فرهنگي دار الحديث.

٢٤. المازندراني، شهر آشوب (١٤٢١ ق). مناقب آل أبي طالب. قم: المكتبة الحيدرية.

٢٥. النائيني، محمد حسين (١٤٠٦ ق). فوائد الأصول. ج١و٣، مقرر: محمد علي كاظمي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٦. الهاشمي الشاهرودي، محمد (١٤١٧ ق). بحوث في علم الأصول، (تقريرات درس آيت الله شهيد صدر). الطبعة الأولى، قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.

٢٧. هدائي، عليرضا وحميدي، محمدرضا (١٤٠٠ ش). «دراسة إمكان ووقوع منع متابعة القطع بمنهج يستند إلى آراء الإمام الخميني». مجلة پژوهش نامه متين، العدد ٦٦.

٢٨. اليزدي النجفي، محمد إبراهيم (١٤٢٦ ق). حاشية فرائد الأصول. الطبعة الأولى، قم: دار الهدى.

Scroll to Top