دراسة إمكانية جريان «نظرية الحجية الفقهية» في حقل التفسير

الملخص

إن تفسير النصوص الوحيانية يتطلب تبني أهداف ومبانٍ وقواعد ومناهج خاصة، وهو ما يُعرف بالدراسات المنهجية للتفسير، والتي تُفضي محصلتها إلى تشكيل تقاليد تفسيرية متنوعة. وتُعدّ نظرية الحجية أحد هذه التقاليد. وبناءً على هذه النظرية، فإن الوصول إلى المراد الإلهي ضمن إطار خطة تحقيق «الحجية الشرعية» ممكنٌ عبر الأصول اللفظية والأمارات الشرعية، حيث يجب الاستفادة من المباني والأدوات والمناهج الفقهية المتداولة في مجال تقييم القرائن التفسيرية. وقد وُوجهت هذه النظرية ببيانات مختلفة تتراوح بين المنجزية والوسيطية وغيرها، وبناءً عليها طُرحت وجهات نظر متنوعة حول إمكانية قبولها في تفسير القرآن. يسعى الكاتب في هذه المقالة إلى نقد هذه الآراء وبيان إشكاليتين مهمتين هما: فقدان الأثر الشرعي، والمغايرة مع رسالة المفسر، كما يقترح عملية تقييم قرائن الفهم والتفسير خارج فضاء خطاب هذه النظرية.

مقدمة

إن العلوم التي تتعامل مع النصوص الوحيانية، كالفقه والتفسير، تستخدم استراتيجيات كلية يعتمد اختيار كل منها على مبانٍ متناسبة مع أهدافها وتتطلب مناهج خاصة. ويُعد الاتجاه الحُجّي (الاعتماد على الحجية)، إلى جانب منافسيه مثل «الاتجاه العيني» و«الاتجاه الخبروي»، أحد الاستراتيجيات الكلية في التفسير. بناءً على هذه النظرية، تتشكل مسألة الوصول إلى المراد الإلهي في إطار برنامج يهدف إلى تحقيق «الحجية الشرعية»، ويُعرَّف مسار التفسير في فضاء العلاقة المتبادلة بين الشارع والمكلَّف، وتعيين وظيفة العبد تجاه المولى. في سياق هذه النظرية، لا أصالة لتقييم صدق القضايا، أو بعبارة أخرى «كشف الحكم الواقعي للمولى»، بل الأصل هو تقييم قيمة امتثالها أو الحجية في مقام العمل، والتي تستند إلى اتباع الفهم لمعايير المنجزية والمعذرية أو الطريقية.

ورغم وجود نقاشات حول حجية الظهورات القرآنية وأخبار الآحاد (محمدي، 1394: 46-47)، لم يُبحث قط في الاتجاه الحُجّي كنظرية تفسيرية في مجال تقييم القرائن المختلفة اللفظية والعقلية والنقلية. وقد أدى هذا الفراغ البحثي الشامل في هذا الباب إلى أن يكون لعلماء الشيعة موقف مزدوج تجاه مسألة حجية خبر الواحد والظهورات. وبحسب قول العلامة الطباطبائي، فإن عامة الشيعة اليوم يعتبرون خبر الواحد الموثوق الصدور غير معتبر في غير الأحكام الشرعية (الطباطبائي، 1380: 65-66). أما في مسألة الظهورات، فباستثناء جماعة من الأخباريين، فإن معظم العلماء يقولون بحجيتها الشرعية في التفسير (التنكابني، بي‌تا: 147). وبالطبع، في بحث حجية أخبار الآحاد التفسيرية، طُرحت أدلة تُستخدم في قبول هذه النظرية أو ردها، ويمكن العثور على آثارها في أعمال الأصوليين، حيث يُشار إلى المصير المشترك للظهورات اللفظية مع أخبار الآحاد (الإمام الخميني، 1415ق: 314/1).

إن قبول هذه النظرية أو رفضها سيكون له تأثير مهم في منهجية التفسير ومنهجية تقييم القرائن التفسيرية. على سبيل المثال، بافتراض قبول هذه النظرية، يمكن الرجوع إلى أخبار الآحاد التفسيرية التي تستوفي شروط الحجية الفقهية، وكذلك سائر الأمارات والأصول اللفظية، واعتبار التفسير المستفاد منها، بمساعدتها كقرينة معتبرة، هو المراد الإلهي من الآيات. هذا بينما، برفض هذه النظرية، فإن أقصى ما يمكن الحصول عليه من خلال الرجوع إلى هذه القرائن هو مجرد رأي ظني خبروي من جانب المفسر، وقبوله من قبل المجتمع التفسيري لا يعني جواز نسبة مضمونه إلى الله تعالى. [1]

1. مفهوم الحجية في الدراسات الفقهية والتفسيرية

أشار اللغويون تحت لفظة «الحجة» إلى معانٍ مختلفة مثل «طريقة الانتصار في الخصومات» (الفراهيدي، 410ق: 9/3)، و«الدليل الواضح» (الجوهري، 1410ق: 303/1)، و«الدلالة الكاشفة» (الراغب، 1412ق: 218)، وتُطلق هذه اللفظة على الاحتجاج وأداة الاحتجاج. وأما مصطلح «الحجية» فيطلق تارة بمعنى «المنجزية والمعذرية» (الخميني، 1418ق: 22/6؛ الصدر، 1417ق: 193/4)، وتارة بمعنى «الوسيطية في مقام الإثبات» (النائيني، 1368: 121/2). وبناءً على كلا التعريفين، فإن علم المكلف في مقام تنجز التكليف (الإثبات) شرط، بخلاف مقام الفعلية (الثبوت) الذي لا يعتمد على العلم (نفس المرجع). وبالطبع، هذا لا يعني أن الحجية تُلحظ دائمًا في الأدلة الاجتهادية؛ أي عند كاشفية الدليل عن الحكم الواقع؛ إذ أن المنجزية أو الوسيطية تُفترضان أيضًا عند تعيين الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي الفعلي، وكما أننا نحتاج إلى الحجية للوصول إلى الحكم الواقعي، فنحن نحتاج إليها أيضًا عند التردد في الحكم الواقعي لكي نشخص بها وظيفتنا العملية. وبناءً على ذلك، تكون الوسيطية تارة لإثبات الحكم الواقعي وتارة لإثبات الوظيفة العملية. وفي كلتا الحالتين، الحكم الواقعي هو نفسه حكم مقام الثبوت الذي له شأنية الكشف عن وجود المصالح والمفاسد النفس الأمرية (شأن اجتهادي) وله شأنية التنجز في مقام العمل (شأن فقاهتي). ولهذا السبب، فإن الحجة الفقاهتية، كالحجة الاجتهادية، تتشكل بفعلية الحكم الواقعي وتتمتع بشأني الوسيطية أو التنجز بالنسبة للحكم الواقعي.

ومع أن مصطلح الحجية يعود إلى القرون الهجرية الأولى، وقد استخدمه الشافعي وغيره في سياق بحث الإجماع وخبر الواحد (الشافعي، 1423ق: 22؛ الشاشي، بي‌تا: 287)، فإن مسألة الحجية، والمقصود منها في التفسير، وقبولها أو رفضها، تتأثر بمكونات ومعايير الحجية، وكذلك تعتمد على إعادة تعريف ماهية التفسير ورسالة المفسر. إن البحث عن الحجية في الفقه هو بحث عن دليل يرتب أثرًا منجزًا على محتوى قضية ما، ويُبرئ ذمة المكلف من تبعاتها الأخروية. ومن هذه المكونات يمكن الإشارة إلى ما يلي: الإيمان بـ«عالم نفس الأمر الاعتباري» للأحكام، ووجود «حكم تشريعي» في عالم نفس الأمر الاعتباري، واتصاف الحكم بـ«شأنية التنجز» بمعنى إمكان ومطلوبية الالتزام به في مقام العمل، وكذلك «فعلية الحكم»، وتلقي الحجية بمثابة «واسطة في الكشف النظري» أو «التزام عملي بالحكم» أو «منجزية ومعذرية بالنسبة للتكليف الفعلي». ولكن، هل هذه المكونات خاصة بباب الفقه أم أنها تجري أيضًا في مجال التفسير؟ إن الإجابة على هذا السؤال تدفعنا إلى تحليل ماهية الحجية التفسيرية وتعريفها.

أ. الوحدة العنوانية

بناءً على هذه الرؤية، فإن المقصود بالحجية في التفسير ليس المعذرية والمنجزية أو تتميم الكشف؛ لأن المنجزية والمعذرية تتعلقان بالأعمال الجارحية، ولا يمكن تكليف المفسر باعتقاد أو إيمان معين من خلال إنشاء أمر شرعي. الأمر الوحيد الذي يحدث نتيجة الرجوع إلى الأمارات الظنية هو تأثير تكويني يحول الاحتمال إلى ظن، أو اطمئنان، أو حتى يقين عرفي (مصباح، 1389: 7-8). الحجية هنا تعني فقط الحصول على مرتبة من الظن يراها العرف في المجتمع العلمي كافية لقبول رؤية ما كنظرية تفسيرية.

هذه الرؤية تواجه إشكالًا. فالاصطلاح جائز طالما لا يخرج عن غاية العلم ومقصده الأصلي. الحجية تقع في إطار تصرف الشارع، وموقع الشارع هو التأسيس أو الإمضاء في الأمور ذات الآثار العملية. من الواضح أن الظن والحدس، طالما لم يصلا إلى درجة الاعتبار الشرعي، ليسا بحجة؛ حتى وإن أقنعا المجتمع التفسيري وعُدّا رأيًا خبرويًا.

ب. الوحدة الماهوية

سعى البعض، بميلهم إلى جريان الحجية في التفسير، إلى توحيد ماهية الحجية التفسيرية والفقهية؛ سواء استنادًا إلى اليقين العرفي (الفاضل اللنكراني، 1413ق: 174) أو استنادًا إلى العلم التعبدي (الخوئي، بي‌تا: 398/1-399؛ معرفت، 1379: 23/2).

هذه الرؤية تواجه انتقادات؛ فالحجية للعلم واليقين العرفي ذاتية ولا تحتاج إلى إثبات؛ في حين أن الحجية في مصطلح الأصوليين منصرفة إلى الأدلة غير الموصلة لليقين (المظفر، بي‌تا: 12/2). ويعتقد البعض الآخر، بتعميم نطاق العمل ليشمل الجوانح والجوارح، أن معرفة كلام الله كوظيفة جوانحية هي أمر مستحسن عند الله تعالى، وبهذا الشكل، يُطرح الفهم التفسيري كمسألة فقهية (فاكر ميبدي، 1393: 204). وسيأتي نقد هذه الرؤية أيضًا (2-3).

ج. الوحدة الملاكية

يرى آخرون أن الحجية التفسيرية والفقهية يمكن جمعهما فقط في ملاك «الطريقية»، لكن الحجية التفسيرية تتشكل على أساس البناء العقلائي المقترن برضا الشارع، بينما تنتظم الحجية الفقهية على أساس التوسع التعبدي في البناء العقلائي (إحساني فر، 1387: 10-12).

2. آلية الحجية

عندما نتحدث عن مسائل الشرع، نواجه موضوعًا وحكمًا وأثرًا. في بعض الحالات، تختلف لغة أدلة الأحكام عن محتوى القضايا المستفادة منها. مثال ذلك القضايا التي تكون محمولاتها أحكامًا وضعية مستمدة من حكم تكليفي (مثل الجزئية، والشرطية، والمقدمية). بعبارة أخرى، في هذا النوع من القضايا، هناك فرق بين «ما قاله الشارع» و«ما فعله الشارع». وبناءً على ذلك، عندما نقول «فهمنا للآية حجة»، يُطرح هذا السؤال: على أي آلية أصبح هذا الفهم حجة؟ في هذا السياق، يمكن طرح احتمالات مختلفة. النظريات الثلاث الأولى تستند إلى المنجزية، والنظرية الرابعة والسادسة والسابعة تستند إلى الوسيطية، والنظرية الخامسة يمكن تقريرها على كلا المبدأين:

أ. التشريع المستقل

لقد وضع الشارع المقدس مسألة تفسير القرآن في فضاء «الوظائف التشريعية للعبد»، وبخطاب تشريعي مستقل، جعل الحجية للفهم الحاصل من الظواهر وأخبار الآحاد؛ فمثلًا يقول: «الفهم الحاصل من الظواهر وأخبار الآحاد حجة» (المظفر، بي‌تا: 47/2). وفي مقام النقد يجب القول:
1) الحجية تُنتزع من خطاب شرعي بوجوب الاتباع، أو تشريع الإيمان وغيره، وليست قابلة للتشريع المستقل؛ مثل الجزئية التي تُنتزع من الأمر بالواجب المركب.
2) لا يمكن جعل المنجزية؛ لأنه بافتراض عدم تنجز الحكم الواقعي، يستلزم ذلك التصرف في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان. وعلى الشارع إما أن يتصرف في موضوع حكم العقل (البيان)، وفي هذه الحالة لا حاجة لجعل مستقل للمنجزية، أو أن يتصرف في الحكم نفسه ويخصص حكم العقل، وهو محال (الخوئي، 1419ق: 55/3).
3) لا يوجد أي مثال في الخطابات الشرعية لمثل هذا التشريع (الإمام الخميني، 1382: 112/2).

ب. التشريع المنتزع

تُنتزع من جعل الإيمان، أو التبيين، أو الإذعان، أو الأمر بالاتباع وغيره؛ كأن يقال: «الإذعان لمفاد خبر الواحد واجب»، وتُنتزع منه الحجية (المظفر، بي‌تا: 49/2). وفي مقام النقد يجب القول:
1) الموضوعات مثل الإيمان والتبيين وغيرها تندرج ضمن الأفعال والحالات التكوينية للنفس ولا يمكن اعتبارها. وفيما يتعلق بـ«الاتباع» في المجالات الحِكَمية (العقائد، المواعظ، القصص) التي يكون أثرها التكويني هو التبين، فإن الأمر كذلك.
2) مسألة التعبد والحجية لا تقع ضمن إطار منهج علم التفسير وشواغل المفسر. فالهدف من الرجوع إلى الروايات الاعتقادية والمعرفية هو العلم بالواقع، وليس أداء عمل عبادي (جوادي آملي، 1378: 158/1).

ج. جعل الحكم المماثل

يؤخذ قيام الأمارة على فهم القرآن في موضوع الحكم بالحجية أو الحكم بجواز أو وجوب نسبته إلى الله تعالى. وتوضيح ذلك هو أن الفهم المنضم إلى الأمارة واجب الانتساب إلى الله، أو أن نقول إن وجود أمارة معتبرة مأخوذ في موضوع المراد الثانوي الإلهي من الخطابات القرآنية؛ أي أن الفهم المنضم إلى الأمارة هو مراد الله. في هذه الحالة، تكون الأمارات واسطة بالعرض لإحراز المراد الأصلي الإلهي أو الحكم الواقعي، وما يُجعل حقيقةً وتكون الأمارة واسطة إثباته، هو ذلك المراد الثانوي أو الحكم الثانوي للحجية وصحة الانتساب وغيره. وفي مقام نقد هذه الرؤية يجب القول:
1) لا قائل لهذه الرؤية، وكما يذكر المحقق الأصفهاني: «إن مثل هذا المنهج يخرج عن نطاق تعريف الحجية؛ لأن معنى حجية الظنون الخاصة هو جعل حكم مماثل للحكم الواقعي أو مراد مماثل للمراد الواقعي ليس كذلك» (الغروي، 1416: 52/1-53).
2) يستلزم مثل هذا الحكم تصويب وتبعية الحكم الواقعي لمعطيات الأمارات (الخوئي، 1419: 55/3).

د. تتميم الكشف

طُرحت هذه الرؤية في حاشية نظرية عقلائية الحجية وإمضائيتها:
«الطريقية، مثل الملكية والزوجية، هي من الاعتبارات العرفية التي أمضاها الشارع؛ أي أن الأمارات عند العرف، كالعلم، محرزة وكاشفة للواقع، وتطبيق العمل وفقًا للأمارات من لوازم الإحراز ووساطة الأمارة، وهذه الوساطة هي نفسها المجعول الأولي للشارع المقدس» (النائيني، 1417ق: 484/4-485). [2]
في هذه العبارة، يُتحدث عن جعل الطريقية، والمراد منه هو تتميم الكشف. وقد فهم البعض أن المراد من اعتبار العلم للأمارة هو شيء شبيه بالمجاز السكاكي، حيث يُعتبر المعنى المجازي فردًا ادعائيًا من المعنى الحقيقي. وبهذا، يُطرح التنجيز والتعذير في مصاف آثار ونتائج اعتبار العلم (الصدر، 1408ق: 379/1). وفي مقام النقد يجب القول:
1) التنجيز، سواء كان بحكم العقل أو من العقلاء، لا يترتب على فرد ادعائي (نفس المرجع: 380).
2) الطريقية، كصفة تكوينية للعلم، كيف يمكن جعلها بشكل مستقل؟ حتى في العناوين التي تُنتزع من حيثية تلبس المبدأ بحالة (مثل الملكية والزوجية)، يُطرح نفس النقاش.
3) يكتب الشهيد الصدر في نقد نظرية جعل الطريقية، بعد أن ينفي احتمال جعل واقع الطريقية ويفسر قصد النائيني بأنه جعل عنوان الطريقية، أن هدف المولى من هذا الجعل، إذا كان إظهار أهمية الحكم الواقعي، فلا فرق في هذه الحالة بين جعل الطريقية وجعل المنجزية، وإذا كان الهدف شيئًا آخر، فيجب إثباته (الصدر، 1408ق: 381/1).

هـ. تنزيل مؤدى الأمارة محل الحكم الواقعي

طرح الآخوند أولًا نظرية التنزيل ضمن دراسة إمكانية استبدال الأمارة بـ«القطع الطريقي المأخوذ في لسان دليل الحكم»، ويبدو أنها تختلف عن نظرية التتميم؛ لأن:
1) في نظرية التتميم، يعطي الشارع المقدس للأمارات صفة الكاشفية والطريقية التامة، لكي يكشف مضمون الأمارة عن الواقع ويكون منجزًا، أما في نظرية التنزيل، فيعتبر الشارع معطيات الأمارات بمثابة الحكم الواقعي (النائيني، 1368: 12/2).
2) نظرية التنزيل لا تتوقف على طريقية الأمارة، وإن كانت نظرية التتميم نتاجًا لوسيطية وطريقية الأمارات.
الإشكال المشترك في كلتا النظريتين هو عدم وجود أي دليل نقلي أو عقلائي على الطريقية أو التنزيل (الإمام الخميني، 1415ق: 106/1؛ نفسه، 1382: 112/2 و 142؛ نفسه، 1418ق: 140/6). [3]

و. إمضاء بناء العقلاء

بناءً على نظرية تتميم الكشف، تخرج الظنون الخاصة تخصصًا من موضوع أدلة المنع، ودليل بناء العقلاء عن طريق الحكومة والتصرف الادعائي في موضوع حكم الممنوعية، يجعل موارد الأمارات والأصول اللفظية حجة. ولكن يمكن توضيح نظرية الإمضاء في إطار التخصيص (الخروج الحقيقي) أيضًا. وتوضيح ذلك أن الشارع المقدس قد خصص من عمومات أدلة النهي عن اتباع الظن، موارد بناء العقلاء، وأجاز اتباع الظن في هذه الموارد، دون أن يعتبر لها كاشفية تامة وتتميم كشف. ويكمن الفرق بين نظرية الإمضاء وجعل المنجزية في تقرير بناء العقلاء على كاشفية الظنون وترتيب الأثر عليها في الأول (الإمضاء)، وتشريع المنجزية بالنسبة للآثار (مثل جواز الانتساب وغيرها) في الثاني (المنجزية). هذه النظرية أيضًا غير مقبولة:
1) لسان أدلة النهي عن الظنون يأبى التخصيص (النائيني، 1368: 501/1)؛ سواء في الآيات التي هي عامة من حيث الملاك فقط، أو في الآيات التي هي عامة من حيث المورد أيضًا. [4]
2) استقلال البناء العقلائي عن مسألة الكاشفية والطريقية، وإن كانت نظرية مقبولة، إلا أن اعتبار البناء العقلائي المبتني على إمضاء الشارع المقدس له ليس كذلك (الخميني، 1418: 299/6). [5]

3. الآراء؛ نقد ودراسة

توجد خلافات حول جريان نظرية الحجية في مجال فهم المعارف القرآنية. تدور بعض هذه الخلافات حول محوري النفي والإثبات، وبعضها يتناول بالتفصيل التمييز بين مجالات المعرفة التشريعية والحِكَمية (العقائد، المواعظ، القصص، الأخلاق)، أو يميل إلى مجاري الحجية (الأمارات الإمضائية والتأسيسية). يرى الموافقون أن الحجية التفسيرية هي من باب العلم التعبدي أو الاطمئنان النوعي، ويجعلون زاوية الكاشفية والواقعية للحجج التفسيرية، مع تأييد الشارع أو عدم معقولية المنع، [6] هي الملاك. ويسعى البعض الآخر إلى إيجاد سبيل لجريان المنجزية ورفع الحيرة العملية في التفسير. وقد يكون هذان التوجهان بسبب أن حجية الأمارات، بالإضافة إلى كونها نابعة من خاصية فعلية الحكم الواقعي في حق المكلف، فإنها تحكي عنه أيضًا، وبما أن الحكم الواقعي ذو جهتين نظرية (الكاشفية عن الإرادة، المصلحة، وغيرها) وعملية (الالتزام العملي)، فإن دليله أيضًا يحكي عن كلتا الجهتين. مع ذلك، فإن التوجه الأول لا يجري في الحجج الفقهية. ويتبع أصحاب هذين التوجهين نظريتين مختلفتين في إثبات الحجية؛ فالفريق الأول يميل إلى اعتبار مسألة الحجية أمرًا عرفيًا وعقلائيًا، ويختزلون دور الشارع في إمضاء السيرة العقلائية، بينما يسعى الفريق الثاني إلى تبيين مسألة الحجية حول محور التعبد. ويمكن أن يتأثر هذان التوجهان بنوع توقع المفسر من النصوص الوحيانية؛ أي هل يعتبرها المفسر مصدرًا لا يخطئ في تعريف العالم الخارجي وأداة متقنة في المعرفة، أم أنه يرجع إليها فقط كمرجع مشرِّع. في المقابل، خصص المنكرون نظرية الحجية للعلوم التي يسهل فيها مجال التعبد (راجع: الروحاني، 1413ق: 277/4)، ويرى البعض أنها تتعارض مع هواجس ودوافع المفسر (آملي لاريجاني، 1381: 168). في ما يلي، سندرس آراء الموافقين.

1-2. معاملة العلم مع الموارد المظنونة

تبنى هذه النظرية مجموعة من المحققين بآراء مختلفة:

1-1-2. حصول القطع من مراجعة مدارك الظن (العلم العرفي)

المراد بـ«القطع» في بحث الحجية الذاتية ليس فقط المعارف الموضوعية الناتجة عن مقدمات برهانية، بل هي حالة نفسية تنشأ أحيانًا من مقدمات تبعث على الاطمئنان، شريطة أن تكون عرفية:
«دليل حجية خبر الواحد إذا كان بناء العقلاء واستمرار سيرتهم – وهو الحق – فإنهم لا يفرقون بين موارد العلم والعمل، وفي جميع الموارد يتعاملون مع مضمون خبر الواحد كما لو كان قطعًا. فكما أن سيرة العقلاء لا تفرق بين أن تعتبر ظاهر الكتاب حجة وأن يخبر شخص عادل» (الفاضل اللنكراني، 1413ق: 174).
يُستفاد من ظاهر تعبير «معاملة اليقين» أن العلة المشتركة لحجية الظهورات وأخبار الواحد هي الحصول على العلم العرفي منهما؛ كما ورد في عبارة البعض أن «العلم العرفي» يعني الاطمئنان وسكون النفس وعدم الاعتناء بالاحتمال المخالف (الموسوي التبريزي، 1369: 136). ورغم أن آية الله معرفت يعتقد ببناء العقلاء في بحث الحجية، إلا أنه يرى أن المقصود ليس التعبد بالعمل، بل «العلم التعبدي» (معرفت، 1379: 23/2)، لكنه في مقالة له لا يرتضي تعبير العلم التعبدي بالنظر إلى إمضائية سيرة العقلاء، ويعتقد أن هذا الاعتبار من جانب العقلاء وإمضاء الشارع يعتمد على جانب الكاشفية التامة له، والتعبد لا سبيل له مطلقًا (معرفت، 1380: 144). معنى هذا الكلام هو أن خبر الواحد الثقة يفيد دائمًا معرفة يقينية بصدوره (لاريجاني، 1381: 167)، كما صرحوا هم أيضًا (معرفت، 1429، 1: 128). وفي نقد هذه الرؤية يجب القول:
1) ما المراد من قيد العرفية في حجية القطع؟ إذا كان معناه حجية نوعية للظنون، فهذا خلاف قاعدة حجية القطع؛ لأن القطع أمر شخصي وحجيته ذاتية لهذا السبب. أما إذا كان المقصود هو الحجية التعبدية، فيُرجع إلى البيانات اللاحقة.
2) الحجية في مصطلح علم الأصول تُطلق على الأدلة غير الموصلة لليقين، وقد لُوحظ ذلك في تعريف بعض الأصوليين (المظفر، بي‌تا: 12/2). ويتناقش الأصوليون حول ما إذا كانت الحجية من الأمور الاعتبارية (المجعول الأولي) أم انتزاعية (المجعول الثانوي)، بينما حجية القطع تكوينية وغير قابلة للجعل أو حتى الإمضاء.
3) وجود سيرة على حصول العلم من جميع الأخبار المستوفية لشروط الحجية ليس واضحًا، وفي حالة الشك، فإن شمول الدليل اللبي للسيرة العقلائية غير قابل للإثبات؛ لأن سيرة العقلاء ليس لها إطلاق لفظي.
4) من غير المعقول أن نعتبر حجية الظنون الخاصة تامة، ثم نقول بوضع شروط لها من جانب الشارع.
5) حسب رأي لاريجاني، «الظن ليس سوى وجود احتمال الخلاف، وقد منعت الآيات والروايات المتعددة العمل بالظن، إلا إذا خُصص ظن خاص بدليل» (لاريجاني، 1381: 160).

2-1-2. الحكم التعبدي للشارع على كاشفية الظنون (العلم التعبدي)

يُستنبط من ظاهر رأي آية الله الخوئي أنه لا فرق بين تعابير «التعبدي» و«الإمضائي»، ويعتبر أن مجراها يشمل الأمور التاريخية والتكوينية باستثناء أصول العقيدة (الخوئي، 1417: 236/1-239؛ نفسه، بي‌تا: 398/1-399). وفي مقام النقد يجب القول:
1) ما المراد من الحكم التعبدي؟ الظاهر أن المقصود ليس أخذ الحالة النفسية للظن في موضوع دليل حجية الظنون؛ لأنه من الواضح أنه في دليل أي من الأمارات، لم تؤخذ الحالات النفسية كموضوع لحجية تلك الأمارة.
2) السيرة العقلائية في مثل هذه الموارد التي يُبحث فيها عن مراتب المعرفة التكوينية، غير قابلة للإمضاء التشريعي؛ لأنه لا يمكن التعبد الشرعي بحصول أو انتفاء الأمور التكوينية. بعبارة العلامة: «في القضايا التاريخية والأمور الاعتقادية، لا معنى لجعل الحجية؛ لأن الشارع لا يستطيع أن يجعل أمرًا غير علمي علميًا ويتعبد الناس به» (الطباطبائي، 1417: 351/10).
3) التعبد بالظنون في مجال التفسير، حيث يُطرح بحث المعرفة والإدراك، لا أثر شرعي له، وجعل الحجية في هذه الموارد لغو لا يصدر عن الحكيم.

3-1-2. ترتب آثار العلم تعبديًا على موارد الظنون الخاصة

ربما يمكن فهم كلام الخوئي بهذا المعنى. هذه الرؤية ممكنة فقط عندما تكون الأمارة الظنية في خطاب مستقل موضوعًا للحكم بترتيب آثار العلم عليها. بصرف النظر عن عدم وجود مثل هذا الخطاب، ففي موارد وجود الأمارات الظنية على الآيات الحِكَمية، لا يترتب أي أثر شرعي على العلم بها حتى يمكن توسيعه ليشمل مورد الظن. مسألة صحة الاستناد والارتباط القلبي هي أيضًا أثر تكويني للعلم، لا يمكن تشريعه ولا حتى إمضاؤه:
«إذا توصلنا بعد التحقيق إلى ظن، فهل يحل هذا الظن محل العلم ويمكن ترتيب آثار العلم عليه؟ كلا، على الرغم من أنها من الظنون الخاصة ومورد تبعية العقلاء في الأمور المتعلقة بمعاشهم ومعادهم. إن عدم إمكانية استبدال الظن بالقطع في آثار مثل التدين والتسليم والارتباط القلبي وغيرها، يرجع إلى أن هذه الآثار عقلية وتختص بالعلم، وفي هذه الحالة لا يمكن ترتيب تلك الآثار على الظن بسبب كونها عقلائية…» (العراقي، 1417ق: 193/3). [7]
القاسم المشترك بين القراءتين الأخيرتين هو مراعاة المعنى الاصطلاحي للحجية في الفقه؛ أي أننا نسعى لإثبات الحجية الشرعية من جانب الشارع المقدس. والإشكال المشترك هو أنه بافتراض التعبد، لا تُحل مشكلة العقيدة؛ لأننا في تفسير الآيات الإلهية نسعى لكشف الحقيقة من خلال الوصول إلى المراد الإلهي، وبحسب قول آية الله مصباح: «نحن في العقائد نتعامل مع ما هو واقع، ونحتاج إلى اليقين لنلتزم به، والأمارات الشرعية ظنية» (مصباح، 1389: 10). وفي العقائد، العلم لازم، والظن غير العلم، ولا دليل على كفاية أو لزوم الوصول إلى الظن (الأنصاري، الفرائد، 281/1). ويمكن طرح هذا الإشكال في مجال مطلق الآيات الخبرية (بما في ذلك القصص) التي يكون العلم بها شرطًا تكوينيًا لعقد القلب (لاريجاني، 1381: 171).

2-2. عقلائية الحجية في الظنون الخاصة

يُطرح هذا الدليل خلال بحث إفادة الظنون للعلم أو معاملتها معاملة الدليل العلمي من قبل العقلاء، ولكن يمكن اعتباره دليلًا مستقلًا أيضًا. الحجية من حيث الحكم ثلاثة أنواع:
أ. تعبدي: حكم الشارع بعد حكم العرف وبغض النظر عنه؛ في هذه الحالة تتشكل حجية شرعية مولوية.
ب. عقلائي إمضائي: حكم العرف وإن كان موجودًا، لكنه لا يكفي، ورضا الشارع لازم، سواء بالقول أو الفعل أو التقرير. وفي هذه الموارد تُفترض أربع حالات:
1. الحكم من حيث الملاك عقلائي ومن حيث المورد عرفي.
2. ملاكه عقلائي ولكن مورده ليس عرفيًا.
3. ليس عقلائيًا ولا عرفيًا، بل هو مورد عمل بعض المعاصرين والشارع لم ينه عنه.
4. عكس الحالة الثانية.
القسم الثاني ليس له احتمال وقوع، والقسم الثالث يندرج تحت أقسام التعبدي. وبناءً على ذلك، فإن الصورة الأولى والرابعة فقط نعتبرها حكمًا عقلائيًا إمضائيًا. وفي هاتين الصورتين، قد يمضي الشارع كل ما هو شائع، وقد يكون التأييد جزئيًا وخلال التأييد يقوم بالإصلاح والإكمال. ويكتمل البناء العقلائي أحيانًا بتوسيع أو تضييق نطاق الموضوع، وأحيانًا بالارتقاء أو التنزل بالحكم (من الوجوب إلى الاستحباب وما شابه ذلك).

ج. عقلائي محض: عندما يكون الحكم مستندًا إلى العقل وبناء العقلاء، ولأسباب ما، لا يوجد إمكانية للردع، وبالتالي للإمضاء، من جانب الشارع. إن مواكبة الشارع المقدس في هذه الموارد تختلف عن مسألة الإمضاء؛ فالإمضاء يتشكل في ضوء السنة القولية والتقريرية، أما مواكبة الشارع فتكون أحيانًا لمجرد الإرشاد، دون أن يستلزم ذلك حكمًا من الله تعالى؛ مثل أحكام العقل العملي كحسن العدل وقبح الظلم. وأحيانًا لا تستلزم المواكبة الإرشاد أيضًا، بل لأن الشارع من العقلاء وخالق العقل، فهو يواكب سيرة العقلاء؛ مثل مسألة الظهورات. إذن، تُطرح أربع فرضيات حول نظرية عقلائية الحجية:
1 و 2) أحكام إمضائية، سواء كانت تامة أو غير تامة (أي أحكام بمشاركة الشارع).
3) إرشادية غير إمضائية.
4) عقلائية محضة (غير إمضائية وغير إرشادية).
القسمان الثالث والرابع، لكونهما خارج نطاق تصرف الشارع المقدس، لا يمكن تسميتهما حجة شرعية. والتمسك بالظنون في هذه الموارد وإن كان نافذًا، إلا أنه ليس بسبب حجيتها الشرعية. وبناءً على ذلك، تقتصر الحجية الشرعية العقلائية على الفرضين الأول والثاني، علمًا بأنه لا أحد يعتقد بالفرض الثاني، وبهذا يبقى الفرض الأول فقط قابلًا للدراسة.
فيما يتعلق بالفرض الأول، تبنى بعض المحققين ذلك على أساس إفادة العلم التكويني أو تتميم الظنون الخاصة تعبديًا وتنزيلها منزلة الدليل العلمي، وقد تم نقد كل ذلك. لكن البعض قبلوا هذه الرؤية مع الالتزام بإفادة الظن ودون الحاجة إلى عمليات التتميم. في رأيهم، تتشكل الحجية التفسيرية على أساس بناء عقلائي وتصل إلى إمضاء الشارع، والحجية الفقهية التي تعتمد على العمل، تتشكل على أساس التوسع التعبدي في بناء العقلاء. مبنى هذه الرؤية هو أننا نعتبر الحجية في التفسير والفقه ليس بمعنى المنجزية والمعذرية، بل بمعنى الطريقية؛ مع فارق أن الشارع في مجال الفقه قد توسع في دائرة الوثوق النوعي، واعتبر الأمارات الظنية المعتبرة (غير المطمئن بها) كاشفة عن الواقع (إحساني فر، 1387: 10-12). على الرغم من أن أخبار العقلاء عادة ما تكون مصحوبة بكشف تام، إلا أن التشكيك في هذا المفهوم أدى إلى أن يكتفي عرف العقلاء بهذا القدر من الكشف. ومن ناحية أخرى، لا يوجد دليل عقلي أو تعبدي على أن كل قضية كلامية تحتاج إلى إيمان جازم، وماهية مفاهيم مثل المعرفة والإيمان والاعتقاد والتصديق لا تقتضي القطع.
يختلف هذا الرأي عن الرأي الأول في القراءة التي تُقدم من مسألة الوثوق، وبناءً عليه، لا يُعتبر الوثوق علمًا عاديًا، بل اطمئنانًا عرفيًا أو نوعًا من الظن القوي الذي لا يرتب العقلاء أثرًا على احتمال الخلاف معه، على الرغم من أنهم لا ينفونه. ويوضح الكاتب في شرح مراده من الوثوق النوعي أنه مقياس من الوضوح والانكشاف يصدق عليه اسم الكشف والتفسير والدلالة، وبالطبع يختلف الوثوق النوعي باختلاف الأخبار. ويواجه هذا الرأي تحديات كالتالي:
1) ليس من الواضح ما إذا كان ملاك بناء العقلاء هو «حصول الاطمئنان» أم «الحزم والاحتياط»؛ لذلك، يتوقف العقلاء في الأمور التي يكون فيها الاحتياط في خلاف العمل، أو يجرون مزيدًا من التحقيق.
2) مسألة الاطمئنان النوعي هي حالة تكوينية، ينفي العقلاء في أعقابها احتمال مخالفة الشارع، وهذا بسبب الطمأنينة التي تحصل بشكل تكويني. ونرى نماذج لذلك في فهم عرفي آخر مثل إلغاء الخصوصية من الموضوع، وبناءً عليه نحكم بانصراف عمومات حرمة القياس عن هذا المورد. هذه السيرة والنهج لا تكشف عن إمضاء الشارع المقدس؛ لأن التحرز من أمر تكويني أو إمضاؤه غير ممكن، وبناءً عليه، لا يمكن الحكم بالجواز الشرعي للعمل وفقًا للظن.
3) أن يكون للعقلاء في جميع موارد الظنون الخاصة، حتى خبر الواحد الذي هو محل بحثهم، مثل هذا النهج ليس أمرًا مسلمًا به. وبحسب قول البعض: «بناء العقلاء يوجد فقط في المسائل السلوكية والعملية التي يستحيل فيها تحصيل العلم أو يصعب، أما في المسائل الرياضية والمنطقية والفلسفية وما شابهها، فيُهتم فقط بنتاج العقل النظري الذي هو العلم» (عزيزان، 1391: 265). وبالطبع، بعض أنواع الظنون مثل الظهورات اللفظية مطمئن بها ومورد اهتمام العقلاء، وهذا يختلف عن حجيتها الشرعية.
4) بافتراض قبول هذه السيرة، فإنها تختص بالموارد التي لا يكون فيها احتمال الخلاف قويًا، بينما في مجال التفسير، الكثير من الأخبار والظهورات الابتدائية غير قابلة للاعتماد.

5) الحجية العقلية/العقلائية في أحاديث مجال التفسير والقصص لا تجري نظرًا لكثرة التلاعب والوضع فيها، إلا بمقدار ما توجد قرينة يقينية على صدورها، بالإضافة إلى صحتها من حيث المتن (الطباطبائي، 1417: 9: 211).
6) بافتراض قبول هذه النظرية، فإن الشارع المقدس، دون تدخل في بناء العقلاء، قد أقر بسيرتهم، على عكس الفقه الذي توسع تعبديًا في دائرة الحجية من خلال النصوص الشرعية، وأضاف على سبيل المثال حجية خبر الثقة في الأخبار العلاجية، والحجية في ظرف الشك والتحير، أو التخيير في ظرف تعارض الحجتين. فهل يقبل مدعي حجية خبر الواحد في التفسير أن مثل هذا التوسع يجري في الفقه فقط ولا يوجد في التفسير؟

3-2. الالتزام بوجود ثمرة وأثر في الحجية التفسيرية

تسعى هذه النظرية، بتفسيرها للحجية بالمنجزية والمعذرية والالتزام بتعبديتها، إلى إدراج الفهم التفسيري ضمن مسائل الفقه، والالتزام بوجود آثار شرعية لها. وفي هذا السياق، توجد بيانات مختلفة حول «الأثر التعبدي»:

أ. تلقي الحكم كأثر

كما نعلم، التعبد جائز في شيء إما أن يكون له أثر شرعي أو أن يكون هو نفسه أثرًا شرعيًا. التعاملات الاجتماعية للعقلاء مع بعضهم البعض – ومنها قوانين المحاورة وغيرها – هي من النوع الثاني؛ أي أنها، كأي فعل آخر، لها أثر وحكم شرعي، ويمكن للشارع أن يلزم العقلاء بنوع خاص من السلوكيات الاجتماعية أو ينهى عنها. هذا الاحتمال لا قائل له وجوابه واضح؛ لأن الأثر الشرعي هو علة الحكم الشرعي لا معلوله أو نفسه.

ب. تعميم الأثر لـ«الأعمال الجوانحية»

يعتقد البعض، بتعميم نطاق «العمل» ليشمل «الأعمال الجوانحية»، أن فهم كلام الله كوظيفة عملية جوانحية، مطلوب من الله تعالى، وتُطرح مسألة التفسير كمسألة فقه جوانحي:
«تبيين مراد الله من آيات القرآن بشكل مطلق يقع في نطاق حاجة الشارع؛ فكما أن الشارع في تبيين الأحكام الفقهية قد أمضى سيرة العقلاء، فإنه في تبيين مراد الله من القرآن – الذي هو قمة كل التشريعات – قد أمضى سيرة العقلاء أيضًا. وتُعتبر الموارد العلمية نوعًا من العمل، وفي الحقيقة تنقسم الأعمال إلى قسمين: جوارحية وجوانحية» (فاكر ميبدي، 1393: 204).

ج. «صحة الانتساب»

يعتبر البعض «صحة الانتساب» (الروحاني، 1413: 328/4) كأثر شرعي:
«إذا كان مستند حجية خبر الواحد هو الأدلة الشرعية التعبدية، فيجب القول بأنه لا يوجد في هذه الأدلة شيء باسم «الحجية» يمكن تفسيره بالمنجزية والمعذرية في باب التكاليف. فمثلًا، إذا أثبت مفهوم آية النبأ حجية خبر الواحد… فمعنى حجية خبره هو أنه يمكن الاستناد إليه؛ سواء كان مورد عمل أم علم» (الفاضل اللنكراني، 1413ق: 174).
هذا الرأي هو تقرير آخر لوحدة ماهية الحجية، حيث يحاول في إطار الالتزام بالموضوع ربط مسألة الفقه بالتفسير. ظاهر العبارة يوحي بأن الله تعالى يقوم بجعل الإيمان والتبيين والإذعان وغيرها. والحال أن:
1) هذه الأمور تندرج ضمن الأفعال التكوينية للنفس ولا يمكن اعتبارها، وجواز شرعي لإيمان تفسيري، أو صحة انتساب رأي إلى الله، بعد حصول العلم بالمراد، هو لازمة عقلية له، ولا معنى لتشريع مستقل في هذا الشأن (العراقي، 1417ق: 193/3).
2) أن نعتبر صحة الانتساب أو الالتزام والاعتقاد وغيرها أثرًا شرعيًا هو أيضًا محل تردد؛ لأن المراد من الأثر الشرعي هو أثر يُتصور للموضوع، بمعزل عن الحجية، لا أثرًا هو نتيجة وبروز للحجية. صحة الانتساب وغيرها هي نتيجة وأثر لـ«الحجية»، لا أثر لـ«الموضوع». في حالة خبر الواحد، فإن مضمون الخبر التعبدي كأثر عملي مقبول، أما صحة الانتساب والالتزام، فهما أثر لحجية الخبر. وعلى هذا الأساس، نحصر مسألة الحجية في الأخبار الفقهية ولا نشمل بها مجال المعتقدات. إذا قلنا إن صحة الاستناد ليست لازمة للحجية، بل هي لازمة للمعرفة (الإيمان الصادق الموجه)، فحينئذٍ تكون صحة الاستناد لازمة عقلية للعلم، ويتكرر نفس الإشكال. يشير الشيخ الأنصاري في إشارة إلى المطلبين السابقين ويكتب:
«وجوب التدين من آثار العلم بالمسألة الأصولية، لا من آثار الحكم نفسه، واعتبار الظن الخاص بمعنى ترتيب الآثار المترتبة على الأمر المظنون نفسه، لا الآثار المترتبة على العلم به» (الأنصاري، بي‌تا: 557/1-558).
3) بافتراض أننا نستطيع نسبة الروايات التفسيرية، بعد أن شملتها أدلة الحجية، إلى الله تعالى أو نلتزم بها، فلا يمكننا بناءً عليها أن نحصل على اعتقاد حول المعاد أو التفسير وغيره؛ لأن التفسير من مقولة فهم كلام الله، وهو أمر تكويني (آملي لاريجاني، 1381: 168-169).
4) لا يمكن اعتبار الانتساب مطلوبًا إلهيًا. «كشف مراد الله» عمل جوانحي ومطلوب للمولى، أما انتساب الفهم إلى الله تعالى فليس له مطلوبية حتى يُشرَّع.
5) يُستفاد من منطق وروح تعاليم القرآن أن أي نوع من الإيمان والإذعان، وإن كان صحيحًا، ليس مطلوبًا للمولى، ولا يكون مطلوبًا إلا إذا تم الحصول عليه من مقدمات علمية.
6) بحسب قول العلامة مصباح: «ما المراد من صحة الانتساب (الاعتقاد، الإذعان، وغيرها)؟ بالضرورة، ليس المراد الانتساب القطعي، لأن بحثنا يدور حول أمور ظنية. والانتساب الاحتمالي ليس في الواقع انتسابًا» (مصباح، 1389: 9).
7) الاتجاه الحُجّي في التفسير ينزل بمنتج عمل المفسر إلى حد «الوصول إلى حجة على الفهم»، ويجعل منال «الوصول إلى مراد الله» بعيد المنال. وبفرض إمكانه، فإنه يكون جائزًا فقط عندما لا يوجد سبيل للعلم بمراد الله، أو يكون شاقًا، ومن ناحية أخرى، يثبت أن الرجوع إلى القرآن وفهمه تكليف إلهي؛ والحال أن كلتا المقدمتين تواجهان ترددًا.
8) نفس الأمر لمعارف القرآن ليس من سنخ «الاعتبار»، وماهية المعارف الإلهية تختلف عن الأحكام التشريعية. وبناءً عليه، لا يمكن تصور مراحل «الإنشاء» و«الفعلية» و«التنجز» لها. يكتب آية الله مصباح في هذا الصدد: «المنجزية والمعذرية تتعلقان بالأعمال الجوارحية، ولا يمكن، بإنشاء أمر شرعي، تكليف المفسر باعتقاد أو إيمان خاص، بل الشيء الوحيد الذي يحدث نتيجة الرجوع إلى الأمارات الظنية هو تأثيرات تكوينية تحول الاحتمال إلى ظن، والظن إلى اطمئنان، وربما تمتد إلى حد اليقين العرفي» (مصباح، 1389: ص 7-8).

د. التدين كأثر عملي لحجية الظنون

يعتبر البعض، ضمن بحث اعتبار خبر الواحد الاعتقادي، أن هذه المسألة نابعة من بحث «الهدف الأساسي في الاعتقادات»، ويقولون: «إذا اعتبرنا أن الهدف الأساسي في الاعتقادات هو التدين – وهو من جملة الأفعال – ففي هذه الحالة يمكن اعتبار أثر عملي للتعبد بالظنون الاعتقادية كالظنون الفقهية» (برنجكار، 1392: 79). وبحسب قوله: «التدين أمر اختياري، والاعتقادات جزء من الدين وأمور حقيقية يجب على كل شخص شرعًا الإيمان بها» (حسين زاده ومحمدي، 1389: 142-144). وفي نقد هذا الرأي يجب القول:
1) الأدلة القرآنية الناهية عن تقليد الأسلاف، بالنظر إلى محتواها العقلائي، ليست قابلة للتخصيص؛ لأن العقلاء لا يفرقون في منع التقليد بين الأمور الاعتقادية. النقطة المقابلة للتقليد هي التوجه المستند إلى البرهان والسلطان والعلم؛ لذلك، فإن تحصيل العلم في أصول العقائد لازم. وبالطبع، يحصل العلم أحيانًا من خلال الأدلة العقلية، وأحيانًا من خلال الرجوع إلى الخبراء الموثوقين، وهذه المسألة تختلف عن التقليد، كما أن الشخص العاجز عن تحصيل العلم يخرج تخصصًا من موضوع البحث (الأنصاري، بي‌تا: 281/1).
2) ليس صحيحًا أن التدين لازم بل ومطلوب في جميع تفاصيل عالم البرزخ والمعاد وغيرهما (الشهيد الثاني، 1420: 45).

هـ. إلغاء الخصوصية من الأثر العملي

استنادًا إلى بعض عبارات الإمام الخميني، ظن بعض الكتاب أن المعيار في صحة التعبد هو عدم اللغوية، وهذا أعم من الأثر الشرعي. وبالطبع، فإنهم في بحث حجية الخبر بالواسطة، نظرًا لترتب الأثر الشرعي على حجية السنة، مالوا إلى هذه النظرية (ناصح، 1382: 52). ومن الجدير بالذكر أن حل عدم اللغوية في عبارة الإمام يعني الالتزام بالحجية في الموارد التي يكون فيها الدليل الظني، وإن كان بالواسطة وبالمآل، ذا أثر شرعي (الإمام الخميني، 1382: 194/2). وسبب هذا الأمر واضح؛ لأن الشارع المقدس، من حيث هو شارع، ليس له موقع سوى تشريع الأحكام والآثار الشرعية، وكل أحكامه الوضعية والتكليفية لها أثر شرعي، وتُجعل من زاوية إفادة الأثر الشرعي، وإذا كان الأمر غير ذلك، لكان عملًا لغويًا.

الاستنتاج

أ. نظرية الحجية، على الرغم من قبولها في الفقه بسبب وجود أثر شرعي في القوانين الإلهية، إلا أنها غير مقبولة في التفسير بسبب فقدان الأثر الشرعي، وقد باءت محاولات بعض المحققين لإثبات أثر شرعي بالفشل. وبالطبع، سواء قبلنا هذه النظرية في التفسير أم رفضناها، فإنها لا تختص بخبر الواحد، بل تشمل جميع الحجج مثل الإجماع، والسيرة، والقول اللغوي، والقياس، وشرائع من سبق، وجميع موارد الظنون الخاصة. حتى الظهورات والأصول اللفظية، بافتراض إفادتها للظن، مشمولة بقوانين الحجية (لاريجاني، 1381: 164؛ عرب صالحي، 1393: 43).
ب. في تحليل اعتبار المصادر والأدوات والمناهج التفسيرية، إما أن يُبحث عنها دون الحاجة إلى ضميمة إمضاء الشارع، أو أن يُستند إلى سنة الإمضاء أو التوقيف من الشارع. تُطرح نظرية الحجية فقط في الفرض الثاني، وفي الفرض الأول، حتى لو صدر بيان من الشارع موافقةً وإرشادًا لحكم العقل والعقلاء، فلن تتشكل حجية شرعية، وإن كان الشارع قد عمل به (الخميني، 1418ق: 23/6). وبهذا، فإن النسبة بين «الحكم الإمضائي» و«الخطاب الإرشادي» هي نسبة الخاص إلى العام. ومسألة الاطمئنان النوعي، التي يستحيل مخالفة الشارع لها خشية تفكك المجتمع، تعود إلى الصورة الأولى.
ج. اعتبار الظنون والأمارات في الفقه والتفسير، سواء تم الحصول عليه من أحد طريقين: المنجزية أو الطريقية، يعني الحجية الشرعية لها. ويُطرح «بناء العقلاء على الاعتبار» غالبًا في إطار نظرية الطريقية، وإن كان بعض المفكرين قد طرحوه مستقلًا عن المسارين الآخرين ولم يعتبروه مشمولًا بنظرية الحجية (الخميني، 1418: 299/6).
د. الالتزام بنظرية الحجية، بالإضافة إلى تحدي فقدان الأثر الشرعي، يتعارض أيضًا مع رسالة التفسير التي هي كشف المراد الإلهي، وهذه المسألة لا تختص بالآيات الحِكَمية، بل تشمل الآيات التشريعية أيضًا. لا يمكننا أن نجعل البحث في حجية الروايات التفسيرية في مختلف مجالات المعرفة القرآنية تابعًا لحجية واعتبار الروايات في تلك المجالات، بل يجب تحليله من زاوية الرسالة التي يعرفها المفسر لنفسه.
هـ. الالتزام بعدم جريان نظرية الحجية في الأمارات والأصول اللفظية لا يعني سلب الاعتبار منها؛ لأن هذه النظرية هي إحدى مسارات إحراز الاعتبار. فهناك محققون مثل الإمام الخميني، مع إنكارهم لجريان الحجية في الأمارات، يعتبرونها معتبرة، ويتلقون موقع الشارع باعتباره «أحد العقلاء» في المواكبة على أساس ذلك (الإمام الخميني، 1415ق: 105/1-106).

الهوامش

1. كل النظريات الثلاث، على الرغم من أنها تسير في مسار كشف المراد الإلهي وتتفق في أمور مثل الحجية الذاتية للعلم، وكون بعض مسالك الفهم مفيدة للعلم، والأصل الأولي في عدم حجية الظنون، إلا أن نظرية العينية تهتم بكشف المراد الإلهي القطعي، ونظرية الخبروية تبني ماهية وآلية الفهم المعتبر على المعايير الخبروية السائدة في العلوم (مصباح، 1389: 5-14).

2. يُستفاد من عبارة بعض الأعلام أننا نواجه أربع نظريات: تنزيل مؤدى الأمارات منزلة الواقع، تنزيل الظن منزلة القطع، إعطاء الكاشفية والطريقية، وتتميم الكشف (الإمام الخميني، 1415ق: 105/1-106). عادة ما يُشار إلى النظرية الأولى باسم نظرية التنزيل، ويُطلق على النظريات الثلاث الأخرى اسم التتميم.

3. بالطبع، يرى الخوئي أن هذه النظرية مأخوذة من نظرية الطريقية، ويعتقد أن هذا التنزيل يتشكل عندما يكون جانب كون الأمارات أمارات وكاشفة محل اهتمام الشارع (الخوئي، 1419: 55/3). ويكتب الفيروزآبادي أيضًا: «عودة الفرق بين نظريتي التنزيل والتتميم إلى ما إذا كانت الأدلة ناظرة إلى تتميم الكاشفية ليُستنتج منها جعل الأحكام الظاهرية، أم أنها جعل للأحكام الظاهرية ليُستنتج منها جعل الحجية» (الفيروزآبادي، 1400ق: 91/4).

4. من اللافت للنظر أنه، بناءً على اعتقاد بعض المحققين، فإن مبنى اعتبار الأمارات والظنون الخاصة ليس كاشفيتها، بل استقرار بناء العقلاء على العمل بها (الخميني، 1418ق: 299/6). في هذه الحالة، تُطرح آلية إمضاء بناء العقلاء بشكل مستقل عن كاشفية الظنون.

5. مثل آية «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (الإسراء: 36). وبالطبع، وفقًا لرأي سماحة الإمام، فإن هذه الآيات إما أنها مبنية على ملاك ومورد خاص، أو أنها لا تأبى التخصيص (الإمام الخميني، 1415ق: 275/1).

6. طرح نظرية عدم معقولية الردع في ذيل أدلة القائلين بالحجية، يحكي عن عدم اتفاق نظر الموافقين والمنكرين في تعريف «الحجية»؛ لأن مخالفي الحجية أيضًا، لإثبات نظريتهم، يستندون إلى عدم معقولية الردع أو استبعاد الردع، أو يخرجون مسألة الوثوق الشخصي عن محل الكلام (الطباطبائي، 1417، ج8، ص141). وبالطبع، المعيار في هذا الوثوق نوعي وليس شخصيًا. أساسًا، لا معنى لأن نجعل الحجية دائرة على الحالات الشخصية (الخميني، 1418، ج5، ص301).

7. كما سيأتي (2-3: د)، فإن فلسفة وجود «الأثر العملي» في موارد جعل الحجية هي خروج عمل المولى عن اللغوية. بهذا الترتيب، في لزوم وجود الأثر العملي، لا فرق بين المسالك المختلفة (الطريقية، التنجز، أو بناء العقلاء).

Scroll to Top