حل تعارض الروايات التفسيرية لابن عباس (دراسة حالة: الروايات التفسيرية لآيات الصيام)

ملخص

يُعدّ عبد الله بن عباس من مشاهير صحابة النبي (ص) ومن المفسرين البارزين. وقد أدت شهرته في مجال التفسير إلى نسبة روايات موضوعة ومتعارضة إليه، ومنها الروايات المتعلقة بالصيام. تتناول هذه المقالة، بالاعتماد على المنهج المكتبي وتحليل البيانات، حل التعارض في روايات الصيام، حيث يتعلق قسم منها بنسخ أو عدم نسخ الآية 184 من سورة البقرة، وقسم آخر بمسألة الإفطار أو عدمه في السفر. وقد خلصت الدراسة إلى ترجيح الروايات الدالة على عدم نسخ الآية المذكورة وروايات وجوب الإفطار في السفر، وذلك استناداً إلى معايير مثل موافقة السياق، وأقوال اللغويين، وترجيح روايات الأكثر على الأقل، وغيرها. وفي الوقت نفسه، وبالنظر إلى تطابق 80% من روايات ابن عباس التفسيرية مع روايات الأئمة (ع)، وموقفه العقائدي-السياسي الموافق لهم في الدفاع عنهم، وكذلك تصريح ابن عباس نفسه بتلقي العلم عن الإمام علي (ع)، تُقدِّم هذه الدراسة معياراً مستقلاً كأحد المرجحات الخارجية لحل هذا التعارض، وهو مطابقة رواياته مع روايات أهل البيت (ع).

1. طرح الإشكالية

ابن عباس من أشهر مفسري الصحابة. وقد أدت هذه الشهرة والذيوع في التفسير إلى أن الوضاعين، بالتزامن مع نشرهم للعلم بواسطته في أرجاء العالم الإسلامي، قد اختلقوا على لسانه روايات ونسبوها إليه. ولعل وجود بعض الأحاديث الموضوعة والمكذوبة المنسوبة إليه يمكن اعتباره دليلاً على مكانته القيمة في نظر الوضاعين الذين كانوا يرغبون بشدة في عرض أحاديثهم المختلقة باسم وشهرة شخص له صيت علمي كبير. ولهذا السبب، يُلاحظ في بعض المباحث التفسيرية أنه فيما يتعلق بموضوع واحد، نُقل عن ابن عباس رأيان مختلفان في الوقت نفسه. وبناءً على ذلك، يرى بعض المحققين أن القول بعدم صحة معظم الأحاديث التفسيرية المتبقية عنه ليس بعيداً عن المتوقع. ومن هؤلاء الأفراد الشافعي الذي يقول: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث» (السيوطي، 1421هـ، 2: 499).

ونُقل عن ابن حجر العسقلاني أيضاً: «روى البخاري عن ابن عباس في التفسير وغيره مائتين وسبعة عشر حديثاً، بينما روى عن أبي هريرة أربعمائة وستة وأربعين حديثاً» (ابن حجر، د.ت، 476-477). كما أن الذهبي، مع إقراره بكثرة الروايات الواردة عن ابن عباس، يقول: «قد يُرى في موضوع واحد عدة روايات بأسانيد وطرق مختلفة؛ بحيث لا تكاد توجد آية في القرآن إلا وقد نُقل عن ابن عباس في تفسيرها قول أو أقوال، وهذا الأمر هو الذي دفع نقاد الأثر ورواة الحديث إلى التوقف عند رواياته الكثيرة والنظر إليها بعين الشك» (الذهبي، 1381هـ، 1: 77).

كذلك، شكك بعض علماء الشيعة في صحة روايات ابن عباس عند دراستها من حيث الكثرة والتناقض. ويعتقد محمد تقي الحكيم أنه لا يمكن تأكيد صدور معظم هذه الروايات عن ابن عباس؛ لأن عمر شخص واحد، مهما طال، لا يكفي لكل هذه الروايات؛ كما أن التناقض والاضطراب في محتوى هذه الروايات واسع الانتشار لدرجة أنه لا يمكن العثور على موضوع أو واقعة واحدة لم يُنقل عنه فيها أكثر من قول واحد (الحكيم، 1423هـ، 2: 106).

من وجهة نظر هؤلاء العلماء النقاد، فإن علل هذا الوضع المتشعب هي مسائل متنوعة ومتعددة، ولكن لا شك أن المكانة العلمية البارزة لابن عباس، التي كانت ضماناً لقبول الأقوال المنسوبة إليه، وكذلك ارتباط مؤسسة السلطة، أي العباسيين، به، تُعد من بين هذه العوامل (لمزيد من التوضيح، راجع: معرفت، 1377ش، 216-217). وبالنظر إلى ما قيل، فإن تقييم ادعاء تعارض روايات ابن عباس، الذي طُرح بين العلماء المسلمين وفي القرنين الأخيرين بين المستشرقين أمثال شبرنغر (Goldfeld, 1981, 127)، ونولدكه، وشوالي (Berg, 2000, 132)، وغولدتسيهر (1405هـ، 83-104) وأصبح سبباً للتشكيك في اعتبار روايات ابن عباس، يحظى بأهمية بالغة. وبناءً على ذلك، في بحث تفصيلي حول هذا الموضوع، تم تحديد حجم الروايات التفسيرية المتعارضة لابن عباس، وتبيّن أنه من بين حوالي 6 آلاف رواية منقولة عنه في جامع البيان، وُجد التعارض والاختلاف في حوالي 200 حالة فقط (حوالي 10%)، وغالبيتها (حوالي 160 حالة، أي 78% من إجمالي الروايات المختلفة) هي من نوع التعارض الظاهري الذي يمكن حله بطرق مثل التخصيص، والتقييد، والتخصص وغيرها. وفقط عدد محدود (حوالي 40 حالة، أي 22% من إجمالي الروايات المختلفة) هي من نوع التعارض المستقر الذي يتطلب الدراسة والحل.

لذا، فإن ادعاء وجود تعارض في عدد كبير من روايات ابن عباس هو ادعاء يُنقل شفهياً فقط ولم يُقدَّم له دليل موثق وإحصائي دقيق. بالإضافة إلى ذلك، ما قدمه المستشرقون يقتصر على الاختلاف الظاهري في الألفاظ المترادفة، وليس تعارضاً بالمعنى الحقيقي. ونموذج من هذا النوع من الروايات المتعارضة يتعلق بأحد أهم المباحث الفقهية وهو الصيام، والذي سيتم دراسته وتقديم طرق حله في هذه المقالة. ولكن قبل دراسة الروايات، من الضروري توضيح مفاهيم مثل التعارض وأنواعه بشكل موجز.[1]

تجدر الإشارة إلى أن مسألة تعارض الروايات التفسيرية لابن عباس كانت منذ القدم محط اهتمام العلماء المسلمين والمستشرقين، الذين تناولوها ضمن بعض أبحاثهم؛ فغولدتسيهر في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»، أشار إلى اختلاف روايات ابن عباس ضمن بيانه للفترات والاتجاهات التفسيرية المختلفة. وكتاب «تكوين وتكامل التفسير في القرون الإسلامية الأولى» لهيربرت بيرغ، من خلال دراسة وثاقة روايات ابن عباس في تفسير الطبري[2]، اعتبر اختلاف رواياته عاملاً في إثارة الشك في اعتبارها. وقد أشار محمد تقي الحكيم أيضاً في كتابه «عبد الله بن عباس، شخصيته وآثاره»، ضمن دراسته لشخصية ابن عباس وحياته، إلى الشك في رواياته التفسيرية بسبب التعارض فيها. علاوة على ذلك، في بعض الكتب التي تتناول مناهج واتجاهات التفسير، مثل «التفسير والمفسرون» لمحمد حسين الذهبي، تم التطرق إلى هذا الموضوع باختصار. ولكن مع كل هذا، لم يتم حتى الآن إجراء بحث لاستخراج ودراسة وحل هذا النوع من التعارض في الروايات بالطرق الشائعة في حل التعارض، وكذلك بالنظر إلى مدى تطابق رواياته مع روايات الأئمة (ع).

2. خلفية البحث في تعارض الأخبار

التعارض في الاصطلاح يعني تنافي مقتضى أو مدلول دليلين أو أكثر مع بعضهما البعض، بحيث يكونان متضادين أو متناقضين (الطهراني الحائري، 1366ش، 435). ويُعد بحث الاختلاف والتعارض في الأخبار من المشكلات الأساسية في علم الفقه ودراسات الحديث، والذي كان على مر التاريخ الإسلامي محط اهتمام العلماء والمفكرين المسلمين، لدرجة أنه أدى إلى تأليف أعمال متعددة في «مختلف الحديث». ونظراً لأن وجود الروايات المتعارضة هو من أهم أسباب وعوامل الاختلاف في الآراء والفتاوى المختلفة – وهي منتشرة في معظم الأبواب الفقهية وغير الفقهية – فإن الإحاطة والمعرفة الكاملة بها ضرورية لكل محدّث وفقيه. ولهذا السبب، يُعتبر «مختلف الحديث» من أهم علوم الحديث التي يُعدّ معرفتها ضرورية لعلماء هذا الفن، والتبحر فيها علامة على الاجتهاد (الشاطبي، 1421هـ، 4: 161). والجدير بالذكر أن هذا العلم يتطلب مقدمات، ولا يستطيع أي شخص الخوض فيه (الشهيد الثاني، 1408هـ، 126).

يونس بن عبد الرحمن (ت 208هـ)، ومحمد بن أبي عمير (ت 217هـ)، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274هـ) كتب كل منهم كتاباً بعنوان «اختلاف الحديث»، وهم من أوائل علماء الشيعة الذين تناولوا هذه المسألة. وبعدهم، يظهر أفراد مثل عبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن أحمد بن داود، حيث قام كل منهم بتأليف كتاب بعنوان «كتاب الحديثين المختلفين» في هذا المجال. أما أوسع تأليف شيعي في هذا الصدد فهو «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار»، الذي يتناول حل تعارض الروايات، وهو الأثر الوحيد المتبقي من بين الكتب المذكورة في هذا المجال (راجع: آقا بزرگ الطهراني، 1403هـ، 4: 202-204؛ الهاشمي خان عباسي، 1389ش، 70-71).

وقد شرع علماء أهل السنة أيضاً منذ أوائل القرن الثالث الهجري في تأليف كتب في هذا المجال، حيث يُعد ابن إدريس الشافعي مؤلف كتاب «اختلاف الحديث»، وابن قتيبة الدينوري مؤلف «تأويل مختلف الحديث» من أوائل الأفراد في هذا المجال (آقا بزرگ الطهراني، 1403هـ، 4: 202-204).

3. أنواع التعارض

التعارض نوعان: مستقر (واقعي، دائم أو غير ظاهري) وغير مستقر (ظاهري أو غير واقعي). في التعارض غير المستقر، يكون الدليلان متعارضين في الظاهر، ولكن بعد التدقيق والدراسة يتضح أن التعارض ليس واقعياً ومستقراً. فالمراد بالتعارض الواقعي هو أن الشارع والمشرّع لا يمكنه أن يريد مدلول كلا الدليلين، أما في حالة التعارض غير المستقر فالأمر ليس كذلك، وإرادة كليهما ممكنة. من هنا، يمكن الجمع بينهما بتطبيق قواعد الجمع العرفي، أي عن طريق التخصيص، والتخصص، والورود، والحكومة (السبحاني، 1376ش، 2: 214-215)، أما التعارض المستقر فلا يمكن حله بتطبيق قواعد الجمع العرفي (نفس المصدر، 220).

وفيما يتعلق بهذا النوع من التعارض، يوجد فرضان: الأول؛ التعادل، أي عدم وجود ميزة أو مرجّح في أحد الطرفين. الثاني؛ عدم التعادل، أي وجود مرجّح في الطرف الآخر. وفيما يتعلق بكيفية مواجهة التعارض المستقر في فرض التعادل، تظهر آراء متنوعة في المصادر الأصولية للشيعة وأهل السنة. على سبيل المثال، ميّز بعض أصوليي الإمامية المتأخرين في إجابتهم على سؤال «ما هو مقتضى القاعدة الأولية عند وقوع التعارض بين الأحاديث؟»، بين مبنيي «الطريقية» و«السببية»؛ بحيث أنه بناءً على مبنى الطريقية (أي أن الأمارات الشرعية، كالأحاديث، تعتبر حجة ودليلاً شرعياً لأنها في معظم الحالات ترشدنا إلى الحكم الواقعي)، وهو الرأي المشهور بين علماء الإمامية، فإن الأصل هو نفي كلا الدليلين (أي التساقط)، لأنه بالنظر إلى أن التعبد والالتزام بدليلين متعارضين والعمل بكليهما غير ممكن، يتضح أن الأدلة الناظرة إلى حجية الأحاديث تختص بغير موارد التعارض. وكذلك، ترجيح أحد طرفي التعارض على الآخر دون أن يكون له امتياز، هو ترجيح بلا مرجح (واعظ حسيني، 1408هـ، 3: 366).

على حد تعبير الآخوند الخراساني، على الرغم من أن التعارض يؤدي فقط إلى العلم بعدم انطباق أحد الدليلين على الواقع، فإنه بالنظر إلى احتمال خطأ كل منهما، لا يمكن الاستناد إلى أي منهما (آخوند الخراساني، 1412هـ، 2: 382-385). وتجدر الإشارة إلى أنه بناءً على مبنى الطريقية، تُعتبر نظرية التخيير مرفوضة في المصادر الأصولية (المظفر، د.ت، 2: 199-200). ومع تبني مبنى الطريقية، طُرح هذا البحث أيضاً بأنه بافتراض عدم إمكانية الاستناد إلى كلا الدليلين، أي التساقط، هل تبقى حجيتهما في نفي الحكم الثالث قائمة أم لا. على سبيل المثال، إذا كان مفاد دليلين متعارضين هو الوجوب والحرمة، فهل يمكن استناداً إليهما نفي أي حكم آخر مثل الإباحة؟ يرى الآخوند الخراساني والميرزا النائيني، كل منهما باستدلاله، بحجية هذا النوع للدليلين المتعارضين (راجع: آخوند الخراساني، 1412هـ، 385؛ الكاظمي الخراساني، 1404هـ، 4: 755-757).

ويرى الميرزا النائيني أن الدلالة الالتزامية للأدلة المتعارضة تقتضي عدم وجود حكم ثالث لموضع محل التعارض (للتوضيح، راجع: واعظ حسيني، 1408هـ، 3: 367-370). بينما على مبنى السببية (أي النظرية القائلة بأن ثبوت الأمارة الشرعية على حكم ما هو نفسه سبب شرعي لهذا الحكم)، فإن المقتضى الأصلي في تعارض الأدلة هو التخيير. لأنه بصرف النظر عن أي نوع من السببية هو المراد، فبما أن العمل بمفاد كلا الدليلين ينطوي على مصلحة، فإنه في الواقع يحدث بينهما تزاحم ويجب القول بالتخيير العقلي في أحدهما (الأنصاري، 1365ش، 761-762). بالطبع، اعتبر البعض أن مقتضى الأصل على أساس نظرية السببية هو التساقط أيضاً (واعظ حسيني، 1408هـ، 376-371) والبعض الآخر قال بالتفصيل في بعض الموارد، فذهب إلى التساقط وفي موارد أخرى ذهب إلى التخيير (الكاظمي الخراساني، 1404هـ، 758-762).

بالنظر إلى ضرورة الموضوع وكون التعارض الموجود بين روايات ابن عباس بخصوص الصيام من نوع التعارض المستقر، سيتم في ما يلي بيان طرق حل هذا النوع من التعارض.

1-3. أساليب حل التعارض المستقر

قدم علماء أصول الفقه ثلاثة طرق لرفع التعارض المستقر، وهي التساقط، والتخيير، والترجيح. القاعدة الأولية هي التساقط، بمعنى أنه عندما يتعارض دليلان مع بعضهما البعض ولا يمكن الجمع بينهما من خلال حلول الجمع العرفي، يسقط كلا الدليلين من درجة الاعتبار ولا يكون أي منهما قابلاً للاستناد (راجع: السبحاني، 1376ش، 2: 220). ولكن بناءً على «الأخبار العلاجية»، في حال كان لإحدى الروايتين المتعارضتين ميزة وترجيح على الأخرى، يجب تقديم الرواية الراجحة. وفي حالة التعادل والتساوي بين الروايتين، يجب القول بالتخيير. والتوضيح أنه فيما يتعلق بتعارض الأخبار، وبحسب تصنيف بعض أصحاب النظر، توجد أربعة أنواع من الروايات. نوع من هذه الروايات يدل على التوقف، مما يشير إلى أنه في حالة تعارض خبرين، لا ينبغي العمل بأي منهما. ووفقاً لنوع آخر، في حالة التعارض، يجب العمل بالرواية التي تتوافق مع الاحتياط. والنوع الثالث يدل بشكل مطلق على التخيير، والنوع الرابع يلزم بالرجوع إلى المرجحات. ومن بين الروايات المذكورة، فإن النوعين الأول والثاني، أي الروايات الدالة على التوقف والاحتياط، محل نقد وشك لدى كثير من المحققين، بحيث لا يمكن الاستناد إلى هذين النوعين من الروايات في باب تعارض الأخبار. ونتيجة لذلك، في رأي مشهور الأصوليين، فيما يتعلق بتعارض الأخبار، فإن نوعين فقط من الروايات، وهما الروايات الدالة على التخيير والترجيح، هما المعتبران، ويمكن على أساسهما رفع التعارض بين الأخبار. لذا، في حل التعارض المستقر في روايات ابن عباس، سنعمل أيضاً بناءً على هذين الدليلين.

ما ذُكر كمرجحات هو كالتالي:

1-1-3. الترجيح باعتبار السند

الترجيح باعتبار السند؛ يعني أن أي رواية يكون رواتها إماميين، أكثر عدالة، وأكثر فقهاً، وأكثر تقوى، وأكثر وثاقة، وما إلى ذلك، تُرجح على الرواية الأخرى. ومستند هذا الترجيح هو روايتان ذُكرت فيهما صفات الراوي كأحد المرجحات.[3]

2-1-3. الترجيح باعتبار المتن

من المرجحات الأخرى الترجيح باعتبار المتن، والذي له أنواع مختلفة، أحدها ترجيح المتن غير المضطرب على المتن المضطرب (راجع: الطوسي، 1363ش، 1: 152). ونوع آخر هو ترجيح الرواية الموافقة للآخرين على الرواية المخالفة لهم. يقبل المحدثون في مثل هذه الحالات الروايات الموافقة والمتوافقة مع روايات الرواة الآخرين في نفس الموضوع، ويتركون الرواية المخالفة التي ينفرد بها الراوي (الطوسي، 1363ش، 1: 318). ومن الأنواع الأخرى ترجيح الرواية المصرحة على غيرها، والمزيد على غيره، والمنطوق على المفهوم وغير ذلك (لمزيد من التوضيح، راجع: المصدر نفسه، 1: 402؛ 2: 13؛ 3: 238؛ 4: 154).

3-1-3. الترجيح باعتبار الأمور الخارجية

الترجيح باعتبار الأمور الخارجية هو من المرجحات الأخرى التي سنتناولها بتفصيل أكبر بسبب متطلبات البحث والاستفادة منها في هذه الدراسة. ولهذا النوع من الترجيح أنواع مختلفة أيضاً، أهمها:

1-3-1-3. ترجيح الرواية الموافقة للكتاب على المخالفة له

من أهم المرجحات التي تم بيانها صراحة في الروايات المختلفة (راجع: الكليني، 1363ش، 1: 69؛ الطوسي، 1363ش، 1: 190) هي «الموافقة للكتاب». وبناءً على ذلك، في تعارض الأخبار، تكون الرواية الراجحة هي التي تتوافق مع مضمون آيات القرآن، وتُترك الرواية التي مضمونها مخالف للقرآن. على سبيل المثال، نُقل عن الإمام الصادق (ع) أنه «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه» (الكليني، 1363ش، 1: 69).

2-3-1-3. ترجيح روايات الأكثر على الأقل

من المرجحات الخارجية الأخرى ترجيح روايات الأكثر على روايات الأقل. يعني إذا وجدت في مسألة ما مجموعتان من الروايات المختلفة، فإن المجموعة التي عددها أكبر تُرجح على المجموعة الأخرى. والاعتضاد بالدليل، والشهرة الروائية، والشهرة الفتوائية، ومخالفة الأصل، ومخالفة العامة، وغيرها هي من المرجحات الخارجية الأخرى في حل التعارض (لمزيد من الحالات، راجع: المظفر، د.ت، 2: 223-224؛ الطوسي، 1376ش، 1: 147، 155).

3-3-1-3. ترجيح الروايات الموافقة لروايات أهل البيت (ع) على غيرها

بالإضافة إلى المرجحات المذكورة سابقاً في حل التعارض – وعقب بحث تفصيلي أُجري حول روايات ابن عباس التفسيرية وعلاقتها بروايات أهل البيت (ع) [4] – يتم في هذه المقالة تقديم معيار آخر. توضيح ذلك أنه من خلال المقارنة التطبيقية بين روايات ابن عباس التفسيرية وروايات الأئمة (ع)، مع اتخاذ تفسيري جامع البيان ونور الثقلين أساساً، تم التوصل إلى نتيجة مفادها أنه من بين حوالي 6 آلاف رواية نُقلت عن ابن عباس في تفسير جامع البيان، هناك حوالي 1450 رواية، أي 25% منها، ترتبط بالروايات المنقولة عن الأئمة (ع) في نور الثقلين. وبالطبع، هذا الارتباط يشمل أي نوع من الارتباط اللفظي والمعنوي، سواء كان على شكل تطابق وتشابه أو عدمه. ومن هذا العدد، حوالي 1200 رواية، أي 80% منها، قابلة للجمع مع روايات الأئمة (ع) بشكل ما. وبهذا الترتيب، هناك حوالي 600 رواية لابن عباس تتطابق تماماً مع روايات الأئمة (ع)، وهذا النوع من التطابق يشمل بدوره التطابق المعنوي واللفظي. وفي سائر الحالات، توجد بين رواية ابن عباس وروايات الأئمة (ع) علاقة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والشرح والبسط، والمجمل والمبين، والتأويل والتفسير وغيرها (لمزيد من التوضيح، راجع: زرين كلاه، 1396ش، 99-147).

وقد تم فحص هذا التطابق من ناحية السند أيضاً، وتم التوصل إلى نتيجة مفادها أنه من بين روايات ابن عباس، الطرق التي لها أكبر تطابق مع روايات الأئمة (ع) التفسيرية هي، على التوالي، طريق سعيد بن جبير، وعلي بن أبي طلحة، والضحاك، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر. كما أن الدراسة الإجمالية لشخصيات رجال هؤلاء الأفراد تثبت النتيجة المستخلصة من مدى التطابق أكثر فأكثر، لأن الأفراد المذكورين، كل منهم كان له نوع من الموقف الموافق لأهل البيت (ع) أو على الأقل لم يكونوا من مخالفيهم (راجع: زرين كلاه، 1396ش، 147-150).

وتجدر الإشارة إلى أنه من بين الأئمة (ع)، فإن روايات ابن عباس تتوافق بشكل أكبر مع الروايات المنقولة عن الإمام الصادق (ع). وبالطبع، هذه النتيجة طبيعية تماماً، لأن عدد الروايات التفسيرية التي نُقلت عن الصادقين (ع)، خاصة الإمام الصادق (ع)، بالنظر إلى ظروف الزمان وتوفر شروط نقل الحديث لهم في المصادر التفسيرية، أكثر من سائر الأئمة (ع) (نفس الموضع).

ومن ناحية أخرى، فإن الدراسة التفصيلية لشخصية ابن عباس الاجتماعية والسياسية ومواقفه الموافقة لأهل البيت (ع)، خاصة الإمام علي (ع)، في مختلف المجالات، وخصوصاً في الحروب والدفاع عن حريم أهل البيت (ع) في مواقف متنوعة، والأهم من ذلك عند الخلفاء (لمزيد من التوضيح، راجع: نيل ساز، 1393ش، 127-157)، تُظهر أن وجود هذا التطابق ليس بعيداً عن المتوقع. بالإضافة إلى ذلك، صرح ابن عباس نفسه مراراً بتعلمه على يد الإمام علي (ع). يقول: «علم النبي (ص) من علم الله، وعلم علي (ع) من علم النبي (ص)، وعلمي وعلم الصحابة بالنسبة لعلم علي (ع) كقطرة في البحار السبعة» (الطوسي، 1414هـ، 12؛ ابن شهر آشوب، 1376ش، 1: 311؛ الحويزي، 1415هـ، 4: 90). وهو الذي اشتهر بـ«ترجمان القرآن»، قال في موضع آخر عن مصدر علمه التفسيري: «مَا أَخَذْتُ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» (ابن عطية الأندلسي، 1422هـ، 1: 41؛ المناوي، 1415هـ، 4: 470)، وفي كلام آخر يقول: «جَلُّ مَا تَعَلَّمْتُ مِنَ التَّفْسِيرِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» (ابن طاووس، 1363ش، 285؛ المجلسي، 1403هـ، 92: 105). والإمام علي (ع) أيضاً، بمشاهدته شوقه وقدرته ودقة نظره، خصص له أكبر وقت ممكن لتعليمه، لدرجة أنه تحدث له ليلة كاملة فقط عن باء «بسم الله الرحمن الرحيم» (الحلي، 1379ش، 162).

من هنا، وبالنظر إلى ثلاث نقاط مهمة، وهي: تطابق 80% من روايات ابن عباس التفسيرية مع روايات الأئمة (ع)، والدراسة التفصيلية لشخصيته الاجتماعية والسياسية ومواقفه الموافقة لأهل البيت (ع)، خاصة الإمام علي (ع)، وكذلك تصريحه بتعلمه على يد الإمام علي (ع)، يمكن الاستفادة من هذا التطابق كمنهج مقترح في هذا البحث، بمثابة معيار مهم في حل اختلاف وتعارض روايات ابن عباس التفسيرية، بحيث تُرجح الرواية المروية عن ابن عباس الموافقة لروايات الأئمة (ع) على الروايات المخالفة لها.

الآن، وبالنظر إلى المعايير المذكورة في حل التعارض، نتناول حل تعارض روايات ابن عباس التفسيرية حول آية الصيام.

4. روايات ابن عباس في تفسير آيات الصيام

من الآيات الفقهية المهمة التي توجد حولها روايات متعارضة عن ابن عباس، هي آيات الصيام. وهذه الآيات هي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (البقرة: 183-185).[5]

الروايات المتعارضة المنقولة عن ابن عباس في تفسير عبارة «عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ…» في الآية 184 تتعلق بـ«نسخ» أو «عدم نسخ» هذا الحكم، وكذلك في تفسير «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» في بحث «الإفطار» أو «عدم الإفطار» في السفر.

1-4. روايات نسخ وعدم نسخ الآية 184 من سورة البقرة

للوهلة الأولى، يبدو أن الآية 184 من سورة البقرة تخصص حكم وجوب الصوم في الآية التي قبلها، أي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (البقرة: 183)، وتُخرج ثلاث فئات من الأفراد، وهم: «فَمَنْ كَانَ [مِنْكُمْ] مَرِيضًا»، «أَوْ [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ] عَلَى سَفَرٍ»، و«الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» من الحكم العام.

فيما يتعلق بالفئتين الأولى والثانية، يُؤجل صومهما إلى أيام أخرى من السنة استنادًا إلى عبارة «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ». أما بالنسبة للفئة الثالثة، فقد أُعطي حكم الفدية مقابل عدم الصوم. ولكن ما هو محل البحث في هذه الآية هو عبارة «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» ومعنى كلمة «إطاقة»، والتي توجد حولها روايات متعارضة.

1-1-4. روايات ابن عباس

حول عبارة «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ»، وردت 23 رواية عن ابن عباس في جامع البيان (1412هـ، 2: 77-87)، والتي تدل على حكمين مختلفين بالنظر إلى اختلاف قراءة كلمة «يُطِيقُونَهُ».

1-1-1-4. نسخ الآية

القول الأول هو أن «يُطِيقُونَهُ» بمعنى «القدرة والطاقة»، وأن الآية منسوخة. وهذا القول ورد في أربع روايات تندرج ضمن ثلاث فئات:

الفئة الأولى: ورد في رواية أن المسلمين في البداية كانوا مخيرين بين الصيام والإفطار، وكل من شاء كان يستطيع أن يفدي ويفطر. وهذه الرواية هي: «جَعَلَ الله فِي الصَّوْمِ الْأَوَّل فِدْيَة طَعَامٍ مِسْكِين، فَمَنْ شَاءَ مِنْ مُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ أَنْ يُطْعِم مِسْكِينًا وَ يُفْطِر كَانَ ذَلِكَ رُخْصَة لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّه فِي الصَّوْمِ الآخَرِ فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر وَ لَمْ يَذْكُر اللَّه فِي الصَّوْمِ الآخَر فِدْيَة طَعَامٍ مِسْكِين، فَنُسِخَتْ الْفِدْيَة، وَثَبَتَ فِي الصَّوْمِ الآخر يُرِيد الله بِكُمُ الْيُسْرِ وَ لَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرِ وَ هُوَ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَر وَ جَعَلَهُ عِدَّة مِنْ أَيَّامٍ أُخَر» (الطبري، 1412هـ، 2: 87). ولكن هذا الحكم العام نُسخ لاحقًا.

الفئة الثانية: في رواية نُقلت بسندين مختلفين عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورد أن المراد هو الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان كانا في البداية، رغم قدرتهما على الصوم، مخيرين بين الصيام والإفطار، وكان بإمكانهما الإفطار وإطعام مسكين عن كل يوم. ثم نُسخ هذا الحكم بنزول آية «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…»، لكن حكم الاختيار في الصوم والإفطار بقي للشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذين لا يقدران على الصوم، وكذلك للنساء الحوامل والمرضعات اللاتي يخشين على أجنتهن أو أطفالهن الرضع أو على أنفسهن. «كَانَ الشَّيْخ الكَبِيرِ وَالْعَجُوز الْكَبِيرَة وَ هُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمِ رُخّصَ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّة مِنْ أَيَّامٍ أُخَر وَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَ الْعَجُوز الْكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمِ وَ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا» (نفس الموضع).

الفئة الثالثة: في رواية وردت عن طريق مجاهد وعطاء عن ابن عباس بعبارة «فهذه آية منسوخة»، ضمن التصريح بنسخ الآية، استثني أفراد مثل الشيوخ الذين لا يقدرون على الصوم والمريض الذي لا يرجى شفاؤه: «لا يرخص فيها إلَّا الكبير الذي يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يشفي».

2-1-1-4. عدم نسخ الآية

حول عدم نسخ آية الصيام، نُقلت 19 رواية (راجع: الطبري، 1412هـ، 2: 77-83)، وبناءً عليها، فإن آية «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» غير منسوخة، ومصاديقها هم الأفراد العاجزون. وتجدر الإشارة إلى أنه بناءً على هذه الروايات، قراءة كلمة «يُطِيقُونَ» هي بصيغة «يُطَوَّقُونَ» وبمعنى «يتحملونه بمشقة».

هذه المصاديق في 3 روايات وردت عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس هي: «الحامل» إذا خافت على نفسها، و«المرضع» إذا خافت على ولدها، والمريض الذي مرضه دائم ولا يرجى شفاؤه. وفي رواية أخرى نُقلت عن طريق ابن عمر عن ابن عباس، ورد ذكر الحامل والمرضع دون الإشارة إلى شروطهما الخاصة. كما في الرواية التي ينقلها ابن عباس عن أبيه، صُرح بالشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم كمصداق لـ«عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ».

وفي 6 روايات وردت عن طريق مجاهد عن ابن عباس، بذكر عبارات مثل «هي لِلنَّاسِ الْيَوْمِ قَائِمَة»، و«هُوَ الشَّيْخ الكَبِير يُفْطِر وَ يُطْعِم عَنْهُ» (في روايتين)، و«هُوَ الشَّيْخ الْكَبِيرِ وَالْمَرْءِ الَّذِي كَانَ يَصُوم فِي شَبَابه، فَلَمَّا كَبِرَ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَمُوت، فَهُوَ يُطْعِم كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»، و«ليست منسوخة»، و«الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيق الصيام»، يُشار تلميحًا وتصريحًا إلى عدم نسخ هذه الآية.

بشكل عام، بالنظر إلى ما ذُكر، نواجه مجموعتين من روايات ابن عباس، إحداهما تدل على نسخ الآية والأخرى على عدم نسخها، مما يستدعي حل هذا التعارض نظرًا لأهمية المسألة.

2-1-4. حل تعارض الروايات

تُظهر دراسة المعايير المختلفة لحل التعارض المذكور هنا أن رأي عدم النسخ هو الراجح. وهذه المعايير هي:

1-2-1-4. مطابقة روايات عدم النسخ مع القرآن

المسألة الأولى بخصوص آيات الصيام هي أن هذه الآيات الثلاث نزلت معًا. ويتضح هذا الأمر بالتدقيق في الآية الثالثة من آيات الصيام: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ…» وسياقها. لهذه الآية سياق متصل وجمل مترابطة وبيان واضح، بحيث لو نزلت منفصلة عن الآيتين الأخريين وبالتالي تكون ناسخة للآية الثانية، لكانت غير متسقة. ولكن مع افتراض النسخ، تفقد الآية هذا السياق وتتناقض جملها مع بعضها البعض، حيث تنقض أولها آخرها، ففي موضع تقول بذكر عبارة «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ»: «الصوم واجب عليكم». ثم تقول: «الذين يستطيعون الصوم يمكنهم أن يفطروا ويدفعوا فدية»، وفي النهاية تقول: «الصوم واجب على الجميع» ليكون الحكم الأخير ناسخًا لحكم الفدية بالنسبة للقادرين ويبقى حكم الفدية للضعفاء. مع أن حكم الضعفاء لم يُذكر أصلاً في الآية، إلا إذا قيل إن كلمة «يُطِيقُونَهُ» كانت قبل النسخ بمعنى القدرة وبعد النسخ بمعنى عدم القدرة، وهو قول لا أساس له من الصحة وبلا دليل بناءً على ما ذُكر في المعنى اللغوي لهذه الكلمة (الطباطبائي، 1417هـ، 2: 5).

وعليه، فبالنظر إلى السياق، فإن جملة «شهر رمضان» خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ لخبر محذوف، فتكون بيانًا لجملة «أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ»، وبالتالي تكون الآيات الثلاث كلامًا واحدًا وتهدف إلى غرض واحد وهو وجوب صوم شهر رمضان. أما القول بأن عبارة «شَهْرُ رَمَضَانَ» مبتدأ وجملة «الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» خبره، فهو وإن كان رأيًا يعتبر الآية مستقلة عما قبلها، وبناءً عليه، فإن الآية الثالثة تصلح لأن تنزل وحدها، لكنها لا تصلح لأن تكون ناسخة لما قبلها، إذ شرط وقوع النسخ هو التنافي بين الناسخ والمنسوخ، بينما لا يوجد هنا تنافٍ بين الآية الثالثة والثانية (نفس الموضع). بالإضافة إلى أنه قبل عبارة «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» بيّن الله تكليف المريض والمسافر، ولو كان حكم الآية تخييريًا حسب القول بالنسخ، لكان ينبغي أن يُطرح حكم المسافر والمريض بعد حكم التخيير.

2-2-1-4. مطابقة روايات عدم النسخ مع روايات أهل البيت (ع)

بناءً على المعيار المقترح في هذا البحث، فإن المعيار الآخر لترجيح روايات عدم النسخ لابن عباس هو مطابقة هذا النوع من الروايات مع روايات أهل البيت (ع). في هذا الخصوص، توجد روايات كثيرة في مصادر الرواية والتفسير منقولة عن الأئمة (ع) تدل بشكل ضمني على عدم نسخ هذه الآية. وفي هذا الصدد، يمكن مشاهدة 16 رواية في نور الثقلين (الحويزي، 1415هـ، 1: 164-166)، وردت فيها حالات مثل نوع ودرجة المرض (7 حالات) التي تؤدي إلى الإفطار، وكذلك مصاديق «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» (9 حالات). ونماذج من هذا النوع من الروايات، التي غالبًا ما تُنقل عن الإمام الصادق (ع)، هي كالتالي:

* محمد بن مسلم في رواية عن الإمام الصادق (ع) يُعرّف «الشيخ الكبير» و«الذي يأخذه العطش» على أنهما من مصاديق «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» (الكليني، 1363، 4: 116؛ الصدوق، د.ت، 2: 133؛ الحويزي، 1415هـ، 165). وقد نُقلت رواية مشابهة عن طريق ابن بكير أيضًا (نفس المواضع).

* أبو بصير في رواية عن الإمام الصادق (ع) ينقل: «المرض الموجب للإفطار هو ما يسبب الضعف، لا كل مرض» (العياشي، 1380، 1: 78؛ الحويزي، 1415هـ، 164).

3-2-1-4. مطابقة روايات عدم النسخ مع أقوال اللغويين

من الأمور التي كانت مؤثرة في الاعتقاد بنسخ الآية المذكورة، المعنى الذي أُخذ لكلمة «يُطِيقُونَ». وتوضيح ذلك أنه بالنظر إلى قول أنصار هذا الرأي، يتضح أنهم أخذوا هذه الكلمة بمعنى «القدرة والطاقة»، ونتيجة لذلك، فهموا العبارة المذكورة بمعنى «الذين لديهم القدرة والطاقة على الصيام، عليهم فدية»، وببيان نسخ الآية، استثنوا أشخاصًا مثل «الشيخ الكبير والمرأة العجوز» و«المرأة الحامل والمرضع» من حكم النسخ. في حين أن مراجعة الكتب والمصادر اللغوية تُظهر أن هذه الكلمة لا تعني فقط الإمكان والقدرة، بل المقصود بـ«الطاقة» هو القدرة المصحوبة بالمشقة والصعوبة. وكما يصرح الراغب الأصفهاني (1412هـ، 1: 532) بهذا المعنى، يقول: «الطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بحال شدة، وشبه بالطوق المحيط بالشيء». ويقول ابن منظور (1414هـ، 10: 231) أيضًا: «الطوق والطاقة بمعنى غاية الجهد والوسع وآخر حد تحمل المشقة. أي آخر حد من كل عمل يمكن للإنسان أن يؤديه بمشقة يُسمى طوقًا». والزمخشري (1407هـ، 1: 226)، هو أيضًا من الذين اعتبروا هذه الكلمة بمعنى «القدرة والإمكان المصحوبين بجهد شاق». لذا، فإن هذا النوع من تفسير كلمة «يُطِيقُونَهُ» (بمعنى القدرة) سيكون مخالفًا لأقوال اللغويين.

من مجمل ما قيل في دراسة الروايات المتعارضة لابن عباس بخصوص نسخ وعدم نسخ عبارة «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»، يتضح أن روايات عدم النسخ هي الراجحة بسبب مطابقتها للقرآن، وسياق الآيات، وروايات أهل البيت (ع)، وكثرة الروايات.

4-2-1-4. ترجيح الروايات الأكثر على الأقل

بما أن الروايات الدالة على عدم نسخ الآية 185 من سورة البقرة هي 19 حالة، والروايات المتعلقة بالنسخ هي في مجملها 4 حالات، يمكن القول بأن رأي عدم النسخ هو الراجح.

5-2-1-4. ترجيح سند روايات عدم النسخ على غيرها

من المرجحات الأخرى ترجيح سند روايات عدم النسخ على غيرها. فروايات عدم النسخ، مقارنة بالروايات المقابلة لها، نُقلت بسند أصح وأكثر قابلية للاعتماد. على سبيل المثال، الرواية المنقولة عن ابن عباس التي تنقل مصاديق «لا يطيقونه» بأنها «المرضع» و«الحامل»، وردت بسند «حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير»، وأفراد هذا السند هم إسماعيل بن موسى بن بنت السدي الكوفي الفزاري بألفاظ «ثقة»، «مقارب الحديث» (الرازي، 1371هـ، 2: 185)، «صدوق» (نفس المصدر، 196)، وشريك بن عبد الله بن حارث النخعي بألفاظ «ثقة»، «مأمونًا»، «كثير الحديث» (ابن سعد، د.ت، 6: 379)، «رجل صالح حسن الحديث»، «ثبت في الحديث»، «ليس به بأس» (العجلي، 1405هـ، 1: 119)، وسالم الأفطس بن عجلان بألفاظ «كان ثقة كثير الحديث» (نفس المصدر، 7: 481)، «ثقة»، «صالح»، «صدوق» (الرازي، 1371هـ، 4: 186)، وسعيد بن جبير نیز بألفاظ وعبارات مشابهة قد وُثّقوا (راجع: ابن حجر، 1404هـ، 11-12).

2-4. روايات الإفطار وعدم الإفطار في السفر

فيما يتعلق بآيات الصيام، كما قيل، يوجد تعارض آخر في الروايات المنقولة عن ابن عباس يتعلق بـ«الإفطار أو عدم الإفطار في السفر». وهذه الروايات التي تظهر تحت آية «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (البقرة: 185)، لم تكن بدون تأثير على آراء المفسرين في الاستنباط الفقهي في هذا المجال. بحيث أن البعض مثل مفسري الإمامية (راجع: الطوسي، د.ت، 2: 150؛ الطباطبائي، 1417هـ، 2: 11) اقتداءً بأهل البيت (ع) واستنادًا إلى مثل هذه الروايات يعتقدون بالإفطار في السفر، بينما يتبنى جمهور أهل السنة رأيًا مقابلًا، أي التخيير بين الصوم أو عدمه في السفر. وبالطبع، هناك خلاف بينهم حول ما إذا كان الصوم أفضل أم عدمه. فبعضهم مثل الجصاص (1421هـ، 1: 215) يعتبر الصوم أفضل من عدمه. ومالك والثوري أيضًا يريان أن الصوم في السفر أفضل لمن يقدر عليه، والشافعي يكتفي بالصوم في السفر (القرطبي، 1364ش، 2: 280). وفي الوقت نفسه، لم يشر آخرون مثل ابن كثير (1419هـ، 1: 376) إلى مسألة الأفضلية، بل أوكلوا وجوبه إلى وقت العودة من السفر.

1-2-4. روايات ابن عباس

في هذا الباب، نُقلت 12 رواية عن ابن عباس بطرق مختلفة، أشير في 9 منها تصريحًا وفي واحدة تلميحًا إلى الإفطار في السفر. هذه الروايات وردت عن طريق طاووس (3 موارد)، وعبيد الله بن عبد الله (موردان)، ومجاهد، والضحاك، وعلي بن أبي طلحة، وجابر بن زيد، كل منهم روى رواية. في بعض هذه الروايات مثل «الْإِفْطَارُ في السفر عزمة»، اعتبر الإفطار في السفر واجبًا. وفي بعض الموارد (5 موارد) مثل «سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى إِذا أَتَى عُسْفَانَ نَزَلَ بِهِ، فَدَعا بِإِنَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ لِيَرَاهُ النَّاسِ ثُمَّ شَرِبَهُ»، استند ابن عباس إلى سنة النبي (ص) في الإفطار في السفر. وفي موارد (3 موارد) مثل «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قال: الْيُسْرُ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ وَالْعُسْرُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، بذكر أن الإفطار في السفر هو اليسر، وأن مراد الله من «اليسر» في الآية هو الإفطار في السفر، ومراده من «العسر» الذي لم يرده الله هو الصيام في السفر.

من بين هذه الروايات الـ 12، أشير في موردين إلى تخيير الفرد في الصوم في السفر. في الرواية الأولى التي وردت بطريق «حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، حدثه» عن ابن عباس، ورد: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَإِنْ شَهِدَهُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَإِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ فَطَرَ» (الطبري، 1412هـ، 2: 86). وفي الرواية الثانية ورد: «عن أبي البختري، قال: كنا عند عبيدة، فقرأ هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال: مَنْ صَامَ شَيْئًا مِنْهُ فِي الْمِصْرِ فَلْيَصُمْ بَقِيَّتُهُ إِذَا خَرَجَ قَالَ وَكَانَ ابن عباس يَقُولُ: إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (نفس الموضع).

2-2-4. حل تعارض الروايات

بناءً على نوع التعارض المطروح هنا وهو من النوع المستقر، واستنادًا إلى الدراسة المنجزة، تُرجح روايات الإفطار في السفر، ومعايير الترجيح هي:

1-2-2-4. مطابقة روايات الإفطار في السفر مع القرآن

بالنظر إلى أن ظاهر جملة «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» يدل على العزيمة (الوجوب) لا الرخصة (الاختيار)، فالظاهر أن المسافر والمريض لا ينبغي لهما أن يصوما، لا أن يكونا مخيرين في الصوم (الطباطبائي، 1417هـ، 2: 11). ودلالة الآية الشريفة على الإفطار في السفر واضحة لدرجة أن الإمام الباقر (ع) يقول في تفسير آية «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»: «ما أبين هذا لمن عقله، من شهد الشهر فليصمه، ومن سافر فيه فليفطره» (العياشي، 1380ش، 1: 81).

2-2-2-4. مطابقة روايات الإفطار في السفر مع روايات أهل البيت (ع)

المعيار الآخر لترجيح روايات الإفطار في السفر المنقولة عن ابن عباس هو مطابقة هذه الروايات مع روايات الأئمة (ع). وفي هذا الباب، وردت 7 روايات عن الأئمة (ع) في نور الثقلين (نفس المصدر، 1: 168-170). الرواية المنقولة عن الإمام السجاد (ع)، التي تتناول فيها، ضمن بيان آراء العامة، الرأي الأرجح، هي نموذج على ذلك. يقول: «إن العامة اختلفت في صوم المسافر والمريض، فقالت طائفة: يصوم، وقالت أخرى: لا يصوم، وقالت طائفة: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعاً، فإن الله يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» (نفس المصدر، 1: 82؛ البحراني، 1416هـ، 1: 184). تُظهر هذه الرواية بوضوح أن اختلاف أهل السنة في هذه المسألة الفقهية يعود إلى القرن الأول الهجري.

3-2-2-4. مطابقة روايات الإفطار في السفر مع مذهب جماعة من الصحابة

من معايير ترجيح روايات الإفطار في السفر أن جماعة من الصحابة مثل عبد الرحمن بن عوف (ابن ماجه القزويني، د.ت، 1: 532)، وأنس بن مالك (نفس الموضع)، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر (القرطبي، 1364ش، 2: 279)، وأبو هريرة، وعروة بن الزبير (نفس المصدر، 280) كانوا يفطرون في السفر، وكانت طريقتهم كذلك.

4-2-2-4. ترجيح الروايات الأكثر على الأقل

كما ذُكر، عدد الروايات المنقولة عن ابن عباس في باب الإفطار في السفر أكثر من رواياته في باب الصوم فيه. وبناءً على ذلك، يُرجح رأي ابن عباس القائل بالإفطار في السفر.

5-2-2-4. ترجيح سند روايات الإفطار في السفر على غيرها

تُظهر دراسة أسانيد روايات الإفطار في السفر أن رواتها أكثر وثوقًا واعتمادًا. لذا، فإن هذا النوع من الروايات هو الراجح. على سبيل المثال، الرواية التي تعتبر الإفطار في السفر مطابقًا لسنة النبي (ص)، وردت بسند «حدثنا هناد، ثنا عبيدة، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس» عن ابن عباس. وفي هذا السند، هناد بن السري بن أبي بكر بألفاظ «صدوق» (الرازي، 1371هـ، 9: 119)، «ثقة» (ابن حبان، 1393ش، 2: 246)؛ وعبيدة بن حميد التميمي بألفاظ «ثقة»، «صالح الحديث»، «صاحب نحو، عربية وقراءة للقرآن» (ابن سعد، د.ت، 7: 329)؛ ومنصور بن المعتمر بألفاظ «أثبت الناس» (البخاري، د.ت، 7: 346)، «ثقة»، «رجل صالح» (العجلي، 1405هـ، 2: 299)؛ ومجاهد بن جبر بألفاظ «فقيهاً»، «عالماً»، «ثقة»، «كثير الحديث» (ابن سعد، د.ت، 5: 468)؛ وطاووس بن كيسان اليماني بألفاظ «ثقة من عباد أهل اليمن» (ابن حجر، 1404هـ، 8: 14) و«تفقهاً في الدين ورواية الحديث» (الزركلي، 1980م، 3: 224) قد وُثّقوا.

بالنظر إلى ما ذُكر، تُرجح روايات الإفطار في السفر على روايات الصيام في السفر.

5. دراسة أسانيد روايات أهل البيت (ع) المطابقة لروايات ابن عباس

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أنه بالنظر إلى وجود روايات ذات أسانيد ضعيفة في نور الثقلين، فإن استخدام روايات أهل البيت (ع) في حل التعارض لا يمكن أن يكون معيارًا مهمًا. لحل هذه المسألة، يجب القول إنه في مجال الموافقة مع روايات أهل البيت (ع)، بالإضافة إلى تفسير نور الثقلين، تم استخدام مصادر روائية شيعية أخرى مثل الكتب الأربعة الحديثية وغيرها، وتمت دراسة أسانيد بعض روايات أهل البيت (ع) التي استُخدمت كمرجح في حل التعارض بشكل فردي ونموذجي. على سبيل المثال، الرواية التي يُعرّف فيها محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) «الشيخ الكبير» و«الذي يأخذه العطش» كمصاديق لـ«الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ»، نُقلت بسند «محمد بن يحيى، عن محمد بن حسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم»، وأفراد هذه السلسلة هم: محمد بن يحيى العطار بألفاظ «ثقة عين»، «إمامي»، «صحيح المذهب»، «شيخ أصحابنا» (النجاشي، 1416هـ، 353؛ الحلي، 1417هـ، 157)؛ ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب بألفاظ «إمامي»، «ثقة»، «صحيح المذهب»، «عين» (راجع: النجاشي، 1416هـ، 31؛ الطوسي، 1417هـ، 400)؛ وصفوان بن يحيى البجلي بألفاظ «ممدوح في الرواية» (الكشي، د.ت، 504)، «ثقة»، «إمامي» (النجاشي، 1416هـ، 120)؛ وعلاء بن رزين القلاء بألفاظ «ثقة جليل»، «إمامي»، «صحيح المذهب» (النجاشي، 1416هـ، 298؛ الطوسي، 1417هـ، 323؛ الحلي، 1417هـ، 123)؛ «إمامي» (البرقي، 1419هـ، 17)، «ممدوح في الرواية» (الكشي، د.ت، 162) قد وُثّقوا.

6. الخاتمة

1. من بين طرق حل التعارض المستقر، فإن الترجيح هو الأكثر تطبيقًا في حل تعارض الروايات التفسيرية لابن عباس.

2. بالإضافة إلى الطرق التي ذكرها علماء أصول الفقه في حل التعارض وترجيح الروايات، فإن مطابقة 80% من روايات ابن عباس التفسيرية مع روايات أهل البيت (ع)، وموقفه السياسي والتاريخي الموافق لأهل البيت (ع) خاصة الإمام علي (ع)، وكذلك تصريحه بتلقي العلم، خاصة علم التفسير، من الإمام علي (ع)، أدت إلى نظرية مفادها أنه يمكن عند التعارض، الاستفادة من مطابقة روايات ابن عباس التفسيرية مع روايات الأئمة (ع) كمعيار مهم في ترجيح روايات ابن عباس وحل التعارض. وبالطبع، قد تُظهر دراسة مصادر أخرى نتيجة مختلفة، ولكن أولاً، لا يوجد تفسير أكثر شمولاً من جامع البيان الذي وردت فيه طرق مختلفة للروايات التفسيرية. وثانياً، قد يختار المفسر، بناءً على توجهه، روايات تُحدث فرقًا ملحوظًا وترد نسبة من هذا التطابق بذكر روايات مخالفة. ولكن لا يمكن أيضًا تجاهل أو إنكار 80% من التطابق الكلي بين روايات الأئمة (ع) التفسيرية وروايات ابن عباس.

3. من بين المرجحات باعتبار السند، والمتن، والأمور الخارجية، فإن المرجحات باعتبار الأمور الخارجية مثل المطابقة مع القرآن، والمطابقة مع مذهب الصحابة، وترجيح الرواية الأكثر على الأقل، لها تطبيق أكبر من المرجحات باعتبار السند والمتن في حل تعارض روايات ابن عباس.

الهوامش

[1] تم إجراء بحث تفصيلي في هذا الشأن من قبل الكاتبة، راجع: زرين كلاه، إلهام، 1396ش، «تحليل تعارض الروايات التفسيرية لابن عباس بالاستناد إلى روايات أهل البيت (ع) مع التركيز على جامع البيان ونور الثقلين»، طهران، جامعة تربيت مدرس.

[2] بالنظر إلى أن معظم روايات ابن عباس التفسيرية وردت بطرق مختلفة في «جامع البيان في تأويل آي القرآن» للطبري، فقد تم اختيار هذا المصدر لاستخراج الروايات التفسيرية المختلفة لابن عباس واستُخرجت منه الروايات التي قد تكون متعارضة.

[3] إحداهما مرفوعة زرارة (راجع: ابن أبي جمهور، 1405هـ، 4: 133) والأخرى مقبولة عمر بن حنظلة (راجع: الكليني، 1363ش، 1: 67 و 68).

[4] راجع: زرين كلاه، إلهام، 1396ش، «تحليل تعارض روايات تفسیری ابن عباس با استناد به روایات اهل بیت (ع) با تأکید بر جامع البیان و نورالثقلین»، طهران، تربیت مدرس.

[5] القرآن الكريم، ترجمة: محمدمهدي فولادوند.

Scroll to Top