الملخص: من المباحث المهمة في مجال الفقه وتفسير القرآن الكريم موضوع حرية الدين في الإسلام. فطبقاً لآيات نفي الإكراه، كل شخص حر في انتخاب دينه، وطبقاً لظاهر آيات السيف، ليس الأفراد أحراراً في انتخاب الدين. بين آيات السيف ونفي الإكراه، تقوم إحدى هذه العلاقات الأربع:
١. آيات السيف ناسخة لآيات نفي الإكراه، وبناءً عليه، نُسخ حكم حرية الدين بنزول هذه الآيات.
٢. عكس الحالة السابقة؛ أي بنزول آيات نفي الإكراه، نُسخت مسألة الإكراه في الدين.
٣. آيات السيف مخصِّصة لعموم آيات نفي الإكراه، وبناءً عليه، الأفراد أحرار في انتخاب الدين إلا في الموارد التي بينتها آيات السيف.
٤. آيات السيف ناظرة إلى الإكراه الظاهري وآيات نفي الإكراه ناظرة إلى الإكراه الباطني، فالأفراد مختارون في الباطن لا في الظاهر. وبسبب نزول الآية ٢٩ من سورة التوبة بعد آيات السيف، والتي هي دليل على حرية أهل الكتاب في التدين بشرط دفع الجزية، ينتفي الفرض الأول؛ لأنه يستلزم أن تكون آيات السيف قد نُسخت مرة أخرى بعد كونها ناسخة. والفرض الثاني يستلزم أيضاً تقدم الناسخ على المنسوخ. في هذا المبحث، يُستدل على صحة الصورة الثالثة بأسلوب وبراهين جديدة وواضحة.
مقدمة
إن التفسير الخاطئ للعلاقة بين آية السيف وآيات نفي الإكراه قد يساعد الحاقدين والمعاندين لدين الإسلام الحنيف -الذي أولى أعظم الاحترام لساحة الإرادة الإنسانية المقدسة- في تشويه الصورة الملكوتية لهذا الدين الحنيف. يروّج أعداء الإسلام لفكرة أن الإسلام، طالما لم يكن يمتلك القوة، ترك الناس أحراراً في قبول الإسلام ورفع نداء «لا إكراه في الدين» و«لست عليهم بمصيطر»، ولكنه عندما أصبح قوياً، نزلت آيات «فاقتلوهم حيث وجدتموهم». وقد كان لهذا الادعاء الباطل تأثيرات سيئة على عقائد المسلمين في العقود الأخيرة، ولا شك أن الدفاع العلمي الواضح والمحكم هو أفضل طريقة لمواجهة هذه الخصومة. هذا البحث موضوع فقهي-تفسيري، سُعي من خلاله إلى التوصل إلى المطلوب بجعل الآيات القرآنية محوراً له، بحيث يكون مقبولاً لدى جميع المذاهب الإسلامية. وعليه، فإن هذا المنهج في الاستدلال والنتائج التي تم التوصل إليها لم تشاهد في المصادر الفقهية والتفسيرية. في هذه المقالة، تم حصر جميع الصور المتصورة للعلاقة بين آية السيف وآيات نفي الإكراه، واستُدل لإثبات أفضل صورة لها ببيان واضح، وتمت الإجابة على هذه الأسئلة: هل منهج حاكمية الإسلام هو فرض الدين على الآخرين؟ هل يوجد في رؤية القرآن إجبار على قبول الإسلام؟ هل الآيات الدالة على الحرية في القرآن الكريم منسوخة؟
دراسة صور العلاقة بين الآيتين
بين آية السيف والآيات المشابهة لها مثل الآيات ٢٩ و٣٦ و١٢٣ من سورة التوبة، وآيات نفي الإكراه مثل «لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي» (البقرة: ٢٥٦) و«إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر» (الغاشية: ٢٢)، يمكن تصور أربعة أنواع من العلاقة: ١. نسخ آيات نفي الإكراه بآيات السيف. ٢. عكس الصورة الأولى. ٣. الجمع بين الطائفتين بحمل آيات نفي الإكراه على الإكراه الباطني وحمل آيات السيف على الإكراه الظاهري. ٤. تخصيص آيات نفي الإكراه بآيات السيف.
دراسة الصورة الأولى
هذا النوع من التفسير للعلاقة بين طائفتي الآيات هو، كما ذُكر في المقدمة، خطأ استغله معاندو الإسلام لإظهار الإسلام بمظهر دين السيف والإجبار، ويمكن إبطاله بأدلة محكمة وقطعية.
الدليل الأول: مما لا شك فيه أنه لم يحدث قط في القرآن الكريم أن آية ناسخة نُسخت هي نفسها بعد فترة، ولم يدّعِ ذلك أي محقق في علوم القرآن، ولا أي باحث قرآني غير مسلم. بناءً على هذه المقدمة، لو كانت آية «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم…» (التوبة: ٥) ناسخة للآية الكريمة «لا إكراه في الدين» (البقرة: ٢٥٦)، لوجب الادعاء بأن الآية الناسخة قد نُسخت مجدداً؛ لأنه في السورة نفسها، سورة براءة، وبفاصل يسير، أمضى الله سبحانه حرية أهل الكتاب في الاستمرار على دينهم، حيث يقول: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (التوبة: ٢٩). مما لا شك فيه أن هذه الآية قد أجازت استمرار أهل الكتاب على دينهم بشرط دفع الجزية، ولم يدّعِ أحدٌ نسخ هذه الآية. وعليه، فإن آية السيف لا تتعارض مع آية نفي الإكراه. بعبارة أخرى، تثبت الآية الأخيرة بوضوح وصراحة أن آية السيف ليست ناسخة لآيات نفي الإكراه؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لما كان هناك معنى لإعلان حرية أهل الكتاب في الحفاظ على دينهم مقابل دفع الجزية.
الدليل الثاني: المشهور أنه لم تُنسخ أي آية من سورة المائدة المباركة. في سورة المائدة، دعا الله نبيه الكريم إلى العفو عن أخطاء أهل الكتاب وجفائهم، فيقول: «… ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح…» (المائدة: ١٣). وكذلك يدعوهم إلى إقامة حدود الله في الإنجيل والتوراة الحقيقيين؛ وكأنه يقول: بما أنكم لا تريدون قبول الإسلام، فعلى الأقل التزموا بأحكام دينكم. يقول تعالى: «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (المائدة: ٤٧). ويقول أيضاً: «قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم…» (المائدة: ٦٨). في هذه الآية تأكيد على أن أهل الكتاب إن لم يقيموا أحكام التوراة والإنجيل، فلن تكون لهم أي قيمة عند الله، والمفهوم المخالف للآية هو أنهم لو عملوا بالأحكام الحقيقية لكتبهم المقدسة، لكانوا مختلفين عند الله عن أهل الكتاب المفرطين في هذه الأحكام، وسيكون لهم مكانة أسمى (وإن كانوا لن يصلوا إلى مرتبة القبول والنجاة بدون الإسلام). مع هذه الآيات الصريحة والواضحة، التي نزلت جميعها بعد آيات السيف، كيف يمكن القول بأن آية السيف كانت ناسخة لحكم حرية الدين؟ وفي هذه الحالة، كيف أن النبي الأكرم ﷺ بعد نزول آيات السيف لم يجبر أهل الكتاب على قبول الإسلام فحسب، بل بأمر من الله كان يتحمل أذاهم وجفاءهم، والله يدعوهم إلى أن يلتزموا على الأقل بأحكام كتابهم المقدس.
الدليل الثالث: السيرة النبوية والعلوية في الحكم شاهد آخر، وقد أشير إليه في الدليل السابق. فإنهما لم يجبرا قط فرداً من أهل الكتاب على قبول الإسلام، وكانا يتعاملان معهم بكرم وعطف وتسامح. هذا في حين أن الآيات المتعلقة بالرفق والعفو عن أهل الكتاب نزلت والنبي ﷺ في أوج قوته، حتى إن جيش الروم في غزوة تبوك أخلى ساحة المعركة وانسحب أمام جيش الإسلام، وكان اليهود في أوج ضعفهم وذلتهم واستسلامهم، والتاريخ لا يقصر ولا يغمض في إثبات هذا المدعى.
الدليل الرابع: يُفهم من روايات كثيرة أن الإمام المهدي (عج) في حكومته يترك أهل الكتاب أحراراً في الحفاظ على دينهم. ومن المناسب الإشارة إلى بعض هذه الروايات هنا: ١. «يحكم (القائم) بين أهل التورية بالتورية وبين أهل الإنجيل بالإنجيل». هذه الرواية صريحة في هذا المدعى وتؤيده. ٢. الإمام الصادق عليه السلام في جوابه عن سؤال: «فما يكون من أهل الذمة عنده؟» قال: «يسالمهم كما سالمهم رسول الله ﷺ ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون». وفي روايات أخرى، تم التأكيد على أن القائم لا يأخذ الجزية من أهل الكتاب، وقد فسر البعض هذا الأمر بمعنى عدم قبول دينهم، والبعض الآخر فسره بعدم حاجة حكومة الإمام ورأفة الإمام ومداراته لأهل الكتاب، والمعنى الثاني يتوافق مع الروايات الأكثر والأشهر والسيرة النبوية وحكم القرآن؛ خلافاً للتفسير الأول. وعلى الرغم من وجود روايات أخرى في مقابل الروايات المذكورة أعلاه تبدو مخالفة لدلالتها، فأولاً، الروايات الدالة على حرية الدين وعدم الإكراه هي الأصح والأكثر وتوافق القرآن والسيرة. ومن جهة أخرى، الروايات الدالة على إكراه الناس على الإسلام في زمن حكومة المهدي (عج) تعاني من ضعف سندي، ومن ناحية الدلالة، فهي لا تأبى الحمل على الطائفة الأولى.
كتب العلامة الطباطبائي في الميزان: «إنما شرع الإسلام الجهاد ليحيي به الحق ويدافع عن أنفس غريزة فطرية وهي التوحيد، فإذا شاع التوحيد بين الناس وأذعنوا له، ولو لم يكن هو دين الإسلام بل كان دين اليهود أو النصارى لم يجز لمسلم أن ينازع موحداً آخر». ويواصل بيانه بأن آية «لا إكراه في الدين» لم تُنسخ بالآية التي توجب الجهاد والقتال، وأحد شواهد ذلك هو التعليل الموجود في هذه الآية حيث قال: «قد تبيّن الرشد من الغي». فلو كانت هذه الآية منسوخة، لكان يجب أن تُنسخ هذه الفقرة أيضاً، في حين أن من المعلوم أن وضوح الرشد من الغي ثابت وغير قابل للنسخ. نقل الطبرسي في كتاب جوامع الجامع القول بالنسخ فقط، ومر عليه دون رده أو تأييده. وقال ابن العربي في كتاب أحكام القرآن إن عمومية النفي في آية نفي الإكراه متوجهة إلى الإكراه على الباطل، لا الإكراه على الدين الحق، أما الإكراه على الدين الحق فهو من الدين، وهل يُقتل الكافر إلا بسبب الدين؟ وقال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». أولاً، الادعاء بأن عمومية نفي الإكراه هي نفي للإكراه على الباطل، هو ادعاء تكذبه الآية بشدة ظاهراً، وهو تقييد للآية بلا دليل. ثانياً، إذا كان الإكراه على دين الإسلام هو نفسه واجب ديني، فلماذا لم يجبر رسول الله ﷺ الكريم في أوج قوته اليهود على قبول الإسلام، بل أخذ منهم الجزية وعاملهم بالرفق والمداراة؟ وبناءً على أي حكم من القرآن يجب أن يُقتل الكافر (مثلاً يهودي أو مسيحي…) لكونه مسيحياً أو يهودياً؟ وهذه السيرة والمنهج، في عمل أي من الخلفاء بعد رسول الله وأصحابه شوهدت؟ ثالثاً، الرواية التي استشهد بها ابن العربي تتعلق بمسألة الشرك؛ بمعنى أن النبي ﷺ كان يقاتل من أجل التوحيد، أما كل موحد ليس مسلماً -وقد فرّق فقهاء الإسلام أهل الكتاب عن المشركين تبعاً لتقسيم القرآن ولم يجروا عليهم أحكام المشركين-. ومن هنا يتضح خطؤه في قوله الآخر حيث ادعى: «إن سبب القتل هو الكفر بهذه الآية لأنه تعالى قال [حتى لا تكون فتنة] فجعل الغاية عدم الكفر نصاً وأبان فيها أن سبب القتل المبيح للقتال الكفر». يتضح بطلان هذا الادعاء من الأدلة السابقة، بالإضافة إلى أن الفتنة مفهوماً ومصداقاً ليست الكفر، وليس كل مثير للفتنة كافراً، وليس كل كافر من أهل الفتنة. ولكن يطرح هذا الإشكال: لماذا بعد شهور من نزول آيات السيف، لم يقم النبي بإبادة اليهود والنصارى، بل إن منزل آيات السيف (الله) أمره عند نزول آخر الآيات بالمداراة مع أهل الكتاب؟ ولماذا لم يكن لدى أي من الخلفاء بعد النبي وأصحابه مثل هذا الفكر؟ وأصلاً، ما هي فلسفة وجود أخذ الجزية من أهل الكتاب (مفاد الآية ٢٩ من سورة التوبة)؟! نقل صاحب البحر المحيط ادعاء الزجاج بأن معنى آية نفي الإكراه هو ألا يُعتبر من أسلم بالإجبار مكرهاً، لأنه لا إكراه في الدين! وكأن الزجاج فهم المعنى هكذا: حتى إجبار الناس على الإيمان لا يعتبر إجباراً؛ لأن الله قال إنه لا إكراه في الدين. بناءً على هذا الرأي، لا بد من جواز حمل كلمات القرآن على غير معانيها الموجودة في لغة العرب. مثلاً، نسمي إجبار الناس على قبول الدين -الذي يسميه العرب إكراهاً- اختياراً؛ وفي هذه الحالة، لن يبقى حتى طريق للوصول إلى المعاني الظاهرية للقرآن. وهل الأمر غير أن القرآن نزل بلغة العرب والله قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه» (إبراهيم: ٤). شاهد آخر على بطلان هذه النظرية هو كلام السيوطي عن سعيد بن جبير، التابعي الثقة والمشهور. حيث نقل أنه كان من عادة الأنصار أن المرأة إذا لم تلد أو لم يعش لها ولد، نذرت أنها إن رزقت ولداً، ستهبه لليهود ليطول عمره. فلما حان وقت رحيل قبيلة بني النضير، قال الأنصار: يا رسول الله، إن فيهم جماعة من أبنائنا وإخواننا. في هذه الحال نزلت آية نفي الإكراه، فقال رسول الله ﷺ: «خيروهم، فإن اختاروا دينكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، فدعوهم يذهبون معهم». قال الزمخشري في الكشاف إن «لا إكراه في الدين» يعني أن الله لم يبنِ الإيمان على الإجبار، بل على الاختيار.
دراسة الصورة الثانية (أن نعتبر آيات نفي الإكراه ناسخة لآيات السيف)
هذه الصورة غير صحيحة إجماعاً وبلا خلاف؛ لأن آيات السيف، باتفاق المحققين الإسلاميين، نزلت بعد آيات نفي الإكراه، ومن المحال أن يكون الناسخ متقدماً والمنسوخ متأخراً.
دراسة الصورة الثالثة
في هذا الفرض، تعتقد مجموعة من المفسرين أنه لا يوجد في الواقع أي تعارض بين الآيتين؛ لأن آيات نفي الإكراه ناظرة إلى عدم إمكانية الإكراه الباطني على الدين؛ بمعنى أنه لا يمكن إدخال الإيمان في قلب أحد بالإجبار. أما آيات السيف فتتعلق بالإكراه على الإيمان الظاهري، ولو لم يكن يعتقد به في الباطن. يقول صاحب روح المعاني: «الإكراه في الدين لا يمكن تصوره (غير ممكن)… بناءً على هذا، هذه جملة خبرية باعتبار الواقع ونفس الأمر… ويجوز أن تكون جملة إنشائية (بمعنى النهي) وفي هذه الحالة إما أن تكون عاماً منسوخاً… أو خاصة بأهل الكتاب». في هذا البيان، تردد الآلوسي بين الصور المختلفة للعلاقة بين الآيتين ولم يرجح إحداها على الأخرى. بيّن العلامة الطباطبائي في الميزان أنه في جملة «لا إكراه في الدين»، نُفي الدين الإجباري، لأن الدين عبارة عن سلسلة من المعارف العلمية تتبعها معارف عملية، وجامع كل تلك المعارف كلمة واحدة هي الاعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا سبيل للإجبار والإكراه فيها، لأن استعمال الإكراه يكون فقط في الأعمال الظاهرية. جاء في تفسير صدر المتألهين أن “الدين” في الحقيقة هو التسليم والرضا الذي يحصل بسبب العقائد القطعية، وتلك العقائد تنزل بإفاضة إلهية على القلب المطمئن… وكما يحصل الفهم بمجرد ورود العلم الضروري إلى القلب دون أن يكون هناك إجبار، كذلك هو فهم العلوم النظرية والمعارف الإلهية… وهذا لأن الدين أمر باطني، ولا سلطان لأحد على الباطن إلا الله. في تفسير نمونه (الأمثل)، ومنهج الصادقين، ونور، ومخزن العرفان، ذُكر نفس هذا المضمون في تفسير الآية المذكورة. النتيجة: حقيقة الأمر هي أن ظاهر آية نفي الإكراه قد يكون ظاهراً إنشائياً، بمعنى أن الآية ناظرة إلى النهي عن إكراه الآخرين على الدين؛ وفي هذه الحالة ستكون بمعنى منع الإكراه على قبول الإسلام. وقد يكون ظاهراً خبرياً، وفي هذه الحالة يُعتبر خبراً عن عدم إمكانية الإكراه، وطبعاً سيُحمل على الإكراه الباطني. قد يدعي أحد أن مقتضى إطلاق الآية هو أن تكون ناظرة إلى كلا المعنيين؛ أي أن الإكراه الباطني غير ممكن، والإكراه على القبول الظاهري ممنوع أيضاً. بعبارة أخرى، نعتبر الجملة خبرية وإنشائية في آن واحد. إشكال هذا التفسير هو أنه يجب أن نقبل بأن لفظاً واحداً يدل في استعمال واحد على معنيين مختلفين؛ ولكن بناءً على القول الأقوى، من المحال أن يدل لفظ واحد في استعمال واحد على معنيين متغايرين بحيث يستوعب كل منهما تمام وسعه. مع هذا، إذا فسرنا آية نفي الإكراه بأنها ناظرة إلى الإكراه الباطني، فإن الإكراه الظاهري سيكون خارجاً عن عمومها تخصصاً، وتدل على هذا المعنى روايات، منها: في الدر المنثور، نُقل عن ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم من كبار محدثي أهل السنة وآخرين، أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». ثم تلا النبي هذه الآية: «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر». في الرواية المذكورة، فُسرت آية «لست عليهم بمصيطر» بنفي الإكراه الباطني، وجُمع بينها وبين الإكراه والإجبار على حمل الناس على قول “لا إله إلا الله” (الإجبار الظاهري)، ومن هذا يُعلم أنه لا تنافي بين الآيتين. لكن توجد هنا نقطتان: الأولى: أن الإجبار على التوحيد أعم من الإجبار على قبول الإسلام؛ لأنه طبقاً لهذه الرواية، لن يكون أهل الكتاب -الذين يُعدون من الموحدين- مشمولين بهذا الإجبار، بل المشركون فقط هم المشمولون بهذه الآية. الثانية: أن الإجبار يجري على المشركين فقط، وهذا يُعلم من عدة نواحٍ: ١. من ظاهر الحديث الذي حدد غاية الجهاد بالاعتراف بالتوحيد. ٢. الآيات التي نزلت بعد آية السيف والتي تركت أهل الكتاب أحراراً في الاستمرار على دينهم بشرط الجزية، والروايات الكثيرة الواردة في هذا المجال. ٣. السيرة النبوية والعلوية في عدم إجبار غير المشركين على قبول الإسلام وأخذ الجزية منهم، وحتى سلوك سائر الخلفاء الذين كانوا على هذا المنهج. بهذا التصور، يبدو أن أفضل تفسير للعلاقة بين الآيتين هو هذا. ولكن لا يُستنتج من هذا التفصيل أن آيات نفي الإكراه لا تتنافى مع إجبار الناس على قبول الإسلام؛ لأن هناك أدلة غير آيات نفي الإكراه في القرآن والسنة على عدم جواز إجبار غير المسلمين على قبول الإسلام. بعبارة أخرى، صحيح أن آيات نفي الإكراه قاصرة عن معارضة آيات السيف ولا تمنع من تنجز التكليف الظاهري فيها القاضي بإلزام المشركين بالإسلام؛ لكن مستندنا في منع إكراه الناس على الدين له أدلة قطعية غير آيات نفي الإكراه، وقد أشير إليها باختصار. ومن الجيد هنا جمع كل الشواهد: ١. الآية ٢٩ من سورة التوبة، التي نزلت بعد الآية ٥ من السورة نفسها (آية السيف)، وأعلنت حق أهل الكتاب في الاستمرار على دينهم بشرط الجزية. ٢. آيات سورة المائدة، التي نزلت بعد سورة التوبة وفي آخر حياة الرسول الكريم ﷺ، ولا يُشم فيها أي رائحة لإجبار أصحاب الديانات الأخرى على الإسلام؛ بل تدعو النبي -الذي كان في أوج قوته آنذاك- إلى الصبر والعفو والصفح أمام جفاء أهل الكتاب وأفعالهم السيئة. ٣. صحيح أن إجبار الفرد على قول “لا إله إلا الله” واختيار الإسلام الظاهري ليس مستحيلاً، ولكن بما أن الإسلام، باتفاق علماء المسلمين، يجب أن يكون عن اختيار وإرادة الفرد، وهو فرع عن إيمانه القلبي، فإنه لا قيمة له بدون عنصر الاختيار. ومن وجهة نظر فقه المذاهب الإسلامية، لا قيمة لمثل هذا الإسلام، ولا تُجرى أحكام المسلم على مثل هذا الفرد. إذن، على الرغم من أن الإجبار الظاهري على إظهار الإسلام ممكن، فإنه لا يترتب على هذا الإسلام أي أثر شرعي، تماماً كما أن الأعمال العبادية التي تُؤدى بالإجبار تكون فاقدة للأثر والصحة، مثل الصلاة والصوم الإجباريين. قد يُشكل بأنه إذا كان الأمر كذلك، فكيف يُجبر المشرك، بناءً على ظاهر آية السيف، على ترك دينه وقبول الإسلام؟ نجيب: أولاً، ترك الدين وإظهار تركه لا يحتاج إلى قصد القربة، وكذلك قول كلمة “لا إله إلا الله” إذا كان بدون اعتقاد باطني، لن ينفع قائله، ولكنه سيبعد وجه المجتمع عن الشرك، وسيزول هذا المرض المعدي من بين الناس. ثانياً، طبقاً للآية المذكورة، لن يُجبر المشركون على قبول الإسلام، بل يُلزمون بترك الشرك. وفي هذه الحالة، يوجد طريق ثالث وهو أن يختاروا ديناً آخر كالمسيحية أو اليهودية… حيث لا يوجد فيه شرك بالله، ويكونون متحدين في الرأي والعقيدة مع المسلمين على كلمة “لا إله إلا الله”. في هذه الحالة، حتى آية السيف لا تدل على القبول الإجباري للإسلام، بل منتهى دلالتها هو إجبار المشركين على ترك الشرك، وهو أمر اختياري وممكن شرعاً وعقلاً. إذا أُشكل بأن دلالة ذيل الآية الخامسة من سورة التوبة تمنع قبول هذا الكلام، وتظهر في إجبار المشركين على الإسلام، حيث يقول: «فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين…» (التوبة: ١١). الجواب هو أنه قال: إذا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فهم إخوانكم في الدين، وهذا لا يدل أبداً على أنه إذا لم يفعلوا ذلك، فاقتلوهم. نعم، لو أناط غاية الحكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبيّن أنه «فاقتلوهم… حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»، لكان مفهومه أن حكم قتل المشرك لا يُرفع إلا بإظهار الإسلام. لكن ظاهر الآية أجنبي تماماً عن هذا المعنى؛ لأن العبارة المذكورة وصفية، والمشهور أن الوصف لا مفهوم له، والذين قالوا بمفهوم الوصف لم يتمكنوا من تقديم دليل مقنع يثبت الحجية لمفهوم الوصف. بناءً على هذا، منتهى دلالة الآية هو أنه إذا أظهر المشركون مهدورو الدم التوبة، وظاهراً صلوا وزكوا، فلا تتعرضوا لهم. وربما نقول إن هذا الأمر كان بسبب أن بعض المسلمين كانوا يقتلون المتظاهرين بالإسلام بحجة أنهم كاذبون، فنهاهم القرآن عن هذا الفعل حيث قال: «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً…» (النساء: ٩٤). أما عن حكم المشرك الذي ينتقل من الشرك إلى المسيحية، فإن نهاية الآية ساكتة عنه، ولكن بحكم بداية الآية، يكون قد ترك الشرك، وليس لأحد حق التعرض له. وبحكم آيات حرية الدين لأهل الكتاب، لن يكون عليه أي إلزام أو إجبار. هذا ما يظهر من ظاهر الآيات، ولكن هنا توجد بعض الروايات التي لا يمكن تأويلها بأي حال، وهي ترد التفسير المذكور أعلاه. منها الرواية الثانية من الباب الخامس من كتاب الجهاد في وسائل الشيعة، والتي يُشرح فيها أنواع السيوف. جاء ضمنها: «…فأما السيوف الثلاثة المشهورة فسيف على مشركي العرب قال الله عز وجل “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم… فإن تابوا (يعني آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإخوانكم في الدين…” فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام…». وفي تتمة هذا الحديث، قال عن أهل الكتاب: «…فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل…»، واستشهد بالآية ٢٩ من سورة براءة. مع هذا التفصيل، لا يبقى إلا أحد طريقين: ١. أن نخدش في سند الحديث ونصر على رأينا. ٢. أن نقبل الحديث ونعتمد الصورة الرابعة، بمعنى أنه لا إكراه في الدين إلا على المشركين، أما أهل الكتاب فلهم حق الحياة في النظام الإسلامي بدفع الجزية. لكن التأمل في سند الرواية يظهر أنه بسبب ضعفه، لا يمكنه مواجهة الأدلة المحكمة المطروحة، حيث إن جميع أسانيد هذه الرواية تعود إلى القاسم بن محمد وعلي بن محمد القاساني (القاشاني)، وكلاهما ضعيف عند علماء الرجال.
دراسة الصورة الرابعة
الفرض الرابع المتبقي هو أن نقول إن طريق الجمع بين آيات نفي الإكراه والسيف هو أن نخصص عموم آيات الإكراه بآيات السيف؛ بأن نقول: لا يُجبر أي كافر على قبول الإسلام إلا المشرك. هذه الصورة فرع عن اعتبار آيات نفي الإكراه ذات معنى إنشائي ودليلاً على الحكم. بعبارة أخرى، إذا قلنا إن آيات نفي الإكراه تمنع من إجبار الكفار على اعتناق الإسلام، فإن هذا الحكم العام يُخصص بآية السيف، ويُخرج منها صنف المشركين، وفي هذه الحالة أيضاً لن يكون هناك تعارض بين الطائفتين. أما إذا فسرنا آيات نفي الإكراه بمعنى خبري، فإن آيات السيف تكون خارجة عنها تخصصاً، ولن يكون بينهما أي تعارض حتى التعارض البدوي. ورغم أن هذا التصور لا إشكال فيه ولا يستلزم محظوراً، يبدو أن الوجه الثالث أفضل من هذا الوجه للأسباب التي ستأتي: ١. تخصيص آيات نفي الإكراه بالآية الخامسة من سورة التوبة (السيف) يستلزم جواز إجبار المشركين على الإسلام، وقد تبين خلال المباحث السابقة أن أمرين يمنعان من هذا الفهم: أ) ذُكر أن آية السيف لا تدل على أكثر من إجبار المشركين على الخروج من الشرك، أما عن المذهب الذي يختارونه بعد الخروج من الشرك، فهم أحرار بناءً على القرائن الخارجية. بينما لو جعلنا آية السيف مخصصة لآيات نفي الإكراه، لكان معنى ذلك جواز (أو وجوب) إجبار المشركين على الإسلام، وقد ذُكر أن الآية لا تحمل مثل هذه الدلالة، وبالطبع لا تقع في موضع مخصص لعموم نفي الإكراه. ب) النقطة الأخرى هي أن الشرط الماهوي للإسلام هو الإيمان القلبي الذي يظهر في اختيار الفرد لقبول الإسلام؛ بعبارة أخرى، من الشروط الشرعية لقبول الإسلام هو الاختيار. وهذا شبيه بالأعمال العبادية كالصلاة التي إذا أداها الفرد بالإجبار تكون فاقدة لشرط الصحة. في هذه الحالة، إجبار الفرد على إظهار الإسلام، وإن لم يكن محالاً عقلاً، فإنه يصبح مستحيلاً شرعاً. مع هذا الوصف، كيف تكون آية السيف مخصصة لآيات نفي الإكراه؟ ٢. عبارة «قد تبين الرشد من الغي» في الآية ٢٥٦ من سورة البقرة بعد مقطع «لا إكراه في الدين» لها ظهور قوي في أن المراد بنفي الإكراه هو نفي الإكراه الباطني؛ لأن مجموع مفاد الآية يصبح أن من اختار الكفر كان عن فهم ومعرفة، لا عن جهل وسوء فهم حتى تتمكن من إقناعه برفع سوء التفاهم. وبناءً عليه، لا يبقى طريق لإقناع مثل هذا الفرد بالإسلام إلا الإجبار، وهو غير ممكن شرعاً. نقطة: في حال اعتبرنا آيات نفي الإكراه ناظرة إلى الإكراه الباطني، فإنه لإثبات منع الإكراه الظاهري لا حاجة للاستناد إلى آيات نفي الإكراه، لوجود أدلة كثيرة أشير إليها في المباحث السابقة تثبت أن الإجبار على قبول الإسلام ممنوع. مع هذا الوصف، فإن إثبات منع إجبار غير المسلمين على الإسلام لا يحتاج إلى دلالة آيات نفي الإكراه، وإن كان الاستناد إلى هذه الآيات من الناحية الظاهرية والصورية تقليد قديم بين الفقهاء والمفسرين.
سيرة الحكومة الإسلامية العالمية من منظور القرآن والروايات
يعتقد الشيعة والسنة أن الإسلام سيصبح عالمياً يوماً ما، ويتفقون على أن مهدي الأمة من نسل فاطمة (عليها السلام) سيحكم العالم يوماً ما بلا منازع، وسيكون سبباً في حكم الصالحين للأرض إلى يوم القيامة، ويعتبرون ذلك من ضروريات القرآن والحديث. كما أنهم متفقون على أن ذلك الحاكم الإلهي من نسل الرسول الكريم لن يخطئ في أحكام الإسلام قيد أنملة، وما سيحدث في عهد حكومته وخلفائه سيكون كله على أساس أحكام الله لا غير. بناءً على هذا التصور، فإن إثبات كيفية تعامل القائم مع الكفار هو بحد ذاته دليل مهم على إجبارية قبول الإسلام أو حرية الدين. في هذا المجال، وردت روايات عن طريق أهل البيت، أشرنا إلى بعضها في الأقسام السابقة، لذا سنشير في هذا القسم إلى آيات القرآن بشكل أكبر: ١. «إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة…» (آل عمران: ٥٥). أورد العلامة الطباطبائي (ره) في تفسير الآية أن الآية الشريفة تخبر بأن اليهود سيبقون إلى يوم القيامة تحت سلطة الذين يرون لزوم اتباع عيسى. يُفهم من هذا البيان بوضوح أن اليهود سيوجدون إلى يوم القيامة، وهذا لا يتحقق إلا بحرية الدين في ظل تلك الحاكمية. على الرغم من أنه يمكن استنتاج وجود النصارى إلى يوم القيامة من هذه الآية أيضاً، إلا أنه نظراً لاختلاف تفاسير المفسرين، ومن جهة أخرى، مع تحقيق المطلوب وهو إثبات وجود اليهود وسائر أصناف الكفار إلى القيامة، لا حاجة لإثبات هذا المعنى. ٢. «قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم…» (المائدة: ٦٨). في الآية المذكورة، يدعو الله أهل الكتاب إلى إقامة حدود الله في كتبهم، ومن البديهي أنه بدون الوصول إلى الكتاب الأصلي، لا يمكن امتثال هذه الدعوة. لذا، تُستفاد من هذه الآية نقاط: أ) إذا قلنا إنه في زمن حكومة الإمام المهدي لن يكون لليهود والنصارى وجود خارجي، فإن هذه الآية ومئات الآيات الأخرى التي تخاطبهم ستصبح منتهية الصلاحية، وينتهي عمر فائدتها، والحق أنه لا توجد مثل هذه الآيات في القرآن. ب) بالنظر إلى أن جميع الكتب السماوية محفوظة عند الإمام المهدي، فإن الإمام سيعطيهم هذه الكتب، وكما ورد في الروايات، سيقضي بينهم بكتابهم. في هذه الحال، يصبح امتثال الآية المذكورة ممكناً لليهود والنصارى، ولن تكون لهم قيمة عند الله بدون تطبيق الأحكام الإلهية. ج) المفهوم المخالف للآية هو أن أهل الكتاب في حال تطبيقهم للأحكام الحقيقية لدينهم سيكون لهم محل من الإعراب عند الله؛ وإن كانوا لن يصلوا إلى مرحلة النجاة الأخروية بدون قبول الإسلام. ٣. «وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب…» (الأعراف: ١٦٧). في هذه الآية، يُبيّن بوضوح أن الديانة اليهودية ستبقى إلى يوم القيامة، وأن سنة الله فيهم هي أن يسلط عليهم دائماً من يؤذيهم. ٤. آيات أخرى كثيرة في القرآن تخاطب أهل الكتاب، مثل: «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه…» (المائدة: ٤٧) و «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله…» (آل عمران: ٦٤)، وكذلك الآيات التي تخاطب الكفار وتنهاهم عن الاستمرار في الكفر والفسق. إذا قلنا إنه في عصر الإمام المهدي لن يوجد أي غير مسلم، فإن كل هذه الآيات ستكون بلا مخاطب، وبالتالي سينتهي عهد الانتفاع بها؛ في حين أن القرآن الكريم، طبقاً لروايات كثيرة، سيبقى جديداً وجارياً كجريان الشمس والقمر إلى يوم القيامة، وآياته لن تخرج عن دائرة الاعتبار والانتفاع. ٥. السنن الإلهية القائمة على اختيار الناس في الإيمان، والتي تتجلى في جميع أنحاء القرآن. ليس من المقرر أن تتغير هذه السنن، ومنها سنة امتحان بني آدم واختيارهم للطريق، بحلول حاكمية الصالحين؛ تماماً كما أن حدود الله في زمن الإمام لن تتغير أو تُلغى، بل ستُنفذ، ومن الطبيعي أنه طالما لا يوجد مخالفة، لن يُنفذ حد، وطالما لا يوجد اختيار وامتحان، لن يكون للمخالفة معنى. يطرح هنا إشكال وهو أن فقهاء الشيعة في تقسيمهم لأنواع الجهاد، ذكروا منها الجهاد الابتدائي، وهو أن يقوم حاكم المسلمين (الإمام المعصوم) في زمن حكومته بالجهاد لنشر الإسلام وتوسيعه دون أن يكون الكفار قد بدأوا بحرب مع الإسلام. وبهذا التفصيل، يعود الإشكال إلى محله الأول. الجواب على هذا الإشكال يُبيّن في عدة أقسام. مستند هذا الادعاء إما كتاب الله أو الروايات والسيرة النبوية والعلوية، وليس أي منها مساعداً على هذا المعنى. أ) القرآن: ما ذُكر في المباحث السابقة في هذه المقالة حول بقاء الأديان السماوية بناءً على الشواهد القرآنية هو أفضل دليل على رد الادعاء المذكور؛ سواء الآيات التي تجيز استمرار أهل الكتاب على دينهم بشرط دفع الجزية، أو الآيات التي تشهد بوجود أهل الكتاب خارجياً إلى يوم القيامة. والآيات المتعلقة بحاكمية الإسلام لا تشهد ولا تنظر إلى أكثر من حاكمية الصالحين وعالمية الإسلام وغلبته على سائر الأديان في أرجاء المعمورة. وإثبات الادعاء المذكور بآيات القرآن غير ممكن، لأن ما يوجد في القرآن من أدلة على رده أكثر مما يمكن إيجاده لإثباته. ب) الروايات: حتى الروايات التي تُطرح كشاهد على الجهاد الابتدائي هي نفسها شاهد على اختيار أهل الكتاب في التدين بدينهم؛ مثل الرواية الآتية من كتاب الجهاد في وسائل الشيعة، التي وإن كانت تُعتبر أشد رواية في هذا الباب ومستنداً للجهاد الابتدائي، فقد جاء في ذيلها: «…فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم…». الرواية المذكورة، التي لها أقوى ظهور في مسألة الجهاد الابتدائي من قبل النبي والمعصوم، تُعتبر رواية ضعيفة، وأغلب طرقها تصل إلى القاسم بن محمد وهو شخص ضعيف. من هنا، فإن الرواية المذكورة لا تتوفر فيها شروط الصحة وتُعد من الضعاف، ولا يمكنها مقاومة ما بُيّن من القرآن والسنة، إضافة إلى أن ممارسة القوة في متن الرواية مطروحة فقط ضد وجود الشرك، وهو ما لم نختلف معه في هذا القول، والجهاد مع أهل الكتاب في هذا الحديث ليس على الدين، بل على عدم استسلامهم، وإذا دفعوا الجزية واستسلموا، تنتهي الحرب، ويكون لهم حق الاستمرار في التدين بشروط خاصة، وهذه الحقيقة وردت أيضاً في الآية ٢٩ من سورة التوبة. ذلك أن الآية لم تجعل غاية انتهاء الحرب مع أهل الكتاب المحاربين هو قبول الإسلام، بل حددت دفع الجزية عن يد وهم صاغرون. وبناءً عليه، فإن الرواية المذكورة متناً وسنداً لا تُعتبر معارضة لما بُيّن. وعليه، فإن الجهاد الابتدائي يُطرح فقط في مواجهة فكر الشرك. ج) السنة: طريقة الرسول الكريم ﷺ في أوج قوته مع أصحاب الديانات السماوية الأخرى واضحة وشفافة جداً، وهي أفضل سند لإبطال هذا الادعاء بأن الإسلام يُجبر أتباع الديانات الأخرى على قبوله. وكذلك سيرة أصحاب النبي والخلفاء الذين عملوا بطريقة النبي في هذا الشأن، وخاصة سلوك أمير المؤمنين لم يكن إلا كذلك. وقد بُيّن أنه بناءً على الروايات المتعلقة بعصر الظهور، على التحقيق، فإن السيرة المهدوية ليست إلا كذلك. نعم، الجهاد الإنقاذي، بمعنى أن حكاماً ظالمين قد استعبدوا أمة وأخضعوها للظلم والأذى، وتدخل جيش الإسلام تحت زعامة الإمام العادل لإنقاذهم، هو أمر آخر لا علاقة له بفرض الدين. وهذه الحقيقة مؤكدة في القرآن الكريم أيضاً، حيث يقول: «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً» (النساء: ٧٥). مما بُيّن يمكن أن يُفهم أن الآيات والروايات التي تدل بشكل مطلق على وجوب جهاد الكفار، تُحمل على المقيد، أي جهاد المشركين؛ وإلا سيقع التعارض بين هذه الآيات والروايات، ومن البديهي أنه في حال التعارض بين المطلق والمقيد، يُرفع هذا التعارض بحمل المطلق على المقيد. مثل الآية الكريمة: «قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة» (التوبة: ١٢٣). ورواية «الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض… فأما أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله عز وجل وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار…». بملاحظة الروايات والآيات القطعية والسيرة القطعية والمسلمة النبوية والعلوية، يُعلم أن المراد بهؤلاء الكفار هم المشركون؛ كما أن سياق هذه الآيات نفسها وأجواء نزولها شاهد آخر على هذا المعنى، وهذه الآيات لا تدل أبداً على إجبار الكفار على قبول الإسلام.
الاستنتاج
إن أعداء الإسلام، الذين كانوا دائماً يتربصون الفرص لتشويه صورة الإسلام الجميلة وإظهارها بمظهر قبيح كريه (خاصة في العصر الحاضر حيث وجد الاستعمار الغربي أن الإسلام هو الخطر الأكبر على مصالحه وحاكميته الظالمة)، يبذلون جهوداً كبيرة لتخويف الناس من الإسلام. وفي هذه الفتنة، التي تطال أحياناً المسلمين أنفسهم، يقع على عاتق جميع أهل التحقيق والنظر أن يدافعوا عن هذا الحمى بسلاح البرهان والقول السديد والأدلة المحكمة. وأحياناً، فإن خطأ بعض المفسرين وشبه المفسرين في ترجمة وتفسير القرآن والروايات يصب الماء في طاحونة العدو (مثل ادعاء نسخ آيات نفي الإكراه بآيات السيف). في عصر توجه فيه الكثير من الناس في أوروبا وأمريكا وسائر أقطار العالم إلى حقانية وعظمة الإسلام، ويدخلون فيه أفواجاً، فإن أمضى سلاح للأعداء ضد الإسلام هو إظهار هذا الدين، دين الرأفة والرحمة، بمظهر عنيف. وإن إحدى الواجبات الثقيلة على أهل التحقيق هي الدفاع عن هذه الحقيقة، وقد أُنجز هذا البحث بهذا الهدف. من خلال التدقيق في آيات القرآن والروايات المعتبرة عن أهل البيت، يُفهم أن الإسلام لا يقول أبداً بإكراه الناس على قبوله، ولم يصدر أبداً حكم القتل أو الحبس على أحد لمجرد الكفر. آيات نفي الإكراه في الدين لم تُنسخ أبداً، وسيرة النبي الكريم ﷺ وأهل بيته، وخاصة أمير المؤمنين في حكومته، وكذلك الصحابة الذين رأوا سلوك النبي مع أتباع الديانات الأخرى، لم تكن أبداً على هذا المنوال. وما يُشاهد في بعض كتب التفسير هو مجرد استنباط وفهم شخصي لبعض المفسرين من ظواهر الآيات.
المصادر
- القرآن الكريم.
- نهج البلاغة.
- الآلوسي، محمود (١٤١٥هـ). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم. بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن العربي، محمد بن عبد الله (د.ت.). أحكام القرآن. (د.م.).
- أبو حيان الأندلسي (١٤٢٠هـ). البحر المحيط في التفسير. بيروت: دار الفكر.
- أمين، السيدة نصرت (١٣٦١هـ.ش). مخزن العرفان. طهران: نهضت زنان مسلمان.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن (١٤٠٩هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت.
- الزمخشري، محمود (١٤٠٧هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. بيروت: دار الكتاب العربي.
- صدر المتألهين، محمد (١٣٦٦هـ.ش). تفسير القرآن الكريم. قم: نشر بيدار.
- الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٤١٧هـ). تفسير الميزان. قم: جامعة مدرسين.
- الطبرسي، فضل بن حسن (١٣٧٧هـ.ش). جوامع الجامع. قم: جامعة طهران وإدارة الحوزة العلمية بقم.
- الطوسي، محمد بن حسن (١٣٧٣هـ.ش). رجال الطوسي. قم: جامعة مدرسين.
- قرائتي، محسن (١٣٨٣هـ.ش). تفسير نور. طهران: مؤسسة درسهايي از قرآن.
- الكاشاني، فتح الله (١٣٣٦هـ.ش). منهج الصادقين. طهران: كتابفروشي علمي.
- المجلسي، محمد باقر (١٤٠٣هـ). بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- مكارم، ناصر (١٣٧٤هـ.ش). تفسير نمونه. طهران: دار الكتب الإسلامية.